Share

58

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-20 22:10:47

بداية الحملة الملكية الكبرى

بعد استجواب عيلاج في أعماق قاعة السرّ تحت قصر طيبة، لم يعد هناك مجال للتردد. كان قرار الفرعون رمسيس حاسماً وتاريخياً، يحمل في طياته ثقل الإمبراطورية كلها. في اليوم التالي مباشرة، أصدر أوامره الملكية إلى كل ولايات مصر، وانتشرت الرسل على ظهور الخيول السريعة وعلى متن السفن الخفيفة، يحملون المنشورات الملكية المختومة بخاتم الفرعون. كانت مصر كلها تستيقظ على صوت الحرب المقدسة.

بدأت الاستعدادات على نطاق لم تشهده المملكة منذ عقود. في منف، أشرف الأمير خع إم واست شخصياً على تجميع الفرق العسكرية الشمالية. كانت ساحات التدريب تُغطى بالغبار من أقدام الآلاف من الجنود الذين يتدربون من الفجر حتى الغسق. كان الحدادون في أحياء الحرفيين يعملون ليلاً ونهاراً، يصنعون السيوف والرماح والدروع المطعمة بالذهب والفيروز، ويصقلون المركبات الحربية التي ستحمل رايات آمون ورع. أما الأميرة تفنوت، فقد تولت الجانب الروحي للحملة. اجتمعت مع كبار كاهنات معبد بتاح وإيزيس، وأمرت بإعداد طقوس حماية جماعية ضخمة، تقدم فيها القرابين من الثيران المقدسة والعطور النادرة، وتُكتب التعاويذ على برديات خاصة تُعلق على كل سفينة ومركبة.

في طيبة، كان الفرعون رمسيس يجلس في قاعة التخطيط الملكية رغم ضعفه الجسدي، محاطاً بخرائط النيل المرسومة على جلود كبيرة، وتقارير الجواسيس من الجنوب. كان سى اوزير يجلس بجانبه، يصف له الرؤى التي يراها كل ليلة: جيوش حبشية تتجمع في الظلام، سحر أسود يتصاعد من معابد مهجورة، وملك «أكا-نخت» يقف شامخاً على عرش من عظام الفراعنة. كان الفتى الثلاثة عشري يتحدث بثبات، عيناه الفيروزيتان تلمعان بنور داخلي، مما يملأ قلب جده بالفخر والقلق في آن واحد.

"يا جدي،" قال سى اوزير في إحدى الجلسات المطولة، "رأيتُ النيل يغلي بدماء، ورأيتُ رايات حبشية سوداء ترفرف فوق معابدنا. لكنني رأيتُ أيضاً نوراً يخرج من قلب الحملة... نورنا نحن."

ابتسم رمسيس ابتسامة ضعيفة، وضع يده على كتف حفيده وقال:

"أنتَ يا ولدي سرّ قوتنا. سنحتاج إلى عينيكَ وعقلكَ في الطريق. لن تكون هذه حملة عادية... بل ملحمة ستُكتب في برديات التاريخ."

في غضون أسابيع قليلة، تجمع جيش مصر الجرار. كان يتكون من عشرات الآلاف من المشاة، الرماة، سائقي المركبات، والفرسان. انضمت إليهم كتائب خاصة من الكهنة المقاتلين، يحملون كتب السحر ويؤدون الطقوس قبل كل مواجهة. كانت الأسطول الملكي يتكون من أكثر من مئتي سفينة حربية، بعضها عملاقة مزودة بأبراج قتالية ومنصات للرماة. زُينت السفن برايات مصر الذهبية، وعلقت عليها تمائم الحماية التي أعدتها تفنوت وكاهناتها.

كان اليوم المحدد للخروج يوماً مقدساً، يوافق اكتمال القمر في شهر أبيب. اجتمع الجيش بأكمله أمام معبد آمون الكبير بطيبة. كان الجو مشحوناً بالرهبة والحماس. وقف الفرعون رمسيس على منصة مرتفعة، مرتدياً التاج المزدوج، وعباءته الملكية مطرزة برموز الآلهة. إلى يمينه وقف الأمير خع إم واست بكامل درعه العسكري، وعلى يساره الأميرة تفنوت بثوبها الكهنوتي الأبيض المطرز بالفيروز، وسى اوزير يقف بينهما كشاب يحمل في عينيه بريق المستقبل.

رفع رمسيس عصاه الملكية عالياً، وخاطب الجيش بصوت قوي رغم ما يعانيه جسده:

"أيها أبناء مصر! أيها حماة الكنانة! الجنوب تجرأ على تحدينا، وعلى تدنيس أرضنا بالسحر الأسود. اليوم نخرج ليس للانتقام فحسب، بل لنؤكد مجدنا الأبدي. سنذهب جنوباً، نقضي على ملك الحبشة 'أكا-نخت' وجيشه، ونعيد السلام والسيطرة إلى حدودنا. معنا آمون، معنا رع، معنا ست، ومعنا قوة مصر التي لا تُقهر! للنصر! لمصر! للفرعون!"

