Share

part 2

last update Tanggal publikasi: 2026-06-23 19:43:05

خلعت سماعاتها ببطء شديد وبأصابع ترتجف بشكل ملحوظ، وتراجعت بجسدها إلى الخلف مستندة إلى مقعدها، وهي تهمس بصوت واهن، متقطع، خارج من بئر سحيق من الصدمة:

— "مش ممكن... أحمد؟! أنت أحمد صح؟ مش معقول اللي بيحصل ده!"

نظرتُ إلى ملامحها بعمق، أحفر تفاصيلها الجديدة فوق تفاصيلها القديمة المخزنة في عقلي؛ نعم، غيرت السنين بعض ملامح وجهها الصغير، أصبحت امرأة ناضجة، وارتسمت مسحة من الحزن والوقار على عينيها الساحرتين اللتين حفظت بريقهما، لكن النظرة... النظرة هي ذاتها النظرة القديمة التي كانت تفك شفرات قلبي وتفضح مشاعري في ثوانٍ معدودة على رصيف المدرسة.

ابتلعتُ ريقي بصعوبة، وحاولت الاستناد على مسند المقعد لأثبت يدي التي بدأت ترتعش هي الأخرى..... خمسة عشر عاما من الغياب

تلاشت ضوضاء المحركات تماماً من حولي، واختفى ركاب الطائرة من مخيلتي، وصوت المضيفة الداخلي تحول إلى وشوشة مبهمة لا معنى لها. أصبحنا فجأة، وعلى ارتفاع آلاف الأقدام بين الغيوم، معلقين في الفراغ بين ماضٍ عشناه معاً بكل جوارحنا وتفاصيله الصغيرة، وحاضر يجمعنا كغرباء يلتقون فجأة ليحملوا في أعماق صدورهم ذات النبض القديم المشترك.

.

انفصلنا، كبرنا، تغيرت مصائرنا، وظننا أننا تخلصنا من حكايتنا وأغلقنا كتابها القديم، لكن في تلك اللحظة العاصفة وسط الغيوم، تأكدتُ تماماً أن خمس عشرة سنة من الفراق والبعد لم تكن سوى كذبة كبيرة اختلقناها لنقنع أنفسنا بأننا على قيد الحياة،

وأن هذا الحب ما زال حياً، ينبض بقوة وثوران داخل صدورنا، ينتظر هذه المصادفة المستحيلة ليثبت لنا، وللعالم كله، أننا رغم كل ما حدث، ورغم كل السنين والمسافات... مازلنا نحب بعضنا.

.

بينما كانت الطائرة تقطع السحب الكثيفة متجهة نحو السماء الصافية، شعرتُ بروح أحمد البالغ من العمر ثلاثين عاماً تتهاوى تحت ثقل تلك النظرة في عيني مريم. كنتُ أنظر إليها، إلى نفس العيون التي غادرتُها وأنا في السادسة عشرة من عمري،

فوجدتُ نفسي أتحلل من الحاضر تماماً، وأهبط رغماً عني إلى سراديب الماضي البعيد.

لم تكن مجرد ذكريات عابرة، بل كانت تفاصيل حية تنبض أمام عيني، تفاصيل صيف كامل عشته معها خطوة بخطوة، ونحن نكبر سوياً يوماً بعد يوم، ونراقب علامات النضج وهي ترتسم على ملامحنا بحذر ودهشة صبيانية.

أمام عينيها اللتين لم تفقدَا بريقهما القديم، تجسدت أمامي حديقة "الشلالات" القريبة من حيّنا القديم في الإسكندرية.

تذكرتُ كيف كنا نلوذ بظلال أشجارها العتيقة هرباً من لاهب يوليو، ومن عيون الجيران الفضولية التي كانت تلاحقنا بشبهات الحب البريء. كنا في تلك المرحلة نمر بتغيرات سريعة، نرى بعضنا ونحن نكبر يوماً بعد يوم؛

أنا أراقب طولها الذي بدأ يقترب من كتفي، وشعرها الذي أصبح أكثر كَثافة ونعومة، وهي تبتسم بخجل ودلال كلما لاحظت بحة صوتي الجديدة التي بدأت تظهر، أو ملامح وجهي الصبياني التي بدأت تفقد استدارتها الطفولية لتأخذ شكلاً أكثر حدة ورجولة.

