Share

خادمة الملياردير البارد
خادمة الملياردير البارد
Author: خضراء القحطاني

1

last update publish date: 2026-06-27 18:30:56

المطر يغسل شوارع *نوفاريس*، لكنه عجز عن غسل عارها.

وقفت *ملك الفريد* أمام بوابة القصر الزجاجي الذي ابتلع والدها حياً. قصر "مجموعة الخالدي" يرتفع أمامها كوحش من فولاذ وزجاج، يعكس وجهها الشاحب وعينيها المتورمتين من البكاء في قلب *مملكة أزوريث*.

منذ ثلاث ساعات فقط، لفظ والدها أنفاسه الأخيرة في مشفى حكومي متهالك بأطراف نوفاريس. سكتة قلبية مفاجئة، قال الطبيب. لكن ملك تعرف الحقيقة... الديون قتلته.

ورقة مطوية بيدها ترتجف. فاتورة نهائية من بنك "الخالدي" بقيمة: *5,000,000 درهم أزوري*. خمسة ملايين. رقم لم تره مجتمعاً في حياتها كلها، فكيف تسدده ابنة مهندس شريف سقطت عائلته من القمة للقاع؟

"الآنسة ملك الفريد؟"

صوت حارس الأمن جاف كالمطر البارد.

"المدير التنفيذي في انتظارك. المهلة انتهت اليوم."

ابتلعت ريقها. اليوم. آخر يوم في المهلة التي منحها والدها قبل موته بأسبوع: "يا ابنتي، إن حدث لي مكروه، اذهبي لإيهاب الخالدي. هو الوحيد الذي سيصدقك... في أزوريث كلها."

دفعت الباب الزجاجي الثقيل. بهو الشركة فخم حدّ الإهانة. رخام أبيض مستورد من جبال "كريستاليا"، ثريات كريستال، وموظفون ببدلات سوداء ينظرون لها كحشرة ضلت طريقها إلى قصر ملوك أزوريث. بثوبها القطني البسيط وحذائها المهترئ، شعرت أنها وصمة عار تمشي على سجادهم الفاخر.

المصعد الزجاجي صعد بها للطابق الخمسين - الطابق الذي يطل على نوفاريس كلها.

_دينغ_

انفتح الباب على مكتب لا يشبه مكاتب البشر. جدران زجاجية تطل على أبراج نوفاريس المتلألئة تحت المطر، ومكتب من خشب "الأبنوس الأسود" النادر المستورد من غابات الجنوب. وخلفه...

جلس.

*إيهاب الخالدي*.

وريث عرش المال في مملكة أزوريث كلها. ثلاثون عاماً، لكن هيبته تجعل عمره مئة. قامته طويلة تفوق المتر والثمانين، كتفاه عريضتان تحت بذلة سوداء مفصلة على جسده. بشرته بيضاء صافية كرخام قصور "النبلاء البيض"، وعيناه...

عيناه خضراوان كعيني صقر "الذروة" النادر في جبال أزوريث. حدة تقطع، وبرود يجمّد الدم في العروق.

لم يرفع عينيه من الملف أمامه عندما دخلت. فقط أشار بسبابته للكرسي المقابل دون كلمة.

جلست ملك. صمت ثقيل خنقها.

أخيراً، أغلق الملف بحدة. الصوت دوى في المكتب كطلقة في ساحة "العدالة الملكية".

رفع عينيه الصقريتين إليها.

"ملك الفريد" نطق اسمها ببرود يفتقر لأي حرارة. "آخر فرد من عائلة الفريد. العائلة التي كانت تضاهي عائلتي قبل خمسة عشر عاماً... قبل أن يسرق والدك مشروع العمر ويهرب."

"والدي لم يسرق!" انفجرت رغم خوفها. "طردوه ظلماً من مجموعة الخالدي، ومات وهو يحمل براءة اختراعه في صدره!"

ارتسمت على شفتيه ابتسامة لا تصل لعينيه.

"في مملكة أزوريث، لا يصدق إلا الورق يا آنسة الفريد. والورق يقول إن والدك مدين لي بخمسة ملايين درهم. بفائدة قانون مملكة أزوريث، أصبحت سبعة ملايين."

رمى ملفاً سميكاً عبر المكتب.

فتحت الملف بيدين ترتجفان. أرقام. تواقيع. أختام شمع أحمر بشعار الصقر - شعار عائلة الخالدي.

"لديكِ خياران. حسب قانون الديون الملكي في أزوريث" قال وهو يدفع عقداً أسود أمامها.

"الأول: سجن النساء في قلعة "الجليد الشمالي". ومصادرة كل ما تملكين باسم تاج المملكة."

