تسجيل الدخولالفصل الرابع
تعلّقت أنفاسُها بين صدرها وصدره... لا هي تعرف إن كانت حيةً فعلاً، أم أنها سقطت في عالمٍ آخر، حيث لا وجود فيه سوى لعينيه. يده كانت تحيط بخصرها، تُبقيها قريبة، ثابتة، كأنّما أراد أن يقول لها: "أنا هنا... ولن أدعكِ تسقطين." لم ينبس بحرف، ولم تفعل. كان الصمتُ بينهما أبلغ من كلّ الكلام... وفي لحظةٍ غريبة، انسلّ من ذاكرتها مشهدٌ قديم، دفينٌ في الطفولة... شجرة التوت في حديقة المنزل، كانت تتسلّقها بعناد، حتى خانتها الأغصان وكادت تهوي. تذكّرت كيف اندفع الطفل ذو الشعر الليليّ حينها، مدّ ذراعيه والتقطها قبل أن تلامس الأرض. نفس الذراعين... نفس النظرة... نفس الأمان. هوَ نَفسهُ رافييل انفتح باب القاعة بعجلة، واندفع كلٌّ من رايان، وكيفن، ومايك، تتبعهم فلورا بخطى قلقة. ما إن وقعت أعينهم على المشهد، حتى توقّف الزمن للحظة. قال رايان وقد ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ خفيفة: ــ "هيه... هل دخلنا فيلمًا رومانسيًّا عن طريق الخطأ؟" أمال كيفن رأسه قليلًا، وأخذ يتأمّل المشهد بتمعّنٍ قبل أن يتمتم: ــ "لوحةٌ مكتملة... العنوان؟ حين يتقاطع الخوف بالحبّ." ضحك مايك بخفّة وقال بصوتٍ فيه من المزاح بقدر ما فيه من الدهشة: ــ "من كان يظنّ أن رافييل، ملك البرود والهدوء، سيحمل فاليريا، ملكة الرقة والتهذيب، وكأنّها كنزه الشخصي؟" ثم نظر إلى فلورا وهمس مازحًا: ــ "أقسم أنني أرى بوادر كوبل سينمائي هنا... ينقصهما فقط غروبٌ خلفيّ وموسيقى حالمة." رفّت شفاه فلورا بابتسامة دافئة، وقالت: ــ "يبدو أنّنا وصلنا في التوقيت الخاطئ... أو ربّما الأجمل." لم يتحرّك رافييل، وكأنّه لم يسمعهم. نظراته كانت لا تزال مغروسة في عيني فاليريا، تحكي لها ما لا يجرؤ قلبه على النُطق به. أما هي، فكانت تشعر وكأنّها عادت تلك الطفلة... المعلّقة بين السماء والأرض، تنتظر ذراعيه ليحتويا خوفها من السقوط تراجع رافييل، بخطوات هادئة متداركًا الموقف، وساعد فاليريا على الوقوف، فيما كانت نظراتها لا تزال معلقة بعينيه، بين الحرج والامتنان، وبين سؤال صامت يتردد في أعماقها. وقف التوأم الثلاثة، يراقبون المشهد بصمت، حتى كسر مايك الصمت وهو يبتسم ويقول: ــ "أحقًا ما نراه؟ رافييل الأخ الأكبر، يحمل فاليريا بين ذراعيه كأنها زهرة ثمينة." أضاف ريان بنبرة مزاح: ــ "لقد تحولت القصة من مجرد رفقة إلى ملحمة أسرية!" ضحك كيفن وهو يضع يده تحت ذقنه كأنه يتأمل لوحة فنية نادرة: ــ "عنوان هذه اللوحة: (حين يذوب الجليد تحت وهج العيون)." ابتسم مايك، وركب ذراعه على كتف ريان قائلاً: ــ "تخيلوا هذا المشهد في فيلم... فاليريا، ملكة الرقة، ورافيل، الأكبر الحامي، أي توافق أسمى من هذا؟" التفت مايك إلى فلورا، وهمس لها مازحًا: ــ "أما زلتِ تعتقدين أن القصص الجميلة لا تحدث إلا في الروايات؟" ابتسمت