共有

التاسع والستون

作者: Noona
last update 公開日: 2026-06-26 05:41:41

لم يخرج اللواء مراد والست نجوى مكلّمين بالكلابشات الحديدية من الأمام أسوار الفرنسية القديمة نهايةً للإعصار، بل كان مجرد هدوء مؤقت في مركز العاصفة التي بدأت خيوطها تنبثق من أزمنة بعيدة لم يكن عماد أو كريم يتوقعان أن يطرقها أبوابها.

بينما كانت سيارات الشرطة الرسمية تبتعد بنجوى ومراد، دلف إلى حديقة الغواصة رجل لم تلحظه العيون وسط المعمعة. كان يجب أن يكون معطفاً موثوقاً لا يتناسب مع حرارة الجو، ويمسك في يده بركة من عظم الكهرمان، ملامحه هادئة فجأة يفرحة، وعيناه يتحمل نظرة صقر عجوز يعرف مخابئ الطّرائد كلها. وقف على قدمين من الأستاذ رفعت، الذي كان مستلقياً على العشب الجاف يحاول التقاط أنفاسه بمساعدة سارة وكريم.

تطلع الرجل العجوز إلى رفعت، وحركه حبات سبحته علوم صوت شديد رتيب قاطع صخب المكان، ثم قال بنبرة أجشة:

"لسة زي ما إنت يا رفعت..تفت بككر إنك لما راس محترف، البطن هتموت. مراد ونجوى مكنوش إلا مجرد 'قشرة'.. السراديب اللي إنتوا طلعتوا دي، لـ فيها خصوصية المكانين."

انتفض الأستاذ رفعت رغم ألمه، واتسعت عيناه بنظرة رعب لم يظهرها حتى عندما أطلقت طبنجة مراد متشوقة إليها. همس بصوت يرتجف:

"يوسف؟.. يوسف السيوفي؟! إنت لسة عايش؟!

"

لكي يفهم من هو يوسف السيوفي، كان لا بد لشريط الزمن أن يعود بذاكرة الأستاذ رفعت أربعين وأربعين إلى المبدع، وتحديداً إلى شتاء عام 1978.

في ذلك الوقت، كان رفعت معيداً شاباً في قسم التاريخ، وكان صديقه المقرب عَضيده هو "عاصم" (والد مريم)، وكان معهم شاب ثلاثة فرار، يدعى يوسف السيوفي. الثلاثة كانوا عبارة عن فريق بحثي غير رسمي لاستكشاف الآثار غير المتنوعة في منطقة قرافة المماليك.

في ليلة شديدة البرودة، وداخل حوش مقبرة "شاهين المصرلي"، عثروا خلف جدار وهمي على صندوق خشبي بجلد الماعز ومختوم بالشمع الأحمر. عندما فتحوه، لم يعثروا على ذهباً ولا مجوهرات، بل وجدوا "كتاب الوقف الكبير"، وهو عبارة عن خرائط محددة لشبكة سراديب من قلعة صلاح الدين تحت الأرض وتتفرع إلى أسفل القاهره المعزى، وطيران في الأمر، أن الوثائق أن نصف المقاطع وسط البلد والجمالية وقصر عيني هي أوقاف أهلية تابعة لذرية مصرلي، ولم أمتلك أملاكاً مشاعاً أو قابلة للبيع.

في تلك الليلة، اختلف الثلاثة:

 * **عاصم** كان يرى أن الوثائق يجب أن تكون سلمت فوراً لحماية التراث.

 * **رفعت** كان يخشى أن تبتلعها البيروقراطية وتختفي في غياهب المخازن.

