Share

الفصل 2

Penulis: safia
last update Tanggal publikasi: 2026-07-28 02:02:34

استيقظت لين على صوت طرقات خفيفة على الباب. كانت الساعة لا تزال مبكرة، والضوء الرمادي الخافت يتسلل من ستائر الغرفة الثقيلة. شعرت بثقل الليلة الماضية لا يزال جاثماً على صدرها، كأنها لم تنم إطلاقاً.

“سيدتي… الفطور جاهز بالأسفل، والجميع بانتظارك.” جاء صوت “أم حسن” الحنون، الخادمة المسنة التي عملت في هذا البيت منذ عشرين عاماً، والوحيدة التي كانت تنظر إلى لين بشيء من الدفء بين كل هؤلاء الغرباء.

كان العيش في بيت عائلة كريم الكبير أصعب مما توقعت. لم يكن بيتاً بالمعنى الذي عرفته يوماً، بل أشبه بمسرح صغير، كل غرفة فيه لها قواعدها الصامتة، وكل وجه فيه يخفي شيئاً خلف ابتسامته.

نزلت إلى صالة الطعام، فوجدت العائلة مجتمعة كعادتها كل صباح: والد كريم في صدر الطاولة يقرأ جريدته، وأمه تشرف على الخدم بنظرات حادة، وأخته “دانة” تتصفح هاتفها بلا مبالاة.

“صباح الخير يا لين.” قال والد كريم بابتسامة دافئة، وأشار لها أن تجلس بجانبه كعادته كل صباح. كان الرجل الوحيد في هذا البيت الذي يعاملها كأنها فعلاً جزء من العائلة، لا ضيفة ثقيلة الظل.

لم ترد أمه على تحيتها الصباحية، اكتفت بإيماءة باردة من رأسها وهي تستمر في توجيه الخادمة بصوت حاد. كانت لين قد تعلمت في الأيام الماضية ألا تنتظر أكثر من ذلك من والدة كريم — امرأة كانت تنظر إليها دائماً بعينين متفحصتين، كأنها تبحث عن دليل يثبت ما تؤمن به: أن هذه الفتاة الفقيرة ما تزوجت ابنها إلا طمعاً بثروة العائلة.

لم تكن لين تعرف حينها أن كره تلك المرأة لها لم يكن نابعاً فقط من الشك، بل من غضب مكبوت أيضاً؛ فهي نفسها لم توافق على هذا الزواج إلا بعدما هددها زوجها بالطلاق إن رفضت تنفيذ وصيته لصديقه الراحل. كانت أم كريم أسيرة قرار لم تخترْه، تماماً مثل لين، لكنها اختارت أن تُفرغ غضبها على من تراه “الطرف الأضعف” في هذه الصفقة العائلية.

أما دانة، أخت كريم، فكانت الأكثر حياداً بين الجميع. لم تُظهر عداءً تجاه لين، لكنها لم تُظهر ودّاً حقيقياً أيضاً. كانت تتعامل معها بلطف سطحي، محادثات قصيرة عابرة، كأنها تحرص على ألا تنجرّ إلى صراع لا يخصها.

بعد الفطور، وبينما كانت لين تساعد أم حسن في ترتيب الصالة الصغيرة — عادة اكتسبتها رغم اعتراض العائلة على أن “سيدة البيت” تقوم بهذه الأعمال — سمعت صوت الباب الخارجي يُفتح، وضحكة مألوفة تتردد في الرواق.

كانت “ريم”.

جاءت هذه المرة علناً، بصفتها “صديقة العائلة” كما تُعرّف نفسها دائماً أمام والد كريم، الذي كان يستقبلها بحفاوة باعتبارها ابنة أعز أصدقائه القدامى. لم يكن الرجل يعلم شيئاً عن العلاقة الحقيقية التي تجمعها بابنه؛ في نظره، كانت ريم مجرد فتاة عائلة صديقة، لا أكثر.

جلست ريم في الصالة، تتحدث مع والد كريم بأدب مصطنع، بينما كانت عيناها تتبعان لين خلسة بنظرة فيها تعالٍ خفي، وكأنها تقول لها بصمت: “أنا هنا لأنني أستطيع، وأنت لا تملكين شيئاً تقولينه.”

