공유

part 7

last update 게시일: 2026-07-02 21:52:27

كانت مريم تسترسل في حديثها العذب عن باريس، وعن قاعات الندوات والمحاضرات الدولية التي ألقت فيها كلماتها بثقة أذهلت الأطباء هناك. كنتُ غارقاً في تفاصيل ملامحها الناضجة، أستمع إلى نبرة صوتها التي أصبحت مزيجاً ساحراً من الوقار والرقة،

وكان صدى أمواج البحر السكندري في الخارج يرتطم بالصخور بإيقاع منتظم ودافئ، يمتزج برائحة القهوة ونقر قطرات المطر الخفيفة التي بدأت تتساقط ببطء على زجاج الكافيه. في تلك اللحظات الثمينة، شعرتُ بارتياح عارم وعميق اجتاح كل زوايا روحي المغتربة

وكأنني أستعيد حصتي المسروقة من الحياة والزمن. تمنيتُ في سري لو يتوقف بندول الساعة عند هذه الطاولة الخشبية الصغيرة، وألا تنتهي هذه الليلة أبداً، كأنني صبي صغير يحاول الاحتفاظ بأجمل أمنياته قبل أن يسرقها ضوء النهار العاقل.

وفجأة، وبلا أي مقدمات، اهتز هاتفها المحمول الموضوع على الطاولة الخشبية بيننا. أضاءت الشاشة البيضاء في عتمة الركن المعزول معلنة عن اتصال لم أتبين اسمه في البداية، لكنني رأيتُ ملامح مريم تتغير في جزء من الثانية؛

تلاشت مسحة الشجن الدافئ والحديث المسترسل عن الماضي والطفولة، وحل محلها ارتباك سريع ومشوب بجدية طارئة لم أعهدها فيها طوال الرحلة. سحبت الهاتف نحوها بأصابع تبدو عليها علامات التوتر، وضغطت على زر القبول، ثم رفعت الجهاز إلى أذنها وقالت بصوت خافت، متزن، ولكنه يحمل نبرة اعتذار واضحة لشخص ينتظرها في الخارج:

— "أيوة يا سليم.. أنا خلاص خرجت من بوابة المطار وقاعدة في الكافيه الصغير اللي بيطل على البحر جمبه عل طول.. تمام، أنا مستنياك، متتأخرش."

أغلقت الهاتف ببطء، ثم نظرت إليّ مباشرة. في تلك الأجزاء من الثانية التي تلت المكالمة، شعرتُ ببرودة مفاجئة وقاسية تسري في عروقي، برودة لم أختبرها حتى في أكثر ليالي نيويورك صقيعاً وانعزالاً. تجمدت نظراتي على شفتيها وهي تتنفس بصعوبة،

وكأنني كنتُ أتوقع هذا القادم القاسي وأخشاه طوال الوقت، كأن الكابوس المرعب الذي استيقظتُ منه فزعاً في الطائرة يعيد صياغة نفسه الآن فوق الأرض بشكل أكثر واقعية ومرارة.

التفتت مريم نحوي بكامل جسدها، وشبكت أصابعها بقوة فوق حقيبتها اليدوية الصغيرة، وقالت بالعامية بنبرة هادئة ومستقرة، لكنها كانت كفيلة بهدم كل قصر

من الأوهام شيدتُه في خيالي طوال ساعات الرحلة الماضية:

— "أحمد.. أنا لازم أمشي دلوقتي حالا.. خطيبي سليم جه بره بالعربية عشان يأخدني وعمال يلف في الشارع بيدور على الكافيه ده.. حقيقي فرصة سعيدة جداً ومجهولة إني شوفتك بجد النهاردة، ومبسوطة أوي من كل قلبي إنك بقيت فنان مشهور وشوفت نجاحك."

وقعت الكلمات على مسمعي كصدمة كهربائية عاتية شلت أطرافي ومنعت الدماء من التدفق في عروقي. "خطيبي سليم"

تردد الصدى المرعب لهاتين الكلمتين في دهاليز عقلي كأنه طلق ناري في وادٍ سحيق ومظلم.

شعرتُ بطعنة نافذة وقاتلة في منتصف صدري، طعنة لم تصدر صوتاً ولم تسل منها دماء، لكنها مزقت كل الأمان والارتياح الذي عشناه معاً قبل دقائق قليلة فوق السحاب. غاص قلبي في أعماق جوفي، واجتاحتني موجة عارمة وسوداء من الحزن الخانق، حزن ممزوج بغصة حارقة في حلقي جعلت مجرد استنشاق الهواء أمراً شاقاً ويحتاج إلى مجهود خرافي.