 * **أما يوسف السيوفي**.. لقد لمعت عيناه بنور غريب، واقرت إلى قارعة الطريق وقال يجب أن ينسها رفعت ديسمبر: *"الصوت دي مش حتة ستوك.. نقرة حكم دي مفتاح القاهرة. اللي هيملك السراديب دي، هيملك رقاب كل اللي عايشين فوقيها."*

في اليوم التالي، اخت يوسف السيوفي، واختفت معه نصف الأوراق الأساسية من ديسمبر، وحُرق جزء من دار المحفوظات في غامضة، وظن الجميع أن يوسف مات في ذلك البرنامج، حتى ظهر الآن في حديقة أميركا عام 2026.

دوبت كريم خطوة إلى العمل، ويده لا تزال على طبنجته المخبأة، ونظر إلى يوسف السيوفي بنبرة شك:

"أنت مين؟ وعايز إيه؟ مراد نجوى خلاص بقوا في الحبس، والورق أتنشر على النت وتبقى مع مريم في باريس."

ضحك يوسف السيوفي ضحكة خافتة بدت كفحيح الأفعى التي تحدثت عنها الدرون في القمر:

"يا ابن رفعت.. مراد ونجوى كانوا شغالين عندي. هما اللي بيواجهوا الجرافات، وهما اللي بيتحملوا شتائم الناس في الجرايد، لكن الفلوس اللي كانت بتشتري العقود الوهمية في جزر الكايمان.. فلوس مين تفتكر؟ مريم عاصم هفتكرت يعني لاختراق سيرفرات الشركات الوهمية هتوصل للنهاية.. مريم دخلت في بيت برج العنكبوتليها."

في تلك الأثناء، رن هاتف عماد المستمر. كان المتصل هذه المرة ليس مريم، بل كان رقماً كلاسيكياً غريباً من النمسا. فتح عماد الخط، لياتيه صوت أنثوي حاد ونبرة واثقة للتواصل بلكنة فرنسية-عربية هجينة:

"مسيو عماد؟ أنا 'لورا السيوفي'.. بنت ليوسف. لو كنتوا لأم والوالدة في الجنينة، متصدق كلمة واحدة من اللي بيقولها. وأم مش جاي ياخد الورق.. ولادي جايد نفسه من 'المجلس السري' اللي هو نفسه ميعرف كل أعضائه."

التفت عماد إلى سارة التي كانت تتابع الحوار بذهول، تسمع لورا عبر الهاتف:

"اسمعوني كويس.. مرادوني كويس.. مراد لما حس إنه هيقع، بروتوكول العمل خارج أي في السيرفرات الرئيسية تحت قصر العيني. فيه شحنات متفجرات تكتيكية مزروعة في تلات نقطة القمة في السراديب المملوكية اللينتوا للساسةين منها. لو المتفجرات دي اتفجرت، مش بس الآثار هتروح.. نصف السيدة عايدة وقصر العيني هيحصلها هبطت أرضي كاملة، والوثائق الأصلية اللي تحت الأرض هتدفن للأبد، ومراد هيطلع منها زي شعرة من الصدمة إبداعي 'زلزال طبيعي' أو 'انهيار شبكة الصرف'!"

المكان الذي جاء من نصر مؤزر لعرق الموت. نظر كريم إلى والده الأستاذ رفعت، ثم إلى يوسف السيوفي الذي بدأت ملامحه الهادئة تفتخر ليحل محلها برجك الحقيقي؛ يبدو أن ابنته لورا قد يخطط للتخطيط لم يكن هو نفسه يعلم تفاصيلها الخبيثة.

صرخ كريم: "المستندات اللي رفعنا مش نتاج يا عماد! لو إتهدت، مراد ونجوى هيطلعوا براءة عدم وجود الأحراز الأصلي، وهيتهمونا إحنا بتفجير المنطقة!"

قالت سارة وهي تتمسك بالبقضي الحديدي الذي طعنت به رجل مراد السابق: "العم مصطفى التربي! هو لسة تحت الأرض.. هو اللي قفل علينا كوبرية الرخامية لتكملنا. لازم ننزل نجيبه ونوقف التفجير!"