لم تعلّق لين، ولم تُظهر أي انزعاج. اكتفت بابتسامة باهتة ومغادرة هادئة نحو غرفتها.

في المساء، وبعد يوم طويل مرهق من الصمت والمجاملات المصطنعة، جلست لين أخيراً وحدها، وأخرجت دفترها من مخبئه.

“اليوم العاشر.

هذا البيت لا يشبهني، ولن يشبهني يوماً. الأب الوحيد الذي يعاملني بلطف حقيقي هنا هو والد زوجي، وكأن القدر عوّضني بأب جديد بعدما فقدت أبي. أما أمه، فتنظر إليّ وكأنني لصة دخلت بيتها لتسرق شيئاً لم أطلبه يوماً.

رأيت ريم اليوم تجلس في صالتنا وكأن البيت بيتها. لم أشعر بالغيرة، بل بشيء أقرب إلى الشفقة على نفسي، لأنني الوحيدة التي تعرف الحقيقة كاملة، بينما الجميع من حولي يرون نصف الصورة فقط.

أحياناً أتساءل: هل سيأتي يوم أشعر فيه أن لي مكاناً حقيقياً هنا؟ أم سأبقى دائماً… ضيفة في بيت لا يخصني؟”

أغلقت الدفتر، وأطفأت الضوء، تاركة نفسها للظلام وحده يعرف حقيقة تعبها.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • رسائل لم تُرسل   الفصل 11

    في اليوم التالي للحفلة، جلست العائلة على مائدة الغداء كعادتها، حين طرق باب الصالة، ودخلت ريم بابتسامة واسعة، حاملة صندوق حلوى أنيق.“مررت لأهنئ العائلة على نجاح حفلة الأمس.” قالت وهي تضع الصندوق على الطاولة، ثم جلست دون انتظار دعوة رسمية، في مكان قريب من كريم.رحّب بها والد كريم بلطف كعادته، غير مدرك لطبيعة العلاقة الحقيقية التي تجمعها بابنه. لاحظت لين، كعادتها، كيف تغيّرت نبرة كريم قليلاً في وجود ريم — أكثر استرخاءً، أكثر حديثاً مما هو معتاد على مائدة العائلة.“لين، الفستان الذي ارتديته أمس كان لافتاً حقاً.” قالت ريم فجأة، موجهة كلامها إليها بابتسامة لا تصل إلى عينيها. “لم أكن أعرف أن لديك هذا الذوق.”“شكراً لك.” أجابت لين ببساطة، غير راغبة في الانجرار لأي جدال أمام العائلة.“أعني ذلك حقاً.” أضافت ريم بنبرة متصنعة الود. “فقط… أحياناً أتساءل، ألا تشعرين بالغرابة وأنتِ ترتدين ملابس بهذا الثمن، بينما أتت من خلفية مختلفة تماماً؟”توقفت حركة الشوكة في يد لين للحظة. شعرت بنظرات خفية من حولها، لكنها رفعت رأسها بهدوء. “لا أشعر بالغرابة يا ريم. الملابس مجرد قماش، لا تُعرّف الإنسان بقدر ما يعر