فلورا وهي تمسك بذراع فاليريا بلطف: ــ "ربما تبدأ هنا، حيث لا يتوقعها أحد." رفع رافييل بصره بهدوء نحو مايك، وأجاب: ــ "كنت أمرّ بالمتحف بعد انتهاء مهمة خاصة في ألمانيا، فاستغللت الفرصة لأتأمل قليلاً." قال ريان مازحًا: ــ "مصادفة غريبة أن نلتقي هنا... أو ربما ليست مصادفة على الإطلاق." أجاب رافيِل بنبرة جمعت الغموض والصدق: ــ "الأمور تحدث عندما يجب أن تحدث." تبادل الأشقاء الثلاثة النظرات، ثم قال مايك ضاحكًا: ــ "كأننا في بداية فيلم رومانسي، هل نضيف الموسيقى التصويرية الآن؟" ضحك الجميع، وقال رافييل: ــ "هناك مطعم إيطالي قريب، هادئ وأنيق... أظن أنه مكان مناسب للغداء." صفق ريان بخفة: ــ "طعام إيطالي؟ إذن نحن على الطريق الصحيح نحو السعادة." قال مايك وهو يربت على كتف رافييل: ــ "وهكذا يبدأ الأخ الأكبر بالتقرب من العائلة... من يدري، ربما يصبح نسيبنا قريبًا!" احمر وجه فاليريا فجأة، وخفضت بصرها، بينما علقت فلورا بمكر لطيف: ــ "أظن أننا نفتقد قدرة التمثيل الآن... فكل المشاعر حقيقية." همست فلورا لفاليريا: ــ "هل تشعرين بشيء مألوف؟" أجابت فاليريا بصوت خافت: ــ "كأنني عشت هذا الحنان من قبل... في زمن آخر." وانطلقوا معًا، يخرجون من أروقة المتحف، تاركين خلفهم رائحة الغبار والرصاص، متجهين إلى نور أبسط... إلى غداء يبدو عاديًا، لكنه في قلب فاليريا كان بداية شيء لا يشبه العادي أبدًا على سطحٍ مظلمٍ، وقف القناصُ ينظر إلى رجلٍ آخر ترتسم على وجهه ملامح القلق والمسؤولية. قال القناصُ بنبرةٍ صارمة: ــ "كانَ من المفترض أن تكون أنتَ الحامي، تحميها من الرصاصة، لا أن تترك الأمر للسفير، لم يكن عليك أن تترك البطل يكون غيرك." ردَّ الرجلُ بترددٍ: ــ "لم أكن أعلم بوجود السفير هناك، وإلّا لتدخّلت فورًا. لم أتوقع أن الأمور ستصل لهذا الحد." قال القناصُ بنبرةٍ تحذيرية: ــ "حاول أن تقترب منها أكثر، كن واضحًا في حضورك أمامها، لا تكن مجرد ظلٍّ بعيد. عليك أن تكون البطل الذي تنظر إليه." ⸻ في المطعم الإيطالي الدافئ، حيث تعطر الأجواء روائح الريحان والثوم، وضوء الشموع ينساب بلطف على الوجوه، جلس رافييل - السفير - على رأس الطاولة، محاطًا بالتوأم ريان، كيفين، ومايك، بينما جلست فلورا مقابلهم، وعلى يسارها فاليريا. بدا التوتر واضحًا بين التوأم وفلورا، الذين لم يكونوا يعرفون تفاصيل الحادثة بدقة، فسأل ريان بقلق: ــ "هل كان هناك رصاصة حقًا؟ هل أصابت أحدًا؟" قال كيفين متوترًا: ــ "كيف تمر الرصاصة هكذا؟ الأمر يبدو خطيرًا جدًا." ابتسم رافييل مطمئنًا، وقال: ــ "الطلقة لم تصب أحدًا، بل مرت فوق رأسي، وارتطمت بالحائط خلفي. كنت في المكان المناسب لأحمي فاليريا من أي خطر." نظرت فلورا إلى فاليريا بقلق، وقالت: ــ "لم نكن نعلم مدى الخطر. علينا أن نكون أكثر حذرًا." قال ريان بعزم: ــ "الأفضل أن نعود إلى إيطاليا بعد يومين. لا يمكننا المخاطرة أكثر." وافق كيفين: ــ "فاليريا تستحق الحماية التامة." وفي تلك اللحظة، دخل شخص غير متوقع إلى المطعم دخل أدواردو إلى المطعم بخطواتٍ واثقة، واقترب من الطاولة التي يجلس حولها رافييل والتوأم وفلورا وفاليريا، وسلم عليهم بابتسامةٍ هادئة ودافئة. دعاه رافييل قائلاً: ــ "تعال وانضم إلينا، مكانك معنا محفوظ." جلس أدواردو بينهم، فاستغل مايك الفرصة وسأله أمام الجميع: ــ "ما الذي تفعله هناك في ألمانيا؟" أجاب أدواردو بثقةٍ واضحة: ــ "كنت جزءًا من مهمة السفير رافييل، مهمة حساسة تتطلب تواجدي هناك لفترة ليست بالقصيرة." ثم توجه أدواردو إلى فاليريا بنظرةٍ تحمل دلالات المغازلة، وقال: ــ "وجودكِ هنا يضفي على المكان رونقًا خاصًا، كأنكِ النجم الساطع في سماء هذا المطعم العتيق." ابتسمت فاليريا خجلاً، وأمالت عينيها نحو الأرض، بينما تابع أدواردو حديثه بنبرةٍ دافئة: ــ "لو أتيحت لي الفرصة، لسررت بأن أتعرف عليكِ أكثر بعيدًا عن زحمة العمل وضوضائه." في تلك اللحظة، همس ريان إلى فلورا بصوت خافت لا يسمعه سواه: ــ "هل لاحظت مدى تقربه منها؟ إنه يتجاوز حدود الحديث العادي." أجابت فلورا بخفوت وهي تراقب الموقف: ــ "نعم، الإعجاب واضح في عينيه، ولا يستطيع أن يخفيه لكن لِنَكون صادقين، أنّه رَجُل وسيم" ناظرها ريان بسخريه ليقول بثقة: "لكن لَيس أجمَل مِن أخي" وبينما كانا يتبادلان الهمسات، همس كيفين إلى رافييل بصوتٍ منخفض لا يسمعه إلا الاثنان: ــ "يا أخي، تبدو غيورًا بشكلٍ ملحوظ، خفف من غيرتك قليلًا." ابتسم رافييل بابتسامةٍ باهتة، ورد بهدوء: ــ "الغيرة ليست سوى دفء في القلب، والحماية مسؤولية ثقيلة تستحق هذا الشعور. بعد أن انتهى الجميع من تناول طعامهم، تبادل رافييل وأدواردو نظراتٍ ثاقبة، ثم قام رافييل ودعاه للخروج إلى بهو المطعم حيث الهدوء والابتعاد عن صخب الجلسة. قال رافييل وهو ينظر إلى أدواردو بجدية: ــ "لقد لاحظتُ مدى اهتمامكِ بفاليريا، هل تنوي الاقتراب منها أكثر مما ينبغي؟" ابتسم أدواردو ابتسامةً خفيفة وقال: ــ "فاليريا امرأة استثنائية، وأرى في معرفتها فرصةً لا تتكرر. ولكن لا أريد أن أتجاوز حدود الاحترام، فأنا أدرك مكانتها عندك وأستطيع رؤية تعلقك بها من عينيك" نظرت عينا رافييل إلى أدواردو بحدةٍ وبريقٍ غيور، ثم قال بصوت منخفض: ــ "حماية فاليريا ليست مجرد مهمة، إنها عهد وعاطفة. لا أسمح لأي أحد أن يتعدى على هذا العهد." أومأ أدواردو برأسه وقال بهدوء: ــ "أنا أفهمك جيدًا، ولن أخطو خطوة تتعارض مع رغبتك. ولكن، أرجو أن تسمح لي بأن أكون صديقًا، حتى لو كان ذلك على بعد خطوة." تردد رافييل قليلاً، ثم أجاب: ــ "سنرى ما تخبئه الأيام، لكنني لن أتراجع عن حمايتها مهما كان الثمن. *ليس وكأنّ السفير لا يعلم ماهي غايته من