كل لوحاتي المشهورة التي رسمتُها في الغربة عن الفقد، والترك، والبيوت المهجورة، تجسدت أمامي الآن في صورتها الحقيقية والكاملة؛ لم أعد فنانًا عبقرياً يشرح حزن الآخرين على القماش، بل أصبحتُ أنا الضحية الأكبر والأكثر انكساراً لهذا الفقد المفاجئ.

تحت وطأة هذه الصدمة العنيفة التي كادت أن تدفعني للبكاء، وفي محاولة يائسة وأخيرة لحفظ ما تبقى من كرامتي ورجولتي أمام عينيها، استجمعتُ كل قوتي المبعثرة ورسمتُ على وجهي ابتسامة مزيفة، ابتسامة باردة، باهتة، وميتة تماماً لا تصل إلى عيني اللتين كانتا تكافحان في الخفاء لمنع الدموع من الانفجار. كانت تلك الابتسامة مجرد قناع بلاستيكي رخيص أتحصن به ضد الانهيار الكامل والسقوط أمامها في هذا المكان العام. ابتلعتُ ريقي بصعوبة بالغة،

وحاولت جافاً أن أجعل نبرة صوتي تبدو طبيعية، هادئة، ومتزنة قدر الإمكان، فقلت لها بالعامية بينما عيناي تكافحان للثبات والنظر في عينيها الواسعتين:

— "ألف مبروك يا مريم.. حقيقي أنا فرحتلك من كل قلبي لما سمعت الخبر ده. ربنا يسعدك في حياتك الجاية ويتمملك كل حاجة على خير يا رب.. خطيبك سليم ده أكيد شخص محظوظ جداً في الدنيا لأنك معاه."

سكتُّ للحظة قصيرة، وشعرت برعب حقيقي يجتاح كياني من فكرة أن تختفي مريم من حياتي للأبد وبشكل نهائي هذه المرة، وأن تنقطع كل حبال التواصل والروابط البريئة بيننا بمجرد أن تخطو قدمها خارج باب هذا الكافيه. لم أكن أحتمل فكرة الغياب المطلق والجهل بأخبارها مجدداً بعد أن تذوقت دفئها؛ لذا، وتحت تأثير حنين جارف وخوف قاتل من الضياع،

تقدمتُ بخطوة صغيرة متهورة في الحديث، وقلت لها بنبرة خافتة تحمل رجاءً ونحيباً خفياً حاول الأسلوب المهذب إخفاءه خلف الكلمات:

— "بس.. يعني لو مش هيضايقك الموضوع ده أو يسببلك أي نوع من الإحراج مع خطيبك، ممكن تديني الأكونت الشخصي بتاعك على فيسبوك أو إنستغرام؟ عشان.. عشان بس أطمن عليكي وعلى أخبار عيادتك وفنك من وقت للتاني، وميبقاش الانقطاع كامل وبشع بيننا زي المرة القديمة."

نظرتْ إليّ مريم في تلك اللحظة بنظرة عميقة، نظرة غامضة ارتبكت فيها ملامحها الهادئة للحظات وساد بيننا صمت قصير ومفعم بحسابات ومشاعر معقدة لا يعرفها غيرنا، لكنها لمحت في عيني عين ذات الصبي الخائف والباكي الذي غادر شرفتها مجبراً في سن السادسة عشرة

أومأت برأسها في هدوء خجول يمتزج بالشفقة والوداع، وسحبت هاتفها المحمول مجدداً من حقيبتها، ثم كتبت على الشاشة بسرعة لتعطيني اسم حسابها الشخصي.

أخذتُ الهاتف منها بيدي التي كانت ترتعش خفية بشكل ملحوظ، وكأنني لا أستلم مجرد حساب إلكتروني، بل أتمسك بآخر حبل نجاة يربطني بأرض الوطن ويسحبني من بحر الغربة الشاسع والبارد الذي عشت فيه سنين طوال.

أعادت مريم هاتفها إلى الحقيبة اليدوية، وعدلت من وضع سترة سفرها الفخمة، ثم وقفت بكبرياء ووقار يعبران عن عمرها الحالي وعن شخصيتها الجديدة كطبيبة وقورة.

نظرتْ إليّ نظرة أخيرة، نظرة وداع طويلة، هادئة، ومحملة بكل تفاصيل السنين الخمس عشرة التي مرت والمسافات التي باعدت بين أرواحنا، وقالت بصوت دافئ يرتجف قليلاً خلف ابتسامتها الهادئة:

— "خلي بالك من نفسك يا أحمد.. واهتم بفنك ولوحاتك دايماً."

