เข้าสู่ระบบجملة بسيطة، لكنها كانت زي الصاعقة اللي نزلت على ليلى. انتفضت ليلى في مكانها بتوتر واضح، ووشها اتخطف لونه، وقالت بسرعة وصوت عالي شوية: "لا.. لا، مش عايزين!"
ياسين، اللي كان بيبص لصاحب المعرض، لف وشه لليلى فوراً. سكت تماماً، وبص لها بأسى واستغراب، نظرة كانت أعمق من مجرد رد فعل على إجابة، كانت نظرة "وجع" من سرعة رفضها للفكرة وللجوازة ككل. ليلى حست بنظراته اللي بتخترق دفاعاتها، وارتبكت بشدة. حاولت تداري الموقف وتغير المعنى، فقالت بتلعثم وهي بتبص في الأرض: "أ.. أصل.. قصدت يعني، إحنا محتاجين نجهز أوضة نوم تانية.. للضيوف، عارف.. عشان لو حد جه وبات عندنا، مش أكتر." ياسين فضل ساكت، نظراته لسه محملة بنوع من الخيبة، وكأنه فهم إن "الضيوف" دي مجرد حجة عشان تداري خوفها من فكرة إنها "تتشارك" معاه حياة حقيقية. لف وشه تاني لصاحب المعرض وقال بصوت بارد وجاف: "لا.. مش محتاجين، شكراً." ومشي خطوة ناحية باب المعرض، وساب ليلى واقفة وراها، حاسة إن الفجوة اللي بينهم اتسعت أكتر بكلمة واحدة، وإن اللحظة اللي كانوا بيحاولوا يبنوا فيها "شراكة"، اتهدت في ثانية. كانوا ماشيين في الطريق للعربية وسط ضوضاء الورش، ياسين كان ساكت تماماً، ملامحه محفورة في الجمود، وليلى كانت حاسة بتقل في الجو بينهم بعد موقف محل الموبيليا. حاولت تكسر الحاجز ده بصوت مهزوز: "على فكرة.. ذوقك كمان كويس، كنت مختار حاجات قيمة برضه." ياسين رد عليها من غير ما يبصلها، وبنبرة باردة كأنها ثلج: "طول عمري." سكتت ليلى لثواني، حست إن الرد ده قفل السكة، فقررت تدخل في "المسكوت عنه"، سألت بنبرة مترددة: "ياسين.. هو إنت ليه مخبي عليّ؟ ليه معرفتنيش من الأول إنك ابن كمال السيوفي؟" وقف ياسين فجأة، وبصلها بنظرة محملة بوجع سنين واستعلاء مضاد، سألها بصوت خافت بس مليان مرارة: "هيفرق معاكي في حاجة؟ ولا عشان مكنتش هشوف نظرة الاستعلاء اللي كانت في عينك دي، وكنتي هتشوفيني ساعتها 'ابن ناس' بجد؟" ليلى ارتبكت، وحست إنها انكشفت: "أنا.. أنا مكنش قصدي كدة خالص، إنت ليه بقيت هجومي أوي كدة؟" انفجر ياسين، الغضب اللي كان كاتمه من جوه المعرض طلع أخيراً: "أنا اللي هجومي؟ إنتي حتى مش عارفة تداري نفورِك وتوترك قدام الناس، إنتي بتعاملي كل حاجة بترفُض، حتى فكرة حياتنا سوا بتشوفيها 'عيب'!" سبها ومشي بخطوات سريعة وغاضبة. ليلى اتخضت من انفجاره، حاولت تلحقه ومدت إيدها بسرعة عشان تمسك دراعه وتوقفه وتبرر موقفها، بس التوازن خانها. مع حركة جسمها المفاجئة وكعب الجزمة العالي اللي كان بيعاني أصلاً من "عنادها"، اتلوت رجلها بعنف، ووقعت لقدام، وكعب الجزمة اتكسر تماماً، ورجلها انجرحت من حافة الرصيف الخشنة. ياسين سمع صوت وقوعها، لف وبخفة وسرعة "صنايعي" مبيعرفش يغفل، سندها قبل ما وشها يلمس الأرض. بصلها، ملامح الغضب لسه موجودة بس بدلها قلق مكتوم، سأل بنبرة سريعة: "أنتي كويسة؟ هتعرفي تمشي للعربية؟" حاولت تقف، بس الألم كان لاذع في رجلها، بصت له بعيون مليانة دمع ووجع، وهزت راسها بنفي: "لا.. مش قادرة." بص لرجليها المجروحة، وبص للكعب اللي اتكسر، تنهد تنهيدة طويلة وكأنه بيستسلم لضعفها اللي بيجبره يلين. من غير كلام، طىّ وخلع لها الجزمة المكسورة ورماها، وفجأة شالها بين إيديه، رفعها بسهولة تامة وكأنها ريشة، ومشي بيها تجاه العربية. ليلى كانت متشنجة في إيديه، حاسة بضربات قلبه، وبقوة دراعاته اللي شايلها، وحست إنها لأول مرة.. "ليلى العزايزي" مش قادرة تسيطر، ولا قادرة تتكلم، ومحتاجة بس تستسلم للواقع اللي هو فارضه عليها دلوقتي ياسين ركب العربية، وقفل الباب بعنف مكتوم، وشه كان لسه مشدود، لكن بمجرد ما شاف أثر الدم على رجلها، ملامحه اتغيرت من الغضب لقلق خفي. "نروح المستشفى، الجرح ممكن يكون محتاج خياطة." صوت ياسين كان آمر، لكن ليلى اللي كانت لسه بتتنفس بصعوبة من الموقف، هزت راسها برفض: "لا.. مش مستاهلة، ده جرح بسيط، والحمد لله إنها مورمتش.. بلاش مستشفى، مش عايزة دوشة." بصلها نظرة طويلة، نظرة فيها عتاب ممزوج بحنية، ودار العربية واتحرك. وقف قدام أقرب صيدلية، نزل وجاب مطهر وشاش وبلاستر، ورجع فتح الباب وقال بصوت واطي: "اقعدي على طرف الكرسي، وخلي رجلك لبرا." نفذت كلامه وهي حاسة برعشة في جسمها. ياسين وطى على ركبته قدامها، في الشارع، وسط الزحمة، ولا همه نظرات الناس. سند رجلها المصابة ببطء على ركبته، وبدأ يفتح المطهر. بمجرد ما الكحول لمس الجرح، ليلى حست بنار سريعة بتنهش رجليها. بصوت عالي وبحركة لا إرادية، إيدها اندفعت وشدت شعره بقوة وهي بتصوت بوجع: "آه! ياسين.. بالراحة!" ياسين اتجمد مكانه، ممسكش إيدها، بالعكس، سابها وهي بتشد شعره، وكأنه بيسمح لها تفرغ ألمها فيه. وبحركة احترافية وحنية غير متوقعة، بدأ يدلك مكان الوجع بصباعه التاني ببطء شديد، وهو بيبص لها بعيون فيها نظرة تخلي أي بنت تنهار: "خلاص.. أنا آسف.. اهدي، الجرح بينضف." كانت قريبة منه لدرجة إنها شايفة ملامح التعب في عينيه، وشايفة إزاي إيده اللي بتتعامل مع الخشب الصلب بقسوة، بتتعامل مع جرحها برقة مفرطة. ليلى سكتت، أنفاسها كانت مسموعة، وإيدها لسه ملمستش شعره، بس قربها منه خلى دقات قلبها تعلى. بعد ما خلص، لزق البلاستر بحذر، وبصلها وهي لسه قاعدة في وضعيتها دي، عيونهم اتلاقت للحظة طويلة، لحظة مشحونة بكل حاجة.. الغضب، الندية، والوجع المشترك. قام ووقف، قفل الباب، وركب مكانه. العربية اتحركت في صمت مريب. الطريق للقصر كان طويل، وليلى كانت باصة من الشباك، بس قلبها كان لسه في الصيدلية، في إيدين ياسين اللي بتلمس رجليها. قطعت الصمت ده وهي بتسأل بصوت مخنوق: "ليه عملت كدة؟ كان ممكن تروح المستشفى وترتاح من همي." ياسين مردش عليها، بس قبضته على الدركسيون زادت بقوة، ورد بصوت مبحوح: "عشان مهما كبرت الخناقة بينا يا ليلى، ومهما حاولتي تبعدي وتستعلي.. في الآخر، اللي بيوجعك بيوجعني. إحنا خلاص بقينا حتة واحدة، حتى لو أنتي لسه مش عايزة تعترفي." وصلت العربية قدام بوابة القصر العالية. ياسين نزل بوقار وهدوء، ولف فتح الباب لليلى، اللي نزلت وهي بتحاول تعرج بخفة عشان متبيّنش ألمها، بس "بهدلتها" كانت فاضحة؛ الفستان عليه أثر تراب الورش، وشعرها مش زي ما خرجت بيه، والأهم.. إنها حافية في رجل، ولابسة فردة جزمة واحدة في التانية. مراد العزايزي كان واقف في الجنينة، أول ما شاف المنظر، عيونه لمعت بضحكة مش قادر يحبسها. حط إيده على وسطه وبص لليلى بسخرية أب عارف بنته كويس: "يا أهلاً يا أهلاً.. كنت حاسس إنك راجعة بـ 'نيو لوك' جديد. مش قلت لك يا ليلى يا حبيبتي بلاش تنزلي المناطق دي باللبس ده؟ إنتي اللي صممتي تعملي فيها 'أبو العريف' وتثبتي إنك قدها.. استحملي بقى اللي جالك!" ليلى اتنفخت ودودها من الغيظ، وبصت لأبوها بغضب: "يا بابا ده مش وقت تريقة!" التفتت لياسين اللي كان واقف وراها، وكان بيحاول يمسك نفسه بالعافية، ملامحه كانت بتترعش من الضحك المحبوس. ليلى رمقت ياسين بنظرة "نار"، نظرة كفيلة إنها تحرقه في مكانه. ياسين، بذكاء "السيوفي"، لمح نضرتها، فجأة ملامحه اتحولت لجدية تامة، وكشر وشه بسرعة وهو بيبص لمراد، وبيكتم ضحكته لدرجة إن عروق رقبته ظهرت. ليلى سابتهم بقلبة وش، وطلعت تجري على السلم، مسمعة صوت كعبها المكسور وهي بتطلع، ومن جوه بتغلي من التريقة اللي شافتها في عيونهم. مجرد ما اختفت ليلى من على السلم، انفجر مراد في ضحكة عالية، وياسين أخيراً ساب لنفسه العنان وضحك بصوت عالي، ضحكة صافية ومختلفة عن كل ضحكاته اللي فاتت، ضحكة راجل بيشارك "حماه" سر صغير. مراد مسح دموع الضحك وبص لياسين: "والله يا ابني ليلى دي جننتني، بس أول مرة أشوفها مبهدلة كدة وفي نفس الوقت هادية ومستسلمة.. أنت عملت فيها إيه؟" ياسين ابتسم بهدوء، وهز كتفه: "دي ضريبة 'العناد' يا عمي. كانت لازم تعرف إن في أماكن في الدنيا اللبس الغالي فيها ملوش قيمة، والواقع هو اللي بيفرض كلمته." ياسين بدأ يستأذن عشان يمشي، وكان لسه بيعدل كرافتته، لكن مراد وقف وبص له بجدية فجأة: "لا يا ياسين، مش هتمشي قبل ما نتغدى سوا. ليلى هتغير وتيجي، وبعدين أنا عايزك في موضوع.. موضوع يخص 'السيوفي' و 'العزايزي'، ومحتاجك تسمعني كويس." ياسين سكت لحظة، وبص لمراد بتركيز، حس إن الموضوع أكبر من مجرد غدا. هز راسه بالموافقة: "اللي تشوفه يا عمي، أنا موجود." في اللحظة دي، الجو في القصر كان هادي، لكن ياسين كان حاسس إن الساعات اللي جاية دي، ممكن تغير موازين كتير في حياته، وحياة "ليلى" اللي لسه من شوية كانت شايلة وجعها بين إيديه. اتجمعوا كلهم على مائدة الغداء، الجو كان مشحون بضغوط القصر الرسمية. الجد "العزايزي" (جد ليلى) كان قاعد بوقاره المعهود، عينيه حادة زي الصقر، ولما خلصوا الأكل، مسح بقه ببطء وبص لياسين وليلى وقال بلهجة لا تقبل النقاش: "بما إن العفش جهز وكل حاجة بدأت تاخد وضعها.. الفرح يوم الخميس الجاي. حجزت القاعة، وفندق شهر العسل جاهز، مفيش وقت للتباطؤ أكتر من كدة." ليلى وشها جاب ألوان، حسّت إن الدنيا بتضيق حواليها، نطت من مكانها بذهول: "إيه؟ خميس إيه؟ إنتوا بتتكلموا بجد؟ إحنا لسه بنتعرف على بعض! إنتوا مستعجلين كدة ليه؟ هو إنتوا عاوزين تخلصوا مني وخلاص؟ الجواز مش بالعافية يا جدي.. أنا مش هكمل الجوازة دي!" ياسين كان قاعد، موطي راسه في طبقه، ملامحه متجمدة، لا حاول يدافع ولا حاول يعترض، سكوته كان تقيل ومريب. الجد قام وقف، خبط بعصايته على الأرض خبطة خلت الكل يتنفض، وصوته رعد في المكان: "قرار الجد العزايزي مش عيلة صغيرة اللي هتراجعني فيه! قولت الفرح الخميس الجاي، والكلام انتهى!" بص لمراد بغضب: "من إمتى البت دي بقت بتجرؤ ترد عليا نِد بِنِد؟ ربي بنتك يا مراد.. ولا شكلك نسيت الأصول؟" مراد، اللي كان صابر على دلال بنته، فقد أعصابه من إحراج الجد له، وقام من مكانه و "لطشها" قلم، صوته كان حاد: "صبري عليكي بدأ ينفذ يا ليلى! فرحك الخميس الجاي، جهزي حالك مفيش نقاش تاني." ليلى حطت إيدها على خدها، عيونها مليانة صدمة ودموع محبوسة، كانت بتبص لياسين بقلة حيلة، مستنية منه كلمة. ياسين اتنهد، قام وقف بهدوء، وبص لمراد وللجد بصوت رزين: "يا جماعة.. سبوها على راحتها. أدونا وقت، مش عايز أقفّل بيتنا علينا من أول يوم ويكون سجن لبعض." الجد بصله بحزم، وقاله وهو بيشاور بعصايته: "ياسين، قراري اتاخد. بالعافية أو بالذوق.. هو ده الموجود، مش عاجبها؟ تخبط دماغها في الحيطة." ياسين سكت لحظة، بص لليلى اللي كانت بتغلي من جواها ومنكسرة من برة، وبعدين رجع بص للجد وقال بنبرة ميتة: "اللي تشوفه حضرتك." ساد صمت مرعب في الأوضة، ليلى بصت لياسين نظرة أخيرة كلها خيبة أمل، نظرة بتقوله "كنت فاكرة إنك راجل، بس طلعت زيهم"، وطلعت تجري على أوضتها وهي بتعيط، وسابت الكل في حالة جمود دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا بكل قوتي، صوت القفل وهو بيتحرك كان بيتردد في ودني كأنه صوت "قفص" بيتقفل عليا.. رميت نفسي على السرير، والدموع اللي حبستها قدامهم انفجرت كأنها سد انهار. موجوعة؟ آه، بس الوجع الحقيقي مش من القلم اللي خدته، ولا حتى من نظرات جدي السامة.. الوجع كله كان في نظرة ياسين. الراجل اللي كنت فاكرة إني بدأت ألمس حنيته، الراجل اللي كان من ساعة واحدة بس بيداري جرحي، هو نفسه اللي "استسلم" ببرود ووافق يبيعني في سوق الأصول والقرارات الجاهزة. هل ياسين خايف على مكانه؟ ولا خايف من جدي؟ ولا هو من الأول كان جزء من اللعبة دي؟ الخميس الجاي.. يوم مش هيعدي بالساهل، وأنا ليلى العزايزي، مش هقبل أكون مجرد عروسة في مسرحية خيوطها مش بإيدي. ياسين.. أنا هعرف إنت معايا ولا عليا، بس ورب البيت، ما أنا سايباك تتهنى بقرار جدي ده! أعزائي القراء، أتمنى يكون الفصل الخامس وصل لكم التوتر اللي عايشينه أبطالنا. لو عجبتكم الأحداث وحابين تعرفوا "ليلى" ناوية على إيه في الفرح، ما تنسوش الدعم بالـ "Vote" والكومنتات، رأيكم بيفرق جداً في كتابة اللي جاي. استنوني في الفصل السادس، اللعبة لسه بتبدأ!