شحب وجهها.

"والثاني... أن توقعي هذا العقد."

العنوان: *"عقد خدمة شخصية - تابع لقصر الخالدي"*.

"توافق الطرف الثاني - ملك الفريد - على العمل كخادمة خاصة وسكرتيرة للطرف الأول - إيهاب الخالدي - لمدة ثلاث سنوات قمرية كاملة... مقابل تجميد الدين."

رمت القلم. وقفت والكرسي يصرخ خلفها.

"خادمة؟! في قصر الخالدي؟! أنا حفيدة من بنوا أول جسر معلق في نوفاريس!"

لم يغضب. فقط شبك أصابعه ونظر لها كقط ينظر لعصفور مكسور الجناح.

"أزوريث لا تذكر إلا الأقوياء يا ملك" قال وهو ينطق اسمها للمرة الأولى بدون لقب. "والضعيف... يصبح ملكاً لغيره."

تقدم منها حتى حبستها رائحة عطره - خشب الأرز الأزوري النادر. انحنى حتى صار وجهه بمحاذاة وجهها.

"اختاري. توقعي وتصبحين تحت حمايتي ثلاث سنوات... أو اخرجي من هذا الباب، ولن يحميكِ أحد في شوارع نوفاريس المظلمة بعد اليوم."

الصمت.

نظرت ملك لخاتم والدها الفضي البسيط في يدها. الخاتم المنقوش عليه شعار عائلتها: طائر الفينيق.

*الفينيق يحترق... ثم يولد من الرماد.*

أمسكت القلم الذهبي البارد. ووقّعت.

وقع القلم على الورق بصوت خافت... كصوت سلاسل تُقفل

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • خادمة الملياردير البارد    63

    بلدٌ لا يعرفُهم. لغةٌ مختلفة. وسماءٌ بلا اسمِ "نوفاريس".هبطتِ الطائرةُ في "فاليتا" عاصمةِ مالطا. بلدٌ صغيرٌ على البحر. لا سفاراتَ قويةً لـ _إيهاب_ فيه._تامر_ كانَ يمسكُ بيدِ _ملك_، و _نبض_ نائمٌ على كتفِه. ثلاثُ حقائبَ فقط. لا أموالَ كثيرة. لا حراس. لا اسم.استأجروا شقةً صغيرةً فوقَ مقهى قديم. الجدرانُ رطبة. والنافذةُ تطلُّ على ميناءٍ تصطدمُ بهِ الأمواج.في الليلةِ الأولى لم ينمِ أحد.*نبض*: "ماما... البيتُ القديمُ أحلى."*ملك*: ضمّتْهُ "سنبني بيتاً أحلى. بيدِنا."الأيامُ الأولى كانتْ حرباً.*المال*: حساباتُ _إيهاب_ كلُّها مجمدة. _تامر_ باعَ ساعتَهُ وسيارتَهُ القديمةَ ليكفيهم شهراً.*اللغة*: _ملك_ لم تكنْ تعرفُ الإنجليزيةَ جيداً. كانتْ تذهبُ للسوقِ وتشيرُ بيدِها وتُخطئُ في الحساب.*الخوف*: كلَّما دقَّ البابُ ارتجفتْ _ملك_. هل هي _ليلى_؟ هل وجدوهم؟*العمل*: _تامر_عملَ سائقَ توصيلٍ ليلاً. يعودُ الفجرَ منهكاً، ويداهُ ترتجفانِ من الجرحِ القديم.بعدَ أسبوعين وجدتْ _ملك_ عملاً في روضةِ أطفالٍ. تنظفُ وتساعدُ في الطبخ. الراتبُ قليلٌ جداً.ولكنَّها لأولِ مرةٍ منذُ سنواتٍ ضح