  • رسائل لم تُرسل   الفصل 10

    كانت القاعة الفخمة مزدحمة بالضيوف حين وصلت عائلة كريم، أضواء الثريات الكبيرة تتلألأ فوق موائد مرتبة بعناية، وموسيقى هادئة تملأ المكان.بمجرد دخول لين، لاحظت نظرات عدة تتجه نحوها، بعضها فضولي، وبعضها معجب بصدق. لم تكن معتادة على هذا القدر من الانتباه، فحاولت أن تبقى قريبة من والد كريم كملاذ آمن وسط الزحام.“لين! تعالي، أريدك أن تقابلي بعض الأصدقاء.” قال والد كريم بفخر واضح، يقودها نحو مجموعة من معارفه.من بعيد، وقفت ريم بجانب طاولة المشروبات، تراقب المشهد بعينين ضيقتين. لم تكن قد توقعت أن تلفت لين كل هذا الانتباه.“من هي بالضبط؟” سألت إحدى صديقات ريم بفضول، وهي تشير نحو لين. “لم أرها من قبل في هذه التجمعات.”“زوجة كريم.” أجابت ريم بنبرة باردة، تحاول إخفاء انزعاجها.“إنها جميلة حقاً.” علّقت الصديقة ببراءة، غير مدركة تأثير كلماتها.ابتسمت ريم ابتسامة مصطنعة، لكن يدها أمسكت كأس الشراب بقوة أكبر مما تطلبه اللحظة. “الجمال ليس كل شيء.” قالتها بجفاء، قبل أن تتجه بخطوات سريعة نحو كريم، الذي كان واقفاً بمفرده قرب النافذة.“تبدو مشغول البال الليلة.” قالت ريم وهي تقترب منه بابتسامة مألوفة.“مجرد

  • رسائل لم تُرسل   الفصل 9

    “حفلة تقاعد أحد كبار شركاء أبي.” قالت دانة وهي تدخل غرفة لين بلا استئذان مسبق، حاملة عدة أكياس تسوق. “وأمي أصرّت أن يحضر الجميع، بمن فيهم أنتِ، بلا أعذار هذه المرة.”رفعت لين حاجبها. “بلا أعذار؟ هذا غير معتاد منها.”“أظن أنها تريد التأكد أنك ستظهرين بمظهر يليق بالعائلة أمام كل هؤلاء الضيوف المهمين.” أجابت دانة بابتسامة ساخرة خفيفة، وهي تضع الأكياس على السرير. “لهذا أحضرت لك هذا.”فتحت لين أحد الأكياس بفضول، لتجد فستاناً بلون أحمر داكن، بقصة أنيقة تنسدل بانسيابية، مطرزاً بتفاصيل بسيطة عند الخصر.“هذا… جميل جداً، لكنه ليس ما أرتديه عادة.” قالت لين وهي تتأمل الفستان بتردد.“لهذا بالضبط اخترته.” ردت دانة بحماس. “حان الوقت لتري نفسك كما يراك الآخرون، لا كما اعتدتِ أن تخفي نفسك بينهم.”بعد ساعتين من التحضير، وقفت لين أمام المرآة الطويلة في غرفتها، بالكاد تتعرف على انعكاسها. كان الفستان يبرز قوامها بأناقة دون مبالغة، شعرها منسدل بتموجات ناعمة على كتفيها، ومكياج خفيف أبرز ملامح وجهها الهادئة دون أن يغيّرها.“أنتِ جاهزة؟” سألتها دانة من خلف الباب.“أظن ذلك.” أجابت لين بتردد.فتحت الباب لتجد دا

  • رسائل لم تُرسل   الفصل 8

    فتحت لين عينيها على وقع صوت أذان الفجر البعيد. نظرت إلى الأريكة الطويلة الموضوعة قرب النافذة، حيث كان كريم نائماً، ظهره إليها كعادته. لم يكن هذا الترتيب موضوع نقاش بينهما يوماً؛ في الليلة الأولى بعد الزفاف، دخل كريم الغرفة، ألقى وسادة ولحافاً على الأريكة، وقال بجملة واحدة باردة: “لا تنتظري مني أكثر من هذا.” ومنذ ذلك اليوم، أصبح هذا الترتيب هو الواقع الذي تعيشانه، بلا حاجة لإعادة شرحه كل ليلة.نهضت بهدوء، حريصة على ألا توقظه، وتوجهت نحو الحمام لتستعد ليومها.في المطبخ، وجدت أم حسن تُعدّ الفطور كعادتها.“صباح الخير يا لين. نمتِ جيداً؟”“بقدر ما أستطيع.” أجابت لين بابتسامة صغيرة، وجلست على الكرسي المعتاد.نزل والد كريم بعدها بدقائق، يحمل جريدته كعادته كل صباح. “صباح الخير للجميع.” قال بمرح، وقبّل رأس لين بحنان أبوي قبل أن يجلس.جاءت أم كريم بعده بقليل، صامتة كعادتها في الصباح، تكتفي بإيماءة رأس عابرة قبل أن تنشغل بمراجعة قائمة مهام اليوم مع إحدى الخادمات.“هل سينزل كريم؟” سأل والد كريم وهو يقلب صفحات جريدته.“لا أعرف بالضبط يا عمي.” أجابت لين بصدق. “كان لا يزال نائماً حين غادرت الغرفة.”

