เข้าสู่ระบบلم تستطع ليان النوم جيدًا تلك الليلة.
والسبب لم يكن ضغط العمل الجديد، ولا خوفها من ارتكاب الأخطاء…
بل تلك الابتسامة.
أو بالأحرى، الشيء الذي بدا قريبًا من الابتسام على وجه آسر الكيلاني.
كلما أغمضت عينيها، تذكرت ملامحه الجامدة ثم تلك اللحظة القصيرة التي تغيّر فيها شيء ما.
ثانية واحدة فقط.
لكنها كانت كافية لتربكها.
فتحت عينيها وهي تحدق بالسقف المظلم، ثم تمتمت بضيق:
"وأنا قاعدة بفكر في النوضوع ده ليه اصلا"
شدّت الغطاء فوق رأسها وهي تزفر.
بالتأكيد تخيلت الأمر.
شخص مثل آسر لا يبتسم.
على الأغلب كانت مجرد سخرية.
أو ربما الضوء خدعها.
ايوه… الموضوع كده منطقي اكتر .
أغمضت عينيها مجددًا محاولة النوم.
لكن آخر فكرة مرت بعقلها قبل أن تغفو كانت:
هو الراجل ده عنده حياه بره الشركة أصلا ؟
في صباح اليوم التالي…
وصلت ليان إلى الشركة قبل موعدها بخمس عشرة دقيقة.
وهذه المرة لم يكن السبب الحرص فقط…
بل الخوف.
الخوف من أن تقع بكارثة جديدة.
أو الأسوأ…
أن يمنحها آسر تلك النظرة الباردة التي تشعرها وكأنها أصغر من أن تُرى.
دخلت الردهة الرئيسية بخطوات أسرع قليلًا.
لكنها توقفت فجأة.
هناك تجمع صغير غير معتاد قرب المصاعد.
أصوات منخفضة.
همسات.
ووجوه متوترة.
عبست بخفة وهي تقترب من عمر الذي كان يحمل كوب قهوة.
"في ايه..ايه اللي حصل؟"
رفع نظره إليها.
ثم قال بصوت منخفض:
" فيه اجتماع مهم جدا النهاردة."
رمشت بعدم فهم.
"طب وفيها ايه يعني ؟"
أطلق ضحكة قصيرة.
"واضح أنكِ جديدة فعلًا."
اقترب قليلًا وأضاف:
"والد السيد آسر هيحضر."
اتسعت عيناها.
"أبوه ؟"
أومأ.
"رئيس الشركة السابق."
ثم أكمل بنبرة غريبة:
"ولما بيجي… الكل بيتوتر."
شعرت ليان بالفضول.
قبل أن تسأل أكثر، انفتح باب المصعد.
وخرج رجل في أواخر الخمسينات.
طويل القامة.
ملامحه صارمة.
يرتدي بدلة فاخرة ويحيط به اثنان من المساعدين.
كانت هيبته ثقيلة بطريقة مختلفة عن آسر.
أما آسر نفسه…
فكان يقف قرب باب مكتبه.
ملامحه جامدة كعادتها.
لكن ليان لاحظت شيئًا للمرة الأولى.
كتفاه كانتا أكثر تصلبًا.
وفكه مشدود قليلًا.
وكأنه يستعد لمعركة.
اقترب الرجل الأكبر منه.
ساد صمت غريب بالمكان.
ثم قال بصوت منخفض لكنه حاد:
" اتأخرت على الاجتماع الاخير ليه ؟."
رد آسر بهدوء:
"كان عندي شغل."
" الشغل مايبقاش قبل العيلة ."
شيء ما في الجملة جعل الجو أثقل.
لكن آسر لم يبدُ متأثرًا.
أجاب ببرود:
" عندنا اجتماع دلوقتي ، تقدر تناقش الموضوع ده بعدين ."
راقبتهما ليان بصمت.
وشعرت بشيء غير مريح.
لم يكن بينهما دفء الأب وابنه.
ولا حتى الاحترام الطبيعي.
بل بدا الأمر…
كصراع قديم.
انتهى المشهد سريعًا، ودخلا غرفة الاجتماعات.
أما هي، فظلت تحدق نحو الباب المغلق للحظات.