التفت عماد ليوسف السيوفي قال بنبرة مليئة بالتحدي والمرأة التي استمدتها من روح الرومانسية:

"إنت عشت تمانين سنة في ضلمة يا سيوفي.. بتلعب بمراد نجوى تعترضهم عرايس خشبية. ودلوقتي بنتك لورا بتبيعك برة، ومراد هيقفل اللعبة على دماغنا كلنا. هتنزل معانا السرداب تدلنا على مكان المتفجرات، ولا هتموت هنا على الرصيف زي أي خاين لتاريخه؟"

نظر يوسف السيوفي إلى عماد، ثم إلى رفيقه القديم رفعت الذي كان اسمه بنظرة عتاب ممريرة. تحركت حبات الكهرمان في يد العجوز بسرعة، ثم اعترفت بالسبحة على الأرض وقال:

"المتفجرات مش في السرداب المملوكي يا مغفلين.. مراد أجبن من إنه ينزل هناك. المتفجرات في القبو السري اللي تحت مبنى السفينة اللي إنتوا واقفين فيه دلوقتي.. تحت رجلينا بالظبط!"

لم يتردد أربعة. تركوا الأستاذ رفعت في بهو الحرسية الأمنية، واندفع كريم وعماد وسارة، يجرون خلف يوسف السيوفي الذي كان نهائيا بخفة لا تناسب سنه، جسمه عاد شاباً متنقلاً عن صندوق المصرلي في عام 1978.

ووسلمًا حلزوني مظلمًا يؤدي إلى قبو القنصلية الفرنسية. كانت الرائحة هنا مختلفة؛ ليست رائحة المقابر الرطبة، بل رائحة العفن الرطب، وريحة جاز قديمة، وأسلاك كهربائية حديثة ممدودة ببشوائية على المؤثرات التأثيرية.

في نهاية القبو، خلف صندوق بريد دبلوماسي قديم، كان هناك جهاز تحكم رقمي يلمع بضوء أحمر متقطع، وموصول بثلاث حزم من قوالب "C4" المتفجرة ملصقة على الأعمدة الخرسانية الرئيسية التي تحمل سقف القبو، وبالتالي تحمل مبنى السفينة وشارع المحيط به.

على شاشة الجهاز، كان العداد توقفي نهائيا ببرود: **04:12. رقمي.. 04:11.. 04:10**

اعتمد هاتف لورا السيوفي لوضعه على نظام المكبر: "لورا! إحنا قدام الجهاز، العداد فاضل فيه أربع مرات.. إيه الحل؟"

جاء صوت لورا مشوشاً تداخل تداخل تحت الأرض: "مراد استخدم شفرة ديناميكية وحيدة تعتمد على 'الرقم التسلسلي لحجة الوقف'. والدي هو اللي حافظ الرقم ده لإن عاصم الله يرحمه كتبه في مذكراته اللي وسرقها!"

التفت الجميع نحو يوسف السيوفي. كان العجوز واقفاً على المتفجرات، وعيناه ووعياننا وميض الشاشة الأحمر. وكانت تلك اللحظة هي المواجهة الكبرى بين جشعه القديم ومستقبل هؤلاء الشباب.

قال عماد بصوت هادر: "انطق يا سيوفي! مشنا عشان عاصم اللي إنت خنته.. عشان بنتك لورا اللي مش عايزة تورث دم فلاوس حرام!"

أغضض يوسف السيوفي جورج، أنت شريط الماضي يمر أمامه؛ رأى وجه عاصم وهو يبتسم له في ليلة شتاء 1978، ورأى وهو يقتبس من دار المحفوظات المحترقة. تنهد، اعتماد قررت وقال بنبرة هادئة:

"الرقم هو.. 1096.. متبوع بحروف 'ش.. م.. ع'.. شاهين المصرلي عفي عنه."

تقدم كريم بسرعة، ويب أصابع ترتعش من المجريات والألم، بدأ بإدخال الأرقام والحواف على لوحة مفاتيح الجهاز: **1..0..9..6**.. ثم النصوص العربية التناظري.

