LOGINمرت الأسابيع والأيام بعد عودة تلك الحملة المروعة كأنها صفحات بكر تُكتب ببطء شديد وتؤدة في بردية تاريخ مصر الكبرى. كان معبد "بتاح الكبير" في مدينة منف العتيقة يشهد تحولاً تدريجياً ومهيباً؛ إذ انقشع جو الحزن الخانق والثقيل، ليحل محله أمل هادئ ينمو ويتجذر في النفوس كما تنمو النوابت الخضراء في الأرض العطشى بعد هطول المطر.
بدأ الفرعون العظيم، رمسيس الثاني، يستعيد قوته الحيوية وجلال جسده ببطء شديد، ورغم أن مسار الشفاء كان مضنياً وممتلئاً بنوبات الألم المبرح، إلا أن عزيمة الملوك لم تنكسر. صار الفرعون يجلس في حديقة المعبد المقدسة مع كل شروق شمس، متكئاً بكبرياء على عصاه الملكية الثقيلة، يطيل النظر إلى أشجار النخيل الباسقة التي طالما أحبها، ويستمع بوعي حاد إلى تقارير مستشاريه وكبار قادته، مصدراً توجيهاته بصوت هادئ لكنه يحمل نبرة الحزم الصارمة التي ارتعدت لها عروش الملوك.
في اليوم الخامس والعشرين الذي تلا عودة الأسرة إلى أرض منف، أعلن الفرعون عن رغبته في مباشرة بعض من مهامه الملكية وإدارة شؤون البلاد؛ إذ لم يكن قادراً بعد على تولي مقاليد الحكم بالكامل، لكنه أصر على الجلوس فوق عرشه في قاعة الاستماع الملكية العظمى. أخذ الملك يستمع إلى شكاوى الولايات البعيدة، ويصدر الأوامر الصارمة لإصلاح المعابد والأقاليم التي تضررت من جراء تفشي السحر الأسود، طالباً تقارير مفصلة عن أحوال الحدود الجنوبية الحامية لمصر.
كان الفرعون ينجز ذلك كله بتؤدة، فيما كان الأمير "خع إم واست" يجلس بجانبه بصفة دائمة كظله الحامي؛ يشد من أزره، ويقدم له المشورة الروحية والسياسية، ويحرص بكل ما أوتي من حب ورعاية على ألا يجهد والده العجوز أو يستنزف قواه الحيوية المستعادة.
وفي إحدى الجلسات الخاصة التي جمعت الأب بابنه بعيداً عن أعين الحاشية، نظر الفرعون إلى "خع إم واست" بنظرة تفيض بالفخر الأبوي الممتزج بمسحة من حزن دفين، وقال له وعصاه الملكية بين كفيه:
"أنت الآن عماد هذا العرش الحقيقي يا ولدي الحبيب عليك من بعد ان تظل كما انت وتساعد اخيك مرنبتاح كما تساعدنى الان. إن جسدي يتعافى ببركة الآلهة، لكني أدرك يقيناً أن قوتي الغابرة لن تعود أبداً إلى سابق عهدها المشهود. أنت من سيحمل عبء هذه المسؤولية العظمى أمام التاريخ وأمام شعب الأرضين... وأنا فخور بك وبما استعدته من شرف."
أمسك الأمير "خع إم واست" بكف والده بيقين وثبات، ورد عليه بنبرة خفيضة ملؤها التقدير: " معاً يا أبي... يداً بيد كما كنا دائماً، وكما قُدّر لسلالتنا العظيمة أن تكون."
أما طقوس تطهير خع إم واست من أدران السحر الأسود، فقد اكتملت فصولها وتكللت بالنجاح خلال الأسابيع الماضية؛ إذ انتهت أربعينية العزل والصلوات المتواصلة، وخرج الأمير من محراب التطهير أكثر نقاءً وقوة وبصيرة، غير أنه كان لا يزال يحمل في أغوار نفسه ندوباً داخلية غائرة. كان يستيقظ أحياناً في هزيع الليل الأخير يلهث بذعر، وتمر أمام مخيلته ومضات خاطفة من ذكريات تلك السنة السوداء التي قضاها مغيباً، لكنه صار يملك زمام أمره ويفرض سيطرته التامة عليها بفضل عقيدته الراسخة؛ فكان يجلس مع حكماء الكهنة كل يوم يتحدثون، ويسترجعون الخبايا، ويطردون آخر ما تبقى من قذى الظلام العالق برداء روحه.