حتى قطع عمر شرودها:
"ما تبحلقيش كده كتير ."
التفتت نحوه.
ابتسم بخفة.
"الفضول خطر هنا."
مرّ نصف اليوم بسرعة وسط ضغط العمل.
أوراق.
ملفات.
مكالمات.
وملاحظات كثيرة دوّنتها ليان داخل دفترها الصغير.
حتى امتلأت صفحة كاملة بعنوان:
"أشياء تمنعني من خسارة الوظيفة."
ومن ضمنها:
١- لا تنسي الملفات. ٢- لا تتحدثي دون تفكير. ٣- لا تحدقي بالسيد آسر. ٤- لا تراقبي إن كان يبتسم أم لا.
توقفت عند النقطة الأخيرة.
ثم أغلقت الدفتر بسرعة.
وكأن أحدًا قد يقرأه.
"غريب أطوار."
تمتمت بها لنفسها.
وفجأة…
ظهر ظل أمام مكتبها.
رفعت رأسها سريعًا.
ثم تجمدت.
آسر.
مرة أخرى.
متى تعلم هذا الرجل الظهور دون صوت؟
قال ببرود:
"هل انتهى التقرير اللي طلبته؟"
وقفت بسرعة.
"تقريبًا."
رفع حاجبًا واحدًا.
"تقريبًا؟"
ابتلعت ريقها.
"هينتهي خلال عشر دقايق."
ظل صامتًا للحظة.
ثم قال:
"خمسه."
اتسعت عيناها.
"بس مش—"
"هو أنا قلت حاجةمش واضحة ؟"
عضت داخل خدها بضيق.
"لا."
راقبها لثانية إضافية.
ثم قال بهدوء غريب:
"ما تضغطيش على القلم بقوة كدة "
رمشت بعدم فهم.
تبع نظره…
لتكتشف أن أصابعها كانت تشد القلم بقوة من التوتر.
تركت يدها فورًا.
وشعرت بالإحراج.
كيف لاحظ ذلك أصلًا؟
لكن حين رفعت رأسها مجددًا…
كان قد غادر بالفعل.
بعد سبع دقائق كاملة…
كانت تقف أمام مكتبه تحمل التقرير.
طرقت الباب.
"ادخل."
اقتربت ومدّت الملف نحوه.
أخذه بصمت.
وبدأ يقرأ.
انتظرت.
ثانية.
ثانيتين.
ثلاث.
حتى بدأ التوتر يقتلها.
هل أخطأت؟
هل يوجد شيء ناقص؟
هل سيطردها؟
وفجأة قال:
"هو انتي بتكتبي الملاحظات يدويً."
رمشت بدهشة.
"ايوة."
رفع عينيه نحوها.
"ليه؟"
ترددت.
ثم أجابت بصراحة:
"بحفظ الأمور أسرع بالطريقة دي."
عاد ينظر إلى التقرير.
ثم قال بهدوء:
"قديم."
عبست تلقائيًا.
"مش قديم ولا حاجة."
رفع نظره مجددًا.
لاحظ تعبيرها.
وأضاف:
"إذن؟"
أجابت دون تفكير:
" أنا بس… بحب أكتب."
ساد الصمت للحظة.
ثم قال:
"الأشخاص اللي بيكتبو كتير … بيفكرو كتير ."
شعرت بالدهشة.
لم تعرف لماذا بدت الجملة شخصية أكثر من اللازم.
وقبل أن تسأل…
رن هاتف مكتبه.
تغيرت ملامحه فورًا.
عاد ذلك البرود الحاد.
أجاب:
"نعم."
صمت.
ثم أصبح فكه أكثر تصلبًا.
قال أخيرًا:
"قلت إني هأتعامل مع الموضوع ."
وأغلق الخط بعنف أكبر من المعتاد.
رفعت ليان عينيها نحوه بتردد.
لأول مرة…
بدا متعبًا.
لا غاضبًا.
متعبًا.
وكأن شيئًا يضغط عليه باستمرار.
شعرت برغبة غريبة في السؤال:
هل أنت بخير؟
لكنها ابتلعت الكلمات.
بالطبع لن تسأل.
