Masukتوقفت الحافلة أخيرًا أمام محطة استراحة هادئة. ما إن فتح السائق الباب، حتى بدأ الجميع بالنزول واحدًا تلو الآخر. تمدد الرجال وهم يتنفسون الهواء النقي، بينما اتجهت السيدات نحو المقهى الصغير المجاور. أما ليفيا… فبقيت جالسة لثوانٍ. كانت ساقها تؤلمها قليلًا بعد ساعات طويلة من الجلوس. وضعت يدها على المقعد أمامها محاولة الوقوف. وقبل أن تتمكن من ذلك… وقف أدريان أمامها. لم يقل شيئًا. بل مد يده إليها بهدوء. نظرت إلى يده للحظة، ثم وضعت يدها داخل كفه. ساعدها على النزول ببطء حتى وصلت إلى الأرض بأمان. وقبل أن يترك يدها قال بصوت منخفض: “لا تضغطي على قدمك كثيرًا.” أومأت بابتسامة خفيفة. “سأحاول.” في الجهة الأخرى… كانت مينا تراقبهما بصمت. اقتربت من أدريان وهي تبتسم. “أتذكر هذه المحطة؟” التفت إليها. “مررنا بها ونحن صغار.” ضحكت بخفة. “كنت تسبقني دائمًا إلى آلة القهوة، ثم تعود بكوب الشوكولاتة الساخنة قبل أن أصل.” سكتت لحظة وهي تنظر إليه. “حتى عندما كبرنا… لم تنسَ ذلك.” كانت تتحدث وكأنها وحدها الموجودة. وكأن ليفيا لم تكن تقف على بعد خطوات. شعرت ليفيا بانقباض خفيف في صدرها. مرة
عاد الهدوء إلى الحافلة بعدما انتهت موجة الضحكات. انشغل الكبار بأحاديثهم من جديد، بينما تمددت أشعة الشمس عبر النوافذ، لترسم خطوطًا ذهبية على أرضية الحافلة. أما ليفيا… فلم تعد تسمع شيئًا. كانت تحدق عبر النافذة، لكن عينيها لم تكونا تريان الطريق. كانت ترى… طفلًا لم تعرفه يومًا. طفلًا اسمه أدريان. ذلك الطفل الذي وصفته مينا قبل قليل. الطفل الذي كان يركض خلفها في الحديقة. يضحك معها. يحملها على ظهره. ويصر على إعادة اللعبة إن خسر. ابتسمت بمرارة. “إذن… كنت تبتسم هكذا.” “كنت تعرف كيف تضحك.” “كنت تعرف كيف تكون قريبًا من شخص.” خفضت رأسها قليلًا. وشعرت بشيء يضغط على قلبها ببطء. لم تكن تغار من مينا… بل كانت تغار… من تلك السنوات. من الذكريات التي امتلكتها معه. من نسخة أدريان التي لم تحصل هي حتى على فرصة لرؤيتها. منذ أن دخل حياتها… كان دائمًا الرجل نفسه. هادئًا. رزينًا. مهذبًا. لكنه بعيد. بعيد إلى درجة أنها كانت تخشى أحيانًا أن تمد يدها نحوه. أما مينا… فكانت تتحدث عنه وكأنه صديق طفولتها. وكأنها تعرف ضحكته… وشجاره… وغضبه… ولعبه. أغمضت عينيها للحظة. “لماذا…؟” “لماذ
بعد أن انتهى الجميع من تحميل الحقائب… بدأ أفراد العائلتين بالصعود إلى الحافلة الصغيرة التي خُصصت لهم. كانت المقاعد الخلفية عبارة عن مقعد واسع يتسع لأربعة أشخاص. قفزت مينا إليه أولًا وجلست بجانب النافذة وهي تلوح بيدها بحماس. أما إيثان… فجلس إلى جانبها مباشرة. ثم التفتا معًا نحو الباب. ابتسمت مينا وهي تنادي بصوت مرتفع: “أدي!” توقفت ليفيا في مكانها للحظة. “أدي…” لا تعرف لماذا… لكن سماعها لهذا اللقب على لسان مينا… كان يزعجها. وكأن الاسم يحمل قربًا لا يخص أحدًا سواها. حاولت تجاهل الشعور. “وما شأني أنا؟” “إنها تعرفه منذ الطفولة…” لكن ذلك الانزعاج… لم يختفِ. لوحت مينا مرة أخرى. “أدي! تعال بسرعة، بقي مكانان.” وفي اللحظة نفسها… رفع إيثان يده مبتسمًا نحو ليفيا. “وليفيا أيضًا، تعالي.” ابتسمت له ليفيا بأدب. ثم بدأت تتجه نحو المقعد الخلفي. كان أقرب مكان فارغ… هو المقعد المجاور لإيثان. لذلك تقدمت نحوه بعفوية. وفي اللحظة التي همّت فيها بالجلوس… شعرت بيد كبيرة ودافئة تستقر برفق على خصرها. تجمدت. التفتت بسرعة. كان أدريان. لم يقل كلمة. اكتفى بأن أبعدها خطوة صغيرة إلى
