Masukالفصل الثاني عشرأول الخيطفي ذلك المساء، عاد كلٌّ من آدم ولجين إلى منزله وهو يحمل أسئلة أكثر من الإجابات.كان البحر، الذي جمعهما أول مرة، هادئًا على غير عادته، لكن داخلهما لم يكن كذلك.شعرت لجين أن حياتها بدأت تنقسم إلى مرحلتين: ما قبل الرسالة… وما بعدها.أما آدم، فقد أدرك أن ما يحيط بها ليس مجرد ذكرى قديمة، بل قضية لم تنتهِ آثارها بعد.⸻في صباح اليوم التالي، استيقظت لجين مبكرًا.وضعت الرسالة أمامها على الطاولة، وأعادت قراءتها للمرة الثالثة.هذه المرة لاحظت شيئًا لم تنتبه إليه من قبل.في أسفل الصفحة، بجوار توقيع والدها، كان هناك رمز صغير مرسوم بقلم الحبر.لم يكن توقيعًا.ولا ختمًا.بل دائرة يتوسطها مفتاح صغير.عقدت حاجبيها.همست لنفسها:“لم أرَ هذا الرمز من قبل.”بحثت في بقية الأوراق الموجودة داخل الصندوق.وبعد دقائق من التفتيش، وجدت الرمز نفسه على غلاف دفتر جلدي قديم.كان الدفتر خاليًا من أي عنوان.فتحته.بدت صفحاته الأولى فارغة.ثم، بعد عدة أوراق، بدأت تظهر ملاحظات كتبها والدها بخط صغير ومنظم.كانت الملاحظات تتحدث عن مخطوطات قديمة، وتواريخ، وأسماء مكتبات، وأرقام صفحات.لكن أكثر ما
الفصل الحادي عشرعينٌ خلف العدسةبقيت لجين تحدق في شاشة هاتفها.لم يكن ما أخافها هو مضمون الرسالة وحده…بل الصورة.كانت واضحة، التُقطت من زاوية مرتفعة، تُظهرها وهي تقف عند باب شقتها، بينما يقف فارس أمامها.هذا يعني أن من التقطها كان قريبًا جدًا.قريبًا إلى حد يسمح له بمراقبة مدخل البناية.شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.رفعت رأسها نحو النافذة.ثم أغلقتها بسرعة، وأسدلت الستائر.لأول مرة منذ سنوات، لم تشعر أن شقتها هي المكان الأكثر أمانًا.⸻أعادت النظر إلى الرقم الذي أرسل الرسالة.رقم غير مسجل.ضغطت على زر الاتصال.جاءها الرد الآلي:“الرقم المطلوب لا يمكن الوصول إليه.”حاولت مرة ثانية.ثم ثالثة.لكن النتيجة كانت نفسها.جلست على الأريكة وهي تحاول ترتيب أفكارها.هل تخبر آدم؟أم تتصل بفارس؟أم تذهب إلى الشرطة؟كانت الاحتمالات كثيرة، لكن المعلومات قليلة.قررت ألا تتخذ أي قرار وهي تحت تأثير الخوف.وضعت الهاتف إلى جوارها، وأخذت نفسًا عميقًا.ثم فتحت المظروف مرة أخرى.⸻كانت الرسالة بخط والدها المعروف، الواضح والمنظم.بدأت تقرأ من أولها، هذه المرة بهدوء.ابنتي لجين…إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فا
الفصل العاشرما بين الباب والعتبةتجمدت لجين في مكانها.كانت يدها لا تزال تمسك بالمظروف، بينما عيناها معلقتان بالعين السحرية.لم يكن هناك شك.إنه فارس.وقف أمام الباب بثياب بسيطة، على غير هيئته الرسمية التي اعتادت رؤيته بها. لم يكن يحمل حقيبة، ولا يبدو أنه جاء في زيارة طويلة.كان واقفًا بصمت.وكأنه يمنحها حرية الاختيار.إما أن تفتح الباب…أو أن يرحل.أغلقت لجين عينيها لثوانٍ، ثم أخفت المظروف داخل الصندوق الخشبي، وأعادته إلى الدرج، قبل أن تتجه ببطء نحو الباب.فتحت القفل.ثم فتحت الباب مسافة صغيرة.نظر إليها فارس.وقال بهدوء:“مساء الخير.”لم تجب إلا بعد لحظة.“مساء النور.”ساد بينهما صمت طويل.قطعته هي بقولها:“كيف عرفت عنواني؟”أجاب بصراحة:“لم يكن صعبًا… ما زلتِ في الشقة نفسها.”لم تبدُ على وجهها أي ملامح ارتياح.قالت:“لماذا جئت؟”تنهد.“لأنني أخطأت حين حاولت أن أتحدث إليك في المعرض.”“إذن جئت لتعتذر؟”هز رأسه.“وجئت لأن الوقت لم يعد يسمح بالتأجيل.”⸻ظلت ممسكة بالباب.لم تدعه يدخل.ولم تطلب منه الرحيل.قالت:“ثماني سنوات يا فارس.”خفض رأسه.“أعرف.”“ثماني سنوات دون رسالة… دون اتصال