انفجر الجيش في هتاف مدوي هز الأرض والسماء:

"**للفرعون! لمصر! للنصر!**"

انطلقت الحملة في موكب مهيب. تقدمت السفينة الملكية في المقدمة، يليها أسطول ضخم يغطي سطح النيل. كان خع إم واست يقف على مقدمة السفينة الرئيسية مع ابنه، يراقب الضفاف التي تمر بجانبهم. كانت تفنوت في المقصورة الداخلية، تؤدي طقوس الحماية اليومية للسفن كلها. أما رمسيس، فقد كان جالساً على عرشه المتنقل، يستمع إلى تقارير القادة ويستشير حفيده في الرؤى.

خلال الأيام الأولى من الرحلة، كانت الأجواء مليئة بالانضباط والحماس. كان الجنود يتدربون على ظهر السفن، والكهنة يرددون التعاويذ. لكن سى اوزير كان يشعر بتوتر متزايد. في إحدى الليالي، استيقظ صارخاً، وركض إلى والده:

"يا أبي... رأيتُ جيشاً هائلاً ينتظرنا عند الشلال الكبير. ليس جيشاً عادياً... بل محاربين ممزوجين بسحر أسود، ووراءهم ظل ملك الحبشة يضحك."

جمع خع إم واست المجلس العسكري فوراً. ناقشوا الخطط، وأمر الفرعون بتعزيز الحراسة وإرسال كشافة متقدمة. كانت الحملة تتقدم ببطء مدروس، محافظة على تماسكها، بينما كان النيل يشهد على عظمة مصر المتحركة جنوباً.

مع اقترابهم من المناطق الحدودية، بدأت بوادر الصدام تظهر. كانت القرى على الضفاف خالية أو مليئة بأهالٍ مذعورين يروون قصص رعب عن غارات حبشية. كان رمسيس يأمر بتوزيع الطعام والمساعدة عليهم، مؤكداً أن الجيش جاء محرراً لا غازياً. في إحدى القرى، واجهوا فخاً سحرياً صغيراً: دائرة سوداء أطلقت أرواحاً شريرة. تدخل سى اوزير بسرعة، وقطعها بتعويذة قوية، مما أكسبه احترام الجنود.

كانت الرحلة مليئة بالتحديات واللحظات الإنسانية. في الليالي، كان خع إم واست يجلس مع تفنوت وسى اوزير حول نار المخيم، يتحدثون عن الماضي والمستقبل. كانت تفنوت تذكر زوجها بقوتها معاً، وكان سى اوزير يسأل عن قصص والده مع تابوبو، مستلهماً الدروس منها.

كانت الحملة تتقدم بثبات، والجنوب ينتظر بفم مفتوح، مليئاً بالظلام والتحديات. لكن عزم الفرعون وعائلته كان أقوى.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

  • سيد الرماد والضوء   129

    وفي ذات الوقت، وفي قلب المعركة الإلهية التي تصاغرت أمامها حروب البشر، كان الإله ست يقف ثابتاً كالمسلة الشامخة، وقد وضع قدمه الضخمة والثقيلة بقسوة فوق صدر بعل المطروح على الرمال الحارة.كان بعل يلهث ويتنفس بصعوبة شديدة كأن أنفاسه الأخيرة تفر منه، وجسده العملاق الأسود ينزف بغزارة ناراً زرقاء داكنة تذوب في التراب وتترك حروقاً في الأرض، وعيناه الكبيرة اللتان كانتا تشتعلان بالرعد والغرور منذ ساعات، امتلأتا برعب حقيقي، خالص، وعميق لأول مرة في حياته الطويلة. رفع ست صولجانه الرعدي المعوج عالياً نحو الغيوم المتفجرة، ومفاصله تنبض بقوة كونية مدمرة، مستعداً بكل جوارحه لإطلاق الضربة القاضية والنهائية التي ستنهي هذا الوجود المظلم.شعر بعل بنهاية أجله واقتراب الفناء، فتحرك الخوف في صدره، وصاح متوسلاً بصوت مكسور، ذليل، يرج جنبات السماء ويستجدي الرحمة من قاهره:"أرجوك... أرجوك يا ست العظيم... ارفع قدمك عني وأتركني أعيش! أقسم لك ببارئ الأكوان أنني لن أمس أرض مصر الطاهرة، ولا نيلها، ولا شعبها بأي سوء أو شر مرة أخرى طوال حياتي... حقاً أقول لك! لقد تعلمت الدرس القاسي اليوم وعرفت حجمي الحقيقي... أنا كنت أح