وفي إحدى الليالي الساكنة التي غمرت المعبد بالهدوء بعد أن استقر حال الفرعون واطمأنت القلوب، كان الأمير وخلفه زوجته الأميرة "تفنوت" يجلسان معاً على شرفة غرفتهما الفسيحة المطلة على حدائق المعبد الغناء. كان القمر بدراً يسكب ضياءه الفضي اللامع فوق صفحة نهر النيل البعيد، بينما كان الهواء العليل يحمل أريج زهور اللوتس ونسمات النخيل العطرة.
كانت "تفنوت" مستلقية في دلال العافية على صدره، وتمرر كفها برفق وحنان بالغ على خصلات شعره، وهي تهمس في أذنه بوعي المحب: "أخيراً... أنت هنا بين ذراعي... حقاً وصدقاً هنا يا خع إم واست."
احتضنها الأمير بقوة وشغف جارف، وقبل جبينها، ثم أتبعها بقبلة عميقة على شفتيها قبلة طويلة تختزل في طياتها شوقاً مكبوتاً وحرماناً طال لعام كامل. كانت يداه تمران على جسدها برقة وعاطفة جياشة، يتلمس تفاصيلها كأنه يتأكد بيقين الكاهن أنها حقيقة ماثلة أمامه وليست ضرباً من ضروب الخيال أو السحر، بينما كانت هي تبادله العاطفة بكل ما تملك من حنان، غارسة أصابعها الناعمة في ظهره برفق.
"أحبكِ..." همس الأمير بين القبلات المتلاحقة بصوت متهدج. "أحبكِ بما يفوق حب الفانين للحياة نفسها."
كانت تلك الليلة مفعمة بالسكينة والحميمية الصادقة؛ حيث كان اتحادهما الروحي والجسدي عميقاً، مشحوناً بدموع الفراق السابقة وابتسامات الوصل الحالية. كان يدخل محراب حبها بحنان وعمق، شاخصاً بعينيه الفيروزيتين في عينيها، يهمس لها بكلمات الغزل والعشق التي حُرم من النطق بها طوال سنة الغواية، بينما كانت هي تمسك بوجهه الشريف، وتبكي دموع فرح خفيضة وتقول: "أنت عاداتي كلها... أنت حياتي وضياء نهارها..."
بقيا متعانقين في مضجعهما بعد ذلك، يتحدثان بهمس دافئ عن آفاق المستقبل، وعن ابنهما المعجزة سى اوزير، وعن مصر العظيمة التي سيعيدان بناء صروحها ومجدها معاً.
في صبيحة اليوم التالي، جلس الأمير "خع إم واست" مع ابنه البكر "سى اوزير" في باحة الحديقة تحت ظلال شجرة نخيل وارفة. كان الفتى ينظر إلى أبيه بعينين تملؤهما ملامح الإعجاب والمهابة، بينما كان الأمير يتطلع إلى ولده بفخر عميق وحب جم.
قرب الأمير ابنه منه وقال له بصوت هادئ يحمل وقار الكهنة: "قصّ عليّ يا بني... قصّ على أبيك كل ما عاينته وشهدته عيناك في رحاب الدوات والعالم السفلي."
تنفس سى اوزير الصعداء، وبدأ يروي التفاصيل بصوت رصين متزن، لكنه مفعم بالعواطف الحية؛ فحكى عن الألغاز السبعة الوعرة التي واجهته، وعن الرؤيا المفزعة التي رأى فيها نفسه في المستقبل وحيداً طريداً، ورؤية أمه تموت ببطء شديد تحت وطأة الحسرة، ورؤية جده رمسيس يصب عليه اللوم والتقريع، وعن محاولات الساحرة تابوبو المستمرة لإغرائه بملذات السلطة والخلود الزائف. حكى عن ذلك الصراع النفسي الضاري الذي دار في خلده وكاد يودي بعقله، وكيف كان يبكي ويصرخ بيأس ويوشك على الاستسلام، لولا أن وجوه عائلته كانت تلوح له في عتمة الهاوية فتشحذ همته ليستمر في مسيره.