في الصباح الباكر، استقرت سيارة ياسين السيوفي أمام البرج الفخم لشركة عاصم الأسيوطي. خطت رانيا داخل ردهة الشركة بخطوات ثابتة، واثقة، تضرب الأرض بكعب حذائها بنغمة عسكرية، وكان ياسين يسير إلى جوارها وعيناه تراقبان الأجواء. بمجرد أن لمحها الموظفون، سرت حالة من الطوارئ الصامتة في المكان، وهبّ الجميع واقفين إجلالاً ورعباً من تلك المرأة التي عُرفت بجبروتها وقسوتها في الإدارة. تعالت أصوات الترحيب والتهنئة بسلامتها من كل حدب وصوب، لكن رانيا لم تبتسم؛ اكتفت بإيماءة باردة من رأسها جمدت الدماء في عروق الحاضرين. وقفت رانيا في منتصف الصالة الرئيسية، والتفتت للموظفين وبنبرة صوت حادة وجافة ألقيت قنبلتها الأولى: "كل واحد على مكتبه.. الشغل يرجع بانتظام وبأعلى كفاءة، وعشان الكل يبقى مستوعب الوضع الجديد من أول دقيقة.. ياسين بيه السيوفي من النهاردة هو رئيس مجلس إدارة الشركة، وكلمته وتوقيعه من كلمتي وتوقيعي شخصياً.. اللي هيمشي على ياسين بيه، هيمشي على رانيا الأسيوطي بالملي!" ياسين نفسه اتصدم، لَف رأسه وبص لرانيا بذهول حقيقي ولمعت عيناه بنظرة صدمة غير مستوعبة.. مكنش يعرف إطلاقاً إنها هتاخد الخطوة
بعد مرور أيام.. كان ياسين في فيلا رانيا الأسيوطي. الأيام اللي فاتت مرت عليه زي الجمر، عقله مبطلش تفكير في كلام حماه مراد، ولا في شكل ليلى وصوت صرختها وهي بتهدده بالطلاق. خرج ياسين من الفيلا بدري جداً والشمس لسه بتشق طريقها في السما، وراح يزور أمه في المستشفى.. قعد جنبها، ملأ عينه منها، ودعى ربنا يشفيها وتعدي الأزمة دي على خير، لأنها الطاقة الوحيدة اللي باقية له عشان يستحمل الحرب اللي عايش فيها. على الضهر، رجع ياسين الفيلا تاني.. فتح الباب ودخل وهو شايل هموم الدنيا فوق كتافه، بس أول ما خطى عتبة الصالة، لقى رانيا صاحية ومستنياه. رانيا كانت واقفة في المطبخ المفتوح، ملامحها هادية، وكانت محضراله فطار خصوصي وسايباه على السفرة أول ما سمعت صوت عربية ياسين برة. بصت له بابتسامة رقيقة وقالت بنبرة ناعمة كلها اهتمام: "حمد الله على سلامتك يا حبيبي.. كنت عارفاك خارج من بدري ومأكلتش حاجة، جهزتلك الفطار ده بإيدي ومستنياك عشان ناكل سوا." ياسين وقف مكانه، بص للاستقبال الهدوء اللي رانيا بتستقبله بيه، وبص للفطار، ورغم الوجع اللي جواه، حاول يرسم ابتسامة هادية على وشه .. ، قعدوا الإتنين على
