LOGIN"بين حبٍ مريض، وأسرةٍ اختارت الصمت، كادت وعد أن تفقد حياتها... حتى قررت أن تنقذ نفسها بنفسها." . . . "لم يهزمني عنفه... بل كاد يهزمني صمتي."
View Moreبين الحياة والموت
"أنا آسف يا حبيبتي..." كانت تلك آخر الكلمات التي سمعتها منه. "أحبكِ... أقسم أنني أحبكِ، لم أكن أقصد إيذاءكِ... لا تنظري إليّ هكذا..." ترددت كلماته داخل رأسي كصدى بعيد، بينما كانت الدنيا من حولي تتلاشى شيئًا فشيئًا. شعرت بجسدي ينهار، وكأن كل عظمة فيه قررت الاستسلام دفعة واحدة. ثم حل الظلام. ... عندما فتحت عينيّ مجددًا، لم أكن أعلم كم من الوقت مر. ثمة رائحة معقّمات نفاذة ملأت أنفي، وأضواء بيضاء ساطعة أرهقت بصري. احتجت لثوانٍ طويلة حتى أدركت أنني داخل غرفة بالمستشفى. حاولت تحريك ذراعي، فانفلتت مني شهقة ألم حادة. التفت برأسي بصعوبة لأجد ذراعي اليسرى محاطة بجبيرة طبية سميكة، بينما كانت رقبتي مثبتة بدعامة طبية جعلت حركتي محدودة للغاية. أغمضت عيني مرة أخرى. ليس بسبب الألم. بل بسبب الذكريات. كانت تعود كلها دفعة واحدة. الدرج... الصراخ... الدماء... عينا مالك المشتعلتان بالجنون... ثم صوت والدته وهي تبكي: "وعد ليست سمر يا مالك... ليست سمر..." ارتجف جسدي بالكامل. دفعت باب الغرفة الطبيبة المعالجة، ودخلت يتبعها رجلان يرتديان ملابس رسمية. ابتسمت لي ابتسامة هادئة وقالت: — صباح الخير يا مدام وعد. لم أستطع الرد. كانت الكلمات ثقيلة داخل حلقي. اقتربت مني أكثر. — هل تسمعينني؟ أومأت برأسي ببطء. تنهدت براحة. — جيد... كنت أخشى أن تكون الإصابة أثرت على وعيك. ابتلعت ريقي بصعوبة. — مالك... أين مالك؟ تبدلت ملامح الطبيبة فورًا. ثم أجابت بصرامة: — زوجك موجود حاليًا في قسم الشرطة. اتسعت عيناي. أما هي فأكملت: — لقد تم احتجازه لحين أخذ أقوالك. ساد الصمت لثوانٍ. ثوانٍ شعرت خلالها أن قلبي توقف عن النبض. في قسم الشرطة؟ مالك؟ الرجل الذي كنت أراه أقوى من الجميع؟ الرجل الذي كنت أخشاه أكثر من خوفي من الموت نفسه؟ لأول مرة أسمع أنه عاجز عن الوصول إليّ. لأول مرة منذ سنوات أشعر أن بيني وبينه بابًا مغلقًا. بابًا لا يستطيع تحطيمه. اقترب أحد الرجلين وقال بلطف: — أنا وكيل النيابة المكلف بالتحقيق في الواقعة. نظرت إليه دون رد. أما هو فأكمل: — لا نريد إرهاقك الآن. لكن من المهم أن نعرف إن كنتِ ترغبين في تقديم بلاغ رسمي ضد زوجك أم لا. أغلقت عيني. كأن السؤال أعادني سنوات طويلة إلى الوراء. إلى أول مرة رفع فيها صوته عليّ. أول مرة أمسك ذراعي بعنف. أول مرة جعلني أبكي. أول مرة أقنعت نفسي أن الأمر طبيعي. وأن الرجال هكذا. وأن الزواج يحتاج صبرًا. وأن الحب قادر على إصلاح كل شيء. كم كنت ساذجة. تساقطت دموعي