  • سيد الرماد والضوء   128

    وفي تلك اللحظة الحرجة من المواجهة الكونية، وتحت وطأة الضربات الساحقة والمدمرة لسيد الصحراء، أدركت الإلهة الشرسة عنات أنها ميتة بلا محالة إن بقيت في هذه الساحة لعدة دقائق أخرى، وعرِفت أن جبروت ست لا يمكن لأي قوة شمالية أن تقف في وجهه أو ترده.التفتت برأسها ونظرت إلى زوجها وشريكها بعل، فرأته يترنح وينزف ناراً زرقاء اللون من جروحه العميقة وعاجزاً عن الصد، ثم نظرت نحو الإله ست فرأته يتقدم نحوهما بخطى ثقيلة وثابتة كأنه الموت نفسه الذي يطارد ضحاياه وعيناه الحمراوان تشعان بقسم الفناء. في تلك اللحظة، تملك الخوف والهلع قلب إلهة الحرب، وقررت التخلي عن كل شيء والهرب لتنقذ نفسها.همست عنات بنبرة مرتجفة ومذعورة وهي تنظر إلى زوجها للمرة الأخيرة:"سامحني يا بعل... لم أكن أعلم أننا نواجه هذا الوحش الكوني. لا يمكنني الموت هنا من أجلك."وبدون أي تردد، دارت بجسدها وتحولت في ثوانٍ معدودة إلى لهيب أزرق حارق، وانطلقت نحو أعالي السماء هاربة بسرعة مذهلة شقت بها الغيوم الداكنة، تاركة زوجها بعل وحيداً وبدون أي دعم في قبضة ست التي لا ترحم.صاح بعل بصوت يملأه الذعر والذهول والحرقة وهو يرى شريكته تفر وتتركه للموت

  • سيد الرماد والضوء   127

    تحولت ساحة المعركة بالكامل إلى جحيم أسطوري حي، حيث امتزجت قوة البشر بقوة الآلهة العظام لتصنع لوحة من الدمار لم تشهدها الأرض من قبل. كانت السماء قد تبدلت ملامحها، فصارت ساحة متفجرة مليئة بصواعق البرق العنيفة، وهزيم الرعد الذي يصم الآذان، والرمال المتطايرة التي تحجب الرؤية كأنها جدران من الغبار. وفي الأسفل، كانت الأرض تئن وتنشق تحت الأقدام لتبتلع جثث الغزاة، بينما كانت الدماء الدافئة تسيل كالأنهار الجارية، وتصبغ الرمال البيضاء باللون الأحمر القاني.وفي قلب هذا الجحيم المستعر، كان الجيش المصري يقاتل ببسالة خارقة وبشجاعة هزمت الموت نفسه.وقف الملك "مرنبتاح" في طليعة الصفوف الأمامية كأسد جريح لا يعرف الخوف؛ كان درعه مكسوراً ووجهه مغطى بالدماء والغبار، لكن سيفه الذهبي كان يلمع كقطعة من جمر. اندفع نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق رماة الدلتا، وبضربة سريعة ودقيقة قطع أرجل السبع، ثم قفز بخفة فوق ظهره المغطى بالدخان، وغرز سيفه بكل قوته في عنق السبع حتى سقط الوحش يصرخ صرخة الموت ويتلاشى كالدخان. رفع مرنبتاح سيفه وسط الغبار وصاح بصوت مدوٍّ أشعل الحماس في قلوب رجاله:"لأجل أبي رمسيس العظيم! لأجل أرض ا

  • سيد الرماد والضوء   126

    وقف الإله ست في مكانه، شامخاً كالجبل الأبدي وسط الرمال المتطايرة، ثم انفجرت من حنجرته السبعية ضحكة مدوية، غاشمة، ملأت أركان الكون كله وأخرست حتى صوت الرياح العاتية. لم تكن ضحكة خوف أو قلق، بل كانت ضحكة سعيدة، فرحة، وشرهة للقتال إلى أبعد الحدود. كانت عيناه الناريتان تضيئان بوهج أحمر مرعب، وأنيابه الحادة تبرز من تحت شفتيه في ابتسامة وحشية مخيفة.لقد كان ست يحب القتال والصدام أكثر من أي شيء آخر في الوجود، ومواجهة إلهين قويين مثل بعل وعنات في وقت واحد وفي معركة مكشوفة، كانت بالنسبة له متعة كبرى لا تُضاهى، وفرصة ليطلق العنان لجبروته الذي لا يعرف القيود.رفع ست صولجانه الرعدي المعوج نحو السماء، وصاح بصوت زلزل الجبال الشمالية وأحدث شروخاً في صخور التلال:"أخيراً... أخيراً جاءني تحدٍّ حقيقي يليق بقوتي وجوعي للدماء! تعالَ إليّ يا بعل الجبان الذي يختبئ خلف زوجته... وتعالَي أنتِ أيضاً يا عنات بنصالك المسمومة! اليوم سأعید تلقينكما الدرس، وأذكركما بالدم والنار لماذا أنا، وليس غيري، سيد الصحراء الأوحد، وملك الرعد، وإله الدمار الغاشم الذي لا يُقهر!"وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت الملحمة الإلهية الحقيق

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status