Share

17

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-14 16:44:40

عاد خع إم واست وتفنوت إلى أعماق المركز السري تحت معبد بتاح، حيث كانت الدائرة الكبرى قد أُعدت على عجل. كانت الأرضية من الحجر الأسود اللامع مزينة بنقوش فيروزية تشكل خريطة الدوات السبعة، وفي الوسط عمود من اللهب الأزرق المقدس يرتفع نحو السقف المزخرف بنجوم ذهبية. أحاط بهم اثنا عشر كاهناً وكاهنة، يرتدون أثواباً بيضاء مطرزة برموز تحوت، وهم يرددون ترنيمة قديمة تتردد كأنها أنفاس الأرض نفسها.

وقف خع إم واست في قلب الدائرة، جسده العاري من الخصر لأعلى يلمع تحت ضوء اللهب، و"كتاب تحوت" معلقاً على صدره كقلب نابض بالطاقة المزدوجة. أما تفنوت، فقد وقفت أمامه مباشرة، وقد خلعت كل ما يفصل بين روحها وروحه. كانت بشرتها الخمرية مشعة بنور داخلي، وكل حركة منها تبدو كجزء من طقس أقدم من الزمان.

"ابدأوا"، أمر الأمير بصوت يرج أركان المحراب.

انطلقت التعاويذ بقوة، أصوات الكهنة ترتفع كرياح صحراوية تحمل بذور النور. تقدمت تفنوت نحوه بخطوات بطيئة متعمدة، عيناها مثبتتان في عينيه، تحملان في طياتهما كل الوفاء والشوق والخوف على مصيره. مدّت يديها ووضعتهما على صدره، أصابعها ترسم رموز التطهير مباشرة فوق الكتاب. شعر خع إم واست فوراً بطاقتها النقية تتسلل إلى عروقه كأنهار من الفيروز المتدفق، تطارد الخيوط السوداء التي زرعتها تابوبو.

كانت اللحظة شديدة الحميمية والقدسية. انحنت تفنوت عليه، شفتاها تلامسان عنقه، ثم تنزلقان ببطء نحو صدره، تقبل كل مكان ينبض فيه الظلام. كان جسدها يلتصق به تماماً، منحنياتها تذوب في قوامه الصلب، وأنفاسهما تختلط في تناغم يجعل الأثير حولهما يرتجف. رفع يديه ليحيط بخصرها، أصابعه تنزلق على بشرتها الساخنة، يضغط عليها أقرب كأنه يريد أن ينقل كل قوته إليها ويأخذ كل نقائها.

"دعني أطردها منك..." همست بصوت مبحوح، وهي تنزلق ببطء إلى أسفل، شفتاها ولسانها يرسمان خطوطاً مقدسة على بطنه، ثم أعمق. أمسك بشعرها بلطف حازم، يشعر بلسانها يطارد بقايا الغواية بداخله. كانت حركتها جزءاً من الطقس: بطيئة، متعمدة، مليئة بعبادة وشهوة مقدسة في آن. أنين خفيف خرج من حلقه وهو يقاتل الموجة الحارة التي حاولت تابوبو أن تثيرها في أعماقه — ذكريات جسدها الملتهب، صوتها المغري، الوعد بالسلطة التي لا تقاوم.

ارتفع صوت الترنيمة حولهم. أمسك خع إم واست تفنوت ورفعها، يدور بها داخل الدائرة قبل أن يضعها على المذبح المقدس المغطى بجلود النمور. انحنى عليها، يقبل ثدييها بجوع روحي، يمص حلمتيها بلطف يجعل جسدها يتقوس نحوه بعنف. كانت تفنوت تصرخ بصوت مكتوم، أظافرها تغرس في كتفيه، ساقاها تلفان حول خصره تجذبه أعمق.

دخلها ببطء عميق، واعياً أن هذا الاتحاد ليس مجرد لذة، بل سلاح. كل دفعة كانت تطلق موجة نور ذهبي تتصادم مع الظلام داخل روحه. تسارعت حركاته تدريجياً، حوضه يصطدم بها بإيقاع يشبه دقات قلب الإله بتاح نفسه. كانت تفنوت تئن اسمه، جسدها يرتجف تحت كل اندفاع، جدرانها تعتصره بقوة كأنها تريد أن تسحب كل سم من عروقه.