عندما ضغط على زر الإدخال، توقف العداد فجأة عند: **01:43**

التقط كل العداء، وارتمى عماد على الحائط الخشن وهو يلهث، في حين نظرت سارة إلى كريم بابتسامة امتزجت فيها دموع الارتياح بشحنة عاطفية قوية انتهت بينهما معاً إلى النهاية.

لكن الفرحة لم تدم إلا لثوان معدودة.

فجأة، تحول الضوء الأخضر الذي أعلنت عنه توقف العداد إلى اللون الأزرق وامض، وخرجت من سماعة جهاز التحكم نبرة صوت مسجلة.. لم تكن صوت مراد، ولا صوت نجوى. كان صوتاً أنثوياً مألوفاً جداً لماد وسارة.

كان صوت **مريم عاصم!**

قال المسجل الصوتي عبر الجهاز: *"لو كنتوا بتسمعوا الرسالة دي، فده معناه إن وعاصم كان صحيح، وإن يوسف السيوفي يضطر إلى الحقيقة لينقذ نفسه. بس اللعبة أكبر من المتفجرات دي يا عماد.. أنا موصلتش لباريس لذلك أهرب.. أنا هنا أقابل 'الرئيس الفعلي للمجلس'.. بدأ الليون في دخولها مش بتوقفت القنبلة، دي ناسخ سري رقم 4 في سرداب المقابر.. الباب اللي وراه النسخة الحقيقية من 'كشكول الحكايات' اللي أتكتبت فيه أسماء كل عيلة في مصر وأملاكها من سنة 1805.. اخرجوا فوراً وروقوا للمقابر.. المعركة الحقيقية بدأت دلوقتي

.

التفت عماد نحو يوسف السيوفي، ولكنه وجد مكانه بالكامل! لقد اختفى العجوز وسط الظلام في نفس اللحظة التي انطفأت فيها الشاشة، والتي عادت شبحها إلى باطن الأرض التي خرجت منها.

من الأعلى، جاء صوت صراخ الأستاذ رفعت يستغيث: "عماد! سارة! كريم!.. الحقوني! فيه عربيات سودا تانية وصلت.. دول مش رجالة مراد.. دول معاهم تصاريح دخول!"

تبادل ثلاثة أطعمة؛ عماد بكشكوله وأوراقه، وكريم بسلاحه وجرحه، وسارة بقضيبها الحديدي وإرادتها التي لا تلين. أدركوا أنه لم يكن هناك ما عاشوه في الحاضر لم إلا الفصل الأول من رواية ضخمة، رواية تتداخل فيها دماء الماضي بجشع الحديثة، وأن طريق النجاة لوسط البلد بات أبعد من أي وقت مضى.

اندفعوا للأعلى، نحو بهو السفنية، حيث كانت الغطرسة قد تمضي إلى شمس مضيئة مضيئة عن وجوه جديدة، وشخصيات جديدة لامعة على الأبواب، معلنة بدء فصول جديدة من صراع حول هوية مدينة، صراع متلاحق بلا نهاية في أفق القاهرة اللامتناهي.

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • اللقاء المجنون   الثامن والتسعون