كنا نكتشف العالم والجسد والمشاعر معاً، وفي كل يوم يمر، كان الرابط بيننا يزداد وثوقاً، كأننا شجرتان نمت جذورهما تحت الأرض وتشابكت حتى استحال الفصل بينهما.

أتذكر ذلك اليوم تحديداً، حين جمعتُ ما تبقى في جيبي من مصروف الأسبوع كله، وتحايلتُ على والدي لأحصل على بضعة قروش إضافية، فقط لأشتري لنا قمعين من المثلجات بنكهة الفراولة والليمون من تلك العربة الخشبية الملونة التي كانت تقف عند بوابة الحديقة.

جلستْ مريم وقتها على المقعد الخشبي المتهالك الذي قشرت الرطوبة طلاءه الأخضر، وبدأت تأكل بنهم طفولي وهي تضحك بصوتها العذب لأن المثلجات بدأت تذوب بسرعة تحت الشمس الحارقة وتسيل على أصابعها الصغيرة الناعمة.

التفتُّ إليها في تلك اللحظة، وشعرتُ برغبة عارمة في حمايتها من كل شيء، حتى من قطرات المثلجات الذائبة. سحبتُ من جيب بنطالي منديلاً ورقياً

مجعداً، وقلتُ لها بالعامية، وصوتي يرتجف قليلاً من القرب:

— "بالراحة طيب.. لحوسْتي إيديكي خالص، هاتي أما أمسحهالك."

مدت يدها إليّ مستسلمة، وعيناها تلمعان ببريق لم أرَ له مثيلاً في حياتي. ولأول مرة في تاريخ علاقتنا البريئة، تجرأتُ وأمسكتُ بكفها الصغير. لم يكن مجرد إمساك عابر لمسح يدها؛ بل كانت أصابعي تتحرك ببطء شديد وفوق جلدها الناعم، أتحسس دفء نبضها المتسارع،

بينما كانت عيناها معلقتين بعيني بنظرة شلت حركتي واختصرت كل حكايات العشق التي قرأتها في الكتب. في تلك اللحظة، لامستُ ذراعي ذراعها خفيفة الصوف، وسرى بيننا تيار صامت، مهيب، جعلنا نتوقف عن الكلام لدقائق طويلة. لم نكن بحاجة للحديث؛ كنا نكتفي فقط بالنظر إلى الأفق البعيد، بينما أصابعنا تشابكت في خفاء مذهل تحت المنديل الورقي، كأننا نوقع معاهدة أبدية للبقاء معاً.

عشنا سنة كاملة على هذا الإيقاع الدافئ، سنة من الاهتمام المتبادل، والنظرات المسروقة في ممرات المدرسة، والتمشي الطويل تحت مظلة الشتاء أو ظلال أشجار الصيف. كنا نرى بعضنا نتحول من مرحلة الطفولة المتأخرة إلى عتبات الشباب، وكنا نظن، بيقين الستة عشر عاماً، أننا شيدنا مملكة حصينة لا تملك أعتى الرياح أن تهدمها. كنا نخطط للمستقبل، لأي كلية سندخل، وكيف سنبني بيتاً يشبه بيوتنا القديمة ولكن بجدار واحد يجمعنا لا يفصلنا.

حتى جاءت تلك الليلة المشؤومة التي أفسدت كل شيء وقلبت حياتي رأساً على عقب.

أتذكر جيداً صدمة والدي وهو يدخل المنزل بوجه شاحب وعينين قلقتين، ليخبرنا بقرار الهجرة المفاجئ إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعدما حصل على عقد عمل في إحدى الشركات الكبرى هناك،

عقد لم يكن يملك رفاهية رفضه في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة التي كنا نمر بها.

في سن السادسة عشرة، تكون في أوج مشاعرك لكنك في أضعف مواقفك؛ لا تملك من أمرك شيئاً، ولا تملك حق الاعتراض، أو البقاء،

أو حتى اختيار مصيرك. أتذكر كيف بكيتُ تلك الليلة بحرقة في غرفتي المظلمة، وجبهتي مستندة إلى الجدار الملاصق لغرفتها، وأنا أسمع صوت بكائها المكتوم يأتي من الجانب الآخر، كأن الجدار نفسه كان يبكي معنا. أخذوني رغماً عني، واقتلعوني من

رصيف الشارع السكندري، ومن شرفتي الملاصقة لشرفتها. أتذكر وقوفي الأخير في المطار، وجسدي يتحرك مع عائلتي نحو بوابة المغادرة بينما روحي وقلبي وعقلي بقوا معلقين هناك، على باب بنايتها، في تفاصيل ضحكتها تحت شمس حديقة الشلالات.