هذا الرجل قد يجمدها بنظرة فقط.
أعاد التقرير إليها فجأة.
"عندك خطأ هنا."
اقتربت تلقائيًا لترى الصفحة.
ثم—
انزلقت الورقة من يدها.
وسقطت بقية الأوراق أرضًا.
ساد الصمت.
أغمضت ليان عينيها فورًا.
مستحيل.
مستحيل حدث هذا مجددًا.
همست بيأس:
"أنا بكره نفسي."
وللمرة الأولى…
سمعت صوتًا يشبه الضحكة الخافتة.
رفعت رأسها بسرعة.
لتجده ينظر بعيدًا قليلًا.
وكأن الصوت خرج منه رغمًا عنه.
اتسعت عيناها.
"هو… انت ضحكت؟"
تجمد للحظة.
ثم عاد وجهه باردًا فورًا.
"لمي الأوراق."
شهقت بخفة.
"يبقى عملتها فعلا !"
رفع نظره إليها مباشرة.
وكانت عيناه أغمق من المعتاد.
قال ببطء:
"ليان."
ابتلعت ريقها.
"نعم؟"
"أني بتتكلمي كتير ."
شعرت بالإحراج فورًا.
ثم انحنت تجمع الأوراق بسرعة.
لكن…
بينما كانت تلتقط آخر ورقة، لاحظت شيئًا على طرف المكتب.
صورة صغيرة.
باهتة قليلًا.
لطفل يقف قرب رجل.
توقفت لثانية.
لكن قبل أن ترى أكثر…
امتدت يد آسر وأدار الإطار للأسفل بسرعة.
تجمدت.
وحين رفعت رأسها…
كانت ملامحه مختلفة.
أكثر قسوة.
قال بصوت منخفض:
"ما تدخليس في حاجات مالكيش فيها ومش بتاعتك فهمتي ."
ارتبكت فورًا.
"أنا مش—"
"اطلعي ."
رفعت عينيها نحوه.
شعرت بالصدمة.
تلك أول مرة يبدو غاضبًا منها فعلًا.
خفضت رأسها بسرعة.
"آسفة."
ثم خرجت.
بقية اليوم…
كان غريبًا.
آسر أصبح أبرد من المعتاد.
ولم ينظر نحوها إلا للعمل.
أما ليان…
فظلت تتذكر تلك الصورة.
وذلك التغير المفاجئ في عينيه.
شيء ما هناك.
شيء لا يريد لأحد الاقتراب منه.
قبل نهاية الدوام بساعة…
دخلت امرأة إلى الطابق.
وفور ظهورها…
لاحظت ليان تغير نظرات الموظفين.
كانت جميلة بشكل لافت.
شعر داكن مرتب بعناية.
ملابس فاخرة.
وثقة تجعلها تسير وكأن المكان ملك لها.
توقفت قرب مكتب هناء.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
ثم قالت:
" آسر فين ؟"
حتى اسمه خرج من فمها وكأنه حق طبيعي.
أجابت هناء باحترام:
" جوه في مكتبه."
وقبل أن تدخل…
وقعت عيناها على ليان.
توقفت.
حدقت بها من رأسها حتى قدميها.
نظرة قصيرة فقط…
لكنها كانت كافية لتشعر ليان بشيء غير مريح.
ابتسمت المرأة.
ابتسامة جميلة.
لكن باردة.
ثم سألت:
"موظفة جديدة؟"
أومأت ليان بأدب.
"ايوة."
قالت المرأة بهدوء:
"أتمنى أنك تقدري تستمري هنا كتير ."
شيء ما في الجملة…
لم يكن لطيفًا.
ثم استدارت ودخلت مكتب آسر دون استئذان.
راقبتها ليان بصمت.
لتهمس هناء بعد لحظات:
"سيرين الألفي."
رفعت ليان حاجبيها.
"من؟"
تنهدت هناء بخفة.
ثم أجابت:
"شخصية احسن لكي ماتدخليش في طريقها او قدامها ."
انقبض قلب ليان قليلًا دون سبب مفهوم.
لأن شيئًا واحدًا بدا واضحًا جدًا منذ النظرة الأولى…
تلك المرأة لم تكن معتادة على خسارة ما تريد.