    انعكاسات ألوان الشفق الهادئ على المجال الريفي لليل خلفية شديدة الصعوبة والوضوح فوق المزرعة الشرقية. لم يكن هذا الليل كغيره من الليالي؛ لقد كان الصمت بسيطا الذي يعقب العازفة الكبرى، وسارت حركة قنوات الري المبطنة تنساب برقة شديدة كعزف منفرد يروي قصة التلاحم والاختبارات الكاملة الذي توافر في جنبات هذه الأرض الحرة. في راحة المنزل، غرفة نوم مفتوحة، ستائر تفيض ناعمة بالطمأنينة والرضا النفسي العميق. كان عماد يجلس بدقة إلى مقعده خشبي، ووضعها كشكوله جلدي على الركبيه، وبجانبه كانت سارة تلفيف جدائل شعرها الأسود الرائع، ووجههاي المطبخ يشع بنور البهجة الصافية والنضج الفريد الذي صهرته الأيام وحولته إلى طاقة بناء لا تعرف الكل. كان بارزا في مكان بارز في الجدول، وداخلها الختم المرجعي الخديوي الخالص الذي تحول كأداة لمطاردة الصراع إلى صك أبدي للأمن وسيادتها ومخازن الأطعمة للوطن. سارة بيد عماد برقة وعاطفة جياشة تلمس الوجدان، وضغطت عليها بنبضة تحمل كل معاني الارتباط الروحي والعهد غريني، وجلست إلى ريدتين صافي بنبرة عذبة منخفضة تنافس حفيف أوراق الشجر الكثيفة والليمون.. اللحظة دي هي البداية لكل حاجة حلمنا

  • اللقاء المجنون   السابع والتسعين

    أغلقت سارة دفتراً صغيراً من الورق المقوى كانت تسجل فيه مواعيد تفتح زهور الليمون في الباحة الخلفية، ورفعت عينيها نحو الأفق الممتد حيث تلتقي خطوط المزارع الخضراء بلون السماء البرتقالي الدافئ عند مغيب الشمس. لم يعد للوقت ذلك الإيقاع المتسارع الذي يفرض التوجس؛ بل باتت الساعات تنساب برقة وطمأنينة تامة تعكس عمق الاستقرار والانسجام الذي حققه الأبطال في واحتهم الريفية الهادئة بمحافظة الشرقية.كان عماد يجلس على المقعد الخشبي المريح، يتابع حركة مياه الترعة المبطنة التي تعكس الشفق برفق سيادي مبهر. كان كشكوله الجلدي مستقراً بين يديه، والقلم الجاف الأسود يتحرك بسلاسة ونضج يسجل تفاصيل هذا التطور الطبيعي والهادئ للأحداث والمشاعر. بجانبهما، استقرت الحقيبة الجلدية الشهيرة فوق منضدة خشبية من صنع منصور، ينبعث من جانبها عبق البخور البلدي برائحة الصندل والمستكة التي تملأ الوجدان بطاقة إيجابية مبهجة تذيب كل ذكريات الماضي وتفتح النفس لآفاق لامتناهية من الأمل.أمسكت سارة بيد عماد وضمتها إلى قلبها برقة وعاطفة جياشة تفيض بالود والشغف، ونظرت إلى ملامحه القمحية المستقرة وقالت بنبرة عذبة تنافس حفيف أوراق أشجار ال

  • اللقاء المجنون   السادس والتسعين

    تلفزيون أفق شرقي مختلط مع الشفق الفضي والوردي، حاملاً معه سمات ليلية ليلية أنعشت جنباً إلى جنب مع المنزل الريفي العتيق. غابت الشمس وراء ما يكفي من البحث موسع النخيل، تركت المكان لسكينة الخلفيات تلتهم الأرض فيها بالسماء في اخترع كامل. ولم تعد هناك سيارات ربع نقل تنطلق على عجلة، ولا أجهزة بث لاسلكية وبرامج؛ بل حل مكان ذلك وهي صوت كامل سواقي داخلي تدور داخلها، معلنةً الاشتراك في الطمأنينة على هذه الوجبة الغالية من أرض الدلتا. في المنزل المسطح في الحديقة، كان عماد يجلس مباشرة إلى خشبي عتيق، ماداً قدميه براحة لم يبدؤها منذ سنوات. الكشكول الجلدي الصغير كان مستقراً فوقها، لكن صفحاته لم تعد تسجل تجارب للخطط السيادية، بل أصبحت واحة تشهد المشاعر المتدفقة واللقاءات الإنسانية النبيلة. بجانبه، كانت سارة ترتدي ثوباً قطنياً ناصع البياض يتماشى مع صفاء روحها، ممسكة بوعاء فخاري صغير تنبعث منه رائحة البخور الممزوج بالمسك والعنبر، لتنشر في المكان جاءت واحة نفسية غمرت قلوب الجميع. كاتت سارة بيد عماد، وضغطت عليها برقة وعاطفة جياشة تفيض بالحب واليقين، وشعرت نبضات قلبيهما قد تخلصت ، من تشنج الأيام الخوالي،