الأساس*الفصل التاسع والثلاثين في صباح اليوم التالي، استيقظت فاليريا على ضوء شمس خفيف يتسلل عبر نافذتها، مختلف تمامًا عن صخب الليلة الماضية. كانت المدينة ما تزال هادئة، وكأنها لم تستوعب بعد كل ما حدث. نهضت ببطء، توجهت لتجهيز نفسها للذهاب إلى السفارة، لكنها كانت تفكر في شيء واحد فقط منذ أن فتحت عينيها… رافييل. وبينما كانت تضع آخر لمساتها، وصلها إشعار على الهاتف. رسالة قصيرة منه: “أنا بالأسفل. عند البوابة.” توقفت لثانية. ثم ابتسمت دون أن تشعر. أخذت حقيبتها بسرعة، ونزلت بخطوات خفيفة نحو الخارج. وما إن خرجت من البوابة حتى رأته واقفًا بجانب السيارة، بهيبته المعتادة، ببدلته الأنيقة التي تعكس موقعه كسفير، وملامحه الهادئة التي لا تتغير مهما كان الوقت. رفع نظره فورًا عندما رآها. — صباح الخير. قالها ببساطة. — صباح الخير. أجابته وهي تقترب. فتح لها باب السيارة دون كلمة إضافية، وكأن هذا التصرف صار جزءًا طبيعيًا من يومهما. جلست بجانبه، ثم انطلقا معًا. لكن الطريق هذه المرة لم يكن إلى السفارة مباشرة. التفتت إليه بعد دقائق. — إلى أين نذهب؟ — سنفطر أولًا. رفعت حاجبها. — نفطر؟ قبل العمل؟
الفصل الثامن والثلاثين . كان فيهما شيء مكشوف لأول مرة. — ابتعدت؟ سألته بهدوء. أومأ بخفة. — ليس لأنني لم أكن أشعر بشيء… بل لأنني شعرت بالكثير. ابتلعت ريقها بصعوبة. أما هو فخفض صوته أكثر: — أنتِ أول حب في حياتي يا فاليريا. كلمة “أول” لم تمرّ مرورًا عاديًا عليها. بل استقرت في قلبها بثقل جميل. شعرت بأن يدها تُشدّ قليلًا داخل يده. وكأنه يحاول أن يؤكد أن كل ما قاله حقيقي، وأنه لا يتراجع عنه. ساد الصمت بينهما من جديد. لكن هذه المرة لم يكن صمتًا فارغًا. كان ممتلئًا باعتراف لا يُنسى. وممتلئًا برجل لم يكن يجيد الكلام… لكنه أخيرًا قال كل شيء. نظرت إليه طويلًا، ثم همست بابتسامة خافتة: — متأخر جدًا. رفع حاجبه قليلًا. — عن ماذا؟ اقتربت أكثر قليلًا، وضغطت على يده: — عن كل هذا الكلام. ثم أضافت بهدوء: — لكنني سمعته أخيرًا… وهذا يكفي. ولأول مرة منذ بداية الطريق، ابتسم رافييل ابتسامة حقيقية صغيرة، بينما استمرت السيارة تمضي بهما نحو بيت واحد… وحياة لم تعد فيها المشاعر بحاجة إلى صمت استمرت السيارة تشق طريقها بهدوء في شوارع الليل، والهدوء الذي خيّم بين رافييل وفاليريا لم يعد
الفصل السابع والثلاثين . — لا تجعل العمل يبتلعك أثناء غيابي. — ومن قال إنني سأعمل؟ — أعرفك منذ يوم ولادتنا. رد ريان فورًا. — وهذه بالضبط هي المشكلة. ضحك كيفين رغمًا عنه. وعندما ابتعد الثلاثة أخيرًا، شعر كل واحد منهم بغصة صغيرة لم يعترف بها. فطوال حياتهم كانوا دائمًا معًا. يتشاجرون معًا. ويضحكون معًا. ويواجهون كل شيء معًا. واليوم كان أول واحد منهم يبدأ فصلًا جديدًا مختلفًا عن الآخرين. مد مايك يده نحو ريان. لكن ريان تجاهلها وجذبه هو وكيفين إلى عناق واحد. عناق سريع… لكنه كان كافيًا ليقول كل شيء لم تستطع الكلمات قوله. — أراكما قريبًا. قالها أخيرًا. — استمتع بشهر العسل. أجاب كيفين. — ولا ترد على أي اتصال يتعلق بالعمل. أضاف مايك. — سأفكر بالأمر. — هذه ليست إجابة مطمئنة. قالاها معًا في الوقت نفسه. فتنهد ريان. — يا إلهي… حتى الآن ما زلتما تتحدثان بالطريقة نفسها. ارتفعت ضحكاتهم للمرة الأخيرة قبل أن يعود إلى فلورا، تاركًا خلفه أخويه اللذين بقيا يراقبانه حتى غادر القاعة وقبل الذهاب اخيرا توقف أمام رافييل. تبادل الشقيقان نظرة طويلة. نظرة لم يحتج أي منهما خلالها إل
الفصل السادس والثلاثين أغمضت فاليريا عينيها، بينما شعرت أن قلبها يوشك على القفز من بين ضلوعها. أما رافييل، وللمرة النادرة في حياته، فقد سمح لنفسه بالتخلي عن ذلك الحاجز الذي يضعه دائمًا بينه وبين الآخرين. وعندما ابتعد عنها أخيرًا، بقيت المسافة بينهما لا تُذكر. كانت عيناه لا تزالان معلقتين بها. هادئتين. دافئتين. وممتلئتين بشيء لم يعد بحاجة إلى أي اعتراف آخر. ابتسمت فاليريا بخجل وهي تهمس: — أخيرًا. ارتفع أحد حاجبيه. — أخيرًا؟ ضحكت بخفة. — احتجت وقتًا طويلًا جدًا. ظهرت تلك الابتسامة النادرة على شفتيه مجددًا. ثم قال بصوت منخفض لم تسمعه سواها: — كنت أنتظر اللحظة المناسبة. — وهل كانت هذه هي اللحظة المناسبة؟ نظر إليها طويلًا، قبل أن يجيب دون أدنى تردد: — طالما أنها معكِ… فهي المناسبة لم يكن كارلو وماريا بعيدين عن ساحة الرقص. وقف الضابط بهيبته المعهودة إلى جانب زوجته الرسامة، بينما كانت لورينا تقف معهما تتبادل الأحاديث بين الحين والآخر، إلا أن أنظار الثلاثة كانت تعود مرارًا نحو الثنائي الواقف في منتصف القاعة. راقبت ماريا ابنتها بابتسامة دافئة لم تست
الفصل الخامس والثلاثين بعد أن امتلأت ساحة الرقص بالضيوف، بقيت فاليريا لبعض الوقت تتنقل بين المدعوين، تتبادل الأحاديث والتهاني مع الحضور، بينما كانت تتابع فلورا من حين لآخر بابتسامة سعيدة. لم تنتبه لرافييل إلا عندما توقف أمامها. رفعت عينيها إليه، فوجدته كما هو دائمًا؛ هادئًا، متزنًا، حاضرًا بهيبته التي كانت تفرض نفسها دون جهد. لم يقل شيئًا في البداية. اكتفى بمد يده نحوها. نظرت إلى يده ثم إلى وجهه، فارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها. — أهذه دعوة للرقص؟ أومأ برأسه بهدوء. — إن لم يكن لديكِ مانع. كان بإمكانه أن يصيغها كطلب عادي، لكنه رغم هدوئه لم يكن رجلًا يطلب شيئًا لا يريده حقًا. وضعت يدها في يده دون تردد. وكأن الأمر طبيعي بينهما. وكأنه تكرر عشرات المرات من قبل. قادها نحو ساحة الرقص بخطوات واثقة، بينما كانت عيناها تراقبان ملامحه الجادة. لطالما بدا رافييل متماسكًا أمام الجميع. رجلًا يعرف كيف يخفي أفكاره ومشاعره خلف هدوء محسوب. لكن فاليريا كانت من القلة الذين تعلموا قراءة ما خلف ذلك الهدوء. وما إن بدأت الموسيقى حتى استقرت يده على خصرها برفق، بينما وضعت يدها على كتفه. بدأت