التفتت مريم عني، ومشيت بخطى وثيقة، منتظمة، وهادئة نحو باب الكافيه الخارجي الذي يفتح على الشارع العام. كانت هذه اللحظة تحديداً هي اللحظة الأكثر قسوة ومرارة في تاريخنا المشترك منذ الطفولة؛ فالمشهد الآن كان مقلوباً ومعكوساً بالكامل وبشكل ساخر من القدر. مريم هي من ترحل الآن وتتركنى خلفها، وهي من تدير ظهرها لي بكل ثقة وتمشي نحو حياتها الجديدة، ومستقبلها،

ورجلها الجديد الذي ينتظرها، بينما أنا أقف مكاني في الركن المعزول، عاجزاً، مشلولاً، ومحاصراً بالذكريات والهزيمة، أراقب ظهرها وهو يبتعد عني خطوة بعد خطوة، تماماً كما كانت تفعل هي زمان وهي طفلة صغيرة عندما كنتُ أتركها باكية على ناصية الشارع السكندري القديم وأسافر مع عائلتي إلى أمريكا.

فتحت مريم الباب، واندفعت نحو المطر الغزير والظلام الخارجي في الشارع، لتختفي تفاصيل جسدها تماماً خلف زجاج الكافيه الذي أصبح مغيماً بفعل الأنفاس الساخنة والبرودة الشديدة في الخارج.

بقيتُ أنا جالساً بمفردي في ركني، والابتسامة المزيفة البلاستيكية بدأت تتلاشى وتسقط ببطء من على وجهي ليحل محلها انكسار حقيقي، حزن أسود، ومرارة لا ترحم تغلغلت في أعماق قلبي. نظرتُ بذهول إلى فنجان قهوتها الدافئ الفارغ الموضوع أمامي، وإلى المقعد الشاغر الذي كان يشع بوجودها ودفئها قبل ثوانٍ معدودة،

وأدركتُ في أعماق روحي الممزقة أن السنين والقدر قد انتقما لمريم الطفلة القديمة بامتياز، وأنني اليوم تجرعتُ مجبراً من نفس الكأس المرة التي سقيتُها إياها وأنا في السادسة عشرة من عمري. طفل صغير رحل زمان وترك لعبته المفضلة وراءه،

وحبيب ذهب وترك حبيبته وحيدة في مهب الريح.. واليوم، الغاية والأمنية الوحيدة رحلت وتركت فنانها المشهور وحيداً تماماً، يقتات على رماد الذكرى، معلقاً بين حنين جارف لا يموت وواقع قاسي لا يرحم الضعفاء.

이 작품을 무료로 읽으실 수 있습니다
QR 코드를 스캔하여 앱을 다운로드하세요

최신 챕터

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 19

    وضعت مريم هاتفها المحمول مسنداً بعناية إلى بكرة شاش طبي كبيرة فوق مكتبها الخشبي، ودخلت في اتصال فيديو ممتد مع أحمد بناءً على رغبته الملحة التي أبداها في بداية اليوم. لم يكن هذا الاتصال بغرض تبادل الكلمات التقليدية أو إزاحة تلال الشوق المتراكمة بينهما بفعل سنوات الغياب؛ بل كان طلباً صريحاً ونابعاً من رغبته في أن تظل عيناها الواسعتان مراقبتين لحركته، كتميمة أمان حقيقية تمنع الفرشاة من التجمد مجدداً أمام القماش الأبيض. كان أحمد، على الجانب الآخر من الشاشة في مرسمه الفسيح بمنطقة مصطفى كامل، يتحرك كالممسوس الذي عثر على ضالته؛ شمر عن أكمامه، وغمر جسده بكنزة صوفية زرقاء قديمة ملطخة ببقايا الطلاء، ووقف أمام قماشه الضخم يوزع الضربات بثبات وعنف، وعيناه لا تغادران الخطوط النورانية التي يصنعها. كانت الشاشة تنقل لمريم صوت احتكاك خشن ومتواصل ل خيوط الفرشاة العريضة بالقماش المشنوق، يليه زفير متلاحق يخرج من صدره كلما أنجز مساحة من ظلال اللوحة الحية.أما مريم، فقد وضعت سماعات الأذن اللاسلكية، وسمحت ل جسدها المنهك أن يسترخي بالكامل فوق مقعدها الخشبي الدوار خلف المكتب. كان اختيارها الموسيقي قاطعاً وم