ومن هنا، خلف محيطات الغربة وجليد المدن الأمريكية الشاسعة والباردة، بدأت قصة الانفصال العاطفي القاسي. في البداية، كنت أحاول المقاومة؛ أرسل الرسائل الطويلة عبر البريد والتي كانت تأخذ أسابيع لتصل،

وأتصل بالخطوط الأرضية الدولية التي كانت تنقطع باستمرار أو تجابه بصوت الحرارة المتقطع الذي يمزق أحشائي. لكن مع مرور الأشهر، وبدء الدراسة في بلد جديد بلغة مختلفة وثقافة باردة لا تشبهنا في شيء،

بدأ الواقع يفرض أحكامه القاسية. ابتلعنا الوقت، وأنهكتنا المسافات وفروق التوقيت الشاسعة،

وأجبرتنا الأيام على المضي قُدماً بقلوب مكسورة، مظاهرها النضج والقوة، وبواطنها رماد حكاية لم تكتمل

. تحولت مريم في عقلي من حبيبة يومية إلى جرح غائر أحاول إخفاءه عن الجميع، وإلى لوحات أرسمها بالخفاء لأفرغ فيها شوقي وعجزي

عدتُ فجأة من دوامة ذكرياتي العاصفة على صوت قعقعة خفيفة داخل الطائرة وهي تستقر تماماً في مسارها الجوي الثابت بعد الإقلاع، متجاوزة آخر طبقات السحب الكثيفة لتسبح في فضاء أزرق لا نهاية له. التفتُّ إليها مجدداً،

وكانت ما تزال تتأمل وجهي بذات النظرة المستفسرة العميقة، كأنها كانت تقرأ شريط الذكريات الذي مر في عقلي طوال تلك الدقائق الصامتة، وتعرف تماماً أين سافر بي عقلي.

تنهدت مريم ببطء شديد، وخرجت من صدرها آهة خافتة تحمل وجع السنين المحبوس، ثم تراجعت بظهرها إلى المقعد المريح، وارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة، غامضة، تحمل مزيجاً مذهلاً من الفخر القديم

والعتاب المتأخر. نظرت إلى عيني مباشرة، لتكسر الصبت الذي طال، وقالت لي بالعامية بنبرة هزت كل أركاني:

— "بس أنا عرفت إنك بقيت فنان مشهور.. وشفت لوحاتك في كل حتة، طول عمرك بتحب الرسم ."

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 8

    بقيتُ في مكاني، متسمراً فوق ذلك المقعد الخشبي البارد، وعيناي معلقتان بالزجاج المغيم الذي تلاشت خلفه مريم منذ دقائق. كانت الطاولة أمامي تبدو كساحة معركة خاسرة؛ فنجان قهوتها الذي لم يبرد تماماً بعد والمقعد الشاغر الذي ما زال يحتفظ بشيء من أثرها، وكراسة رسمي الملقاة في زاوية الطاولة كجثة هامدة. مرارة الانكسار الحالي فتحت في عقلي مسام الذاكرة على مصراعيها، ولم أجد مفراً من هذا الألم سوى أن أهرب مجدداً إلى أزقة الماضي، إلى ذلك الزمن البعيد الذي كنتُ أملك فيه مريم بالكامل، وكان لي الحق في أن أحبها، وأن أحزن منها، وأن أغير عليها بغطرسة صبيانية لم أكن أدرك قيمتها الثمينة وقتهاانعقدت الغيوم في رأسي لتعيدني إلى الوراء خمسة عشر عاماً، تحديداً في شتاء سنتنا الأخيرة معاً في الإسكندرية. أتذكر ذلك الصباح الكانوني بوضوح شديد؛ كان الضباب يلف شوارع الحي، ونسمات الهواء الباردة تجبر الجميع على دثر أنفسهم بالمعاطف الصوفية الثقيلة. كنا نتمشى كعادتنا في ممرات المدرسة الثانوية المشتركة خلال فترة الاستراحة، وكانت مريم تسير بجانبي بمريولها الكحلي الواسع، وشعرها الأسود منسدل على كتفيها بطريقة خطفت أنظار ال

