Share

76

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-28 14:42:38

تثبتت قدما "سي أوزير" في أرض الدوات الباردة، وكأن التراب العفن قد تحول إلى قيود من رصاص يمنعه من الحراك. كانت الرؤية الماثلة أمامه تفوق في قسوتها وهج شظايا المرآة السوداء؛ إذ وقف طيف أمه الكاهنة "تفنوت" على بعد خطوتين منه، يتدلى وشاحها الكهرماني بنعومة بالغة تحاكي رقة نسيم الفجر في "منف"، لكن وجهها الفاتن كان شاحباً كالرماد، وعيناها اللتان طالما كانتا ملاذاً لروعته الغضة، تفيضان الآن بدموع حارقة تركت خطوطاً داكنة على بشرتها الخمرية. كان صوتها المتهدج ينفذ إلى أوعية جمجمته مباشرة، يمزق كل حصن بناه في التحدي السابق، ويزرع في وجدانه بذور الشك والذنب والارتجاف الفطري.

"لا تذهب يا ولدي وتتركني وحيدة في صقيع منف.. إذا ذهبتَ وفارقت عيني سأموت من فرط الحزن واللوعة! أبوك قد غيبه الموت والسحر الأسود ولن يعود أبداً.. ابقَ معي، أرجوك.. أنا لا أستطيع تحمل المزيد من الفقد والخراب."

بدأت الرؤى السحرية المصاحبة للكلمات تتدفق بغزارة مروعة في وعي الفتى، مجسدة الكوابيس المخبوءة في زوايا عقله. رأى أمه "تفنوت" وهي تموت ببطء شديد وبشكل حسي مؤلم أمام عينيه؛ رأى جسدها الممشوق الطاهر يذبل يوماً بعد يوم كزهرة حُرمت من ضياء الآلهة، ويتحول لون بشرتها الدافئ إلى بياض الموت الشاحب. كان يسمع صوتها وهي تتوسل إليه بنبرة مخنوقة بالدموع، يشعر بألمها ولوعتها وكأنها نصل يمرق ببطء بين أضلاعه. امتد الوهم ليريه صوراً مستقبلية بالغة القسوة؛ رأى أمه جالسة بمفردها في حديقة المعبد المهجورة في منف، تبكي بمرارة تحت ضوء القمر في كل ليلة، وتنادي اسمه "سي أوزير.. سي أوزير" حتى يجف حلقها وتنقطع أنفاسها دون مجيب، والظلال تحيط بها من كل جانب لتلتهم طهرها.

كان الصراع النفسي في هذه العتبة السحرية مستعراً ولطيف الملمس في آن واحد، وهو ما جعله أشد فتكاً من هجوم السحر الأسود العلني؛ فحجم الحب والجذب العاطفي الفطري الذي يربطه بأمه كان هو السلاح الذي يستخدمه غياهب الدوات لكسر إرادته وصرفه عن إنقاذ أبيه الأمير "خع إم واست". حاول الفتى التقدم خطوة واحدة لاختراق الطيف، لكن جسده خذله، وبدلاً من ذلك وجد نفسه يتوقف مجبراً في كل مرة، يمد يديه النحيفتين المرتجفتين محاولاً معانقة هذا الخيال الباكي، ويصرخ بدموع حارة تختنق في صدره: "سأبقى.. سأبقى معكِ يا أمي، لن أترككِ للظلمة!" وكلما نطق بهذه الكلمات، كان يشعر بنبضات طاقة "كتاب تحوت" الكامنة في غياهب الوادي وهي تبتسم بنصر مكتوم، لأن تراجعه يعني بقاء أبيه سجيناً للأبد في غياهب اللعنة الارتدادية.

استمر هذا الصراع النفسي الشرس لعدة ساعات طويلة ومؤلمة وسط صمت عالم الدوات الذي كان يتغذى على نزيف عواطفه. كان سي أوزير يرى أمه تموت أمامه ألف مرة في دقيقة واحدة، وفي كل مرة كانت المأساة تتخذ شكلاً أشد قسوة؛ تارة يراها تلومه بعينين زجاجيتين فارغتين من الحياة، وتارة يرى طيفها يتلاشى كغبار من الكتان المحروق وهو عاجز عن الإمساك بها، مما جعل شعور الذنب الفطري يأكله حياً وينخر في صلابته الملكية.

كان يصرخ، ويبكي بحرقة تزلزل أركان الفراغ، ويحاول بكل ما أوتي من موروث عقلي ودراسة لعلوم المعبد أن يتذكر أن هذا كله ليس سوى وهم سحري، فخ نسجته الظلال باحترافية لتستغل نقاء قلبه. لكن الحب الفطري كان أقوى من الحكمة، والجذب الأنثوي لأمومة تفنوت كان يشد روحه نحو التراجع، كاد ينهار تماماً ويجثو على ركبتيه مستسلماً، معلناً رغبته في العودة إلى منف ليعيش تحت قدمي أمه ويترك والده لمصيره الملعون.

