تسجيل الدخولتقدم يلسر بخطوات واثقة يتردد صداها في الردهة، طرق الباب ودلف ليقف أمام المدير بهيبته المعتادة.
رمقه المدير بنظرة ملؤها الضيق والتوتر، ثم هتف بنبرة حادة: "استمع إليّ جيداً يا يلسر.. لقد وافق الملك على شرطك، وهو الآن ينتظر منك البدء في تنفيذ المهمة في أسرع وقت ممكن!" اتسعت عينا يلسر بذهول تام، وتجمدت ملامحه للحظات وكأن صاعقة قد هبطت عليه، وصاح بنبرة لم تخلُ من عدم التصديق: "ماذا؟! هل تمزح معي؟ أوافق الملك حقاً على ذاك الشرط؟ يا إلهي.. ما الذي يحدث في هذا العالم؟ لا أستطيع استيعاب الأمر حقاً!" زفر المدير بملل وضيق وكأنه يود إنهاء هذا اللقاء بأي ثمن: "نعم يا عزيزي، عليك أن تُصدق الواقع وتتقبله. والآن، انصرف إلى عملك فوراً، فلدى كل منا مهام كثيرة يجب إنجازها." رمقه يلسر بنظرة أخيرة شابتها الحيرة والدهشة، ثم غادر الغرفة بخطوات متسارعة، وعقله يدور كالمحرك؛ فقد حان الوقت لإتمام تجهيزات المهمة الأغرب في تاريخه العسكري!!!!! ___^____^____^ في صباح يوم الخميس، خيّم ترقبٌ ثقيل على أرجاء دولة "رسلاي". احتشدت جموع الصحفيين أمام القصر الرئاسي، ينصبون كاميراتهم ويوجهون ميكروفوناتهم نحو المنصة، بانتظار الكلمة التي دعا إليها الرئيس. في تلك الأثناء، كانت ريحانة تجلس مع صديقاتها في منزلها، يحدقن جميعاً في شاشة التلفاز بوجوه واجمة، والشرر يتطاير من أعينهن وهن ينتظرن خطاب أصبح يُدعى "الرئيس الجبان". أمسك الرئيس الميكروفون بيد ترتجف، وبدأ حديثه الذي نُقل بثاً مباشراً لكل منزل : "ليصغِ كل مواطن في هذه الدولة لما سأقوله جيداً.. لقد انتشرت الأنباء بأنني عقدت صفقة بشأن دولة رسلاي وبعتُها لدولة أجنبية، والحقيقة أن ملك تلك الدولة قرر غزو أرضنا. لكنه عاد واتصل بي بالأمس ليخبرني بقرار جديد؛ سيحتلون الدولة دون إراقة دماء أو إشعال فتيل حرب. سأفتح لهم طريق الصحراء، وعليكم ألا تبدوا أي مقاومة، لأن المقاومة تعني دمارنا الشامل. لا تنسوا أن جيشهم يفوقنا عدداً وعدة بثلاثة أضعاف على الأقل. سيأخذون ما يريدون ويرحلون بسلام!" أنهى كلماته والخوف يتصبب من جبينه أمام الكاميرات، لكنه لم يكد ينهي خطابه حتى انفجر الشارع. خرج الرجال والنساء من بيوتهم كالسيل الهادر، وقد أعماهم الغضب عن كل خوف. اندلعت المظاهرات في كل زقاق، واهتزت أركان "رسلاي" بهتاف واحدٍ يزلزل الأرض، نشيد الكرامة الذي حفظوه ظهر قلب: "حرية.. حرية.. عدالة اجتماعية!" زحفت الحشود نحو القصر الجمهوري، والمفاجأة التي لم يحسب لها الرئيس حساباً كانت انضمام جنود الجيش إلى صفوف الشعب، رافضين خيانة أرضهم. بدأت الأحجار تُقذف على أسوار القصر كزخات المطر، والجميع يتساءل بمرارة: هل أنفق هذا الرجل مال الدولة بأكمله حتى غرق في الديون وباعنا للأجانب؟ مضت الساعات والاشتباكات تزداد حدة، وحين دقت الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل، والجموع لا تزال تصيح بأعلى أصواتها تحت الشرفات، خرج الرئيس بذعر وجبن، وصرخ فيهم من شرفته العالية: "أنتم تلقون بأنفسكم في الهلاك! بمقاومتكم هذه أنتم تعلنون الحرب عليهم، ونحن نعلم يقيناً من سيكون الغالب ومن سيُسحق تحت الأقدام! افهموا.. هم لن يبقوا هنا للأبد، هم يريدون شيئاً محدداً منا فحسب، وأنا نفسي لا أعلم ما هو حتى الآن!" ساد الصمت المكان، ولفَّ الوجوم الوجوه الثائرة؛ بدأ الجميع يتهامسون بوجل، يقلبون كلمات الرئيس في رؤوسهم ويبحثون عن مخرج من هذه الكارثة. وبعد مشاورات مريرة استمرت لأكثر من ساعة، خفتت فيها أصوات الاحتجاج وحلَّ محلها الانكسار، تقدم رجلٌ مسن، يجر أذيال الخيبة، وأردف بنبرة يملؤها الحزن والقهر: — "نحن موافقون.. طالما أنهم لن يبقوا هنا للأبد، وطالما أن احتلالهم لن يطول." كانت الكلمات تخرج منه وكأنها طعنات في قلب كل من حضر، فالموافقة على الاحتلال حتى وإن كان مؤقتاً هي أمرٌ لا تطيقه النفوس الحرة، ولكن الخوف من الدمار الشامل جعلهم يبتلعون هذا السم المر.!!!!! ^_____^________^______^ أما في مساء يوم الخميس، وقف بشموخه المعهود وثقته التي تهز الأركان، وأمامه الآلاف من جنود الجيش يصطفون في انضباط يملؤه الخوف والاحترام؛ فمن ذا الذي لا يعرف قائد القوات الأجنبية بأكملها، القائد "تيم يلسر"؟ نطق بحدة وصوتٍ جهوري اخترق الصمت: "بالطبع تعلمون جميعاً لماذا أنتم هنا!" أجابوا بصوت واحد زلزل الأرض: "نعم سيدي!" رمقهم "يلسر" بنظرة فخر، وأردف قائلاً: "إذن، أود إخباركم أننا بصدد احتلال دولة عربية، ولكن.. دون نشوب حرب، هل هذا مفهوم؟" ساد الذهول الوجوه، وعلت الهمسات المندهشة بين الصفوف؛ احتلال دون حرب؟ كيف يعقل هذا؟ لكن صرخة "يلسر" الحادة قطعت تساؤلاتهم: "قلتُ.. هل هذا مفهوووم؟!" اعتدلوا في وقفتهم بخوفٍ واحترام، وهتفوا معاً: "حسناً سيدي.. مفهوم!" تابع "يلسر" بنبرة حازمة لا تقبل النقاش، وبثقة القائد الخبير: "أصغوا إليّ جيداً.. عددنا ستون ألف جندي، وبالتأكيد تستغربون هذا العدد الذي قد يبدو قليلاً لمهمة غزو، لكن الدولة التي سنحتلها صغيرة جداً مقارنةً بقوتنا. وسنطبق عليها الحصار من كل جانب. ستقوم 300 ناقلة جنود ضخمة بنقلكم، تساندها أسراب من الطائرات المقاتلة لتأمين الأجواء. كل ناقلة ستستوعب 200 جندي بكامل عتادهم.. هل الأمر واضح؟" رددوا بقوة: "نعم سيدي، واضح!" "لا تنسوا، سنصل هناك صبيحة يوم الثلاثاء ، تمام الساعة الثامنة صباحاً.. هيا، انطلقوا!" ^_________^_________^______^ في صباح يوم الثلاثاء، شقّت أسراب الطائرات سكون صحراء "رسلاي"، وهبطت كناقلات عملاقة تنفث الغبار والقوة. ترجل يلسر منها بخطوات مدروسة، يرتدي زيه العسكري المهيب الذي يعكس رتبته الرفيعة، وتقدم نحو رئيس الدولة. رمقه بنظرة سخرية لاذعة من خلف نظاراته الشمسية، نظرة تحمل كل معاني الاحتقار لرجل يفرط في تراب وطنه بهذا الشكل، وسأل ببرود: "هل كل شيء جاهز هنا؟" أجاب الرئيس بنبرة يرتجف لها بدنه، متحدثاً بنفس لغة القائد: "نعم.. نعم سيدي، كل شيء تحت تصرفكم." نظر له باشمئزاز ثم هز يلسر رأسه برضا بارد، واستدار نحو جيشه وصاح بنبرة آمرة زلزلت المكان: "افعلوا ما أمرتكم به وما اتفقنا عليه.. هل فُهمت التعليمات؟" أتاه الرد كقصف الرعد من ستين ألف جندي: "نعم سيدي، فُهمت!" " إذن هيااا انطلقوا ! " بدأ الجنود بالانتشار في أرجاء "رسلاي" كالنمل المنظم، وبدا التباين واضحاً؛ فالدولة صغيرة جداً لا تتجاوز محافظاتها العشر محافظات وعشرون من القرى . وقبل أن تقتحم القوات البيوت، فوجئوا بمشهدٍ لم يحسبوا له حساباً؛ كانت كل عائلة تقف صفاً واحداً أمام عتبة منزلها، كدروع بشرية صامتة تحمي حرمة بيوتها. توقف الجنود باستغراب أمام هذا الصمود الهادئ، وصدرت الأوامر بتجميع الأهالي؛ فتم حشد سكان كل قرية في ساحة واسعة، بينما وُزع سكان المحافظات الكبيرة على عدة ميادين نظراً لضيق المساحة. وسط تلك الحشود، كانت ريحانة تجلس مع صديقاتها في الساحة المخصصة لهن، تتبادل معهن نظرات القهر والحزن المريرة، يشاهدن بلادهن وهي تُسلب منهن أمام أعينهن. وفجأة، تقدم الضابط المسؤول عن منطقتهن، كان يرتدي سماعة ترجمة فورية متطورة، وهتف بحدة آلية: "ستظلون هنا دون حراك.. ابقوا في أماكنكم حتى ينهي قائدنا تفتيش باقي المناطق ويأتي إلى هنا بنفسه."نظر إليها يلسر بعشق جارف طغى على نظراته الزرقاء، وارتجف قلبه وهو يتأمل عينيها، لينطق أخيراً بالشعر الذي طالما ردده في نفسه، ولكن هذه المرة بصوت مسموع، وعشق متدفق يخرج مع كل حرف: حُورِيَّةٌ عَرَبِيَّةٌ فِي حُسْنِهَا .. دُرَرُ الجَمَالِ الفَاتِنِ العَدْنَانِي سَمْرَاءُ تَقْتُلُ حُسْنَ كُلِّ صَبِيَّةٍ .. أَخَّاذَةٌ عَسَلِيَّةُ العَيْنَانِ تسمرت ريحانة في مكانها، ونظرت إليه بخجل شديد تملّك من كيانها إثر كلماته الساحرة ووصفه إياها بالحورية. ابتسمت بارتباك، ووضعت كفيها على صدره العريض محاولةً دفعه برقة علّه يبتعد، وهتفت بتلعثم وتوتر: — "يلسر.. ابتعد عني." رد عليها بنبرة تفيض شغفاً: — "لن أبتعد." في تلك اللحظة، ترقرقت الدموع في عيني ريحانة؛ وشعرت بقسم داخلي يهز أركانها بأن كل الحصون والأسوار التي بنتها حول قلبها أوشكت أن تسقط وتنهار تماماً! لا، لا يمكنها أن تضعف وتحب رجلاً أجنبياً ليس حتى من موطنها.. لا يمكنها الوقوع في شباكه، وشعرت في هذه الثواني أنها ستموت حقاً من فرط الخجل والعجز. نظرت إليه بأعين دامعة لامعة مستسلمة: — "أرجوك يا يلسر.. ابتعد عني." لمح يلسر دموع
استدار يلسر نحوها، ونظر إليها بسخرية لاذعة وعينين يشتعل فيهما الغضب المكتوم:— "حقاً؟! ألا تعرفين السبب؟ لماذا لا أتحدث معكِ؟! يا لبرودكِ أيتها الفتاة! أنتِ تعرفين جيداً ما فعلتِهِ في الحفلة، فلا داعي لأن أهدر أنفاسي لأذكركِ به!"فهمت ريحانة مقصده على الفور، وتذكرت ما حدث هناك، لكن كبرياءها منعها من التراجع. رفعت رأسها بشجاعة وتحدٍّ وقالت:— "أنت المخطئ في كل ما حدث هناك.. ولستُ أنا!"امتدت يده القوية مجدداً ليجذبها من ذراعها بقسوة، وضغط عليها بشدة وهو يردف بحدة بالغة، وقد ضغط على فكيه بقوة حتى كادت أسنانُه تتلامس :— "أنا المخطئ؟! هه.. يالسخرية! أنتنّ الفتيات تخطئن دائماً ثم تزعمن بكل برود أنكنّ لم تفعلن شيئاً! لو أنكِ سألتِني بهدوء: من هذه؟ وماذا تفعل هنا؟ ولماذا لم تخبرني بأمرها؟ لكنتُ أجبتكِ بكل هدوء وبساطة.. ولكنكِ تصرفتِ من رأسكِ بتهور واستهتار أعمى، ولم تهتمي أبداً للنتيجة! أنتِ المخطئة يا ريحانة.. ولستُ أنا!"غمرت الدموع عينيها من شدة الألم الذي سبّبته قبضته العنيفة، وهتفت بنبرة متوسلة:— "اترك ذراعي.. من فضلك!"أفلت ذراعها بدفعة قوية، ورمقها بنظرة مطولة عاتبة، تلومها على ك