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 7

    كانت مريم تسترسل في حديثها العذب عن باريس، وعن قاعات الندوات والمحاضرات الدولية التي ألقت فيها كلماتها بثقة أذهلت الأطباء هناك. كنتُ غارقاً في تفاصيل ملامحها الناضجة، أستمع إلى نبرة صوتها التي أصبحت مزيجاً ساحراً من الوقار والرقة، وكان صدى أمواج البحر السكندري في الخارج يرتطم بالصخور بإيقاع منتظم ودافئ، يمتزج برائحة القهوة ونقر قطرات المطر الخفيفة التي بدأت تتساقط ببطء على زجاج الكافيه. في تلك اللحظات الثمينة، شعرتُ بارتياح عارم وعميق اجتاح كل زوايا روحي المغتربةوكأنني أستعيد حصتي المسروقة من الحياة والزمن. تمنيتُ في سري لو يتوقف بندول الساعة عند هذه الطاولة الخشبية الصغيرة، وألا تنتهي هذه الليلة أبداً، كأنني صبي صغير يحاول الاحتفاظ بأجمل أمنياته قبل أن يسرقها ضوء النهار العاقل.وفجأة، وبلا أي مقدمات، اهتز هاتفها المحمول الموضوع على الطاولة الخشبية بيننا. أضاءت الشاشة البيضاء في عتمة الركن المعزول معلنة عن اتصال لم أتبين اسمه في البداية، لكنني رأيتُ ملامح مريم تتغير في جزء من الثانية؛ تلاشت مسحة الشجن الدافئ والحديث المسترسل عن الماضي والطفولة، وحل محلها ارتباك سريع ومشوب بجدية طار

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 6

    انقطع حبل أفكاري المضطربة عندما دوى صوت قائد الطائرة عبر مكبرات الصوت، يعلن باللغتين الفرنسية والعربية عن بدء الهبوط التدريجي نحو مطار برج العرب بالإسكندرية. بدأت الطائرة تميل بزاوية خفيفة، وتخترق طبقات السحب الكثيفة لتظهر من تحتنا أضواء المدينة الساحلية متلألئة في عتمة الليل، كحبات لؤلؤ منثورة على شاطئ مألوف. شعرتُ بقبضة في قلبي؛ الوقت يمر أسرع مما أتمنى، والدقائق التي تفصلنا عن الأرض تعني أن هذه الفقرة الزمنية المعزولة أوشكت على الانتهاء. التفتُّ نحو مريم، التي كانت تنظر عبر النافذة بمزيج من الاشتياق والترقب، وبدا الخجل بيننا قد تراجع قليلاً ليحل محله حزن الوداع الوشيك. ابتلعتُ ريقي، واستجمعتُ شجاعتي لأسألها عن تفاصيل رحلتها التي لم نجد متسعاً لها وسط فيضان الذكريات، فقلت لها بالعامية بصوت خافت وهادئ: — "صحيح يا مريم.. إحنا اتكلمنا كتير عن الماضي وعن عيادتك، بس أنا مالحقتش أسألك.. أنتي كنتِ في فرنسا بتعملي إيه؟ إيه اللي جابك باريس الصيف ده؟" التفتتْ إليّ، وارتسمت على وجهها ابتسامة رقيقة هادئة تحمل وقار مهنتها، وقالت بنبرة خجولة: — "أنا كنت هناك في مهمة عمل سريعة.. بقيت دايما