الفصل الرابع والثلاثين أما فلورا، فكانت تشعر بأن قلبها يخفق بقوة داخل صدرها، حتى إنها خشيت أن يسمعه من يقف بجانبها. تشابكت أصابعها بقلق خفيف، لكن ريان انتبه إلى ذلك فورًا، فمد يده نحوها وضغط على كفها برفق مطمئن. التفتت إليه بعينيها، لتجده يبتسم ابتسامة صغيرة دافئة. همس بصوت منخفض لا يسمعه سواها: “اهدئي… أنا هنا.” ارتجفت شفتاها بابتسامة متأثرة، وشعرت أن كل توترها بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا. بدأ المسؤول بتلاوة كلمات الزواج، يتحدث عن المودة والرحمة والشراكة التي تجمع شخصين اختارا أن يكملا طريق الحياة معًا. ومع كل كلمة كانت تُقال، ازدادت نظرات فلورا وريان تعلقًا ببعضهما البعض، وكأنهما لا يسمعان سوى صوت قلبيهما. في الصفوف الأمامية، جلست العائلتان تتابعان المشهد بأعين لامعة. بعضهم كان يبتسم، وبعضهم كان يحاول جاهدًا إخفاء تأثره. أما فاليريا فكانت تمسح زاوية عينها بين الحين والآخر وهي تتمتم: “قلت لنفسي لن أبكي… وها أنا أبكي فعلًا.” بينما أطلق رافييل ضحكة خافتة وهو يهز رأسه ساخرًا: “ولم تبدأ اللحظات المؤثرة بعد.” رمقته بنظرة حادة جعلته يرفع يديه مستسلمًا وسط ابتسامته. وعاد التركيز م
الفصل الحادي عشر لم يتفوّه بكلمة. اقترب منها بخطواتٍ بطيئة، ثم فتح ذراعيه وضمّها إليه، حضنٌ ثقيلٌ يحمل في صمته كل سنوات الحب، والخوف، والاعتزاز. هي أيضًا لم تتكلّم، فقط أراحت رأسها على كتفه، كأنها تعود إلى مكانها الأول. وبعد لحظة، أبعدها برفق، نَظر في عينيها، ثم جلس على الكرسي، وأشار لها أن
الفصل العاشر كان المساءُ دافئًا على غير عادته، تتسلّلُ أنسامٌ عليلةٌ من النوافذ المُرتفعة، تفوحُ معها روائحُ التوابل الإيطالية العتيقة، وتتمازجُ بأصواتٍ ناعمةٍ لفرقةٍ موسيقيّةٍ تعزف في الزاوية، كأنّها تحاولُ أن تُضفي على السهرةِ طابعًا أبديًّا من الحُلم. المطعمُ، بإضاءته الخافتة، وجدرانه المكسو
الفصل التاسع ضوء المصابيح الخافت رسم حولهما ظلًّا مضطربًا... كانت يده مشدودة بعض الشيء، وكأنّه لم يُرِد الإفلات. فلورا لم تكن تتحرّك... ظهرها مشدود، وكأنها تجمّدت. وببطء، رفعت رأسها، ثم أدارت جسدها. عينها وقعت على فاليريا... فجأة، ابتعد إدواردو خطوةً للخلف. شعرت فاليريا بتصلّب عضلات صدرها،
الفصل الثامن في قاعة العرض الكبرى، كانت الأنظار كلها مشدودة نحو منصة المسابقة، حيث بدأ الكساندر عرضه بأبهةٍ لا تخطئها العين. العارضات يتألقن بثوبٍ تلو الآخر، ترتدين تصاميم غاية في الأناقة والدقة، تجتمع فيها الألوان والخطوط في تناغمٍ ساحر، كأنها قصائد نسجت من حريرٍ وضياء. وقفت فاليريا بين الجموع،