الفصل التاسعالرسالة التي لم يحن موعدهالم تستطع لجين أن تكمل القراءة.أعادت الورقة إلى المظروف بسرعة، وكأن الكلمات التي قرأتها أصبحت أثقل من أن تتحملها.جلس آدم أمامها بصمت.لم يسألها عمّا جاء في الرسالة.كان يرى الاضطراب في عينيها، ويشعر أن أي سؤال الآن سيكون عبئًا إضافيًا عليها.مرت دقيقة كاملة دون أن ينطق أحدهما.ثم قالت لجين بصوت خافت:“أعتذر…”رفع آدم رأسه.“على ماذا؟”“لأنني دعوتك إلى هنا، ثم نسيت وجودك.”ابتسم ابتسامة هادئة.“أحيانًا يكون أفضل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمن أمامه… هو الصمت.”نظرت إليه، وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات أن هناك من يفهم خوفها دون أن يطالبها بشرحه.⸻أغلقت المظروف بعناية، ثم أعادته إلى الصندوق.لاحظ الأستاذ عبدالعزيز، الذي كان يراقبهما من بعيد، أن لون وجهها قد تغير.اقترب بخطوات هادئة.“هل كل شيء بخير يا ابنتي؟”حاولت أن تبتسم.“نعم… فقط احتجت إلى بعض الوقت.”هز الرجل رأسه بتفهم.ثم قال:“كان والدك كثيرًا ما يردد جملة لا أنساها.”رفعت لجين رأسها باهتمام.“ماذا كان يقول؟”ابتسم الرجل وهو يسترجع الذكرى.“كان يقول: الحقيقة مثل الشمس… قد تؤذي العين في اللحظ
الفصل الثامنالمكتبة التي تخبئ الذكرياتلم تُجب لجين على اتصال فارس.ظل الهاتف يرن حتى انطفأت شاشته، ثم أعادته إلى حقيبتها دون أن تنطق بكلمة.كان آدم يقف إلى جوارها، ولم يسألها عن اسم المتصل، لكنه لاحظ أن الابتسامة التي ارتسمت على وجهها قبل دقائق اختفت تمامًا.قال بهدوء:“هل ما زال عرض الغد قائمًا؟”رفعت رأسها إليه، وكأنها عادت من مكان بعيد.ابتسمت ابتسامة خفيفة.“بل أصبح أهم من قبل.”────────في صباح اليوم التالي، وصلت لجين إلى المكان الذي وعدته به.لم تكن مكتبة كبيرة، ولا مبنى حديثًا كما توقع آدم.كانت دارًا قديمة تقع في أحد الأحياء العتيقة، يكسو جدرانها الحجر، وتعلو بابها لافتة خشبية كُتب عليها بخط عربي جميل:مكتبة الحكمة.وصل آدم بعد دقائق.نظر إلى المبنى بإعجاب.“لم أسمع بهذا المكان من قبل.”قالت لجين:“ولهذا أحببته.”سألها مبتسمًا:“لأنه بعيد عن الناس؟”هزت رأسها.“بل لأنه قريب من الكتب.”دخل الاثنان.استقبلتهما رائحة الورق القديم والخشب المعتق، واختلطت بأصوات صفحات تُقلَّب بهدوء.كان المكان أشبه ببيت قديم أكثر منه مكتبة.في إحدى الزوايا جلس شيخ تجاوز السبعين يقرأ مخطوطة بعدسة م
الفصل السابعامرأة إلى جوارهلم يكن ما أربك لجين هو رؤية فارس وحده.بل رؤية المرأة التي كانت تقف إلى جواره.كانت امرأة في منتصف الثلاثينيات، أنيقة المظهر، ترتدي فستانًا بلون العاج، وتمسك بذراع فارس وهي تتحدث إليه بابتسامة عفوية، بينما كان هو ينصت إليها باهتمام.شعرت لجين بأن الزمن عاد بها سنوات إلى الوراء.إلى الأيام التي كانت تعتقد فيها أن المستقبل واضح، وأن بعض الوعود لا يمكن أن تنكسر.لكن الحياة كانت قد علمتها أن الوعد الذي لا يحميه الفعل، يبقى مجرد كلمات جميلة.انتبه آدم إلى التغير الذي طرأ على ملامحها.كان قد بدأ يميز تعابير وجهها، ويعرف متى تبتسم عن رضا، ومتى تخفي شيئًا خلف ابتسامة مصطنعة.اقترب منها قليلًا، وقال بصوت منخفض:“هل تريدين أن نغادر؟”التفتت إليه.كان السؤال بسيطًا، لكنه حمل احترامًا لمشاعرها أكثر من أي فضول.ابتسمت ابتسامة خفيفة.“لا.”ثم أضافت بعد لحظة:“أنا التي دعوتك إلى هنا… ولن أفسد هذا اليوم.”أومأ برأسه، لكنه بقي يراقبها بعينيه.⸻في الطرف الآخر من القاعة، لمح فارس لجين.توقف عن الحديث في منتصف الجملة.التفتت المرأة التي معه إليه باستغراب.سألته:“هل تعرف أحد