في ذروة الطقس، شعر خع إم واست بمعركة داخلية هائلة. وجه تابوبو ظهر له بوضوح في ذهنه، تبتسم وتهمس له كلمات الغواية، جسدها الخيالي ينثني أمامه في محاولة أخيرة لسحبه. لكنه نظر إلى تفنوت تحتـه — عيناها الدامعتان من اللذة والعزم، وجهها المتورد، صوتها الذي يردد اسمه كتعويذة حماية — فاستجمع كل كبريائه الفرعوني وصرخ بصوت يهز الأرض:

"أنا خع إم واست، ابن منف، حارس الأسرار! لن أنتمي إلا للنور!"

في تلك اللحظة، انفجرت طاقة هائلة من اتحادهما. اندمج نور تفنوت مع قوة الكتاب، فخرج شعاع ذهبي-فيروزي قوي أضاء المحراب بأكمله. صاح الكهنة بفرح مختلط بالرهبة وهم يرون الخيوط السوداء تتصاعد من جسد الأمير كدخان، ثم تتحول إلى رماد وتتلاشى.

انهار الاثنان على المذبح، متعانقين، أجسادهما المبللة بالعرق تتنفس معاً في سكون ثقيل. كان خع إم واست يدفن وجهه بين ثديي تفنوت، يستمع إلى دقات قلبها التي كانت تهدأ تدريجياً. "شكراً لكِ..." همس بصوت مكسور. "لقد أنقذتِني مرة أخرى."

لكن الطقس لم يكن نهاية. نهض الكهنة فجأة، وجوههم شاحبة. "يا سيدي... الدرع الخارجي انهار تماماً. الظلال بدأت تتجسد في قلب المدينة، وهناك رسالة جديدة... تابوبو تطالب بلقاء مباشر."

وقف خع إم واست، ساعدا تفنوت لتنهض بجانبه. كانت ضعيفة لكن عينيها تحملان عزماً لا يلين. ألبسها ثوبها برفق، ثم التف حولها بعباءته. "لن تكون هناك لقاءات سرية. إذا أرادت الحرب، سنواجهها معاً في معركة الأثير الكبرى."

خرجا من المركز السري، والمدينة من حولهما تئن تحت وطأة اللعنة. كان خع إم واست يعلم أن التطهير نجح جزئياً فقط، وأن تابوبو لم تنهزم بعد. لكن في حضن تفنوت، وجد القوة التي يحتاجها ليواصل القتال — قوة تجمع بين النار المقدسة والحب الجارف.

الآن، بدأت المرحلة الحقيقية من حصار منف.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

  • سيد الرماد والضوء   129

    وفي ذات الوقت، وفي قلب المعركة الإلهية التي تصاغرت أمامها حروب البشر، كان الإله ست يقف ثابتاً كالمسلة الشامخة، وقد وضع قدمه الضخمة والثقيلة بقسوة فوق صدر بعل المطروح على الرمال الحارة.كان بعل يلهث ويتنفس بصعوبة شديدة كأن أنفاسه الأخيرة تفر منه، وجسده العملاق الأسود ينزف بغزارة ناراً زرقاء داكنة تذوب في التراب وتترك حروقاً في الأرض، وعيناه الكبيرة اللتان كانتا تشتعلان بالرعد والغرور منذ ساعات، امتلأتا برعب حقيقي، خالص، وعميق لأول مرة في حياته الطويلة. رفع ست صولجانه الرعدي المعوج عالياً نحو الغيوم المتفجرة، ومفاصله تنبض بقوة كونية مدمرة، مستعداً بكل جوارحه لإطلاق الضربة القاضية والنهائية التي ستنهي هذا الوجود المظلم.شعر بعل بنهاية أجله واقتراب الفناء، فتحرك الخوف في صدره، وصاح متوسلاً بصوت مكسور، ذليل، يرج جنبات السماء ويستجدي الرحمة من قاهره:"أرجوك... أرجوك يا ست العظيم... ارفع قدمك عني وأتركني أعيش! أقسم لك ببارئ الأكوان أنني لن أمس أرض مصر الطاهرة، ولا نيلها، ولا شعبها بأي سوء أو شر مرة أخرى طوال حياتي... حقاً أقول لك! لقد تعلمت الدرس القاسي اليوم وعرفت حجمي الحقيقي... أنا كنت أح

