LOGINكانت شمس المغيب تلوّن السماء بدرجات برتقالية هادئة، بينما غرقت حديقة منزل نادر في ضوء ذهبي دافئ.تحركت أوراق أشجار الليمون مع نسيم المساء.وامتزجت رائحة الياسمين برائحة القهوة العربية التي بدأت تنتشر في المكان.دخلت ليلى من البوابة الحديدية بابتسامة هادئة.هذا المنزل...لم يكن غريبًا عنها.كم مرة جلست هنا؟وكم مساءً جمعها بنوال ونادر قبل أن تفرق الحياة أبناءهم في طرق مختلفة؟سمعت صوت نوال يناديها من الداخل."ليلى... أنتِ وصلتِ؟""وصلت."خرجت نوال بعد لحظات.كانت تحمل صينية نحاسية صغيرة، عليها فنجانا قهوة وطبق من المعمول الذي اعتادت أن تعدّه بنفسها.وضعت الصينية فوق الطاولة الحجرية في وسط الحديقة.ثم جلست وهي تضحك."منذ متى أصبح تحديد موعد بيننا يحتاج إلى اتصال هاتفي؟"ضحكت ليلى بدورها."منذ أن كبر أولادنا..."ثم تنهدت بخفة."وصار لكل واحد منهم عالمه الخاص."ساد بينهما صمت قصير.ذلك النوع من الصمت الذي لا يحتاج إلى كلمات.الصمت الذي لا يحدث إلا بين الأصدقاء الحقيقيين.سكبت نوال القهوة.قدمت الفنجان إلى ليلى.ثم أخذت فنجانها.قالت وهي تنظر إلى الأشجار:"دخلت هذا الصباح إلى مرسم سلمى."ر
استيقظت سلمى مع أول خيوط الصباح.لم يكن المنبه قد رن بعد.فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في السقف الأبيض.كان هذا اليوم يشبه غيره...لكن قلبها لم يكن هادئًا كما اعتادت.منذ أيام، وهي تشعر أن هناك شيئًا ينقصها.شيئًا لا تستطيع تسميته.نهضت من سريرها.غسلت وجهها، ثم حملت فنجان قهوتها واتجهت مباشرة إلى المكان الذي تحبه أكثر من أي غرفة في المنزل.مرسمها الصغير.بمجرد أن فتحت الباب، استقبلتها رائحة الألوان والزيوت والقماش الجديد.ابتسمت تلقائيًا.هذا المكان كان عالمها الخاص.العالم الوحيد الذي تستطيع فيه أن تنسى كل شيء.وضعت فنجان القهوة على الطاولة.ثم وقفت أمام لوحة بيضاء كبيرة.أمسكت فرشاة رفيعة.وبدأت ترسم.خطًا...ثم آخر.وتوقفت.تراجعت خطوة إلى الخلف.أمالت رأسها قليلًا.همست لنفسها:"لا...ليس هكذا."اقتربت من اللوحة.ومسحت ما رسمته.ثم بدأت من جديد.مرت عشر دقائق.وربع ساعة.ونصف ساعة تقريبًا.وفي النهاية...لم تكن اللوحة تحمل سوى خطوط باهتة بالكاد تُرى.تنهدت.وضعت الفرشاة على الطاولة.ثم حملت كوب القهوة.كان قد برد.ارتشفت منه رشفة صغيرة دون اهتمام.واتجهت نحو النافذة.في الخ
بعد قرابة ساعة...توقفت سيارة يوسف أمام منزل نادر.أطفأ المحرك، لكنه لم ينزل مباشرة.كانت الورقة الصفراء ما تزال بين أصابعه.الصندوق رقم (17).منذ أن قرأ ذلك الرقم، وهو يشعر أن القضية بدأت تتحرك أخيرًا.أخذ نفسًا عميقًا.ثم حمل الملف البني الصغير، واتجه نحو الباب.وقبل أن يطرق...فُتح الباب من الداخل.كان نادر يقف هناك.وكأنه كان ينتظره منذ دقائق.ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:"من نبرة صوتك في الهاتف... عرفت أنك لم تعد فارغ اليدين."ابتسم يوسف."أظن أننا وجدنا أول خيط حقيقي."دخلا إلى غرفة الجلوس.وضع يوسف الملف فوق الطاولة الخشبية.ثم أخرج الورقة التي وجدها داخل ملف رياض مراد.ناولها إلى نادر دون أن يتكلم.أخذها نادر ببطء.بدأ يقرأ.سطرًا...بعد سطر.حتى توقفت عيناه عند الجملة الأخيرة.تم تسليم الصندوق رقم (17) إلى الأرشيف المركزي.ظل صامتًا.مرت ثوانٍ طويلة.ثم رفع رأسه."إذن... الصندوق موجود."أجاب يوسف بهدوء:"إذا لم يتم إتلافه...فنعم... ما زال موجودًا."جلس نادر على الأريكة.أعاد قراءة الورقة مرة أخرى.ثم قال وهو يبتسم بسخرية:"كنت أظن أننا سنبدأ بالبحث عن الأشخاص.""لكن يبدو أن الحق