وأكثر ما أخافها…
أن نظرة سيرين الأخيرة نحوها لم تكن نظرة اهتمام عادي.
بل…
بدا وكأنها صنّفتها كخطر قبل أن تعرف اسمها حتى.
القادمون من الظلاللم يكن الذهول الذي ارتسم على وجه عاصم ذهول رجل فوجئ بوصول قوة جديدة فحسب، بل كان ذهول شخص ظن أنه أحكم إغلاق جميع المنافذ، ثم اكتشف فجأة أن هناك بابًا ظل مفتوحًا طوال الوقت دون أن يراه.توقفت السيارات السوداء أسفل الهضبة في صف واحد، ثم انطفأت محركاتها دفعة واحدة، ليخيّم صمت غريب فوق المكان، لم يقطعه سوى صوت الرياح التي كانت تعصف بالغبار والدخان المتصاعد من انفجار المجمع.تبادل رجال عاصم النظرات في ارتباك.أحدهم اقترب منه هامسًا:"باشا... نتصرف؟"لكن عاصم لم يجب.ظل يحدق في السيارات بعينين ضيقتين، وكأنه يحاول التأكد مما تراه عيناه.ثم خرج أول رجل.كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، يتبعه خمسة رجال آخرون بالهيئة نفسها.لم يحملوا أسلحة في أيديهم.لكن طريقتهم في السير وحدها كانت كافية لتجعل رجال عاصم يتراجعون خطوة دون شعور.راقبهم مراد باستغراب.وقال بصوت منخفض:"دول مش شرطة."أجابه سامر وهو يضيق عينيه:"ولا تبع عاصم."أما محمود...فكان يراقب وجوههم بدقة، قبل أن تتسع عيناه فجأة."أنا شوفت الشعار ده قبل كده."التفت الجميع إليه."فين؟"ابتلع ريقه."في ملفات مريم."ساد الصمت.رفع
لم يمنحهم الوقت فرصة لالتقاط أنفاسهم، فما إن انطفأت الشاشة التي ظهر عليها عاصم حتى عاد صوت الإنذار يعلو بصورة أكثر حدة، وبدأت الأضواء الحمراء تومض بسرعة جنونية، بينما اهتز الممر السري بأكمله اهتزازة قوية أجبرت الجميع على الاتكاء على الجدران الحجرية حتى لا يسقطوا.قال محمود وهو ينظر إلى الساعة الإلكترونية الصغيرة المثبتة على جهازه:"فضل أقل من دقيقتين... لو الممر ده انهار قبل ما نوصل للنهاية هنكون اتحبسنا جواه."أسرع مراد إلى مقدمة المجموعة وهو يسلط مصباحه أمامه."مفيش وقفة... الكل يتحرك."بدأوا يركضون داخل الممر الطويل، وكانت الجدران الرطبة تعكس أصوات خطواتهم المتسارعة، بينما تساقطت ذرات الغبار من السقف مع كل اهتزاز جديد.لكن آسر، رغم محاولته إخفاء الأمر، بدأ يفقد جزءًا كبيرًا من قوته.لاحظت ليان أن خطواته أصبحت أبطأ، وأن أنفاسه صارت أثقل بكثير.اقتربت منه دون أن يشعر الآخرون.قالت بصوت منخفض:"إيدك."نظر إليها باستغراب.فأمسكت كفه بقوة."مش هسيبك تمشي لوحدك."ابتسم رغم الإرهاق."أنا اللي المفروض أمسك إيدك."هزت رأسها بعناد."المرة دي دوري."شددت قبضتها حول يده، واستمرت في السير إلى ج