  • سيد الرماد والضوء   128

    وفي تلك اللحظة الحرجة من المواجهة الكونية، وتحت وطأة الضربات الساحقة والمدمرة لسيد الصحراء، أدركت الإلهة الشرسة عنات أنها ميتة بلا محالة إن بقيت في هذه الساحة لعدة دقائق أخرى، وعرِفت أن جبروت ست لا يمكن لأي قوة شمالية أن تقف في وجهه أو ترده.التفتت برأسها ونظرت إلى زوجها وشريكها بعل، فرأته يترنح وينزف ناراً زرقاء اللون من جروحه العميقة وعاجزاً عن الصد، ثم نظرت نحو الإله ست فرأته يتقدم نحوهما بخطى ثقيلة وثابتة كأنه الموت نفسه الذي يطارد ضحاياه وعيناه الحمراوان تشعان بقسم الفناء. في تلك اللحظة، تملك الخوف والهلع قلب إلهة الحرب، وقررت التخلي عن كل شيء والهرب لتنقذ نفسها.همست عنات بنبرة مرتجفة ومذعورة وهي تنظر إلى زوجها للمرة الأخيرة:"سامحني يا بعل... لم أكن أعلم أننا نواجه هذا الوحش الكوني. لا يمكنني الموت هنا من أجلك."وبدون أي تردد، دارت بجسدها وتحولت في ثوانٍ معدودة إلى لهيب أزرق حارق، وانطلقت نحو أعالي السماء هاربة بسرعة مذهلة شقت بها الغيوم الداكنة، تاركة زوجها بعل وحيداً وبدون أي دعم في قبضة ست التي لا ترحم.صاح بعل بصوت يملأه الذعر والذهول والحرقة وهو يرى شريكته تفر وتتركه للموت

  • سيد الرماد والضوء   127

    تحولت ساحة المعركة بالكامل إلى جحيم أسطوري حي، حيث امتزجت قوة البشر بقوة الآلهة العظام لتصنع لوحة من الدمار لم تشهدها الأرض من قبل. كانت السماء قد تبدلت ملامحها، فصارت ساحة متفجرة مليئة بصواعق البرق العنيفة، وهزيم الرعد الذي يصم الآذان، والرمال المتطايرة التي تحجب الرؤية كأنها جدران من الغبار. وفي الأسفل، كانت الأرض تئن وتنشق تحت الأقدام لتبتلع جثث الغزاة، بينما كانت الدماء الدافئة تسيل كالأنهار الجارية، وتصبغ الرمال البيضاء باللون الأحمر القاني.وفي قلب هذا الجحيم المستعر، كان الجيش المصري يقاتل ببسالة خارقة وبشجاعة هزمت الموت نفسه.وقف الملك "مرنبتاح" في طليعة الصفوف الأمامية كأسد جريح لا يعرف الخوف؛ كان درعه مكسوراً ووجهه مغطى بالدماء والغبار، لكن سيفه الذهبي كان يلمع كقطعة من جمر. اندفع نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق رماة الدلتا، وبضربة سريعة ودقيقة قطع أرجل السبع، ثم قفز بخفة فوق ظهره المغطى بالدخان، وغرز سيفه بكل قوته في عنق السبع حتى سقط الوحش يصرخ صرخة الموت ويتلاشى كالدخان. رفع مرنبتاح سيفه وسط الغبار وصاح بصوت مدوٍّ أشعل الحماس في قلوب رجاله:"لأجل أبي رمسيس العظيم! لأجل أرض ا

  • سيد الرماد والضوء   126

    وقف الإله ست في مكانه، شامخاً كالجبل الأبدي وسط الرمال المتطايرة، ثم انفجرت من حنجرته السبعية ضحكة مدوية، غاشمة، ملأت أركان الكون كله وأخرست حتى صوت الرياح العاتية. لم تكن ضحكة خوف أو قلق، بل كانت ضحكة سعيدة، فرحة، وشرهة للقتال إلى أبعد الحدود. كانت عيناه الناريتان تضيئان بوهج أحمر مرعب، وأنيابه الحادة تبرز من تحت شفتيه في ابتسامة وحشية مخيفة.لقد كان ست يحب القتال والصدام أكثر من أي شيء آخر في الوجود، ومواجهة إلهين قويين مثل بعل وعنات في وقت واحد وفي معركة مكشوفة، كانت بالنسبة له متعة كبرى لا تُضاهى، وفرصة ليطلق العنان لجبروته الذي لا يعرف القيود.رفع ست صولجانه الرعدي المعوج نحو السماء، وصاح بصوت زلزل الجبال الشمالية وأحدث شروخاً في صخور التلال:"أخيراً... أخيراً جاءني تحدٍّ حقيقي يليق بقوتي وجوعي للدماء! تعالَ إليّ يا بعل الجبان الذي يختبئ خلف زوجته... وتعالَي أنتِ أيضاً يا عنات بنصالك المسمومة! اليوم سأعید تلقينكما الدرس، وأذكركما بالدم والنار لماذا أنا، وليس غيري، سيد الصحراء الأوحد، وملك الرعد، وإله الدمار الغاشم الذي لا يُقهر!"وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت الملحمة الإلهية الحقيق

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status