بصمت. قالت الطبيبة وهي تضع يدها على كتفي: — لا أحد سيجبرك على شيء. ابتسمت بسخرية مؤلمة. بل الجميع أجبروني دائمًا. أمي أجبرتني على الصمت. أبي أجبرني على الاحتمال. والمجتمع أجبرني على البقاء. حتى أنا... كنت أجبر نفسي كل يوم على تصديق الأكاذيب. رفعت رأسي أخيرًا. ونظرت مباشرة إلى وكيل النيابة. لأول مرة منذ سنوات أشعر أن صوتي ملكي وحدي. خرجت الكلمات هادئة لكنها واضحة: — نعم. ساد الصمت داخل الغرفة. أكملت وأنا أمسح دموعي: — سأحرر محضرًا ضده. لم أكن أعلم أن تلك الجملة الصغيرة ستغير حياتي كلها. لكنني كنت أعلم شيئًا واحدًا فقط. أن وعد التي دخلت هذا المستشفى... لن تخرج منه كما كانت. وأن المرأة التي صمتت سنوات طويلة... قد ماتت أخيرًا. أما المرأة الجديدة... فقد بدأت للتو. :::الفصل الثاني والعشرون والأخيرحياة بعد النجاةأغلقت الهاتف ببطء.وما زالت كلمات عميد الكلية تتردد في أذني....— مبروك يا دكتورة وعد... تم قبولك رسميًا في البعثة....أغمضت عيني للحظة....سنوات طويلة حلمت بهذه الجملة.سنوات طويلة كنت أرى مستقبلي يقترب ثم يبتعد.مرة بسبب الظروف.ومرة بسبب الخوف.ومرة بسبب شخص آخر كان يقرر عني....أما اليوم...فلا أحد يقرر غيري....جلست على الأريكة أحتضن صغيرتي.بينما كانت تثرثر بكلماتها الطفولية التي لا أفهم نصفها....ضحكت رغمًا عني....وفجأة أدركت شيئًا....أنا نجوت....نجوت حقًا....ليست النجاة من مالك فقط.بل من النسخة القديمة مني.النسخة التي كانت تخاف من الاعتراض.وتخاف من الرفض.وتخاف من خسارة الناس أكثر من خوفها من خسارة نفسها....بعد أيام قليلة كنت أقف داخل المطار....أبي يقف بجانبي.وأمي تمسح دموعها كل دقيقة....أما صغيرتي فكانت مندهشة من كل شيء حولها....اقترب مني أبي.وظل صامتًا للحظات....ثم قال بصوت مبحوح:— سامحيني يا بنتي....نظرت إليه....فأكمل:— كنت أظن أنني أحميك.لكنني كنت أدفعك إلى النار بيدي....امتلأت عيناه بالدمو
الفصل الحادي والعشرونالرسالةمرّت ثلاثة أسابيع منذ صدور الحكم.ثلاثة أسابيع كاملة لم أسمع فيها اسم مالك.ولأول مرة منذ سنوات طويلة أصبحت أيامي هادئة.هادئة بشكل غريب....عدت إلى جامعتي.عدت إلى محاضراتي.وعدت إلى أحلامي التي دفنتها طويلًا....كانت إجراءات البعثة تسير بصورة جيدة.وبدأت أجهز أوراق السفر.أما صغيرتي فكانت تقفز حولي طوال الوقت وهي تظن أن السفر مجرد نزهة طويلة....في ذلك الصباح كنت أجلس أراجع بعض الأوراق عندما سمعت طرقًا خفيفًا على الباب....فتحت لأجد ساعي البريد....ناولني ظرفًا أبيض صغيرًا....لم يكن عليه سوى اسمي....أغلقت الباب وعدت إلى الداخل.ثم فتحت الظرف....وتجمدت....لأن أول ما وقع عليه بصري كان اسم المرسل....مالك....شعرت بشيء ينقبض داخل صدري....ظلت الرسالة بين يدي دقائق طويلة قبل أن أقرر قراءتها....وأخيرًا فتحتها...."وعد...إذا وصلت إليك هذه الرسالة فهذا يعني أن الحكم صدر بالفعل.ولا أعلم إن كنتِ ستقرئين كلماتي للنهاية أم لا.لكنني سأكتبها على أي حال.ليس لأنني أبحث عن عفو.ولا لأنني أريد منكِ شيئًا.بل لأن هناك أمورًا كان يجب أن أقولها منذ س