فتح ياسين باب الجناح ودخل وهو بيحاول يرسم ابتسامة على وشه، بس الخطوة اللي خطاها جوة الأوضة كانت الأخيرة قبل ما يقف مكانه كأنه مضروب بالرصاص! الأوضة كانت غرقانة في سكون مرعب.. ليلى كانت قاعدة على طرف السرير، ضهرها مفرود بجمود يخوف، وقدامها على الكرسي كانت شنطة كتفه مفتوحة، وتلفونه محطوط في إيدها والشاشة لسه منورة بوضوح على رسالة رانيا الأخير. أول ما ياسين شاف المنظر ده، وشّه جاب ميت لون، والدم هرب من عروقه تماماً.. الكابوس اللي كان بيهرب منه وبيحاول يأجله، بقى واقف قدامه في نص الأوضة. ليلى رفعت عينيها ببطء شديد، نظرتها كانت دبلانة، مكسورة، بس مليانة كبرياء بيموت.. بصت في عينيه مباشرةً، وقالت بصوت هادي وجاف.. هدوء قطع أنفاس ياسين بالكامل: "هتبقى أب يا ياسين.." ياسين اتصدم، الكلمة لجمت لسانه لثواني، وبلع ريقه بصعوبة وقرب خطوة وهو بيقول بذهول ورعشة في صوته: "ليلى.. أنتِ.. رانيا اللي كلمتك وقالتلك؟!" ليلى ابتسمت ابتسامة وجع وسخرية مريرة، ورفعت التلفون في وشّه وقالت: "لأ، رانيا مقالتليش.. عرفت من تلفونك أنت.. من الشنطة اللي سبتهالي أشيلها، ومن الرسالة اللي بعتاهالك بتطم
الهدوء اللي ساد الأوضة كان هدوء خانق، أشبه بالهدوء اللي بيسبق العواصف اللي بتهد البيوت. الشمس كانت لسه مخرجتش كاملة، وخيوط الفجر الأولى مأثرتش على العتمة اللي مالية الزوايا. ياسين كان نايم على ضهره، عينه مفتوحة على آخرها ومثبتة في السقف، وجسمه كله مشدود وزي الوتر.. النَفَس اللي خارج من صدره كان حامي ومكتوم. لَف راسه ببطء للناحية التانية، لقى رانيا نايمة جنبه على السرير بهدوء، ملامحها هديت تماماً بعد ما مَضت العقد وأخدت شركتها، وإيدها ساندة على بطنها كأنها بتحمي ابنهم حتى وهي غايبة عن الوعي. غمض ياسين عينيه بقوة، وفي ثانية، انقشع سكون الأوضة وعقله سحبه لـ "فلاش باك" مرعب.. لورا، لقبل كام ساعة بالظبط، لما كانت رانيا واقفة قدامه وعينيها غرقانة دموع وهي بتكشف له السر اللي زلزل كيانه. "في الفلاش باك قبل ساعات:" ياسين كان ماسك رانيا من دراعاتها بغضب وعروق جبهته بتطق، وصوته طلع مخنوق ومرعش وهو بيحاول يستوعب الصدمة: "طب ليه؟! لو الكلام ده حقيقي وفيه لعين تاني ورا موت أبويا وكان عاوز يدمر عيلتنا وعيلة العزايزي.. ليه مظهرش لحد دلوقتي يا رانيا؟! بقاله سنين مستخبي فين؟! وليه ساب الأ
ياسين كان نايم على ضهره، نَفسه العالي بيقل بالتدريج وعينيه مثبتة على سقف الأوضة الشاسع. دراعه اليمين كان مفرود ومحوط ليلى اللي كانت دافنة راسها بالكامل في تجويف صدره، وإيدها لسه مكلبشة في بقايا قميصه المتقطع كأنها خايفة تصحى تلاقيه سراب. الجناح كله كان يسوده هدوء تام، مفيش فيه غير صوت أنفاسهم المنتظمة والدافية، والستائر الحريرية بتتحرك ببطء مع نسمة الهوا العليلة اللي داخلة من البلكونة مع خيوط شمس العصر. ليلى حركت راسها ببطء، ولمست بوشها نضج صدره، واتنهدت تنهيدة طويلة مليانة راحة وأمان مكنتش حساهم بقالها شهور. رفعت عينيها وبصت لملامحه الرجولية المجهدة، وابتسمت ابتسامة رقيقة ودافية، ومدت صوابعها تمشيها بحنية على دقنه الخفيفة وهي بتهمس بصوت كسلان ومليان نوم وحب: "صباح الخير يا حبيبي.. صاحي من بدري؟ شكل في حاجة شغلاك؟" ياسين حاول يتنفس بهدوء ويرسم ملامح طبيعية تماماً عشان يداري البركان اللي جوا عقله، ولف وشبه ليها وباس راسها بحنية وقال بصوت واطي ومجهد بس نابع من جوة قلبه: "صباح النور.. لا مفيش يا حبيبتي، بس قمنا متأخر، العصر أذن." ليلى رفعت راسها أكتر وبصت في عينيه بلهفة وش