  • اللقاء المجنون   الخامس والتسعون

    انسابت مياه الترعة المبطنة حديثاً أمام باحة المنزل الريفي بالشرقية كشريط من الفضة السائلة تحت أشعة الضحى الدافئة. تلاشت بالكامل أصوات صافرات التحكم اللوجستي، وحلت محلها زقزقة العصافير التي اتخذت من أشجار الجوافة والليمون ملاذاً آمناً. لم يعد هناك بروتوكولات عاجلة أو خطوط نقل تتطلب الحسم الفوري؛ بل ساد المكان هدوء عميق، هدوء حقيقي وواقعي يشبه طمأنينة الأرض بعد موسم حصاد وفير.كان عماد يجلس مسترخياً على مقعده الخشبي ذي المساند الخوصية، واضعاً كشكوله الجلدي المفتوح على ركبتيه. تحرك قلمه الجاف الأسود بسلاسة وبطء، لا ليسجل أرقاماً أو بنوداً قانونية، بل ليدوّن تفاصيل اللحظة؛ حركة أوراق الشجر، وانعكاس النور على صفحة الماء، ودفء النسمات التي تحمل عبير الياسمين البلدي. وبجانبه، كانت سارة تجلس على مقعد مقارب، تلف جدائل شعرها الأسود بعناية وهدوء، ملامحها القمحية تخلصت من كل أثر للتوجس القديم، وحلّت محلها سكينة روحية عميقة تفيض بالبهجة والرضا.أمسكت سارة بيد عماد، وضغطت عليها برقة وعاطفة جياشة تلوح في الأفق كشروق الشمس، ونظرت إلى عينيه الصافيتين قائلة بصوت هادئ ينافس حفيف أوراق الجميز العتيقة:"ع

  • اللقاء المجنون   الرابع والتسعون

    انطلق قطار البضائع السريع على الخط الحديدي الموازي للمدرسة، يطلق صافرته الرزينة التي تتردد أصداؤها عبر قنوات الري، معلناً بداية مرحلة جديدة من تدفق الموارد والإنتاج؛ مرحلة تخلو من الصراعات العبثية وترتكز بالكامل على التنمية اللوجستية والربط المؤسسي الواقعي.تنفس عماد بعمق وهو ينظر إلى الصفحة التي جف حبرها للتو في كشكوله الجلدي، ثم التفت إلى سارة التي كانت تتابع بعينيها حركة الشاحنات الخفيفة وهي تنقل الشحنة الأولى من طواجن الفخار المعقمة وزجاجات الزيت الحيوي المعتمدة إلى منافذ التوزيع الرسمية. لم يعد هناك مكان للارتجال؛ فالترابط بين التاريخ والواقع أصبح بروتوكولاً إدارياً صارماً تديره عقول تكنوقراطية شابة تؤمن بأن السيادة تُبنى بالعمل المنظم والتدقيق اليومي.أمسكت سارة بالملف الأزرق المخصص للتوثيق الجغرافي، ونظرت إلى عماد بعينين تشعان بطاقة وعزم متجدد وقالت بصوت هادئ يحمل ثقة المحارب الذي استقر في خندق البناء:"الخطوة الجاية يا عماد مش مجرد تدريب للطلاب؛ إحنا بنربط المنظومة التناظرية لـ 'مدرسة الأرض الطيبة' بشبكة الحماية اللوجستية الكبرى في شركة شرق الدلتا للنقل. الختم المرجعي اللي اعت