واستطرد الفتى وعيناه تتسعان بذكرى الأهوال:
"كنت أرى فظائع لا يطيقها بشر يا أبي؛ رأيت العالم يحترق كالنار في الهشيم، ورأيتك ميتًا شاحبًا، ورأيت أرض مصر مدمرة مستباحة... لكني أببت الانكسار. وصلت إلى أعتاب مركب الشمس المقدس، وهناك شهدت بأم عيني الإله 'رع' والإله 'ست' يقاتلان الثعبان العظيم 'أبوفيس' في معركة كونية كبرى شقت أستار السماء؛ حيث كان رع يحرق الظلام بلهيب النور الأزل، وكان ست يمزق الأثير بصواعق الرعد. لقد مد لي ست يد العون، وقذفني بقوته في جوف الثعبان أبوفيس. كان باطنه جحيماً مستعراً يلتهم الأرواح... لكني استجمعت نوري، ووجدت قلب الاتحاد الملعون وقطعته بنصلي لتنتهي اللعنة."
كان الأمير "خع إم واست" يستمع إلى كلمات ابنه بصمت مهيب، بينما كانت دموع التأثر والشفقة تسيل ساخنة على وجنتيه. وفور أن انتهى الفتى من روايته، جذبه أبوه بقوة واحتضنه احتضاناً ملكياً دافئاً، وقال له بصوت مكسور تملؤه الهيبة:
"أنت... أنت بلا شك أعظم وأشجع ما أنجبته أرض مصر المقدسة طوال تاريخها. أنت من أنقذت روحي من بئر الضلال... وأنت من أنقذ سلالتنا وأرضنا جميعاً من الهلاك الحتمي."
بدأت عجلة الحياة تعود إلى طبيعتها الراسخة وثباتها المعهود بتؤدة وأمان؛ فالفرعون رمسيس الثاني بات يباشر مهام العرش تدرجاً مستعيداً هيبته، والأمير "خع إم واست" عاد ليتصدر المشهد الكاهني والسياسي بوصفه الوريث الشرعي وحامي العلوم المقدسة، والأميرة الوفية "تفنوت" أخذت تساند زوجها في إدارة شؤون كاهنات المعابد ورعاية شؤون القصر.
كانت مصر العظيمة برمتها تبرأ من جراحها وتتعافى، والعائلة الملكية تخط بيد من نور وعزم مطلع مستقبل جديد مشرق. ورغم إدراكهم اليقيني بأن الظلال لا تفنى بالكامل من هذا الوجود وتتربص دائماً بالصالحين، إلا أنهم كانوا يعلمون أن النور الحقيقي في قلوبهم بات الآن أشد ضياءً وأقوى من أن يكسره غدر الظلام.
انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم
وفي ذات الوقت، وفي قلب المعركة الإلهية التي تصاغرت أمامها حروب البشر، كان الإله ست يقف ثابتاً كالمسلة الشامخة، وقد وضع قدمه الضخمة والثقيلة بقسوة فوق صدر بعل المطروح على الرمال الحارة.كان بعل يلهث ويتنفس بصعوبة شديدة كأن أنفاسه الأخيرة تفر منه، وجسده العملاق الأسود ينزف بغزارة ناراً زرقاء داكنة تذوب في التراب وتترك حروقاً في الأرض، وعيناه الكبيرة اللتان كانتا تشتعلان بالرعد والغرور منذ ساعات، امتلأتا برعب حقيقي، خالص، وعميق لأول مرة في حياته الطويلة. رفع ست صولجانه الرعدي المعوج عالياً نحو الغيوم المتفجرة، ومفاصله تنبض بقوة كونية مدمرة، مستعداً بكل جوارحه لإطلاق الضربة القاضية والنهائية التي ستنهي هذا الوجود المظلم.شعر بعل بنهاية أجله واقتراب الفناء، فتحرك الخوف في صدره، وصاح متوسلاً بصوت مكسور، ذليل، يرج جنبات السماء ويستجدي الرحمة من قاهره:"أرجوك... أرجوك يا ست العظيم... ارفع قدمك عني وأتركني أعيش! أقسم لك ببارئ الأكوان أنني لن أمس أرض مصر الطاهرة، ولا نيلها، ولا شعبها بأي سوء أو شر مرة أخرى طوال حياتي... حقاً أقول لك! لقد تعلمت الدرس القاسي اليوم وعرفت حجمي الحقيقي... أنا كنت أح
