مشاركة

part 64

مؤلف: رنا خميس
last update تاريخ النشر: 2026-07-25 07:27:44

كانت الممرات الخرسانية تعكس صدى الخطوات الثقيلة التي يقطع بها ياسر المسافة الفاصلة بينه وبين البوابة الفرعية. لم تكن خطواته مجرد مشي عادي، بل كانت زحفاً صامتاً يحمل في طياته هيبة غضب مكتوم، وشرار غيرة ذكورية لا ترحم. كانت عيناه مثبتتين على "جمال"

كصقر حدّد هدفه للتو، وعروق يديه ورقبته قد بارزت واشتدت تحت جلد بشرته السمراء، بينما كانت حركته تتسم بالقوة والصرامة التي جعلت حتى بضع عمال مروا بجانبه يتنحون جانباً بوجل تلقائي.

لم تلاحظ ليلى اقترابه السريع في البداية، فقد كانت مستغرقة في استرجاع دهشة
استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق
الفصل مغلق

أحدث فصل

  • عاشقان المدينه    part 70

    غربت شمس ذلك اليوم العصيب، تاركة خلفها سماءً مكفهرة بلون الرصاص، وكأن الطبيعة تشارك المكان كآبته وثقله. خيم الصمت المطبق على أرجاء الساحة الميدانية بعد أن غادر العمال والمقاولون، ولم يبقَ في الموقع سوى غبار التراب وصوت الريح المحملة بالحرارة، وذكريات صدمة لم تكن في الحسبان. كان ياسر يقف عند باب الكرفان الميداني، ينظر إلى الكرسي الخالي الذي كانت تجلس عليه ليلى قبل ساعات. كان المكان يبدو فارغاً بشكل مرعب، وكأن الروح قد سُحبت منه تماماً. لم تكن الصدمة التي أحدثها في قلبها مجرد كلمة قاسية عابرة، بل كانت شرخاً في الجدار المتين الذي بنياه معاً بالحب والوفاء؛ فقد أهان كرامتها المهنية والشخصية أمام رجل طفيلي لم يكن يساوي شيئاً في معادلة حياتهما. استقل ياسر سيارته وانطلق بها نحو المدينة. كانت يداه تقبضان على عجلة القيادة بتشنج، وعيناه ترصدان الطريق بجمود، بينما كان عقله يغلي بمزيج حارق من الندم والعجز. كان يتذكر نبرة صوته الحادة وهو ينهرها: *"اسكتِ خالص وما تتدخليش!"*.. كانت تلك الكلمات تتردد في أذنيه كوقع المطارق الثقيلة، فيتأوه بصوت خفيض ويهز رأسه بحسرة، مدركاً حجْم الجرم الذي ارتكبه بحق ا

  • عاشقان المدينه    part 69

    في اليوم التالي، عاد الهدوء الظاهري ليتسيد أجواء الموقع الهندسي، لكن الأجواء في كرفان الإدارة الميداني كانت على وشك الاشتعال مجدداً، وهذه المرة لم يكن السبب ذكريات قديمة أو نظرات عابرة، بل تطفلاً مهنياً وشخصياً تجاوز كل الحدود المقبولة. كان "جلال"، أحد المقاولين الموردين للحديد الخرساني والمشرفين على تنفيذ الهياكل الفرعية، يمر بأزمة مالية وتنظيمية في مقاولاته. دخل إلى مكتب ياسر في الكرفان الميداني، حاملاً ملفات وشيكات، وعلى وجهه إصرار مريب للتدخل في تفاصيل الدفعات والترتيبات الإدارية للشركة. كانت ليلى تجلس عند المكتب الماورائي تراجع الحسابات الجارية، بينما كان ياسر يقف متكئاً على الطاولة الخشبية الكبيرة، ممسكاً بقلمه ومصغياً في بداية الأمر باحترافية جادة. لكن جلال بدأ يتجاوز حدوده المهنية المعتادة بشكل فج ومباشر. "شوف يا بشمهندس ياسر.." قال جلال بنبرة فيها تعالٍ وتدخل غير مقبول، "أنا شايف إن طريقة إدارتكم للميزانية فيها اندفاع مالوش لازمة. أنت بتضغط الشغل وتصرف مبالغ ضخمة على صبات الدور التاسع والحديد المقوى، وده بيزنقنا كلنا في السيولة. وبصراحة كدة.. الباشمهندسة ليلى بتعتمد المخطط

