Share

19

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-14 16:44:58

وقف خع إم واست على قمة البرج الرئيسي لمعبد بتاح، والرياح السوداء تعصف بعباءته كأنها أيدي تابوبو تحاول سحبه. أسفل منه، كانت منف تئن تحت وطأة جيش الظلال. آلاف الكيانات الأثيرية كانت تتقدم ببطء مخيف، أجسادها المتمايلة تملأ الشوارع بإغراء مميت، تمتص أرواح الضعفاء وتحولهم إلى ظلال جديدة. في قلب هذا الجحيم، كان تجسد تابوبو العملاقي يرتفع كإلهة انتقام، عيناها تلمعان ببريق يجمع بين الحب المسموم والسلطة المطلقة.

بجانبه، كانت تفنوت مستندة إليه، جسدها المنهك يرتجف من الإرهاق بعد الطقس والمعركة، لكن روحها لا تزال مشتعلة. أمسكت بيده بقوة، أصابعها الباردة تذكره بوجودها. "الآن... اللحظة التي كنت أخشاها قد حانت"، همست. "ستضطر للاختيار."

شعر الأمير بكل شيء ينهار داخل صدره. الكتاب على صدره كان ينبض بعنف، يعرض عليه قوة لا حدود لها مقابل استسلامه للظلام. في ذهنه، عادت كل الذكريات بقوة مدمرة: ليالي بو باستيس، جسد تابوبو الذي انصهر معه في طقوس محرمة، النشوة التي كادت تذيب روحه، الوعد بأن يصبح إلهاً يحكم الموت نفسه. كان ذلك الجزء منه — الجزء الجائع للقوة — يصرخ: اخترها... اختر الخلود الحقيقي.

لكنه نظر إلى تفنوت. نظر إلى عينيها اللتين تحملان كل نقاء منف، كل وفاء صامت، كل تضحية قدمتها له دون أن تطلب شيئاً. تذكر دفء حضنها بعد عودته، صوتها وهي تردد اسمه في الطقس، جسدها الذي انفتح له ليس كأداة متعة، بل كحصن روحي. شعر بألم حاد يعتصر قلبه — اختيار بين نار محرمة تمنحه كل شيء، وبين نور طاهر يطالب منه كل شيء.

وقفت تابوبو أمامه في السماء كتجسيد عملاق، صوتها يرج المدينة: "اختر يا خع إم واست! إما أن تأتي إليّ الآن ونحكم معاً، فنبني إمبراطورية من الرماد والخلود... أو سأحرق منف أمام عينيك، وأترك كاهنتك تذوب في ظلالي. أنت تعرف أنك تنتمي لي. جسدك يتذكر، وروحك تشتاق."

انحنى الأمير على ركبة واحدة، يمسك رأسه بكلتا يديه. الصراع كان يمزقه من الداخل. رأى في خياله مشهدين متضاربين: واحد يظهره جالساً على عرش من العظام والذهب بجانب تابوبو، يحكم ممالك لا تموت. والثاني يظهره بجانب تفنوت، في منف المعاد بناؤها، حارساً للأسرار وليس سيداً لها.

التفت إلى تفنوت، التي كانت تنظر إليه بصمت، عيناها مليئتان بالدموع لكنها لا تتوسل. "القرار قرارك يا أميري"، قالت بهدوء. "سواء اخترت الظلام أو النور... سأظل أحبك."

في تلك اللحظة المصيرية، استجمع خع إم واست كل كبريائه الفرعوني. نهض ببطء، عيناه تلمعان ببريق جديد — ليس بريق الخلود المحرم، بل بريق الإرادة الحرة. رفع "كتاب تحوت" عالياً، وصرخ بصوت يهز أرجاء السماء:

"أنا خع إم واست، ابن منف، لستُ عبداً للظلام ولا للنور وحده! لن أختار بينكما... بل سأخلق طريقاً ثالثاً. سأستخدم قوتكِ يا تابوبو، لكن ليس تحت سيطرتك. وسأحافظ على طهر تفنوت، ليس كقيد، بل كتوازن. أنا لن أكون إلهاً يحكم بالخوف، بل حارساً يحمي التوازن بين الدوات!"