كانت أصابع ليان ترتجف وهي تفتح حقيبتها الصغيرة بعجلة، تبحث بين محتوياتها عن أي قطعة قماش نظيفة أو رباط طبي يمكنه أن يوقف النزيف الذي أخذ يزداد شيئًا بعد آخر، بينما كان آسر يراقبها بصمت، وقد أدرك من نظرة عينيها أنها لم تعد تسمع شيئًا مما يدور حولها، لا صفارات الإنذار، ولا اهتزاز الجدران، ولا حتى صرخات رفاقهم وهم يفتشون القاعة.قال محاولًا التخفيف عنها:"بصيلي..."لكنها لم ترفع رأسها.أخرجت لفافة شاش صغيرة كانت تحتفظ بها في حقيبتها، ثم انحنت أمامه دون تردد، وأزاحت بقايا القماش التي كانت تغطي الجرح.ما إن رأت الدم يتدفق مجددًا حتى شحب وجهها.همست وهي تكاد تختنق:"الجرح اتفتح تاني..."ابتسم ابتسامة باهتة."جرح صغير."رفعت رأسها إليه بعينين دامعتين."متقولش صغير... أنا شايفة قد إيه الدم."مد يده السليمة وربت برفق على رأسها."أنا لسه واقف."هزت رأسها بعناد وهي تضغط على الجرح بكلتا يديها."مش مهم واقف ولا لأ... مهم تفضل عايش."توقفت الكلمات على شفتيه.كانت هذه أول مرة يسمع منها خوفًا عليه بهذه الصراحة.ابتسم دون أن يشعر.بينما كانت هي تشد الضمادة بقوة أكبر حتى توقف النزيف قدر الإمكان.قال وه
انطلق صوت الإنذار الإلكتروني فجأة، حادًا وعنيفًا، حتى بدا وكأنه يمزق جدران المجمع السري من الداخل، فتردد صداه في الممرات الخرسانية الضيقة، واختلط بصوت احتكاك المعادن الضخمة وهي تتحرك في مكان ما خلف الجدران، بينما أضاءت المصابيح الحمراء أرجاء القاعة بضوء متقطع جعل المكان يبدو أقرب إلى كابوس حي منه إلى مبنى حقيقي.وفي اللحظة التالية مباشرة، أضاءت الشاشة العملاقة المثبتة في مقدمة القاعة، وظهر عليها عدّاد رقمي بدأ يتراجع بلا رحمة.04:59ساد الصمت لثانية واحدة فقط...ثم بدأت الأرض تهتز تحت أقدامهم.اهتزازة خفيفة في البداية، أعقبتها أخرى أشد منها، حتى تساقط الغبار من السقف، وارتجفت الأعمدة الخرسانية كأنها تشكو ثقل السنين.رفعت ليان رأسها نحو الشاشة، واتسعت عيناها بذهول.همست بصعوبة:"أربع دقايق... وتسعة وخمسين ثانية؟!"أجابها محمود، وصوته خرج متوترًا على غير عادته:"مش مجرد عداد... ده نظام التدمير الذاتي."ارتفع صوت صفارات الإنذار أكثر، حتى اضطر الجميع إلى رفع أصواتهم وهم يتحدثون.وفي تلك اللحظة، انفتح بث مباشر على إحدى الشاشات الصغيرة، ليظهر وجه عاصم بوضوح.كان يجلس في غرفة مضاءة بإضاءة ها
ارتفع الغبار الكثيف حتى حجب الرؤية تمامًا، ولم يبقَ في أذن ليان سوى صدى صرختها وهي تنادي باسم آسر، بينما كانت الحجارة تتساقط من السقف تباعًا، فأمسك بها سامر من ذراعها بقوة قبل أن تندفع نحو الانهيار.صرخت وهي تحاول الإفلات منه:"سيبني! آسر هناك!"قال بصوت حازم اختلط بالألم:"لو رجعتي دلوقتي هتموتي!"هزت رأسها بعنف والدموع تملأ عينيها."مش هسيبه!"لكن انفجارًا آخر دوّى داخل الممر، فاهتزت الأرض تحت أقدامهم، واضطر الجميع إلى التراجع عدة خطوات حتى لا يبتلعهم الركام.في الجهة الأخرى، كان آسر قد سقط على ركبة واحدة، بينما امتدت يده تلقائيًا إلى كتفه النازف، وشعر بحرارة الدم تسيل بين أصابعه، إلا أن الألم لم يكن أكثر ما يشغله.رفع رأسه بسرعة يبحث عنها."ليان!"لم يصله سوى صدى صوته.حاول الاقتراب من الركام، لكن مراد أمسكه من كتفه السليم بعنف."استنى! الممر هيقع كله!"دفعه آسر بعيدًا بعصبية."سيبني!"قال كريم وهو يسنده قبل أن يفقد توازنه:"إصابتك مش بسيطة، لو نزفت أكتر مش هتعرف تتحرك."أجاب من بين أسنانه:"مش هخرج من هنا من غيرها."في المقابل، كانت ليان لا تزال تحاول تجاوز سامر، حتى تدخل يوسف وعم