  • عاشقان المدينه    part 68

    تخللت أشعة الصباح الأولى ثنايا الستائر الخفيفة، لتلقي بظلال ذهبية دافئة فوق أرجاء غرفة النوم الساكنة. استيقظت حواس ليلى ببطء على حرارة أنفاس ياسر الموزونة المنتظمة، وشعرت بذراعه القوية التي ما زالت تحيط بخصرها بكل ثبات طوال الليل، وكأن جسده يحرسها حتى في أعمق لحظات استغراقه في النوم. فتحت ليلى عينيها بتأنٍ، واستقبلت الضوء الصباحي النقي بابتسامة صبيحة هادئة. رفعت رأسها قليلاً لتتأمل وجه ياسر الاسترخائي القريب منها؛ كانت ملامحه الحادة التي اعتادت عليها في الموقع قد تراخت تماماً، واختفت منها كل آثار الجهد والغيرة النارية التي اشتعلت بالأمس، ليحل محلها رضا رجولي هادئ وسكينة صافية. في تلك اللحظة بالذات، بدأ ياسر يستعيد وعيه ببطء. فتح عينيه الداكنتين، والتقت نظراتهما في صمت دافئ يفيض بالقرب والارتياح. لم تكن هناك حاجة للتعجل أو الخروج السريع كما كانت العادة في أيام العمل الميداني الشاق؛ فقد كان هذا الصباح المخصص للراحة والترتيبات الشاملة فرصة استثنائية للتنفس والتفكير الهادئ. ابتسم ياسر ابتسامة رجولية حنونة، وشدها نحو أحضانه أكثر، طابعاً قبلة رقيقة وطويلة على رأسها المترامي على صدره، وقا

  • عاشقان المدينه    part 67

    قطع المحرك أنفاسه مع وصول السيارة إلى أسفل البناية السكنية، واستقرت العتمة النظيفة حولهما بعد رحلة طويلة عبر طرقات المدينة الهادئة. كانت أنوار الشوارع الخلفية ترسم ظلالاً خفيفة على زجاج السيارة، بينما جلس الاثنان لثوانٍ معدودة داخل صمت مريح، يستشعران انتهاء صخب موقع البناء، وغبار الخرسانة، ومناورات النهار الشاقة. صعدا السلالم بخطوات متقاربة ووئيدة. وما إن فتح ياسر باب الشقة الدافيء حتى ولجا إلى الداخل، وأُغلق الباب خلفهما برفق، ليحجب العالم الخارجي بكل ما فيه من تعب وضغوط ورجال وشحنات وأوراق استشارية، مفسحاً المجال لعالمهما الخالص الذي تنمحي عند عتبته كل الرسميات. خلعت ليلى سترتها الميدانية وحذاءها عند المدخل، وأرسلت شعرها ليتنفس بحرية على كتفيها، متخلصة من قيد الخوذة وضغط النهار. وفي هذه الأثناء، كان ياسر يضع مفاتيحه وأوراق العمل على الطاولة المجاورة، ثم التفت نحوها بنظرة تحمل مزيجاً من الهدوء المبتغى والتعب الصادق، والامتنان التام لرؤيتها مجدداً تحت سقف حمايته الصافية. اقترب ياسر منها بخطوات بطيئة، ودون أن ينطق بكلمة، مد ذراعيه القويتين وحوط خصرها الناعم، ساحباً إياها نحو صدره ال

  • عاشقان المدينه    part 66

    تحركت السيارة نحو أرض الموقع وشمس الصباح تعتلي أفق الصحراء، تاركة خلفها خطوطاً ذهبية حارقة تمتد فوق الرمال الخرسانية. كان ياسر يقود بحزم، يداه تقبضان على عجلة القيادة بقوة تظهر مفاصله البارزة، وعيناه ترصدان الطريق الممتد أمامه بجمود وتركيز مضاعف. بجانبه، كانت ليلى تجلس بهدوء، تتابع الحركة السريعة للسيارات الميدانية، وتختلس بين الحين والآخر نظرات ممتلئة بالفهم والود نحو ملامح زوجها المشدودة.وما إن وطئت إطارات السيارة أرض الساحة الترابية، حتى سادت حالة من الاستنفار الشديد لدى الطاقم والمقاولين. أوقف ياسر المحرك، والتفت نحو ليلى قبل أن يفتح الباب، ممسكاً بيده كفها الناعم بضغطة خفيفة ومحملة برسالة غير مسبوقة:"ليلى.. أي أوراق، أي اعتمادات فنية، أو مراجعة مع المكتب الاستشاري الرئيسي اللي فيه 'جمال'، هتروح الميكانيكي أو المحاسب الأول، وأنا اللي هستلمها منك بالكامل وأراجعها معاه. أنتِ مش هتتعاملي مع اللجان دي بصفة مباشرة النهاردة.. مفهوم؟"تأملته ليلى لثوانٍ، ورأت كيف تحول الرجل الصلب الممتلئ بالثقة إلى قائد عسكري يرسم خطوط حماية جغرافية وشخصية حول أرضه الحبيبة. لم تنطق بكلمة اعتراض، بل ا