  • خادمة الملياردير البارد    62

    شهرٌ كاملٌ مرّ. قصرُ نوفاريس تحوّلَ إلى ساحةِ حربٍ صامتة._تامر_ لم يغادرْ المدينة. استأجرَ شقةً صغيرةً ترى سورَ القصرِ من بعيد. كلُّ يومٍ كانَ يحاول.مرةً أرسلَ ورداً مع سائقٍ. رفضَهُ _إيهاب_ عندَ البوابة. مرةً حاولَ مقابلةَ المحامي. أُغلقَ الملفُ بأمرٍ عليا. مرةً وقفَ لساعاتٍ أمامَ المدرسةِ التي سجلَ فيها _نبض_. رآهُ من بعيد. ركضَ إليه. لكنَّ رجالَ _إيهاب_ سبقوهُ وأخذوا الطفلَ للداخل.في الليلِ كانَ يكتبُ لها. رسائلَ لا تصل. "أنا لستُ بديلاً. أنا من اختارَكِ وأنتِ حرة. ارجعي متى شئتِ."كانَ يضعُها في ظرفٍ ويتركُها عندَ الحارس. وفي الصباحِ يجدُها محروقةً في سلةِ المهملاتِ عندَ البوابة.الألمُ في صدرِهِ تضاعف. ليسَ من الجرح. بل من العجز._إيهاب_ لم يتركْ ثغرة. ضاعفَ الحراسة. غيّرَ أرقامَ الهواتف. نقلَ _نبض_ لمدرسةٍ خاصةٍ داخلَ القصر.كانَ يتعمدُ الظهورَ أمامَ _ملك_ كلَّ صباح. يمسكُ يدَ _نبض_. يبتسمُ له. ثم ينظرُ إليها نظرةً تقول: "هذا ابني. وهذا بيتي."*إيهاب*: "العشاءُ الساعةَ الثامنة. العائلةُ تجتمع."_ملك_ كانتْ تنزل. تجلس. تأكلُ بصمت. لا ترد. لا تنظر.

  • خادمة الملياردير البارد    61

    الليل في مشفى خاص. الغرفةُ بيضاء وباردة. رائحةُ المطهرِ تملأُ المكان._تامر_ مستلقٍ على السرير. الضمادُ على صدرِه. لم ينم منذُ يومين. الهاتفُ بجانبه صامت. لا رسائل. لا أخبار. _ملك_ اختفت.كلما أغمضَ عينيهِ رأى وجهَها آخرَ مرة. كانت مرهقة. خائفة. والآن لا أثر.الألمُ في جرحِهِ تضاعف. ليس الجرحُ الجسدي. بل ذلك الفراغُ الذي تركتْهُ في صدرِه.الممرضةُ دخلتْ لتغيرَ لهُ المحلول. *تامر*: قطعَ عليها "اخرجي."خرجتْ بصمت.ظلَّ يفكر. يعيدُ الأحداثَ في رأسِه. من له مصلحةٌ في أخذِها؟ من يعرفُ مكانَها؟ من يراقبُها؟فجأة تذكر. ذلك الرجل. الطويل. المعطفُ الأسود. العينانِ الباردتان. الرجلُ الذي رآهُ من بعيدٍ يومَ كانت _ملك_ تخرجُ من الشركة.اسمهُ كان يُهمسُ في الأروقة. _إيهاب_. زوجُها السابق.قبضَ _تامر_ على ملاءةِ السرير حتى ابيضتْ أصابعُهُ. فهم. لم يكنْ خطفاً عشوائياً. كانَ استرداداً. وأكبرُ دليل: أن لا أحدَ يطلبُ فدية. ولا أحدَ يهدد.لقد أخذَها إلى بيتِهِ.في نفسِ التوقيت. مطارٌ خاص في نوفاريس. الضبابُ كثيف. الطائرةُ الخاصةُ تنتظر._رهف_ واقفةٌ عندَ السلم. أنيقة. تبتسمُ

  • خادمة الملياردير البارد    60

    اقتربَ منها خطوة. رائحتُهُ نفسُها... ولكنَّ البرودَ في عينيهِ يقتل.*إيهاب*: "ظننتُ أنكِ لن تعودي أبداً باختيارِكِ. فجعلتُكِ تعودينَ خوفاً. جعلتُكِ تبكينَ على ابنكِ. جعلتُكِ تثقينَ بي مرةً أخرى... حتى أدخلَكِ إلى هنا."*ملك*: تراجعتْ خطوة. يدُها على فمِها. *ملك*: "أنت... أنتَ كذبتَ عليّ؟ كلُّ الدموعِ؟ كلُّ الكلامِ في المستشفى؟ في إسطنبول؟"*إيهاب*: "كنتُ بحاجةٍ لسببٍ وجيهٍ لتأتي. ولو قلتُ لكِ تعالي بالقوةِ لهربتِ. ولكنْ عندما يتعلقُ الأمرُ بـ _نبض_... تأتينَ راكضة."*رهف*: من الخلفِ بصوتٍ منتصر "أحسنتَ يا إيهاب."*ملك*: شهقت. الدموعُ نزلتْ ولكنَّها هذهِ المرةَ كانتْ مختلفة. كانتْ دموعَ صدمةٍ لا حزن.*ملك*: "أنا وثقتُ بكَ. تركتُكَ تمسكُ يدي في المستشفى. تركتُكَ تلفُّ الوشاحَ على رقبتي. وأنتَ... كنتَ تخطُ لهذا؟"*إيهاب*: عيناهُ لا ترمش. *إيهاب*: "أنتِ زوجتي. وابني هنا. ومكانُكِ هنا. معي. سواءً رضيتِ أم لا."مدَّ يدَهُ ليمسكَ يدَها.سحبتْها بقوة.*ملك*: صوتُها خرجَ مبحوحاً "لا تلمسني."*إيهاب*: وجهُهُ تصلبَ أكثر "لديكِ خيارانِ يا _ملك_. تبقينَ هنا بهدوءٍ ك