في النهاية، وبعد أن بلغت الإثارة النفسية والدراما ذروتها، وشارفت روحه على الانقسام، انتصب الفتى بقامته الممشوقة، ونظر في عيني الطيف الباكي، وقال بصوت مكسور لكنه يحمل عمقاً وصدقاً تخطى حدود الوهم الساحق:

"أحبكِ يا أمي... أحبكِ أكثر من نوري وضياء عيني، لكنني أحب أبي أيضاً، والابن الذي يترك أباه في الجحيم لن يكون جديراً بنقائكِ وطهركِ. سأعبر هذه الظلمة، وسأعود بكتاب تحوت... أعدكِ بالعودة!"

ومع هذه الكلمات التي خرجت كقربان معمد بالدموع، انفتحت الحجب وتلاشى طيف تفنوت الباكي كضباب فجر تبدده شمس مصر اللاهبة، وانفتح الطريق أمامه مجدداً. لكنه خرج من هذه المواجهة وهو يبكي بحرقة تشق الصدور، وروحه تنزف حزناً وألماً، والخطوات تزداد ثقلاً فوق التراب العتيق مع تقدمه نحو العتبة التالية.

ولم يكد يلتقط أنفاسه المجهدة حتى تبدلت الأجواء من حوله، فثقل الهواء اللافح على صدره النحيل، وانشقت الظلمة عن مظهر مهيب ومفزع؛ إذ ظهر له الفرعون العظيم "رمسيس"، لكنه لم يكن في جلال عرشه وصورته الحربية، بل كان عجوزاً مكسوراً تماماً، ينظر إليه بعينين غائرتين مليئتين باللوم القاتل والحزن العميق الذي يهد الجبال، بادئاً التحدي الثالث بصوت حاد كالنصال:

"أنت السبب في كل هذا الخراب يا ولد... لو لم تولد وتأخذ طهر منف، لما عانى أبوك خع إم واست ولما غيبته اللعنة. عد إلى الوراء، ودعني أموت بسلام ولا تحرق مصر بقرارك."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

  • سيد الرماد والضوء   129

    وفي ذات الوقت، وفي قلب المعركة الإلهية التي تصاغرت أمامها حروب البشر، كان الإله ست يقف ثابتاً كالمسلة الشامخة، وقد وضع قدمه الضخمة والثقيلة بقسوة فوق صدر بعل المطروح على الرمال الحارة.كان بعل يلهث ويتنفس بصعوبة شديدة كأن أنفاسه الأخيرة تفر منه، وجسده العملاق الأسود ينزف بغزارة ناراً زرقاء داكنة تذوب في التراب وتترك حروقاً في الأرض، وعيناه الكبيرة اللتان كانتا تشتعلان بالرعد والغرور منذ ساعات، امتلأتا برعب حقيقي، خالص، وعميق لأول مرة في حياته الطويلة. رفع ست صولجانه الرعدي المعوج عالياً نحو الغيوم المتفجرة، ومفاصله تنبض بقوة كونية مدمرة، مستعداً بكل جوارحه لإطلاق الضربة القاضية والنهائية التي ستنهي هذا الوجود المظلم.شعر بعل بنهاية أجله واقتراب الفناء، فتحرك الخوف في صدره، وصاح متوسلاً بصوت مكسور، ذليل، يرج جنبات السماء ويستجدي الرحمة من قاهره:"أرجوك... أرجوك يا ست العظيم... ارفع قدمك عني وأتركني أعيش! أقسم لك ببارئ الأكوان أنني لن أمس أرض مصر الطاهرة، ولا نيلها، ولا شعبها بأي سوء أو شر مرة أخرى طوال حياتي... حقاً أقول لك! لقد تعلمت الدرس القاسي اليوم وعرفت حجمي الحقيقي... أنا كنت أح