  • رسائل لم تُرسل   الفصل 7

    كان يوم أحد هادئ، حين سمعت لين ضجة غير معتادة في الطابق السفلي — أصوات ترحيب وضحكات عالية، أشبه باستقبال ضيف عزيز.نزلت لترى ما يحدث، فوجدت والد كريم واقفاً في المدخل، يعانق شاباً في الثلاثينيات بحرارة واضحة.“أخيراً وصلت!” قال والد كريم بفرح ظاهر. “كنت أنتظر عودتك من الخارج منذ أشهر.”“العمل هناك أخذ وقتاً أطول مما توقعت يا عمي.” أجاب الشاب بابتسامة مهذبة.التفت والد كريم نحو لين. “لين، تعالي، أريدك أن تتعرفي على ابن أخي، آدم. عاد للتو من الخارج بعد سنوات من العمل هناك، وسينضم إلينا في الشركة العائلية من الآن فصاعداً.”تقدمت لين بضع خطوات، ومدت يدها بأدب. “تشرفنا. أنا لين، زوجة كريم.”صافحها آدم بابتسامة هادئة. “تشرفت بمعرفتك. سمعت عن زواج كريم وأنا في الخارج، لكن هذه أول مرة ألتقي فيها زوجته.”“أتمنى أن تكون قد سمعت أشياء جيدة فقط.” قالت لين بابتسامة خفيفة.“كله خير، حسب ما أخبرني عمي على الأقل.” أجاب آدم بمرح هادئ.خلال العشاء، جلس آدم بالقرب من والد كريم، يحدثه عن سنوات عمله بالخارج، بينما جلست لين في مكانها المعتاد، تستمع أكثر مما تتحدث كعادتها. لاحظت أن كريم، الجالس في الطرف الآ

  • رسائل لم تُرسل   الفصل 6

    دخلت أم حسن غرفة لين تحمل صينية الفطور، فوجدتها جالسة على حافة السرير، شاردة النظر.“لم تنزلي هذا الصباح يا سيدتي. هل أنتِ بخير؟”“أنا فقط متعبة قليلاً.” أجابت لين بابتسامة خافتة.وضعت أم حسن الصينية على الطاولة، ونظرت إليها بتمعن. “متعبة من ماذا يا لين؟ من قلة النوم، أم من شيء آخر؟”“لا أعرف بالضبط.” قالت لين بصدق مفاجئ حتى لنفسها.“أعرفك منذ أشهر قليلة فقط، لكنني عشت في هذا البيت سنوات طويلة، ورأيت نساء كثيرات يدخلن ويخرجن منه.” قالت أم حسن وهي تجلس بجانبها. “التعب الذي أراه في عينيك ليس تعب جسد يا صغيرتي.”“وإن كان كذلك؟” سألت لين بصوت خافت. “ماذا لو كنت تعبة فعلاً؟ من كل شيء؟”“فلا بأس أن تتعبي.” أجابت أم حسن ببساطة. “لست مضطرة أن تكوني قوية طوال الوقت أمام الجميع.”“بلى، أنا مضطرة.” ردت لين بحزم مفاجئ. “لو أظهرت ضعفاً واحداً في هذا البيت، سيصبح سلاحاً يُستخدم ضدي.”صمتت أم حسن للحظة، ثم قالت بصوت أهدأ: “القوة الحقيقية يا لين ليست في ألا تبكي أبداً. القوة أن تسمحي لنفسك بالبكاء أحياناً، ثم تنهضي من جديد.”بعد ظهر ذلك اليوم، مرّت لين أمام مكتب كريم، فسمعت صوته من خلف الباب المغلق ج

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status