ياسين مد إيده ببطء وسحب الورق المرمي على التربيزة، وعينيه بدأت تتحرك بين السطور بصدمة وعدم تصديق. عروق إيده برزت وهو شايف العقود الأصلية، التنازلات القديمة، والوصولات اللي بقاله سنين بيلف وراها.. كل الورق اللي يثبت حق أبوه كمال السيوفي ويرد له اعتباره ميت وصاحي، كان بين إيديه دلوقتي، وفي بيت مين؟ في بيت الأسيوطي! بص للورق وبص لرانيا اللي قاعدة جنبه زي الخيال، ملامحه اتهزت ومبقاش عارف يقول إيه ولا ينطق بإيه قدام شكلها المكسور والدموع الناشفة في عينيها. الغضب اللي خرج بيه من الأوضة اتمحى، وحل مكانه ذهول ووجع تقيل. اتنهد بصوت مسموع، صوته طلع خشن بس فيه نبرة هادية مكنش يقصدها: "رانيا.. أنتِ كويسة؟" فضلت ساكتة لثواني كأنها مش سامعاه، عينيها مثبتة على الفراغ، لحد ما دارت وشها له ببطء شديد، وابتسمت ابتسامة باهتة وميتة، وقالتله بنبرة مكسورة وكلها شجن: "مبروك يا ياسين.. مبروك حقك اللي رجعلك.. طلع عندك حق في كل حاجة، أنت كنت مجرد بترجع حقك مش أكتر.. وأبويا طلع هو اللي دمر كل حاجة." نزلت دموعة تايهة من عينها مسحتها بسرعة وكملت بكبرياء جريح: "بس ليا عندك رجاء.. رجعلي شركتي،
طول الأسبوع اللي سبق الفرح، كان القصر بيتحول لساحة احتفالات، بس داخل أروقة الشركة، الجو كان مختلف تماماً. مراد العزايزي كان حاسم، سحب من ليلى جزء كبير من صلاحياتها، وحطها "تحت التدريب" المباشر لياسين السيوفي. ياسين كان بيتعامل معاها بمنتهى الجدية اللي بتوصل للبرود. ماكانش بيشوفها "صاحبة شركة"، كا
ليلى حست للحظة بضعف موقفها، وخصوصاً بعد ما شافت "الرعب" الحقيقي في عين ياسين لما اتكلم عن أمه. حست إنها محتاجة تلطف الجو عشان تضمن إن الأمور متبوظش أكتر، وبنفس الوقت حست بشوية "امتنان" متداري إنه مكنش نذل معاها قدام أبوها. ساد صمت طويل ومكهرب داخل العربية، ليلى بدأت تفرك في إيديها بتوتر، وبعد فتر
ليلى انقضت على تليفون ياسين، أصابعها بتتحرك بسرعة البرق. أول حاجة لفتت نظرها "سجل المكالمات".. رقم "ولاء" متكرر كتير، مكالمات مدتها طويلة، ربع ساعة وتلت ساعة.. حست بغيظ، مين دي اللي بيكلمها بالساعات وهو المفروض ميت في الشغل؟ بس اللي صدمها أكتر كان الملف اللي لقته متسمي باسم مشفر في آخر الجاليري.
في الشركة، كان الجو مشحوناً بهدوء لا يطمئن. طوال اليوم، كان ياسين يمارس عمله بجدية مفرطة، متجاهلاً وجود ليلى تماماً. لم يلقِ نظرة واحدة تجاه مكتبها، وكأنها غير موجودة، وهذا التجاهل كان يحرق أعصابها أكثر من أي كلام. مع دقات ساعة "البريك"، تحرك ياسين بهدوء، أخذ معطفه واتجه نحو المصعد. ليلى، التي كا