ضحكت تابوبو ضحكة مدوية مليئة بالغضب والاستهزاء. "ستندم! لا أحد يستطيع أن يجمع بيني وبين طهرها!"

لكن خع إم واست لم يتراجع. جذب تفنوت إليه بقوة، وقبلها أمام الجميع — قبلة عميقة، طويلة، مليئة بالعهد والشوق. في تلك اللحظة، اندمجت طاقتهما تماماً: نور تفنوت النقي مع سطور الكتاب المظلمة التي انتزعها من تابوبو. انفجر شعاع هائل من فيروز وذهب وأسود مختلط، يضيء السماء ويصطدم بتجسد تابوبو مباشرة.

صرخت الساحرة من الألم والغضب، وتراجع جيش الظلال خطوات إلى الوراء. لم يكن النور قد أبادها، لكنه أضعفها، وفتح في قلبها جرحاً لم تكن تتوقعه — جرح الرفض الحقيقي.

انهار خع إم واست على ركبتيه، يحمل تفنوت التي كانت قد أغمي عليها من شدة الطاقة. كان قد اتخذ قراره المصيري: لن يستسلم للغواية الكاملة، ولن يتخلى عن الحب. سيكون طريقه طريق التوازن — طريق ملك يحمل الظلام والنور معاً، ويحمي منف من الانهيار.

لكن في أعماقه، كان يعلم أن تابوبو لن تقبل بهذا التحدي. الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

  • سيد الرماد والضوء   129

    وفي ذات الوقت، وفي قلب المعركة الإلهية التي تصاغرت أمامها حروب البشر، كان الإله ست يقف ثابتاً كالمسلة الشامخة، وقد وضع قدمه الضخمة والثقيلة بقسوة فوق صدر بعل المطروح على الرمال الحارة.كان بعل يلهث ويتنفس بصعوبة شديدة كأن أنفاسه الأخيرة تفر منه، وجسده العملاق الأسود ينزف بغزارة ناراً زرقاء داكنة تذوب في التراب وتترك حروقاً في الأرض، وعيناه الكبيرة اللتان كانتا تشتعلان بالرعد والغرور منذ ساعات، امتلأتا برعب حقيقي، خالص، وعميق لأول مرة في حياته الطويلة. رفع ست صولجانه الرعدي المعوج عالياً نحو الغيوم المتفجرة، ومفاصله تنبض بقوة كونية مدمرة، مستعداً بكل جوارحه لإطلاق الضربة القاضية والنهائية التي ستنهي هذا الوجود المظلم.شعر بعل بنهاية أجله واقتراب الفناء، فتحرك الخوف في صدره، وصاح متوسلاً بصوت مكسور، ذليل، يرج جنبات السماء ويستجدي الرحمة من قاهره:"أرجوك... أرجوك يا ست العظيم... ارفع قدمك عني وأتركني أعيش! أقسم لك ببارئ الأكوان أنني لن أمس أرض مصر الطاهرة، ولا نيلها، ولا شعبها بأي سوء أو شر مرة أخرى طوال حياتي... حقاً أقول لك! لقد تعلمت الدرس القاسي اليوم وعرفت حجمي الحقيقي... أنا كنت أح

  • سيد الرماد والضوء   128

    وفي تلك اللحظة الحرجة من المواجهة الكونية، وتحت وطأة الضربات الساحقة والمدمرة لسيد الصحراء، أدركت الإلهة الشرسة عنات أنها ميتة بلا محالة إن بقيت في هذه الساحة لعدة دقائق أخرى، وعرِفت أن جبروت ست لا يمكن لأي قوة شمالية أن تقف في وجهه أو ترده.التفتت برأسها ونظرت إلى زوجها وشريكها بعل، فرأته يترنح وينزف ناراً زرقاء اللون من جروحه العميقة وعاجزاً عن الصد، ثم نظرت نحو الإله ست فرأته يتقدم نحوهما بخطى ثقيلة وثابتة كأنه الموت نفسه الذي يطارد ضحاياه وعيناه الحمراوان تشعان بقسم الفناء. في تلك اللحظة، تملك الخوف والهلع قلب إلهة الحرب، وقررت التخلي عن كل شيء والهرب لتنقذ نفسها.همست عنات بنبرة مرتجفة ومذعورة وهي تنظر إلى زوجها للمرة الأخيرة:"سامحني يا بعل... لم أكن أعلم أننا نواجه هذا الوحش الكوني. لا يمكنني الموت هنا من أجلك."وبدون أي تردد، دارت بجسدها وتحولت في ثوانٍ معدودة إلى لهيب أزرق حارق، وانطلقت نحو أعالي السماء هاربة بسرعة مذهلة شقت بها الغيوم الداكنة، تاركة زوجها بعل وحيداً وبدون أي دعم في قبضة ست التي لا ترحم.صاح بعل بصوت يملأه الذعر والذهول والحرقة وهو يرى شريكته تفر وتتركه للموت