ساد الصمت داخل القاعة الحجرية حتى أصبح صوت أنفاسهم مسموعًا بوضوح، بينما بقيت ليان تحدق في شهادة الميلاد الموضوعة داخل الخزنة، ولم تستوعب عيناها ما تراه للوهلة الأولى، قبل أن يمد محمود يده بسرعة ويأخذها منها، ثم أغلق عينيه لثوانٍ كأنه يراجع شيئًا يعرفه منذ سنوات طويلة.قال آسر بحدة وهو يقترب منه:"في إيه؟"رفع محمود الورقة أمام الجميع وقال بهدوء:"مفيش تغيير في نسب ليان."قطبت ليان حاجبيها."يعني إيه؟"أخرج محمود شهادة أخرى كانت أسفل الأولى مباشرة، ثم وضع الاثنتين بجوار بعضهما فوق الطاولة المعدنية."دي شهادة الميلاد الأصلية... ودي نسخة مزورة اتعملت بعد وفاة مريم."ساد الصمت.نظر سامر إلى الشهادتين، ثم قال بصوت خافت:"هي كانت متوقعة يوصلوا للخزنة."أومأ محمود."علشان كده حطت النسخة المزورة فوق، والأصل تحتها."تنفست ليان ببطء، وشعرت أن الحمل الذي ضغط على صدرها للحظات بدأ يخف، لكنها ازدادت حيرة.قالت:"ليه تعمل كده؟"أجاب محمود وهو يقلب الصفحة التالية داخل الملف:"لأنها كانت عارفة إن أول حاجة هيدوروا عليها هي هويتك... ولو وقع الملف في إيد الشخص الغلط، هيبدأ يشك في كل حاجة ويضيع وقت وهو بي
"أحيانًا لا يخيف الإنسان أن يُجرح، بل يخيفه أن يجد مكانًا يشعر فيه بالراحة، لأنه يعرف أن خسارته لاحقًا ستؤلمه أكثر"خرجت ليان من مكتب آسر وهي تحمل الملف الجديد بين يديها، لكن عقلها لم يكن مع الأوراق أو المشروع أو حتى الضغط المتوقع، بل بقي عالقًا عند آخر جملة قالها، كأن الكلمات قررت الاستقرار داخلها
"بعض الجراح لا تلتئم حقًا، بل تتعلم كيف تختبئ… حتى يأتي شيء صغير ويعيد فتحها"وقفت ليان مكانها للحظة أطول مما يجب، بينما كانت الأضواء البيضاء القوية الممتدة فوق موقع البناء تنعكس فوق الأرض الترابية والحديد المكدس في الزوايا، وكانت أصوات العمال المتأخرة وآلات الحفر البعيدة تمتزج مع شيء آخر داخلها، ش
بقيت ليان تنظر إلى آسر بعد جملته الأخيرة لثوانٍ أطول مما ينبغي، بينما كان شيء ثقيل وغريب يتحرك داخل صدرها ببطء، شعور لا يشبه الراحة تمامًا ولا القلق تمامًا، بل شيئًا بينهما، شيئًا يجعل الإنسان يرغب في التراجع خطوة وفي الوقت نفسه يكره فكرة الابتعاد."وأي كلام يخصك من النوع ده… يوصلني."قالها بهدوء.
بقي أثر كلمات سيرين معها حتى بعد انتهاء الدوام."ناس كتير بتتلخبط بين الاهتمام والشفقة."جملة قصيرة، لكن وقعها كان مزعجًا بطريقة لم ترغب ليان في الاعتراف بها. ربما لأن جزءًا صغيرًا داخلها سأل السؤال نفسه للحظة، ثم غضب من نفسه فورًا.هل كان آسر يعاملها بشكل مختلف؟وإن كان… لماذا؟وهل هو اهتمام أصلًا







