Share

113

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-02 04:02:33

في أقصى أرض الشمال الباردة، حيث تنحت الطبيعة جبالها كأنياب التنانين الكاسرة، وتجمد الصقيع في مسام الصخور الحجرية الشاهقة، وقفت مدينة "خاتوشا" العظيمة، عاصمة الإمبراطورية الحيثية وحصنها المنيع. كانت المدينة تبدو في ذلك النهار كعملاق مكبل بالحديد، قابعة تحت سماء ثقيلة ملبدة بغيوم داكنة مائلة للسواد، كأنها قطع من الفحم المحترق تتدافع في الأعالي. لم تكن الرياح مجرد نسمات باردة، بل كانت تعوي بين الممرات الضيقة وأبراج الحصون كالذئاب الجائعة التي تبحث عن طريدة، بينما كان البرق يمزق أحشاء الغيم كل لحظة، فيلقي بوميضه الأزرق المرعب على الجدران الجرانيتية الشاهقة، كأن الإله "بعل" نفسه — سيد الرعد والخراب — قد قرر أن يشهد من عليائه على ما يطبخ في رحم المدينة من دمار.

في الساحة الكبرى، الفسيحة كصحراء حجرية، والتي تمتد أمام معبد بعل المهيب ذي الأعمدة الضخمة المنقوشة بوجوه الثيران والوحوش المجنحة، كان المشهد يحبس الأنفاس. اجتمع هناك جيش هائل، لُحمة وسداة من الحديد والدم، يربو تعداده على ستين ألف مقاتل. كانت الصفوف المتراصة تمتد كالأنهار السوداء التي لا نهاية لها، يرتدي جنودها دروعاً برونزية ثقيلة صُقلت حتى باتت تعكس وميض البرق كالمرايا المكسورة. كانوا يحملون رماحاً طويلة غطت الأفق بنصالها المدببة، ودروعاً مستطيلة ضخمة زينت برمز العاصفة الحيثية: صاعقة ثلاثية الشعب، تمثل مشيئة بعل في الأرض. كان التنفس الجماعي لهؤلاء الآلاف يتصاعد في الهواء البارد على هيئة غيمات بيضاء من البخار، كأن الأرض نفسها تلهث شهوة للدماء.

على منصة مرتفعة شُيدت من الحجر الأسود المصقول، تتوسط الساحة وترتفع فوق رؤوس الآلاف، وقف الملك "أدنوك"، ملك الحيثيين والموكل الأرضي من الإله بعل لإدارة شؤون الحرب. كان الرجل تجسيداً حياً لآلهة الجبال؛ طويلاً، عريض المنكبين كأنه قُدّ من صخرة، يرتدي درعاً ذهبياً سميكاً حُفرت عليه معارك الحيثيين القديمة. كانت لحيته الكثيفة السوداء منسدلة على صدره، وقد رُبطت بخيوط ذهبية متقاطعة تلمع تحت الضوء الباهت، أما عيناه.. فكانتا تحترقان بنار متقدة، مزيج من الطمع الأعمى والكراهية الموروثة لاسم مصر وفراعنتها.

لم يكن أدنوك وحيداً في هذا المقام الإشرافي على الموت؛ بل وقف إلى جانبه، في صف متراص يعكس حجم المؤامرة الكونية، ملوك الممالك الشمالية والشرقية المتحالفة تحت لوائه. كان هناك ملك "أمورو" بملامحه الصحراوية القاسية، وملك "ميتاني" الذي يحمل ضغائن عقود من الهزائم السابقة، وملك "أوغاريت" البحري الطامع في الهيمنة على مياه المتوسط، وملك "يسريار"، وملك "كنعان" الذي يرى في انكسار مصر فرصة لامتلاك الأرض، وغيرهم من حكام الدويلات والمقاطعات الذين ساروا خلف رائحة الغنائم. كانوا يرتدون تيجانهم الثقيلة المرصعة بالمعادن الباردة، ووجوههم تعكس مزيجاً غريباً من الجشع الذي يعمي الأبصار، والخوف المكبوت من هيبة حورس الحي الذي يجلس في طيبة.

وخلف الملوك، كظلال منبثقة من قاع العالم السفلي، وقف كهنة بعل الكبار. كانوا يرتدون ثياباً قطيفة سوداء فضفاضة مطرزة بخيوط فضية تمثل رموز الرعد والصواعق، وجوههم مطلية برهاب المعابد، وعيونهم متسعة وجاحظة، تملأها الحماسة الدينية المتطرفة التي ترى في ذبح الأعداء تقرباً من سيد السماء.