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 5

    استيقظتُ فجأة على شهقة مكتومة انقبض لها صدري بقوة، وكأن الهواء قد سُحب دفعة واحدة من رئتي. كنتُ أتصبب عرقاً برغم برودة الطائرة، وقلبي يدق عنيفاً كمطر تشرين على زجاج قديم. الكابوس كان جاداً، يذكرني بكل ما هربت منه، ومرعباً لدرجة أنني شعرت بروح الصبي في داخلي تصرخ مستغيثة؛ رأيتُ نفسي في المطار، وسط زحام خانق، أجر حقائبي الكبيرة وأمشي مسرعاً ببرود نحو بوابة الصعود، وكأني اجري أو اهرب أو حتي اكرر ما حدث في الماضي بينما مريم كانت تقف خلف الحواجز الزجاجية، تضرب بيديها الرقيقتين على الزجاج وتنادي اسمي بصوت يخنقه البكاء. وكأنها ترجو أن تنتظر، أن أقف، أن اخذها معي، إلا اتركها وحيده رأيتها تنهار وتبكي بنفس الحرقة والكسرة التي تركتها عليها قديماً عند ناصية شارعنا الخريفي، تنظر إليّ بعينين عاتبتين تقولان: "لقد فعلتها ثانية يا أحمد.. تركتني مجدداً للضياع والوحدة، تركتني وحدي، والتفت ورحلت دون أن تلقي نظره ورائي " كنتُ في الحلم مسلوب الإرادة، كما كنت مسلوب الاراده قديما، ألتفت وأمشي ، أتركها وراء ظهري وأهجرها للمرة الثانية دون أن ترف لي جفن، دون أن يدق قلبي ب الم، ودون أن أضع في اعتبار

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 4

    بينما كانت الطائرة تنساب بهدوء مفرط بين ممرات الغيوم البيضاء، تراجع صوت المحركات في أذني ليتحول إلى طنين رتيب يساعد على الاستغراق والنوم. التفتُّ نحو مريم بطرف عيني، فرأيت رأسها يميل ببطء نحو مسند المقعد، وكأن ثقل السنين وصدمة اللقاء المفاجئ قد أرهقا جفنيها. تحركت رموشها الطويلة ببطء لمرات متتالية قبل أن تستسلم تماماً، وتغلق عينيها السوداوين اللتين طالما أربكتا تفاصيلي طوال الرحلة. تنهدتْ تنهيدة خافتة وادعة، وارتخت يدها المستندة على حقيبتها اليدوية، لتعلن استسلامها لنوم عميق وهادئ وسط السماء. في تلك اللحظة، شعرتُ وكأن توتر الطائرة بأكمله قد زال. تنفستُ الصعداء، وأخرجتُ من حقيبتي الجلدية الصغيرة كراسة الرسم ذات الغلاف الورقي المقوى، وقلم الرصاص الذي لا يفارقني. كان الصمت المحيط بنا في هذه الزاوية المعزولة هو المناخ المثالي الذي أحتاجه لأستعيد ذاتي كفنان، ولأترجم هذا الفيضان من المشاعر الذي عجزتُ عن نطقه طوال الدقائق الماضية بسبب الخجل والارتباك. تطلعتُ إلى وجهها المسترخي بالكامل؛ كانت تفاصيلها تحت الإضاءة الخافتة للطائرة تبدو كمنحوتة كلاسيكية نادرة. بدأتُ أخط بالقلم برفق شديد على ا

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 3

    ارتسمت على شفتي ابتسامة باهتة ومضطربة، ابتسامة هزيلة حاولتُ من خلالها إخفاء تلك الرعشة التي سرت في أطراف أصابعي. شعرتُ فجأة بثقل هائل يجثم على صدري؛ وكان هذا كله عندما ادركت أن مريم التي أمامي الآن ليست الفتاة ذات الخمسة عشر عاماً التي كنتُ أجادلها بعناد صبياني. هذه المرأة الجالسة بجواري، بملامحها الناضجة والوقار الذي يغلفها، بدت لي فجأة كشخص غريب وبعيد، رغم أنني أحفظ رسم عينيها عن ظهر قلب. الغربة الطويلة لم تغيّر الأمكنة فقط، بل صبغت نفوسنا ببرود وجعلت بيننا حاجزاً غير مرئي من الهيبة والتردد. أعدتُ ظهري إلى مسند المقعد ببطء، محاولاً لملمة شتات نفسي، والتفتُّ نحوها بنصف التفاتة حذرة، دون أن أجرؤ على إرخاء ذراعي بالكامل على الفاصل بيننا. نظرتُ إلى يديها الشابكتين، ثم نقلتُ بصري إلى وجهها، وقلت بصوت خافت بالعامية، يشوبه الكثير من الحذر والخجل: — " بقيت من المشاهير إيه بس يا مريم.. الموضوع مش كده خالص. هي مجرد لوحات وتوفيق من ربنا مش أكتر وصراحه يعني أمريكا فيها فرص كتير والحركة الفنية هناك سريعة أوي، وده ساعدني في الأول لما بدأت في مرسم صغير في نيويورك.. بس الشهرة دي مجرد مظهر بره

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status