  • عاشقان المدينه    part 65

    انشق صباح اليوم التالي هادئاً وناعماً، ورشحت خيوط الشمس الذهبية الأولى من خلال فتحات الستائر الخفيفة لتلقي بظلال دافئة على الشقة الساكنة. كان الهواء يحمل في طياته برودة الصباح الخفيفة وعبيراً زكياً من الهدوء الذي يتلو العواصف، غير أن هذا السكون كان يغلف في باطنه تحولاً مباغتاً في إيقاع اليوم، تحولاً لم تكن ليلى تحسب له أي حساب.استيقظت ليلى في ميعادها المعتاد بكل نشاط وحيوية. ارتدت ملابسها الميدانية العملية، وجمعت شعرها المنسدل بدقة تحت القبعة المخصصة للموقع، وأمسكت بمجلد المخططات التفصيلية لتراجع جدول الأعمال المزدحم المنتظر لهما في الساحة. كانت روحها معبأة بالإصرار والتحدي؛ فاليوم هو يوم المتابعة مع اللجان الاستشارية، وتدقيق قياسات الأساسات المسلحة التي تتطلب دقتها الهندسية الحازمة.خرجت ليلى من الغرفة متجهة نحو المطبخ، لتجد ياسر يقف عند الطاولة الصغرى. كان قد ارتدي بنطاله الميداني وقميصه، لكنه لم يلبس خوذته بعد، وكان يحتسي القهوة ببطء شديد وعيناه شاردتان في الفراغ، يحمل في ملامحه المرفوعة سيماء حازمة ومبهمة في آن واحد.اقتربت ليلى منه بابتسامة صبيحة عذبة، وقالت بصوت ناعم يقطر بال

  • عاشقان المدينه    part 17

    مرّ الوقت في موقع العمل كأنه نهر هادئ وجد مجراه الصحيح أخيرًا، فبعد أشهر من الشد والجذب، كان الوضع يشبه معزوفة مضبوطة الإيقاع، والتنظيم أصبح أفضل بكثير من السابق، والقرارات أصبحت تُتخذ بسرعة وحسم دون نقاشات بيزنطية، والعمال ينفذون التوجيهات بثقة واضحة لأن الإشارات التي تصلهم لم تعد متضاربة، ولم يع

  • عاشقان المدينه    part 9

    لم يطرق أولًا، بقي واقفًا للحظة، كأنه يحاول ترتيب ما سيقوله داخل رأسه، وهو أمر لم يكن معتادًا عليه أصلًا. ثم طرق الباب، طرق خفيف. مرة واحدة. من الداخل جاء صوتها مباشرة، ثابتًا، بلا دفء: “نعم” فتح الباب. ثم دخل. أغلقه خلفه بهدوء. كانت تنظر إليه فقط، لكن لم تقم من مكانها. لم تُظهر

  • عاشقان المدينه    part 2

    همست باسمه، وكأنها تتذوّق مرارته. كيف يمكن لشخصٍ قضت عمرها كله تحاول التفوّق عليه… أن يصبح فجأة زوجها؟كيف لشخص لم تتحدث معه منذ سنوات رغم أنه يُسكن في نفس البيت في طابق مختلف فقط، أن يُصبح شريك حياتها المنتظر كيف ل ياسر الذي لا تعرف عنه سوي القليل، أن تكمل حياتها معه! محض من الجنون والهراء!

  • عاشقان المدينه    part 1

    لم يكن الخبر عاديًا، ولا يمكن أن يُستقبل بهدوء. جلست “ليلى” في غرفة المعيشة، ويداها متشابكتان فوق حجرها، وعيناها معلّقتان بوالدها الذي بدا أكثر جدية من المعتاد. أما والدتها، فكانت تراقبها بصمت، كأنها تنتظر انفجارًا وشيكًا. قال والدها أخيرًا، بصوتٍ لا يحتمل التأجيل: “ليلي، في حاجه مهمه اوي

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status