انحنى الضابط باحترام رغم علامات الاستغراب التي ارتسمت على وجهه: — "حسناً، أُمرك أيها القائد." انطلق يلسر كالسهم راكضًا نحو القاعة الكبيرة، معتقدًا في قرارة نفسه أنها ربما تأخرت في الداخل أو ضلت طريقها في الممرات. مرّت ساعة كاملة وهو يفتش زوايا القاعة الفسيحة شبرًا بشبر، يصارع الأفكار السوداء التي تنهش عقله، دون أي جدوى. خارج القاعة، ألقى الضابط نظرة على ساعته، وعندما وجد أن يلسر قد تجاوز الوقت المحدد كثيرًا، أصدر أمره الصارم للجميع بالتحرك، وبدأت الشاحنات العسكرية الضخمة في المغادرة بالفعل. في هذه الأثناء، على الرصيف المقابل، كانت ريحانة غارقة في عالمها الخاص، تداعب الطفل الصغير وتناست تمامًا وسط ضحكاته أنها مجرد أسيرة يجب أن تكون رفقة بقية الفتيات الآن! خرج يلسر من القاعة والإنهاك يبدو عليه، ليتسمر في مكانه حين وجد الساحة خالية.. لقد غادرت الشاحنات! أغلق عينيه بحزن ويأس خانق، وفي اللحظة ذاتها التي فتح فيها عينيه، كانت هناك شاحنة نقل تجارية ضخمة تمر من الجانب الآخر للطريق، ومع تحركها.. ظهرت ريحانة خلفها بوضوح ! جمد يلسر في مكانه بصدمة عنيفة شلّت أطرافه، حتى أنه تراجع خطوة
في تلك الليلة، عاد يلسر إلى منزله والإنهاك ينهش كل أنشيلّة من جسده جراء التفكير المستمر. استحم بالماء الدافئ لعله يخفف من وطأة الضغوط، ثم استلقى على الفراش وعيناه تحدقان في السقف، بينما عقله يغلي بأسئلة مصيرية ومقلقة لا يعرف لها إجابة: "كيف سأعلن الحرب على الملك؟! وكيف سأنتصر عليه؟! وكيف سأُعيد الفتيات؟! بالتأكيد لن يوافق أحد من القادة أو الجنود على الوقوف ضد الملك.. سأُعتبر خائناً!" جذب شعره بغضب وإحباط من تلك الأفكار العاصفة التي تكاد تفلق رأسه.. ساد الصمت للحظات لم يُسمع فيها سوى أنفاسه المضطربة، وفجأة، انتفض من على الفراش وعيناه تلتمعان بسعادة مباغتة، وترتسم ابتسامة مـاكرة وباردة على ثغره وهو يتمتم: — "نعم.. وجدتها!" لم يضيع ثانية واحدة، فأمسك بهاتفه وضغط على الأرقام ليتصل بضابط موثوق يعمل تحت إمرته.أتاه الرد، فأردف يلسر بنبرة جادة وصارمة: — "مرحباً، الضابط أندرو." أجابه أندرو بوقار عسكري: — "مرحباً بك قائد يلسر، هل هناك خطب ما؟" رد عليه يلسر بجدية حاسمة: — "هل أنت من ستقود شاحنات النقل صباحاً إلى دولة 'رسلاي' مرة أخرى، صحيح؟" تعجب أندرو من السؤال، فالمخطط كان معرو
عند الملك...دخل إلى الغرفة بخطواتٍ هادئة تحمل هيبةً مخيفة، بينما وقف الحراس خلفه بصمتٍ تام وما إن وقعت عيناه على الفتيات حتى ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة جانبية ماكرة.كانت الفتيات متجمّعات بجانب بعضهن، يضممن أنفسهن بخوفٍ واضح، بينما ارتجفت بعض الأيدي من شدّة التوتر.أمّا هو، فكان ينظر إليهن وكأنه يستمتع بذلك الخوف المرتسم فوق وجوههن ثم قال بصوتٍ هادئ أثار الرعب داخل قلوبهن أكثر:"أهلًا... أهلًا بكنّ في قصري ودولتي أيتها الفتيات الجميلات."واقترب منهن ببطء، قبل أن يجلس على إحدى ركبتيه أمامهن، ثم قال وهو يتأمل وجوههن بمكر:"حقًا....حقاَ..... أنتنّ جميلات للغاية."