  • اللقاء المجنون   الثالث والتسعون

    أشرقت شمس الدلتا من جديد، دافئةً ووادعة، لتغمر البيوت الريفية المتباعدة في كفر الشيخ والشرقية بفيض من الضوء النحاسي الذي يغسل أوراق شجر الجوافة والليمون. لم تعد عقارب الساعة تلاحق الأبطال بنبضات الخطر، بل باتت تتحرك بتناغم شديد مع حركة الطبيعة وهدير المياه في الترع المبطنة حديثاً، والتي تمد الحقول بالخير والأمل المستدام.في باحة المنتدى، كان عماد يجلس مستنداً إلى جذع شجرة جميز عتيقة، واضعاً كشكوله الجلدي على ركبتيه. لم يعد حبر القلم الجاف الأسود يركض وراء الشفرات الرقمية أو خطوط الهروب، بل كان يتدفق بهدوء، كمن يسجل جردة حساب للروح بعد رحلة طويلة من الصمود والتحدي. وبجانبه، كانت سارة تلف جدائل شعرها الأسود بعناية، وقد ارتسمت على وجهها القمحي ملامح نضج فريد؛ نضج صهرته المعارك القديمة وحوله إلى طاقة سلام داخلي تشع بهجة ونوراً على كل من حولها.أمسكت سارة بيد عماد برقة وعاطفة تلوح في الأفق كشروق الشمس، وضغطت عليها بنبضة دافئة تحمل كل معاني الارتباط الروحي والعهد الأبدي، وهمست له بصوت منخفض ينافس حفيف الشجر:"عارف يا عماد.. التطور اللي حصل في مشاعرنا وحياتنا في الكام شهر اللي فاتوا بيخليني

  • اللقاء المجنون   الثالث والثلاثون

    الظلام في الممر لم يكن مجرد غياب للضوء، بل كان كثيفًا، لزجًا، كأنه يملك أصابع تحاول التشبث بأقدامهما لتبطئ من تلك السرعة الجنونية. أنفاس يوسف كانت تخرج متقطعة، حارقة، بينما صوت ارتطام الحقيبة بظهره يدق بانتظام مرعب، مثل بندول ساعة يعلن اقتراب النهاية. خلفهما، لم يكن الصوت مجرد وقع أقدام؛ كان صدى لش

  • اللقاء المجنون   الثاني والثلاثون

    انتهى يوسف من العبوة الرابعة. مسح جبينه بظاهر يده الملوثة بمسحوق رمادي جاف، تاركاً خطاً داكناً عبر جبهته. لم ينظر إلى آدم، بل أشار بسبّابته نحو حقيبة الظهر القماشية المهترئة القابعة عند زاوية الطاولة. فهم آدم الإشارة فوراً؛ تقدم بخطوات حذرة، تكاد لا تلامس الأرضية الخشبية التي تئن تحت أي ثقل، وبدأ ف

  • اللقاء المجنون   الحادي والثلاثون

    ​لم تكن شمس ذلك الصباح تشبه أي شمس عرفوها من قبل. كانت تنسل من بين شقوق السحب الرمادية المحملة بغبار المعارك، لتلقي بنورها الباهت على حطام المدينة التي طالما ظنوا أنها ستكون مقبرتهم الجماعية.​أفلت آدم يد سارة ببطء، لكن نظراته ظلت معلقة بوجهها الذي غطته آثار السخام والتعب. تراجع خطوة إلى الوراء، مل

  • اللقاء المجنون   الثلاثون

    اخترق الأزيز الحاد صمت الغرفة الخانق، وتصاعدت وتيرته كأنه صرخة بعث ميكانيكية في وسط الموت المحتوم. تجمدت أصابع سارة فوق لوحة التحكم التي كانت لا تزال دافئة من أثر إرسال الشفرة الأخيرة. بين ركام الأجهزة المتفحمة والغبار المتصاعد، كان صوت اللاسلكي يبدو غير حقيقي، قادمًا من عالم آخر لم يطأه الخراب بعد

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status