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 18

    ثم التفتت نحوي، ورفعت كفها الملونة ووضعتها مباشرة فوق وجنتي اليمنى، لتمسحها بنعومة وتترك وراءها خطاً عريضاً ومبهجاً من اللون الأصفر الخريفي الساطع وسط سواد وجهي. صُعقتُ من المفاجأة، وتجمدت أنفاسي وأنا أنظر إليها بذهول غير مصدق. كانت عيناها السوداوان تلمعان بمزيج ساحر من الرومانسية الدافئة والمداعبة الطفولية البريئة، وقالت بنبرة عذبة بالعامية وهي تميل برأسها قليلاً: — "مين قال إنك محتاج تكون زعلان عشان ترسم يا أحمد؟ ومين قال إن الألوان الباردة والأسود هما بس اللي بيصنعوا فنك؟ اللوحة اللي باظت دي مكنتش حقيقتك.. حقيقتك هي النور اللي إحنا بنلاقيه سوا..." تأملتُ وجهها القريب، وشعرتُ بأن كل تلك الضغوط النفسية الهائلة، والرعب الوجودي، والتوتر الكثيف الذي جثم على صدري طوال الأيام الماضية، قد تبخر في ثانية واحدة تحت تأثير لمسة يدها الملونة وكلماتها الصادقة. انفتحت أسارير وجهي ببطء، وشعرتُ بدغدغة غريبة في جوفي، وقبل أن أدرك ما أفعله، انطلقت مني ضحكة خافتة تحولت في ثوانٍ إلى انفجار عارم من الضحك الهستيري الصافي الذي رددت صداه جدران الصالة الفارغة. كان ضحكاً طالعاً من أعماق قلبي، ضحكاً يغس

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 17

    مرت ثلاثة أيام كاملة وأنا على هذا الحال، سجين هذه الصالة الشاسعة التي تحولت بمرور الساعات إلى زنزانة اختيارية تفوح منها رائحة التربنتين الخانقة وجفاف الألوان الزيتية المعطلة. لم أكن أغادر شقتي في مصطفى كامل إلا لابتياع علبة سجائر أو إحضار شطيرة باردة لا ألتهم منها سوى قضمتين قبل أن تعافها نفسي. كان الاكتئاب قد بسط رداءه الثقيل فوق كاهلي، ليس ذلك الحزن الشاعري البسيط الذي يدفعك للتأمل بل كان اكتئاباً أسود، لزجاً، وجافاً، يفرغ الجسد من طاقته ويترك العقل يدور في حلقة مفرغة من جلد الذات والشعور بالخصاء الإبداعي.جلستُ على المقعد الخشبي الصغير في منتصف الصالة، وكان الليل قد انتصف بالخارج، والبرودة تتسلل بعنف لتجمد أطراف أصابعي. كانت الباليت الخشبية مستقرة على ركبتي، وفي يدي اليمنى سكين الرسم المعدنية نظرتُ مجدداً إلى ذلك الحامل الخشبي الشامخ أمامي؛ لقد تلوث السطح الأبيض للقماش خلال الأيام الماضية بضربات عشوائية، بائسة ومتلاحقة. حاولتُ رسم البحر، حاولتُ استدعاء وجه أمي، حاولتُ رسم ملامح مريم وهي تجثو في طين الشارع لإنقاذ ذلك الكلب المصاب، لكن النتيجة على القماش كانت تبدو مشوهة، باهتة، و

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 16

    او هذا ما كنتُ أظنه؛ لأن وهم الاستقرار والارتياح العارم الذي غمرني لبعض الوقت على رصيف جليم وأنا أستمع لضحكات مريم المنسية، سرعان ما انهار كبيت من الرمال الواهية بمجرد أن أغلقتُ باب مرسمي الجديد بالمساء، ووجدتُ نفسي وجهاً لوجه مع الصمت، والفراغ، وحقيقتي العارية تماماً.وقفتُ وسط صالة الشقة الفسيحة في منطقة مصطفى كامل، ألقي بمعطفي وثيابي الملوثة بالطين والدماء بإهمال فوق الأرضية البلاطية الباردة، وأتأمل ذلك الحامل الخشبي اللعين الذي ما زال يعرض لوحة بيضاء عارية تماماً، ناصعة بكبرياء صامت وقاسٍ كأنه جدار يتحداني ويقوض كل وجودي وتاريخي كفنان. هنا، في العزلة المطبقة بعد أن انفض صخب الشارع وبقيتُ بمفردي مع أنفاسي الساخنة، تجسدت الكارثة بكل أبعادها المرعبة التي كنتُ أهرب منها؛ أنا لا أعيش مجرد قفلة فنية عابرة أو وعكة إبداعية مؤقتة يمكن ل فنجان قهوة أو جولة على البحر أن يداويها، بل أنا أعيش انهياراً كاملاً، ساحقاً، وبنيوياً لهويتي الإبداعية، زلزالاً صامتاً يقتلع جذور الفرشاة التي طالما ظننتُ طوال حياتي أنها امتداد طبيعي لأصابعي وشراييني.إن أولى أسباب هذا الانهيار، وأكثرها تمزيقاً وإيلاما

