مشاركة

الورقة الأولى

مؤلف: Alaa issa
last update تاريخ النشر: 2026-06-28 11:01:24

انقبضت أصابع كرم حول هاتفه بسرعة وهو يطلب من إلينا تفعيل كل كاميرات الطابق الخمسين فوراً، بينما كانت السيارة المصفحة تنعطف بقوة نحو الطريق المؤدي إلى البرج. لم يكن هناك ذعر في صوته، بل ذلك البرود المعدني المعتاد الذي يتحوّل، في لحظات كهذه، إلى أداة قتل صامتة أكثر فعالية من أي مسدس.

"الكاميرات تُظهر شخصاً واحداً، سيدي، يتحرك بثبات نحو غرفة الخادم الرئيسية.. نفس الغرفة التي زُرع فيها الجهاز الذي اخترق شاشتنا قبل ساعات،" قالت إلينا بصوت متقطع عبر مكبر الصوت، وكان توترها هذه المرة حقيقياً لا مجرد
استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق
الفصل مغلق

أحدث فصل

  • خلف قناع الصمت   نجلاء كانت تُعدّ قهوتها كل صباح وحدها

    في ذلك الأسبوع قرّرتُ البدء. ليس لسببٍ خاص أكثر من غيره. كانت هناك فقط فنجانٌ من القهوة في صباح السبت والبرج هادئٌ وكرم يقرأ في الغرفة المجاورة ودفترٌ جديد لم أفتحه بعد. واتخذتُ القرار. أحضرتُ الدفتر الجديد وقلماً واحداً وجلستُ في الشرفة الصغيرة. فتحتُ الصفحة الأولى. وكتبتُ العنوان: نجلاء. ثم جلستُ أمام هذا الاسم لعشر دقائق لم أكتب فيها كلمةً إضافية واحدة. ليس لأنني لا أعرف ماذا أكتب بل لأنني أعرف الكثير جداً ولا أعرف بعد من أين يبدأ ما أعرفه. حاولتُ أن أبدأ بوصف نجلاء: امرأةٌ من دمشق عاشت بعيداً عن دمشق وتركت وراءها وثائق وبيتاً ووقفاً. لكن هذه الجملة كانت تصف ما فعلت لا من كانت. وأنا لا أُريد أن أكتب عمّا فعلت لأن ما فعلت موثّقٌ في ملفاتها. أُريد أن أكتب عمّن كانت في اللحظات التي لا توثّقها الملفات. وفي المحاولة الثالثة كتبتُ شيئاً لم أُخطّط له: "نجلاء كانت تُعدّ قهوتها كل صباح وحدها. في مدينة لا تعرف معظم أسماء أحيائها وبين أناس لا يعرفون اسمها الحقيقي. وكانت تشرب قهوتها وتنظر من نافذتها إلى شارع أجنبي وتحتفظ بداخلها بأشياء لم تستطع قولها لأحد." توقفتُ. قرأتُ ما كتبتُ. ثم قرأ

  • خلف قناع الصمت   الزراعة التي لا تعتمد على الرؤية الفورية

    في نهاية شهري دراسة جاء كرم في مساء هادئ وجلس في المقعد المقابل لي في مكتبي بطريقة تُخبر أن لديه شيئاً يُريد قوله لكنه يأخذ وقتاً في تنظيمه قبل النطق به. انتظرتُه. قال أخيراً: "أُريد أن أبدأ شيئاً. شيئاً ليس له علاقة بالشركة ولا بالوقف مباشرةً. شيئاً خاصاً بي." "تحدّث." "أُريد أن أُنشئ برنامجاً صغيراً. مجموعة من الشباب الذين يعملون في التجارة والأعمال ولا يملكون التوجيه الذي يحتاجون. ليس برنامج تدريب مهني بالمعنى التقليدي. بل لقاءات دورية يتحدث فيها ناس بنوا شيئاً حقيقياً عن ما تعلّموه لا عن ما نجحوا فيه." "وما الفرق؟" "الفرق كبير. معظم برامج التوجيه تُقدّم قصص نجاح. وقصص النجاح مُلهِمة لكنها مُضلِّلة في بعض الأحيان لأنها تبدو سهلةً في رواية النهاية. ما أُريده أن يروي الناس ما تعلّموه في الأخطاء والقرارات الصعبة والأيام التي لم يكونوا متأكدين فيها من أي شيء." "وهذا يأتي من أين في رأيك؟" فكّر لحظة حقيقية قبل الإجابة. "يأتي من أن والدي لم يُعلّمني شيئاً عن الأخطاء التي ارتكبها. علّمني فقط مظهر ما بنى. ولم أعرف كيف وصل إليه. وحين ارتكبتُ أخطائي الخاصة لم أجد نموذجاً يُخبرني أن هذ