مرّت دقائق… وانشغل الجميع داخل المسبح بالحديث والضحك. كانت مينا الأكثر حيوية بينهم، تنتقل بخفة من شخص إلى آخر، بينما بقيت ليفيا في الطرف الهادئ من المسبح، تتحرك بحذر بسبب ساقها، وأدريان لا يبتعد عنها كثيرًا، يراقبها بين الحين والآخر دون أن يلفت انتباهها. ورغم أنه نزل إلى الماء… إلا أنه كان لا يزال يرتدي قميصه الأسود. ابتلت أطرافه بالماء، والتصق القماش بعضلات كتفيه وذراعيه، لكنه لم يبدُ منزعجًا من ذلك. كانت مينا أول من لاحظ. ضحكت وهي ترفع صوتها قليلًا: “أدريان… إلى متى ستبقى مرتديًا قميصك؟” التفتت إليه بقية العائلة. ابتسم إيثان وهو يضيف: “بصراحة… بدأت أشك أنك ستسبح به.” ضحك جورج أيضًا. أما أدريان… فاكتفى بنظرة هادئة نحوهم. قبل أن يقول ببساطة: “لا يزعجني.” هزت مينا رأسها وهي تقترب خطوة. “بل يزعجنا نحن.” ثم ابتسمت بمشاكسة وأشارت إلى قميصه. “هيا… اخلعه.” في تلك اللحظة… كانت ليفيا تنظر نحوهما من بعيد. لم تكن تسمع كل كلمة… لكنها فهمت المقصود من حركة مينا وإشارتها. ورأت يدها ترتفع نحو أزرار قميصه… وكأنها تشجعه على خلعه. دون أن تشعر… رفعت ليفيا رأسها بسرعة. واستقر
لم تكد ليفيا تخطو داخل الماء… حتى شعرت بالأرضية الزلقة تحت قدمها المصابة. اختل توازنها للحظة. لكن قبل أن تسقط… امتدت يد قوية أمسكت بخصرها. التفتت. كان أدريان يقف إلى جانبها، وقد أحاط خصرها بذراع واحدة بثبات. قال بهدوء: “تحركي ببطء.” أبعدت نظرها عنه. “أستطيع الاعتماد على نفسي.” نظر إلى ساقها المصابة، ثم قال ببساطة: “حين تستعيدين عافيتك بالكامل… سأتركك.” لم تجد ما ترد به. فاكتفت بمتابعة السير. كان الماء يصل إلى خصرهما، ومع كل خطوة كانت تشعر بيده تحافظ على توازنها دون أن يضغط أو يشد. ورغم انزعاجها منه… لم تستطع إنكار ذلك الشعور الغريب الذي تسلل إليها. دفء ذراعه حول خصرها. وضخامة جسده إلى جوارها. كلما تعثرت قليلًا… كان يقربها إليه تلقائيًا. حتى أصبحت تشعر… أنها محاطة به بالكامل. وكأن سقوطها… لم يعد احتمالًا واردًا. ارتبك قلبها. وحاولت إقناع نفسها أن السبب هو إصابة ساقها فقط. لكنها لم تستطع تجاهل ذلك الإحساس بالأمان… الذي لم تعرفه مع أحد غيره. وفي الجهة الأخرى… كانت مينا تضحك بصوت مرتفع، ترش الماء على إيثان وبعض أفراد العائلة، وتلفت الأنظار إليها بسهولة. وقع
أشرقت شمس اليوم التالي معلنةً آخر أيام إقامتهم في المنتجع.وبعد الإفطار، اجتمعت العائلة في الردهة، فقالت إليانور بابتسامة:“بما أننا سنغادر عصرًا، فلنقضِ ما تبقى من الوقت عند المسبح.”لاقى الاقتراح ترحيبًا من الجميع، بينما أبدت مينا حماسًا واضحًا، وكأنها كانت تنتظره منذ الصباح.بعد نحو نصف ساعة، بدأ أفراد العائلة يتوافدون إلى المسبح. كان المكان يعج بالنزلاء، وأصوات الماء تمتزج بالضحكات والحديث.وصلت ليفيا برفقة أميليا، ترتدي روبًا أبيض يخفي ملابس السباحة التي تحتَه.لكن ما إن رفعت رأسها حتى توقفت.كانت مينا تقف قرب حافة المسبح بملابس سباحة جريئة، تتحرك بثقة وتجذب أنظار كل من يمر بجانبها.انقبض قلب ليفيا دون إرادة.“سيراها أدريان…”حاولت إقناع نفسها بأن الأمر لا يعنيها، إلا أن الفكرة بقيت عالقة في ذهنها.وفي تلك اللحظة، وصل أدريان مع ريتشارد وإيثان.اقتربت مينا منهما بابتسامتها المعتادة، ألقت التحية، ثم استدارت بخفة وهي تضحك، وكأنها تتعمد لفت الانتباه.راقبت ليفيا أدريان بطرف عينها، تنتظر أن يطيل النظر إليها.لكنه اكتفى بنظرة عابرة، قبل أن تتجه عيناه مباشرة نحو ليفيا.كانت قد أمسكت بحز