رفع الملك أدنوك يده العريضة الثقيلة في الهواء، فكانت تلك الإشارة كافية ليلجم الصمت فجأة ألسنة الستين ألفاً. توقف قرع السلاح، وانحسرت وشوشات الجنود، ولم يعد يُسمع في الساحة سوى عواء الرياح الشتوية التي تضرب سفوح الجبال. تنحنح أدنوك، وبدأ يخطب بصوت هادر، مدوٍّ، يخرج من أعماق صدره الوجيع كأنه زئير صخرة تنحدر من قمة جبل لترج أركان الوادي:

"أيها الجنود الأشداء، رجال الجبال والصخور! أيها الملوك الأعزاء الذين رفضوا العبودية! أيها الكهنة الأطهار، حرس الإله العظيم بعل!

اليوم نقف في هذا الصقيع ليس مجرد حلفاء جمعتهم المصلحة العابرة، بل نقف كأبناء عاصفة واحدة، ولدوا من رحم الرعد ليغيروا وجه الأرض! لقد سئمنا... نعم سئمنا حتى النخاع من سيطرة مصر، ومن غرور فراعنتها الذين يظنون أن الشمس لا تشرق إلا بأمرهم. لقد سئمنا من دفع الجزية من عرق جباهنا، وسئمنا من رؤية كبريائنا يُذل تحت أقدام رمسيس وابنه من بعده. اليوم... وباسم كل قطرة دم سقطت من أجدادنا، حانت ساعة الانتقام الكبرى!"

صمت أدنوك برهة ليتأمل تأثير كلماته، ورأى عيون جنوده تتسع، فتابع مشيراً بيديه نحو الجنوب، كأنه يمزق حجب المسافات:

"انظروا إلى مصر! تلك الأرض القابعة في الدفء، أرض الذهب والفضة التي لا تنضب خزائنها. انظروا إلى النيل الذي يجري بالخيرات والبركات ليغذي شعباً من المزارعين والعبيد، انظروا إلى معابدهم المليئة بالكنوز التي تسلب الأبصار، وإلى نسائهم اللواتي يفوق جمالهن كل وصف وخيال.

أقول لكم اليوم: إذا نحن قضينا على ملكهم الجديد "مرنبتاح"، واستبحنا شعبهم، ونهبنا مدنهم العتيقة، وأخذنا نساءهم سبايا... فسنعود إلى هذه الممالك الشمالية كآلهة مشاة، أغنياء إلى الأبد، ملوكاً حقيقيين يجلسون على عرش الشمال بأكمله، ولا يجرؤ أحد بعد اليوم على أن يطلب منا ولاداً أو حصاداً!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

  • سيد الرماد والضوء   129

    وفي ذات الوقت، وفي قلب المعركة الإلهية التي تصاغرت أمامها حروب البشر، كان الإله ست يقف ثابتاً كالمسلة الشامخة، وقد وضع قدمه الضخمة والثقيلة بقسوة فوق صدر بعل المطروح على الرمال الحارة.كان بعل يلهث ويتنفس بصعوبة شديدة كأن أنفاسه الأخيرة تفر منه، وجسده العملاق الأسود ينزف بغزارة ناراً زرقاء داكنة تذوب في التراب وتترك حروقاً في الأرض، وعيناه الكبيرة اللتان كانتا تشتعلان بالرعد والغرور منذ ساعات، امتلأتا برعب حقيقي، خالص، وعميق لأول مرة في حياته الطويلة. رفع ست صولجانه الرعدي المعوج عالياً نحو الغيوم المتفجرة، ومفاصله تنبض بقوة كونية مدمرة، مستعداً بكل جوارحه لإطلاق الضربة القاضية والنهائية التي ستنهي هذا الوجود المظلم.شعر بعل بنهاية أجله واقتراب الفناء، فتحرك الخوف في صدره، وصاح متوسلاً بصوت مكسور، ذليل، يرج جنبات السماء ويستجدي الرحمة من قاهره:"أرجوك... أرجوك يا ست العظيم... ارفع قدمك عني وأتركني أعيش! أقسم لك ببارئ الأكوان أنني لن أمس أرض مصر الطاهرة، ولا نيلها، ولا شعبها بأي سوء أو شر مرة أخرى طوال حياتي... حقاً أقول لك! لقد تعلمت الدرس القاسي اليوم وعرفت حجمي الحقيقي... أنا كنت أح