  • خلف قناع الصمت   نجلاء في ثلاثة أشخاص

    في الأسبوع الثالث من الدراسة وصل خبر من ريم في ساعة كنتُ فيها بين محاضرتَين في الجامعة. قرأتُ الرسالة وأنا في ممر الكلية حاملةً حقيبتي ومعي كوب القهوة. كتبت ريم: "سارة، المرأة من لبنان، ستزور دمشق الأسبوع القادم. ستعمل معنا أربعة أيام على ثلاثة ملفات مشتركة. هذه أول شراكة رسمية للوقف خارج سوريا." وقفتُ في ذلك الممر الجامعي وحولي طلاب يمضون إلى قاعاتهم وأساتذة يحملون ملفاتهم وحياة جامعية تسير بإيقاعها الذي لا يتوقف. وأنا في وسط كل هذا أُمسك هاتفي وأقرأ رسالةً تقول إن ما حلمت به نجلاء ببطء وبناءٍ هادئ بدأ يتجاوز الحدود التي وضعها الزمن لها. أرسلتُ لريم كلمةً واحدة: "مبارك." جاء ردّها: "المبارك لنجلاء." في المساء أخبرتُ كرم. قال: "والوجود الخارجي يختلف عن الداخلي. الداخلي يقول إنك موجود في مكان. الخارجي يقول إن ما تبنيه يمشي بقدميه." "وما بنيناه بدأ يمشي بقدميه." نظر نحوي. "وهذا مختلف عن أي نجاح آخر حقّقناه. لأن النجاحات التي نقودها نحن كانت موجودةً لأننا موجودون. لكن حين يمشي ما بنيناه بدوننا، هذا هو النجاح الحقيقي." في الأسبوع التالي أخذتُ يوماً بعيداً عن الجامعة للسفر إلى دمشق مع

  • خلف قناع الصمت   التعلّم حين يكون اختياراً

    جاء قبول الجامعة بعد أسبوعَين من تقديم الطلب. رسالة إلكترونية هادئة في صباح اعتيادي لا يختلف ظاهره عن أي صباح آخر في تلك الأيام. لا إعلانات ولا أضواء، مجرد كلمات على شاشة تقول إن الطلب قُبل وإن المقررات الأولى تبدأ بعد ثلاثة أسابيع. قرأتُ الرسالة مرتَين. أغلقتُ الجهاز. وجلستُ أمام القهوة التي بردت نصفها. ولم أُخبر أحداً في ذلك اليوم. ليس كتماناً ولا خوفاً من ردود الفعل. بل لأن بعض اللحظات تحتاج أن تجلس معك وحدها قبل أن تدخل إلى الكلام ويبدأ الآخرون في تسميتها ووضعها في صناديق من المعنى التي يختارونها هم. وهذه اللحظة كانت لي أنا أولاً. في الليل فقط، وبعد العشاء وحين جلسنا كرم وأنا في الشرفة الصغيرة، قلتُ له: "القبول جاء." نظر إليّ دون أن يُحرّك كثيراً. "متى؟" "في الصباح." "وانتظرتِ حتى الليل." "أردتُ أن أجلس معه وحدي أولاً." فهم. ولم يُضف كلمةً واحدة لا تستدعيها اللحظة. وكان هذا الفهم الهادئ الذي لا يحتاج إلى تفسير من المُخبِر ولا إلى إكمال من الطرف الآخر، أصبح في هذه الحياة الجديدة من أكثر الأشياء التي أُقدّرها. أن يعرف الشخص المجاور متى يتكلم ومتى يكتفي بالوجود. قال أخيراً بهدوء:

  • خلف قناع الصمت   نحو الأمام

    في اليوم الأول بعد العودة إلى دبي استيقظتُ في الساعة السادسة والنصف كعادتي قبل كل هذه الرحلة. وكان ذلك الاستيقاظ المبكر نفسه مختلفاً: لم يكن مدفوعاً بملف ينتظر أو اجتماع يُقلقني. استيقظتُ لأنني أريد الاستيقاظ. ولأن قهوة الصباح المبكر في ذلك الهدوء الخاص أصبحت شيئاً أُحبّه لذاته لا لما تُمهّد له. كتبتُ في الدفتر في الصباح الأول: اليوم أول يوم من الحياة التي أعرف الآن أنني أختارها. في الصباح ذاته قبل أن يستيقظ كرم فتحتُ موقع الجامعة على جهازي. سجّلتُ طلب الالتحاق في الساعة السابعة وعشرين دقيقة. وأغلقتُ الجهاز قبل أن يستيقظ كرم لأن بعض الأشياء تستحق أن تُفعَل بهدوء قبل أن تُعلَن. حين جاء كرم إلى الشرفة بفنجانه قلتُ له: "قدّمتُ طلب التسجيل في الجامعة." وضع فنجانه ببطء. "متى؟" "الساعة السابعة وعشرين دقيقة." "وكنتُ نائماً." "كنتَ نائماً." نظر إليّ. ثم قال: "جيد. بعض الأشياء تُفعَل وحدها أولاً." في اليوم الثالث بعد العودة اتصلتُ بنور. قالت حين سمعت صوتي: "الصوت مختلف." "مختلف كيف؟" "أقل حذراً." ضحكتُ. "ربما." قالت: "الحذر ضروري في وقته وثقيل حين يصبح عادةً بعد انتهاء وقته. كيف يمكنني أن

  • خلف قناع الصمت   البحر يحمل البحر فقط

    البحر في ذلك الصباح كان رمادياً وهادئاً، لا زرقاء التصوير ولا خضراء الوصف. كان بحراً حقيقياً في يوم اعتيادي قبل أن يُعلن الشمس كامل تألّقه. وقفتُ عند الحافة الرملية. الموج يأتي ويذهب بإيقاعه الذي لا يسأل أحداً عن إذن. والرمل تحت قدميّ بارد بعد ليلة طويلة. وقف كرم بجانبي. لم يقل شيئاً. ولم أقل أنا شيئاً. وكانت هذه هي المرة الأولى منذ بدأ كل شيء التي أقف فيها أمام شيء لا يحمل ذاكرةً مرتبطة بما مررنا به. البحر لا يحمل نجلاء ولا وثائق ولا طارق المصري ولا مجموعة القاهرة. البحر يحمل البحر فقط. قلتُ لكرم: "هذا أول مكان أقف فيه منذ أشهر لا يذكّرني بشيء." "وكيف يشعرك ذلك؟" "يشعرني بأنني أنا." قضينا ثلاثة أيام في ذلك المكان. ثلاثة أيام بلا جدول أعمال ولا رسائل مهمة ولا قرارات تنتظر. في اليوم الأول نمتُ حتى الساعة العاشرة لأول مرة منذ لا أذكر. وحين استيقظتُ وجدتُ كرم يقرأ كتاباً على الشرفة وفنجان القهوة بجانبه. جلستُ بجانبه ولم يرفع رأسه عن الكتاب. وكان في هذا الصمت المشترك الذي لا يحتاج كلاماً لكي يكون كافياً شيء أحببتُه أكثر من كثير من المحادثات الطويلة التي خضناها. في اليوم الثاني مشينا

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status