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 15

    لم أتردد لثانية واحدة. خلعتُ معطفي الصوفي الثقيل، وألقيتُه بإهمال فوق أحد الصناديق الخشبية المجاورة، وشمرتُ عن أكمام قميصي، ثم جثوتُ على ركبتي في الطين بجوارها مباشرة، غير مبالٍ بنظافة ثيابي أو برائحة المكان. نظرتُ إلى الكلب الخائف، وقلت لها بنبرة هادئة ومطمئنة بالعامية: — "قولي لي أعمل إيه بالظبط يا مريم.. أنا معاكي ومش هتحرك." أرشدتني مريم بسرعة وذكاء؛ طلبت مني أن أضع كفيّ برفق ولكن بإحكام فوق منطقة الرقبة والصدر للكلب، لكي أمنعه من الحركة المفاجئة التي قد تفسد عملية الخياطة وأن أتحدث إليه بصوت منخفض لأهدئ من روعه. فعلتُ ما طلبتْه بدقة؛ وضعتُ يدي على فروه المرتجف، وشعرتُ بنبضات قلبه المتسارعة كالطبول تحت كفي. بدأتُ أتمتم بكلمات دافئة وعشوائية، وأنا أراقب أصابع مريم وهي تتحرك بخفة ومهارة تضاهي مهارة جراحي البشر. سحبت مريم محقنة البنج الموضعي، وغرزتها برفق في محيط الجرح، وكان الكلب يتألم ويحاول التملص بقوة، لكنني ضغطتُ بجسدي عليه بحنو وإصرار، مانعاً إياه من إيذاء نفسه أو إيذائها. بدأتْ مريم بتطهير الجرح بمحلول الملح والبتادين، وكانت الدماء تختلط بالمطهر وتسيل على الأرض، ومريم

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 14

    بقيتُ جالساً على الأرضية البلاطية الباردة لمرسمي الجديد لقرابة الساعتين، وعيناي شاخصتان نحو ذلك الفراغ الناصع الممتد فوق القماش المشدود أمامي. كان الصمت في الشقة يزداد عمقاً وثقلاً، لا يقطعه سوى النقر الخفيف لبعض حبات الرمل التي تحملها الرياح السكندريّة لتصطدم بزجاج النوافذ المرتفعة. نظرتُ إلى يدي اليمنى، وتأملتُ أصابعي التي تلوثت بقليل من اللون الأزرق الفيروزي البارد أثناء إعداد الباليت؛ كانت ترتجف خفية، ليس بفعل صقيع الشتاء الذي بدأ يتسلل من شقوق الأبواب الخشبية، بل بفعل ذلك الارتباك النفسي الحاد الذي يجتاح جوفي. إنها المفارقة الأكثر سخرية وقسوة في حياتي كفنان؛ طوال خمسة عشر عاماً قضيتُها في صقيع نيويورك، كنتُ أجلس في مرسمي الصغير بمانهاتن وسط وطأة الوحدة القاتلة تحاصرني جدران شقتي الباردة وذكريات الفقد المبرح، فتنقاد لي الفرشاة كأنها كائن حي يتنفس من حزني. كنتُ بائساً، مغترباً، وممزقاً بين ماضٍ تركته على رصيف جليم ومستقبل غامض أطارده في بلاد الغرب، لكنني كنتُ غزير الإنتاج، أفرغ لوحة تلو الأخرى، وأرسم الفراق بتفاصيل مرعبة تجعل كبار النقاد في أمريكا يقفون بذهول أمام لوحاتي،

더보기
좋은 소설을 무료로 찾아 읽어보세요
GoodNovel 앱에서 수많은 인기 소설을 무료로 즐기세요! 마음에 드는 작품을 다운로드하고, 언제 어디서나 편하게 읽을 수 있습니다
앱에서 작품을 무료로 읽어보세요
앱에서 읽으려면 QR 코드를 스캔하세요.
DMCA.com Protection Status