عاد يوسف إلى المكتب بعد أقل من ساعة.فتح الباب الزجاجي بهدوء.كان المكان غارقًا في الصمت، ولم يكن يُسمع سوى صوت تقليب الأوراق.رفع نادر رأسه عن مجموعة من العقود التي كان يراجعها.نظر إلى يوسف، ثم أغلق الملف الذي بين يديه."هل توصلت إلى شيء؟"خلع يوسف سترته، ووضعها على ظهر الكرسي، ثم جلس أمام المكتب.بدت على وجهه ملامح تفكير عميق.أجاب بعد لحظة صمت:"ليس بعد..."ثم أضاف وهو يشبك أصابعه:"لكنني أعتقد أننا نبحث في المكان الخطأ."عقد نادر حاجبيه."ماذا تقصد؟"مال يوسف قليلًا إلى الأمام.وقال بهدوء:"منذ الصباح ونحن نفتش في الملفات.لكن الملفات لا تكذب... ولا تقول الحقيقة أيضًا."ظل نادر ينظر إليه بصمت.فأكمل يوسف:"كل ما نراه هو ما أراد شخص ما أن يُكتب. أما الحقيقة فهي بقيت مع الأشخاص الذين كتبوا تلك الأوراق."ساد صمت قصير داخل المكتب.ثم قال يوسف بثقة:"أريد أسماء كل من عمل مع سامر في مشروع الوادي الأخضر."ظل نادر يفكر لعدة ثوانٍ.ثم نهض ببطء.اتجه نحو خزانة خشبية قديمة في زاوية الغرفة.بدت عليها آثار الزمن.فتح أحد الأدراج السفلية.وبعد لحظات...أخرج دفترًا جلديًا أسود، غطى الغبار جزءًا
بدأ نادر صباحه في مكتبه الجديدكان المكتب ما يزال خاليًا إلا من صناديق الكرتون.بعض الأثاث وصل.والبعض الآخر ما زال ينتظر.وقف نادر في منتصف المكان.ينظر إلى الجدران البيضاء.وقال مبتسمًا:"يذكرني بأول يوم افتتحت فيه شركتي الأولى."دخل يوسف يحمل لفافة كبيرة من المخططات.ووضعها على الطاولة.ثم نظر حوله وقال:"الغريب أن المكان فارغ ومع ذلك أشعر أنه مليء بالأفكار."ابتسم نادر وقال:"كل شركة كبيرة بدأت بغرفة كهذه."بدأ الاثنان يفردان المخططات.ويتناقشان في توزيع المكاتب.ومكان قاعة الاجتماعات ومكتبة الهندسة.قال يوسف:"لماذا تصر على مكتبة كبيرة؟"نظر إليه نادر ثم ابتسم وقال:"لأن الشركات التي تتوقف عن القراءة تبدأ بالشيخوخة."ضحك يوسف وسجل الملاحظة.بعد دقائق فتح نادر أحد الصناديق القديمة.وقال:"هذا الصندوق لم أفتحه منذ سنوات."اقترب يوسف وبدآ بإخراج الملفات.كانت معظمها عقودًا قديمة.وصورًا لمشاريع انتهت منذ زمن.ثم توقف يوسف فجأة رفع ملفًا رمادي اللون كان الغبار يغطيه.قرأ الاسم المكتوب عليه.مشروع الوادي الأخضرسأل:"هل تتذكر هذا المشروع؟"نظر نادر إلى الملف ثم تغيرت ملامحه قليلًا.أخ
خرج طارق من غرفة الاجتماعات في شركته بعد ان انهى اجتماعا مع احد العملاء كانت الساعة قرابة ال1:30 ظهراوقف وسيم اما باب الغرفة يحمل مضرب الاسكواش بيده."هل لديك اجتماع آخر؟"ابتسم طارق.وأجاب:"يعتمد هل جئت تحمل عملاً جديدًا؟"ضحك وسيم.ورفع المضرب أمامه."على العكس جئت لأنقذك من العمل."ابتسم طارق."نسيت أننا اتفقنا على العودة إلى النادي."قال وسيم:"إذا تراجعت سأعتبرك خسرت المباراة قبل أن تبدأ."ضحك طارق وهو ينهض.وأخذ سترته.ثم قال:"منذ متى أصبحت تستفزني بهذه الطريقة؟"أجابه وسيم وهو يتجه نحو الباب:"منذ أن اكتشفت أنك لا ترفض أي تحدٍّ."في طريقهما إلى السيارة كان الشارع مزدحمًا.نظر وسيم إلى طارق.وقال:"تعرف لم أرَك تخرج من الشركة قبل السادسة منذ أشهر."ابتسم طارق.وقال:"وأنا أيضًا."ثم أضاف وهو ينظر إلى الناس يعبرون الشارع:"بعد سفر باسم. اكتشفت شيئًا."سأله وسيم:"ماذا؟"أجاب بهدوء:"كنت أظن أن النجاح يعني أن أملأ كل دقيقة بالعمل."صمت قليلًا ثم ابتسم وأضاف:"لكن يبدو أن الحياة كانت تنتظرني خارج المكتب."نظر إليه وسيم مبتسمًا وقال:"وأعتقد أن هناك محامية لها علاقة بهذا الاكتشاف