الفصل العشرونالكلمة الأخيرةمر الأسبوع أسرع مما توقعت.أو ربما كنت أنا من توقفت عن عد الأيام.فمنذ الجلسة الأخيرة وأنا أعيش حالة غريبة.لا خوف.ولا راحة.شيء بينهما.كأنني أقف على باب مرحلة جديدة من حياتي وأنتظر فتحه....في صباح يوم الحكم استيقظت مبكرًا.جلست أمام المرآة أتأمل انعكاسي.كانت آثار الكدمات قد بدأت تختفي تدريجيًا.لكن هناك آثارًا أخرى لا يراها أحد.آثارًا أعمق.في القلب.وفي الذاكرة.وفي الروح....دخلت أمي الغرفة.نظرت إليّ للحظات.ثم اقتربت ورتبت خصلات شعري برفق.كما كانت تفعل وأنا صغيرة....— هل أنتِ بخير؟سألتني بصوت خافت....ابتسمت ابتسامة هادئة.— لا أعلم.لكنني مستعدة....ربتت على كتفي.ولم تقل شيئًا آخر....وصلنا إلى المحكمة قبل بدء الجلسة بقليل.كانت القاعة أكثر ازدحامًا من المرات السابقة.الجميع ينتظر النهاية.أو ما يظنه نهاية....جلست في مكاني.وبجواري أبي.وأمي....رفعت بصري لأجد مالك في الجهة المقابلة....كان أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.لا يبدو غاضبًا.ولا متوترًا.ولا حتى حزينًا....فقط مرهق.كأن السنوات كلها سقطت فوق كتفيه دفعة واحدة....التقت أعي
بين العدالة والرحمةخرجت من مكتب القاضي وأنا أشعر بثقل غريب فوق كتفي.سؤال واحد فقط.لكنه كان كافيًا ليبعثر كل أفكاري...."هل تريدين أن يبقى مالك والدًا في حياة ابنتكما؟"...طوال الطريق إلى المنزل لم أستطع التوقف عن التفكير.كنت أظن أن معركتي انتهت.أن القضية تدور حول حقي أنا.حول ما تعرضت له.حول سنوات الخوف والإهانة.لكن فجأة وجدت نفسي أمام سؤال أكبر.سؤال يتعلق بابنتي....حين وصلت إلى المنزل كانت الصغيرة تلعب في غرفة الجلوس.ما إن رأتني حتى ركضت نحوي.احتضنت ساقيها الصغيرة.ورفعت يديها تطلب مني حملها....جلست على الأريكة وضممتها إلى صدري.فأخذت تضحك وتداعب وجهي بيديها الصغيرتين....شعرت بدموعي تقترب....هذه الطفلة لا تعرف شيئًا.لا تعرف معنى المحاكم.ولا معنى الخيانة.ولا معنى العنف....كل ما تعرفه أن لديها أمًا تحبها.وأبًا كانت تفرح حين يعود إلى المنزل....وضعت رأسي فوق شعرها الناعم.وأغمضت عيني....هل من حقي أن أحرمها من والدها؟...وهل من حقي أن أعيده إلى حياتها بعدما كاد يقتل أمها؟...كان السؤال مؤلمًا.مؤلمًا أكثر مما توقعت....في تلك الليلة لم أستطع النوم....جلس