لتردف إحدى الفتيات بصوتٍ مرتجف من الخوف:"نحن... نريد المغادرة من هنا "عقد حاجبيه بعدم فهم، ليشير بيده ببرود وخلال ثوانٍ، اقترب مساعده وأعطاه سماعة الترجمة وارتداها ببطء، ثم نظر إلى الفتاة مجددًا بابتسامة خبيثة:"هيا... أعيدي ما قلتِ يا جميلة " ابتلعت الفتاة ريقها بتوتر، لكنها تمسكت بشجاعتها وقالت:"قلتُ إننا نريد الرحيل، ولن نبقى هنا."ثم أكملت بغضبٍ خائف:"وأنتم بذلك خالفتم العهد."هزّ رأسه نافيًا، بينما ارتسمت فوق شفتيه ابتس
تخرج ريحانة من القاعة بسرعة، بينما كانت دموعها تنهمر فوق وجنتيها دون توقف. شعرت أن كلمات يلسر ما تزال تتردد داخل رأسها بقسوة، وكأنها سهامٌ تخترق قلبها مرارًا. كانت تتنفس بصعوبة، بينما الألم داخل صدرها يزداد أكثر فأكثر، حتى شعرت وكأن قلبها لم يعد قادرًا على التحمّل. خرجت إلى الشارع الخارجي للحفل، ثم جلست فوق الرصيف ببطء، وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها...بدت تائهة تمامًا...لا تسمع شيئًا حولها، ولا تشعر بمن يمرّ بجانبها. فقط أفكارها المؤلمة كانت تلتهمها من الداخل. كيف وثقت به بهذه السرعة؟ وكيف سمحت لقلبها أن يقترب منه أصلًا؟ وضعت يدها فوق فمها تحاول كتم شهقاتها، لكن دموعها استمرت بالانهمار رغمًا عنها. وفجأة...شعرت بيدٍ دافئة تُوضع فوق كتفها. انتفض جسدها بفزع، ثم أبعدت اليد بسرعة ونهضت من مكانها بتوتر، لتجد سليم يقف أمامها. تغيّرت ملامحها فور رؤيته، وامتلأت عيناها بالنفور والغضب مسحت دموعها بسرعةٍ محاولة إخفاء ضعفها أمامه، ثم قالت بحدّة: "ماذا تريد يا سليم؟! ألا تستطيع تركي وشأني؟" ابتسم سليم ابتسامة خبيثة، بينما كانت عيناه تتفحصانها بطريقةٍ جعلتها تشعر بالاشمئزاز. ثم
"خطيبته...؟"ترددت الكلمة داخل عقل ريحانة مرارًا، وكأنها صدى مؤلم يضرب قلبها بلا رحمة.ماذا تعني هذه المرأة بكلامها؟هل هي خطيبته حقًا؟ولماذا... لماذا لم يخبرها؟بدأت الأفكار تتزاحم داخل رأسها بعنفٍ حتى شعرت أنها تكاد تختنق منها.هل كان يسخر منها طوال الوقت؟هل كان يستمتع برؤيتها تتعلق به بينما تو
ليتوقفا في منتصف القاعة بين الأزواج الذين يرقصون على أنغام الموسيقى الهادئة.وما إن انتبهت ريحانة إلى أنها ما تزال تمسك يده، حتى تركتها بسرعةٍ شديدة، وكأنها أفاقت فجأة على ما تفعله.اشتعل وجهها بحمرة خجلٍ قوية، بينما شعرت بحرارةٍ غريبة تنتشر في أنحاء جسدها كله.حتى قلبها كان يخفق بعنفٍ أربكها.حاول
لتتجه ريحانة نحو الخارج بخطواتٍ هادئة، بينما كانت الفتيات يسِرن خلفها في صفّين منتظمين؛ وفي الصفٌّ تتقدمه ريحانة بعدما أصرت جميع الفتيات على ذلك، وكأنهنّ رأين فيها القائدة التي أعادت إليهن شيئًا من الثقة وسط خوفهن، وصفٌّ آخر تتقدمه فتاةٌ أخرى. كانت دقات قلوبهن تتسارع كلما اقتربن من باب الحفل، وا
نظر بتمعن في عينيها المليئه بالقلق قائلاً بصوت أجش هادئ : " يلسر....اسمي يلسر " نطق بكلماته وكأنه يمنحها مفتاح روحه لأول مرة، جاعلاً من اسمه جسراً يربط بينهما بعيداً عن ألقاب القادة والجنود. استطردت ريحانة بنبرة يملؤها الرجاء وقالت بصدق: "أرجوك يلسر.. اجعلني أرى جُرحك، لا تهمله أكثر." تسمر ي