  • سيد الرماد والضوء   128

    وفي تلك اللحظة الحرجة من المواجهة الكونية، وتحت وطأة الضربات الساحقة والمدمرة لسيد الصحراء، أدركت الإلهة الشرسة عنات أنها ميتة بلا محالة إن بقيت في هذه الساحة لعدة دقائق أخرى، وعرِفت أن جبروت ست لا يمكن لأي قوة شمالية أن تقف في وجهه أو ترده.التفتت برأسها ونظرت إلى زوجها وشريكها بعل، فرأته يترنح وينزف ناراً زرقاء اللون من جروحه العميقة وعاجزاً عن الصد، ثم نظرت نحو الإله ست فرأته يتقدم نحوهما بخطى ثقيلة وثابتة كأنه الموت نفسه الذي يطارد ضحاياه وعيناه الحمراوان تشعان بقسم الفناء. في تلك اللحظة، تملك الخوف والهلع قلب إلهة الحرب، وقررت التخلي عن كل شيء والهرب لتنقذ نفسها.همست عنات بنبرة مرتجفة ومذعورة وهي تنظر إلى زوجها للمرة الأخيرة:"سامحني يا بعل... لم أكن أعلم أننا نواجه هذا الوحش الكوني. لا يمكنني الموت هنا من أجلك."وبدون أي تردد، دارت بجسدها وتحولت في ثوانٍ معدودة إلى لهيب أزرق حارق، وانطلقت نحو أعالي السماء هاربة بسرعة مذهلة شقت بها الغيوم الداكنة، تاركة زوجها بعل وحيداً وبدون أي دعم في قبضة ست التي لا ترحم.صاح بعل بصوت يملأه الذعر والذهول والحرقة وهو يرى شريكته تفر وتتركه للموت

  • سيد الرماد والضوء   127

    تحولت ساحة المعركة بالكامل إلى جحيم أسطوري حي، حيث امتزجت قوة البشر بقوة الآلهة العظام لتصنع لوحة من الدمار لم تشهدها الأرض من قبل. كانت السماء قد تبدلت ملامحها، فصارت ساحة متفجرة مليئة بصواعق البرق العنيفة، وهزيم الرعد الذي يصم الآذان، والرمال المتطايرة التي تحجب الرؤية كأنها جدران من الغبار. وفي الأسفل، كانت الأرض تئن وتنشق تحت الأقدام لتبتلع جثث الغزاة، بينما كانت الدماء الدافئة تسيل كالأنهار الجارية، وتصبغ الرمال البيضاء باللون الأحمر القاني.وفي قلب هذا الجحيم المستعر، كان الجيش المصري يقاتل ببسالة خارقة وبشجاعة هزمت الموت نفسه.وقف الملك "مرنبتاح" في طليعة الصفوف الأمامية كأسد جريح لا يعرف الخوف؛ كان درعه مكسوراً ووجهه مغطى بالدماء والغبار، لكن سيفه الذهبي كان يلمع كقطعة من جمر. اندفع نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق رماة الدلتا، وبضربة سريعة ودقيقة قطع أرجل السبع، ثم قفز بخفة فوق ظهره المغطى بالدخان، وغرز سيفه بكل قوته في عنق السبع حتى سقط الوحش يصرخ صرخة الموت ويتلاشى كالدخان. رفع مرنبتاح سيفه وسط الغبار وصاح بصوت مدوٍّ أشعل الحماس في قلوب رجاله:"لأجل أبي رمسيس العظيم! لأجل أرض ا

  • سيد الرماد والضوء   126

    وقف الإله ست في مكانه، شامخاً كالجبل الأبدي وسط الرمال المتطايرة، ثم انفجرت من حنجرته السبعية ضحكة مدوية، غاشمة، ملأت أركان الكون كله وأخرست حتى صوت الرياح العاتية. لم تكن ضحكة خوف أو قلق، بل كانت ضحكة سعيدة، فرحة، وشرهة للقتال إلى أبعد الحدود. كانت عيناه الناريتان تضيئان بوهج أحمر مرعب، وأنيابه الحادة تبرز من تحت شفتيه في ابتسامة وحشية مخيفة.لقد كان ست يحب القتال والصدام أكثر من أي شيء آخر في الوجود، ومواجهة إلهين قويين مثل بعل وعنات في وقت واحد وفي معركة مكشوفة، كانت بالنسبة له متعة كبرى لا تُضاهى، وفرصة ليطلق العنان لجبروته الذي لا يعرف القيود.رفع ست صولجانه الرعدي المعوج نحو السماء، وصاح بصوت زلزل الجبال الشمالية وأحدث شروخاً في صخور التلال:"أخيراً... أخيراً جاءني تحدٍّ حقيقي يليق بقوتي وجوعي للدماء! تعالَ إليّ يا بعل الجبان الذي يختبئ خلف زوجته... وتعالَي أنتِ أيضاً يا عنات بنصالك المسمومة! اليوم سأعید تلقينكما الدرس، وأذكركما بالدم والنار لماذا أنا، وليس غيري، سيد الصحراء الأوحد، وملك الرعد، وإله الدمار الغاشم الذي لا يُقهر!"وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت الملحمة الإلهية الحقيق

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status