  • خادمة الملياردير البارد    59

    الساعة 12:34 بعدَ منتصفِ الليل. غرفةُ فندقٍ صغيرةٍ في إسطنبول. المطرُ يضربُ الزجاج: *"طق... طق..."*_ملك_ نائمةٌ على الأريكةِ الصغيرة. غطّاها _إيهاب_ بمعطفِهِ قبلَ ساعة.*صوتُ أنفاسِها*: هادئٌ أخيراً بعدَ أيام. *صوتُ كوبِ الشايِ البارد*: على الطاولةِ بجانبِها._إيهاب_ جالسٌ على الأرضِ بجانبِها. ظهرُهُ مستندٌ إلى السرير. عيناهُ عليها. لم ينم.وفجأة...*صوتُ هاتفِهِ*: "ررنن... ررنن..." رقمٌ دولي. نوفاريس.تجمّدَ جسدُهُ. نظرَ إلى _ملك_. ما زالتْ نائمة.ردَّ بهدوءٍ وخرجَ إلى الشرفةِ المغلقة.*إيهاب*: بصوتٍ منخفض "من؟"*صوتٌ من الطرفِ الآخر*: ضعيفٌ، مبحوحٌ، يبكي *نبض*: "با... بابا؟"توقفَ قلبُ _إيهاب_.*إيهاب*: شهق "نبض؟ حبيبي؟ أنتَ بخير؟"*نبض*: صوتُهُ يرتجف "أنا... أنا خايف. المربيةُ نايمة. وأنا... أريدُ أمي."في الداخلِ تحركتْ _ملك_. كأنَّ اسمَها عبرَ المحيطَ ووصلَ إليها.فتحتْ عينيها فجأة. سمعتْ.*ملك*: قفزتْ من مكانِها. حافية. ركضتْ إلى الشرفة. *صوتُ قدميها*: "طب طب" على البلاطِ البارد.*ملك*: تمدُّ يدَها للهاتف "أعطني. أرجوكَ أعطني."_إيهاب_ ترددَ ثانيةً واح

  • خادمة الملياردير البارد    58

    الساعة 12:07 بعدَ منتصفِ الليل. مستشفى خاص - إسطنبول، تركيا. المطرُ يضربُ الزجاج: *"طق... طق... طق"*_ملك_ على السرير. المحلولُ يقطر: *"تقط... تقط"* وجهُها ما زالَ شاحباً من الإجهادِ والجوع._إيهاب_ جالسٌ على الكرسيِّ الملاصق. لم يتركْ يدَها منذُ أن حملَها من مدخلِ البناية.*إيهاب*: بصوتٍ مبحوح "شهورٌ قليلةٌ فقط... ولكنَّها كانتْ أطولَ من خمسِ سنوات."رفعتْ _ملك_ عينيها. فيهما تعبٌ لا غضب.*ملك*: "وقّعتُ على اتفاقيةِ الطلاقِ وحدي. وتركتُها على مكتبِك... وذهبتُ. ظننتُ أنكَ ستوقّعُها في اليومِ التالي وتنتهي."*إيهاب*: ضغطَ على يدِها بقوة "ولم أوقّع. لأنني جبان. لأنني ظننتُ أنَّ عدمَ التوقيعِ يعني أنكَ ما زلتِ لي."سادَ صمت.*صوتُ المطرِ على النافذة*: "ششش" *صوتُ أنفاسِها*: متقطعة.*ملك*: "كنتَ بارداً يا إيهاب. تعودُ منتصفَ الليل. تخرجُ قبلَ الفجر. وأنا... كنتُ أضعُ العشاءَ وحدي وأرفعُهُ وحدي."*إيهاب*: أغمضَ عينيهِ بألم "كنتُ أهربُ من البيتِ لأني لا أستحقُّهُ. ولا أستحقُّكِ. واليومَ عندما رأيتُكِ تسقطينَ... فهمتُ أنني قتلتُنا ببطء."*ملك*: سحبتْ يدَها ببطءٍ م

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status