  • سيد الرماد والضوء   127

    تحولت ساحة المعركة بالكامل إلى جحيم أسطوري حي، حيث امتزجت قوة البشر بقوة الآلهة العظام لتصنع لوحة من الدمار لم تشهدها الأرض من قبل. كانت السماء قد تبدلت ملامحها، فصارت ساحة متفجرة مليئة بصواعق البرق العنيفة، وهزيم الرعد الذي يصم الآذان، والرمال المتطايرة التي تحجب الرؤية كأنها جدران من الغبار. وفي الأسفل، كانت الأرض تئن وتنشق تحت الأقدام لتبتلع جثث الغزاة، بينما كانت الدماء الدافئة تسيل كالأنهار الجارية، وتصبغ الرمال البيضاء باللون الأحمر القاني.وفي قلب هذا الجحيم المستعر، كان الجيش المصري يقاتل ببسالة خارقة وبشجاعة هزمت الموت نفسه.وقف الملك "مرنبتاح" في طليعة الصفوف الأمامية كأسد جريح لا يعرف الخوف؛ كان درعه مكسوراً ووجهه مغطى بالدماء والغبار، لكن سيفه الذهبي كان يلمع كقطعة من جمر. اندفع نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق رماة الدلتا، وبضربة سريعة ودقيقة قطع أرجل السبع، ثم قفز بخفة فوق ظهره المغطى بالدخان، وغرز سيفه بكل قوته في عنق السبع حتى سقط الوحش يصرخ صرخة الموت ويتلاشى كالدخان. رفع مرنبتاح سيفه وسط الغبار وصاح بصوت مدوٍّ أشعل الحماس في قلوب رجاله:"لأجل أبي رمسيس العظيم! لأجل أرض ا

  • سيد الرماد والضوء   126

    وقف الإله ست في مكانه، شامخاً كالجبل الأبدي وسط الرمال المتطايرة، ثم انفجرت من حنجرته السبعية ضحكة مدوية، غاشمة، ملأت أركان الكون كله وأخرست حتى صوت الرياح العاتية. لم تكن ضحكة خوف أو قلق، بل كانت ضحكة سعيدة، فرحة، وشرهة للقتال إلى أبعد الحدود. كانت عيناه الناريتان تضيئان بوهج أحمر مرعب، وأنيابه الحادة تبرز من تحت شفتيه في ابتسامة وحشية مخيفة.لقد كان ست يحب القتال والصدام أكثر من أي شيء آخر في الوجود، ومواجهة إلهين قويين مثل بعل وعنات في وقت واحد وفي معركة مكشوفة، كانت بالنسبة له متعة كبرى لا تُضاهى، وفرصة ليطلق العنان لجبروته الذي لا يعرف القيود.رفع ست صولجانه الرعدي المعوج نحو السماء، وصاح بصوت زلزل الجبال الشمالية وأحدث شروخاً في صخور التلال:"أخيراً... أخيراً جاءني تحدٍّ حقيقي يليق بقوتي وجوعي للدماء! تعالَ إليّ يا بعل الجبان الذي يختبئ خلف زوجته... وتعالَي أنتِ أيضاً يا عنات بنصالك المسمومة! اليوم سأعید تلقينكما الدرس، وأذكركما بالدم والنار لماذا أنا، وليس غيري، سيد الصحراء الأوحد، وملك الرعد، وإله الدمار الغاشم الذي لا يُقهر!"وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت الملحمة الإلهية الحقيق

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status