  • سيد الرماد والضوء   128

    وفي تلك اللحظة الحرجة من المواجهة الكونية، وتحت وطأة الضربات الساحقة والمدمرة لسيد الصحراء، أدركت الإلهة الشرسة عنات أنها ميتة بلا محالة إن بقيت في هذه الساحة لعدة دقائق أخرى، وعرِفت أن جبروت ست لا يمكن لأي قوة شمالية أن تقف في وجهه أو ترده.التفتت برأسها ونظرت إلى زوجها وشريكها بعل، فرأته يترنح وينزف ناراً زرقاء اللون من جروحه العميقة وعاجزاً عن الصد، ثم نظرت نحو الإله ست فرأته يتقدم نحوهما بخطى ثقيلة وثابتة كأنه الموت نفسه الذي يطارد ضحاياه وعيناه الحمراوان تشعان بقسم الفناء. في تلك اللحظة، تملك الخوف والهلع قلب إلهة الحرب، وقررت التخلي عن كل شيء والهرب لتنقذ نفسها.همست عنات بنبرة مرتجفة ومذعورة وهي تنظر إلى زوجها للمرة الأخيرة:"سامحني يا بعل... لم أكن أعلم أننا نواجه هذا الوحش الكوني. لا يمكنني الموت هنا من أجلك."وبدون أي تردد، دارت بجسدها وتحولت في ثوانٍ معدودة إلى لهيب أزرق حارق، وانطلقت نحو أعالي السماء هاربة بسرعة مذهلة شقت بها الغيوم الداكنة، تاركة زوجها بعل وحيداً وبدون أي دعم في قبضة ست التي لا ترحم.صاح بعل بصوت يملأه الذعر والذهول والحرقة وهو يرى شريكته تفر وتتركه للموت

  • سيد الرماد والضوء   127

    تحولت ساحة المعركة بالكامل إلى جحيم أسطوري حي، حيث امتزجت قوة البشر بقوة الآلهة العظام لتصنع لوحة من الدمار لم تشهدها الأرض من قبل. كانت السماء قد تبدلت ملامحها، فصارت ساحة متفجرة مليئة بصواعق البرق العنيفة، وهزيم الرعد الذي يصم الآذان، والرمال المتطايرة التي تحجب الرؤية كأنها جدران من الغبار. وفي الأسفل، كانت الأرض تئن وتنشق تحت الأقدام لتبتلع جثث الغزاة، بينما كانت الدماء الدافئة تسيل كالأنهار الجارية، وتصبغ الرمال البيضاء باللون الأحمر القاني.وفي قلب هذا الجحيم المستعر، كان الجيش المصري يقاتل ببسالة خارقة وبشجاعة هزمت الموت نفسه.وقف الملك "مرنبتاح" في طليعة الصفوف الأمامية كأسد جريح لا يعرف الخوف؛ كان درعه مكسوراً ووجهه مغطى بالدماء والغبار، لكن سيفه الذهبي كان يلمع كقطعة من جمر. اندفع نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق رماة الدلتا، وبضربة سريعة ودقيقة قطع أرجل السبع، ثم قفز بخفة فوق ظهره المغطى بالدخان، وغرز سيفه بكل قوته في عنق السبع حتى سقط الوحش يصرخ صرخة الموت ويتلاشى كالدخان. رفع مرنبتاح سيفه وسط الغبار وصاح بصوت مدوٍّ أشعل الحماس في قلوب رجاله:"لأجل أبي رمسيس العظيم! لأجل أرض ا

  • سيد الرماد والضوء   126

    وقف الإله ست في مكانه، شامخاً كالجبل الأبدي وسط الرمال المتطايرة، ثم انفجرت من حنجرته السبعية ضحكة مدوية، غاشمة، ملأت أركان الكون كله وأخرست حتى صوت الرياح العاتية. لم تكن ضحكة خوف أو قلق، بل كانت ضحكة سعيدة، فرحة، وشرهة للقتال إلى أبعد الحدود. كانت عيناه الناريتان تضيئان بوهج أحمر مرعب، وأنيابه الحادة تبرز من تحت شفتيه في ابتسامة وحشية مخيفة.لقد كان ست يحب القتال والصدام أكثر من أي شيء آخر في الوجود، ومواجهة إلهين قويين مثل بعل وعنات في وقت واحد وفي معركة مكشوفة، كانت بالنسبة له متعة كبرى لا تُضاهى، وفرصة ليطلق العنان لجبروته الذي لا يعرف القيود.رفع ست صولجانه الرعدي المعوج نحو السماء، وصاح بصوت زلزل الجبال الشمالية وأحدث شروخاً في صخور التلال:"أخيراً... أخيراً جاءني تحدٍّ حقيقي يليق بقوتي وجوعي للدماء! تعالَ إليّ يا بعل الجبان الذي يختبئ خلف زوجته... وتعالَي أنتِ أيضاً يا عنات بنصالك المسمومة! اليوم سأعید تلقينكما الدرس، وأذكركما بالدم والنار لماذا أنا، وليس غيري، سيد الصحراء الأوحد، وملك الرعد، وإله الدمار الغاشم الذي لا يُقهر!"وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت الملحمة الإلهية الحقيق

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status