وفي تلك اللحظة الحرجة من المواجهة الكونية، وتحت وطأة الضربات الساحقة والمدمرة لسيد الصحراء، أدركت الإلهة الشرسة عنات أنها ميتة بلا محالة إن بقيت في هذه الساحة لعدة دقائق أخرى، وعرِفت أن جبروت ست لا يمكن لأي قوة شمالية أن تقف في وجهه أو ترده.التفتت برأسها ونظرت إلى زوجها وشريكها بعل، فرأته يترنح وينزف ناراً زرقاء اللون من جروحه العميقة وعاجزاً عن الصد، ثم نظرت نحو الإله ست فرأته يتقدم نحوهما بخطى ثقيلة وثابتة كأنه الموت نفسه الذي يطارد ضحاياه وعيناه الحمراوان تشعان بقسم الفناء. في تلك اللحظة، تملك الخوف والهلع قلب إلهة الحرب، وقررت التخلي عن كل شيء والهرب لتنقذ نفسها.همست عنات بنبرة مرتجفة ومذعورة وهي تنظر إلى زوجها للمرة الأخيرة:"سامحني يا بعل... لم أكن أعلم أننا نواجه هذا الوحش الكوني. لا يمكنني الموت هنا من أجلك."وبدون أي تردد، دارت بجسدها وتحولت في ثوانٍ معدودة إلى لهيب أزرق حارق، وانطلقت نحو أعالي السماء هاربة بسرعة مذهلة شقت بها الغيوم الداكنة، تاركة زوجها بعل وحيداً وبدون أي دعم في قبضة ست التي لا ترحم.صاح بعل بصوت يملأه الذعر والذهول والحرقة وهو يرى شريكته تفر وتتركه للموت
تحولت ساحة المعركة بالكامل إلى جحيم أسطوري حي، حيث امتزجت قوة البشر بقوة الآلهة العظام لتصنع لوحة من الدمار لم تشهدها الأرض من قبل. كانت السماء قد تبدلت ملامحها، فصارت ساحة متفجرة مليئة بصواعق البرق العنيفة، وهزيم الرعد الذي يصم الآذان، والرمال المتطايرة التي تحجب الرؤية كأنها جدران من الغبار. وفي الأسفل، كانت الأرض تئن وتنشق تحت الأقدام لتبتلع جثث الغزاة، بينما كانت الدماء الدافئة تسيل كالأنهار الجارية، وتصبغ الرمال البيضاء باللون الأحمر القاني.وفي قلب هذا الجحيم المستعر، كان الجيش المصري يقاتل ببسالة خارقة وبشجاعة هزمت الموت نفسه.وقف الملك "مرنبتاح" في طليعة الصفوف الأمامية كأسد جريح لا يعرف الخوف؛ كان درعه مكسوراً ووجهه مغطى بالدماء والغبار، لكن سيفه الذهبي كان يلمع كقطعة من جمر. اندفع نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق رماة الدلتا، وبضربة سريعة ودقيقة قطع أرجل السبع، ثم قفز بخفة فوق ظهره المغطى بالدخان، وغرز سيفه بكل قوته في عنق السبع حتى سقط الوحش يصرخ صرخة الموت ويتلاشى كالدخان. رفع مرنبتاح سيفه وسط الغبار وصاح بصوت مدوٍّ أشعل الحماس في قلوب رجاله:"لأجل أبي رمسيس العظيم! لأجل أرض ا
وقف الإله ست في مكانه، شامخاً كالجبل الأبدي وسط الرمال المتطايرة، ثم انفجرت من حنجرته السبعية ضحكة مدوية، غاشمة، ملأت أركان الكون كله وأخرست حتى صوت الرياح العاتية. لم تكن ضحكة خوف أو قلق، بل كانت ضحكة سعيدة، فرحة، وشرهة للقتال إلى أبعد الحدود. كانت عيناه الناريتان تضيئان بوهج أحمر مرعب، وأنيابه الحادة تبرز من تحت شفتيه في ابتسامة وحشية مخيفة.لقد كان ست يحب القتال والصدام أكثر من أي شيء آخر في الوجود، ومواجهة إلهين قويين مثل بعل وعنات في وقت واحد وفي معركة مكشوفة، كانت بالنسبة له متعة كبرى لا تُضاهى، وفرصة ليطلق العنان لجبروته الذي لا يعرف القيود.رفع ست صولجانه الرعدي المعوج نحو السماء، وصاح بصوت زلزل الجبال الشمالية وأحدث شروخاً في صخور التلال:"أخيراً... أخيراً جاءني تحدٍّ حقيقي يليق بقوتي وجوعي للدماء! تعالَ إليّ يا بعل الجبان الذي يختبئ خلف زوجته... وتعالَي أنتِ أيضاً يا عنات بنصالك المسمومة! اليوم سأعید تلقينكما الدرس، وأذكركما بالدم والنار لماذا أنا، وليس غيري، سيد الصحراء الأوحد، وملك الرعد، وإله الدمار الغاشم الذي لا يُقهر!"وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت الملحمة الإلهية الحقيق
كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث