مشاركة

البارت الخامس

مؤلف: Faten Aly
last update تاريخ النشر: 2026-05-19 00:26:32

ظلّ سادن متسمّرًا في مكانه، كأن الجسد نفسه رفض أن يشاركه حركة الحياة من حوله، بينما عيناه معلّقتان بفراغٍ باردٍ ممتدّ أمامه، فراغٌ لا يشبه السكون بقدر ما يشبه الانفصال عن كل ما هو حقيقي.

داخل رأسه، لم تكن الأفكار تمرّ… بل كانت تتصادم بعنف، كأن كل فكرة تحاول أن تقتل الأخرى لتنجو وحدها.

هايدي…لم تكن هي المشكلة.

ولا حتى ذلك القبول الذي جاءها منه، متأخرًا، مرتجفًا في داخله رغم قناع الثبات الذي ارتداه أمامها.

المشكلة كانت أعمق، وأخطر، وأقل وضوحًا مما يستطيع الاعتراف به..... كانت فيه هو.

في ذلك الانقسام الذي بدأ يتسرّب إليه كلما اقترب خطوة من عاصم، وكأن الطريق لا يقوده إلى هدف واضح، بل يجرّه ببطء إلى منطقة لا يشبه فيها نفسه.

انتقام؟أم تورّط؟

أغمض عينيه، لكن الصورة لم تختفِ… بل ازدادت وضوحًا.... هايدي أمامه، مرتبكة تحت همسه، ذلك الارتباك الذي لم يكن رفضًا كاملًا، ولا قبولًا صريحًا، بل تلك اللحظة الرمادية التي تتعطّل فيها الحواس، ويتقدّم فيها التردد على القرار.... كان يعرف هذا النوع جيدًا…

ليس لأنه بارع في قراءة النساء فقط، بل لأنه يتقن لعبة المناطق غير المعلنة؛ تلك التي لا يُقال فيها نعم أو لا، بل يُترك فيها الباب مواربًا حتى يتسلل ما هو أخطر من القرار نفسه.

الاحتمال..... مرّر يده على وجهه ببطء، كأنه يمسح طبقة غير مرئية من الإرهاق العالق على ملامحه، ثم اعتدل فجأة في جلسته، وكأن فكرة لم تُولد بهدوء، بل انفجرت داخله دفعة واحدة.

لم يعد السؤال سطحيًا.هل يريدها فعلًا؟

أم أنه صنع منها وسيلة… ثم بدأ يصدق أنها غاية؟

ابتسامة قصيرة تشكّلت على طرف شفتيه، لكنها لم تحمل أي خفّة. كانت أقرب لاعترافٍ داخلي قاسٍ، اعتراف لا يُقال بصوتٍ عالٍ لأنه يفضح صاحبه.

هو لا يمسك اللعبة…

هو جزء منها.التقط هاتفه مرة أخرى، مرّر أصابعه فوق الشاشة بلا هدف، فتح نافذة الرسائل… ثم توقّف عند حافة القرار..... لا كلمة تُكتب.

كأن الحروف نفسها ترفض أن تُستدعى الآن.

في الخارج، كان كل شيء يبدو ثابتًا… لكن داخله كان يتحرك بعنفٍ صامت، ذلك النوع من العنف الذي لا يترك أثرًا مرئيًا، لكنه يغيّر صاحبه من الداخل دون رجعة.

عاد إلى نظرتها الأخيرة في ذاكرته…

ليست نظرة رفض، ولا قبول، بل شيء أشبه ببداية انزلاق غير مُعلن.

بداية لا يسمعها أحد… لكنها تُغيّر الاتجاه كله.

أغلق عينيه للحظة أطول، ثم زفر ببطء، وكأن الهواء نفسه صار أثقل مما يحتمل.

- اللعبة بدأت…

همس بصوتٍ منخفض، خرج محمّلًا بثقلٍ لا يشبه الثقة بل يشبه التحذير من نفسه،

- بس واضح إن مفيش حد فينا هيخرج منها زي ما دخل.

✨✨✨✨✨✨✨✨

مضت الأيام الماضية عليها وهي تحاول أن تتعلّم فنّ التكيّف مع واقعٍ لم تختاره، كمن يُجبر على ارتداء ثوبٍ ضيّق لا يليق بروحه، لكنه لا يملك خيار خلعه. لم يكن أمامها سوى التقبّل… لا اقتناعًا، بل استسلامًا هادئًا ينهك القلب أكثر مما يعلن.

لكن ما كان يثقل صدرها حقًا، ليس مجرد فكرة الزواج، بل ذلك الاسم الذي يتكرر في كل حديث: مروان… وكأن مصيرها اختُصر في قرارٍ واحدٍ لا يحتمل التأجيل، موعده نهاية الأسبوع القادم.

كل يوم يمر كان يقرّبها أكثر من لحظةٍ لا تعرف كيف ستواجهها، وكأن الزمن نفسه يضغطها نحو مصيرٍ لا يشبهها.

في إحدى الغرف، جلست حياة أمامها، تحاول أن تزرع في ملامحها شيئًا من الطمأنينة، من القبول، من أي شيء يشبه السلام الداخلي.

لكن فيروز لم تكن تسمع الكلمات بقدر ما كانت تسمع ثقلها.

رفعت عينيها إليها ببطء، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة قصيرة، لا تحمل دفئًا بل شيئًا أقرب للتهكم الممزوج بالألم.

قالت بصوتٍ منخفض، كأنه يخرج من مكانٍ أعمق من الحنجرة

- مفيش قدامي حل تاني يا ماما… غير إني أرضى بالأمر الواقع.

ساد صمتٌ ثقيل للحظة، كأن الغرفة بأكملها توقفت عن التنفس..... اقتربت حياة منها، تحاول أن تخفف ذلك الانكسار الذي تراه ولا تعرف كيف تمسك به، ثم طلبت منها أن تبدأ تجهيز نفسها لعقد القران، وكأن الحديث عن الحياة صار مجرد تفاصيل تنظيمية لا أكثر.

هزّت فيروز رأسها بالموافقة.

لكن داخلها، كان شيء آخر ينهار بهدوء…انهيار لا يُسمع له صوت، لكنه يملأ الروح حتى الاختناق.

تطلّعت إلى الفراغ أمامها، ومرّت في داخلها كلمات لم تقلها، لكنها كانت أوضح من أي حديث

- أنا مجبورة أمشي في طريق مش طريقي… أبتسم وأنا من جوّا بتكسر… وأكمل كأني راضية.

ثم أضافت في سرّها، وكأنها تعترف لنفسها فقط

- لو كان ليا حرية الاختيار… كنت اخترت حاجة تانية، حياة تانية، قلب تاني… لكن اللي بيتفرض عليك مش بيتركلك حتى حق الرفض.

واستدارت ببطء، تخفي ما لا يمكن إخفاؤه، بينما بداخلها كان شيءٌ واحد فقط يزداد وضوحًا مع كل خطوة نحو ذلك العقد

أن الألم حين يُفرض… لا يصبح ألمًا عابرًا، بل حياة كاملة تُعاش بصمت.

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

كان اليوم هو الموعد المحدد لذلك اللقاء.

جلس سادن في انتظارها داخل المكان، مستندًا إلى المقعد الوثير، بينما عيناه معلّقتان في فراغٍ لا يشبه السكون بقدر ما يشبه الغرق داخل أفكاره. بدا شاردًا، كأنه ليس حاضرًا بالكامل، وكأن عقله يسبق اللحظة بخطوات لا يريد مواجهتها.

لم تمضِ دقائق حتى قطعت رنين الجرس ذلك الصمت الثقيل.

ارتفع بصره ببطء نحو الباب…ثم دخلت هايدي.

تقدّمت بخطواتٍ محسوبة، تتطلع إليه أولًا، ثم إلى المكان من حولها، كأنها تحاول قراءة المشهد قبل أن تدخل فيه. وضعت حقيبتها جانبًا، ثم توقفت أمامه مباشرة.

- أنا قدامك أهو يا سادن.

ساد صمت قصير، قبل أن يرفع عينيه إليها.

نظراته لم تكن عادية… كانت تفحّصًا باردًا، جريئًا، ممتدًا من الأعلى للأسفل، كأنه لا يراها كإنسانة بقدر ما يراها كجزء من صفقة لم تكتمل شروطها بعد.

ثم تركها واقفًا، واتجه إلى الأريكة، جلس ببطء، وأسند ظهره إليها، واضعًا ساقًا فوق الأخرى بثقةٍ ثقيلة.

ابتسامة خفيفة تشكلت على شفتيه، لكنه لم يكن ودودًا.

- مش كل حاجة كده وخلاص… الموضوع محتاج تمهيد.

رفع يده مشيرًا نحو إحدى الغرف، ثم تابع بنبرة هادئة على نحوٍ مربك

- ادخلي الأوضة دي… فيها كل اللي هتحتاجيه. وأنا هستنى… ولما أحس إني راضي… ساعتها هرضى عن عاصم.

تجمّد الهواء للحظة داخل صدرها.

ابتلعت هايدي ريقها بصعوبة، وكأنها تحاول أن تُمرر ثقل القرار الذي قبلته قبل أن تراه بهذا الشكل.

مرت دقائق.ثم خرجت.... لكنها لم تعد كما دخلت.

بدّلت ملابسها، وظهرت أمامه مرتدية بدلة رقص.

تجمّد سادن في مكانه للحظة، نظرة واحدة كانت كافية لتكشف شيئًا بين الدهشة والاشمئزاز، لكنه أخفاه سريعًا خلف قناعٍ أكثر برودًا.

- بدلة رقص يا سادن؟ بقى الموضوع وصل لكده؟

ابتسامة جانبية ارتسمت على شفتيه، وهو ينهض ببطء، يقترب منها دون استعجال، ثم أمسك بيديها وأدارها أمامه وكأنه يفحص نتيجة تجربة لا أكثر.

- مفيش أحسن من كده… أمزجة بقى يا دودى.

تشجّعها صمته، أو ربما تهاونُه، فبدأت المسافة بينهما تتآكل ببطء، خطوة بعد أخرى، حتى صارت القواعد أقل صلابة مما كانت تظن.... شغّل الموسيقى.

امتلأ المكان بإيقاعٍ جعلها تتحرك تلقائيًا، كأن الجسد يسبق التفكير. تمايلت هايدي، ومع كل لحظة كانت تذوب فيها الحدود أكثر، بينما سادن يجلس أمامها يراقب… بلا انفعال ظاهر، كأن ما يحدث لا يمسه.

وحين انتهت، اقتربت منه وجلست بجواره.

ببطءٍ شديد، مالت نحوه، محاولة تقليل المسافة بينهما، ثم رفعت وجهها نحوه، كأنها تجرّب أن تخطو الخطوة الأخيرة.

لكن في لحظة واحدة…نهض.

كأنه انكوى.... كأن شيئًا داخله رفض أن يُكمل.

تراجع خطوة، ثم استدار ببطء، وملامحه بدأت تفقد برودها، لتظهر طبقة أخرى… أكثر قسوة، أكثر اضطرابًا، أكثر صدقًا مما حاول إخفاءه طوال الوقت.

عيناه احمرّتا من شدة الانفعال، وصوته خرج منخفضًا أولًا… ثم تصاعد فجأة كأنه انفجار مكتوم

- أنا دلوقتي عرفت إنك تستاهلي عاصم… إنتوا الاتنين شبه بعض.

توقف للحظة، كأنه يبتلع شيئًا يحرق حلقه، ثم أضاف بصوتٍ أشد

- أنا حتى بقى مش قادر أستحمل فكرة إني لمستك…

صمت لحظة قصيرة، ثم انفجر صوته أخيرًا، قاطعًا، حاسمًا، كأن الباب يُغلق للأبد

- أنا بحمد ربنا إني ما كملتش اللعبة دي…

تقدّم خطوة نحو الباب، ثم التفت إليها نظرة أخيرة، لا تحمل غضبًا فقط… بل شيئًا يشبه الاشمئزاز من نفسه قبلها.

- هايدي… برا.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • مدن لا تشبه الحب    141

    اليوم هو الموعد الموعود، موعد المتابعة الأخيرة التي حانت تفاصيلها لـتضع حداً لـأيام الانتظار؛ اصطحبها سادن إلى عيادة الطبيب بـخطوات تحفها الرعاية والبهجة، وعيناه الرماديتان لا تفارقان وجهها الساحر الذي عاد إليه نبض العافية والدلال في أحضانه. دلفا إلى غرفة الكشف بـوقار، وتقدم سادن بـجسده الفخم لـيساعدها بـحنو بالغ على التمدد فوق سرير الكشف الحريري، عازلاً إياها بـجسده عن الكون بـأكمله؛ انحنى بـرأسه وطبع قبلة طويلة، شغوفة تقطر عشقاً ويقيناً على كفها الصغيرة المرتعشة، ثم ردد بـنبرة رجولية دافئة تفيض بـالثقة والاشتياق - خلاص هانت يا فجر حياتي.. مـبقاش فاضل غير خطوة واحدة، والبيه الصغير يشرف بـسلامته ويملا علينا الدنيا. ابتسمت له فيروز بـملامح يكسوها العشق والأمان الطاغي بـوجوده؛ تقدم الطبيب بـخطواته العملية الهادئة، وقام بـوضع ذلك السائل البارد على بطنها المنتفخة بـالكامل بـرفق، ثم بدأ بـتحريك جهاز السونار بـتمهل وهو يتابع الشاشة بـأعين فاحصة خبيرة. وفجأة.. تبدلت ملامح الطبيب، واختفت ابتسامته الهادئة لـتحل محلها ملامح الجدية والـحسم؛ وتوقف جهاز السونار بـأجزاء من الثواني عند زاوية معي

  • مدن لا تشبه الحب    140

    دلف سادن من باب الجناح الملكي بـخطواته العسكرية المعهودة، ملامحه الصارمة متشحة بـالتجهم والبرود كـالعادة في الأيام الماضية؛ ولم يلتفت نحوها أو يخصها بـنظرة واحدة تهدئ من روع قلبها، بل تحرك بـخطواته الواسعة ليدلف إلى الحمام مباشرة، ومنه إلى غرفة الملابس لتبديل ثيابه الرسمية بـملابس بيتية مريحة. كل هذا وفيروز تتابعه بـعيونها النيلتية الذابلة، وتشعر بـالغليان والغيظ ينهش صدرها من فرط جفائه القاسي وتجاهله المتعمد الذي بات يفوق قدرتها على التحمل؛ فـاستجمعت أنوثتها المتمردة وتوعدت له في سرها، مقررة الليلة أن تستخدم أسلحتها الأنثوية الفتاكة، والتي تدرك يقيناً أنها سـتأتي بـثمارها وتذيب جبال ثلجه. انقطع الصمت بـدخول الخادمة بـخطوات حذرة، حاملة صينية الطعام الفاخرة كـعادتهم اليومية، وبـجوارها كوب اللبن الدافئ الخاص بـالمتابعة الصحية؛ وضعتها على الطاولة جانباً بـأدب ثم انصرفت. تحرك سادن بـصمت، وحمل صينية الطعام لـيضعها أمامها على الفراش، واجفاً في أثره بـانتظار أن تتناوله بـنفسها حتى يقدم لها جرعتها الدوائية بـانتظام. ولكن، صدمته فيروز بـحركة متمردة ساحرة؛ إذ مدت يدها ونقلت الصينية بـلا مبال

  • مدن لا تشبه الحب    139

    تتمدد فيروز على الفراش الوثير بـجسدها الذي أثقله الحمل في شهوره الأخيرة، وتستند بـرأسها على الوسائد الحريرية، تاركة عينيها النيلتية تسبحان في سقف الغرفة، لـتستعيد بـتفصيل تفاصيل ذكريات ذلك اليوم المشهود؛ فـتطفو على شفتيها الكرزيتين ابتسامة عذبة تفيض بـالانتصار والتشفي. تتذكر كـيف انتفض سادن كـالأسد الهائج لـينتقم لـكرامتها وعشقها الجريح من تلك الحية الرقطاء "هايدي"؛ كيف جاء بها ذليلة، مكسورة، تذرف الدموع الحارة وتتمرغ عند الأقدام تطلب العفو والغفران بـلا طائل، بـصحبة والدها الذي جثا هو الآخر بـكبريائه لـيطالب بـالرحمة بـعد أن هدده سادن بـسحقه بـالنفوذ وإعلان إفلاس شركاته بـالكامل جزاءً وفاقاً لـما اقترفته يدا ابنته الخبيثة من دمار. أما ذلك الشاب الأجير الذي اشترك معها في التقاط الصور وتزييف الحقائق، فـقد كان أهون عليه بـمليون مرة إن كان سادن قد سلمه لـرجال الشرطة والقانون، من ذلك العذاب والـجحيم الذي لاقاه وتجرعه بـين جدران المخزن المظلم على يد سادن الأسيوطي، الذي لقنه درساً في الرجولية جعل عظام جسده ترتعد بـالرعب كلما مر طيف الأسيوطي بـمخيلته. ولكن.. وبالرغم من ثبوت براءته الطاهرة

  • مدن لا تشبه الحب    138

    استقلت فيروز السيارة بـخطوات واهية ثقيلة، وجلست بـجوار سادن كـالغريبة؛ لم تلتفت إليه ولم تنظر في عينيه بـالرغم من قربه الطاغي الذي يزلزل كيانها، بل آثرت الهروب بـملامحها المشحونة بـالوجع لتستند بـرأسها المثقل على زجاج النافذة البارد. كان يتأملها بـطَرف عينيه، فيشعر بـأن روحها قد غادرت جسدها وبـأنها باتت تعيش في عالم آخر مجهول لا يملك مفاتيحه. أغمضت عيونها النيلتية بـأسى واستسلام تام لـتلك الدوامة السوداء العنيفة من الشك والوجع التي سقطت بـداخلها بـلا رحمة. التفت سادن نحو الأمام، وبـنبرة رجولية حازمة منخفضة، أمر السائق بـالتمهل الشديد في القيادة وتفادي أي مطبات أو اهتزازات في الطريق؛ فـهو لم يكن أعمى، بل كان يرى وهنها وجسدها المرتجف، ويلمح امتعاضة الألم والـتعب الـ مرت على وجهها النقي بـفعل هبوط ضغطها، مما كان يسبب له نغزات حارقة، قاتلة في يسار صدره إثر ألمها وفجيعتها.. فـألمها هو ألمه بـالضعف. بعد مدة من السير الوئيد الصامت، وقفت السيارة الفارهة بـانسيابية أمام بوابة الفيلا الفخمة؛ أفاقت فيروز على صوته الرجولي الرخيم وهو يوجه لها الحديث بـشكل مباشر لـلمرة الأولى منذ صعودهما، مردداً

  • مدن لا تشبه الحب    137

    يفحصها الطبيب بـجهاز السونار بـتمهل، وعيناه ترتكزان على الشاشة بـتركيز شديد، بـينما أخذ يطلق زفرات خافتة ويبدي علامات واضحة من عدم الرضا والقلق، مما جعل الأجواء داخل غرفة الكشف تزداد توتراً. انتهى الطبيب من الفحص، وهو يلاحظ بـذكائه الإكلينيكي ذلك التوتر الرهيب والذعر الذي يجتاح وجدان سادن، بالرغم من محاولات الأخير المستميتة لإخفاء مشاعره خلف قناع البرود الصخري والجمود واللامبالاة المصطنعة. نهض الطبيب متوجهاً إلى مكتبه الفخم، تاركاً لـفيروز بعض الخصوصية لتعديل ملابسها بـمساعدة الممرضة. تحرك سادن بـخطوات لاهثة وجلس أمامه على المقعد، ولم يعد قادراً على الصمود أكثر، فـسأله بـلهفة حارقة ونبرة رجولية مرتعشة - خير يا دكتور طمني.. فيروز فيها حاجة؟! ابني جرى له حاجة بـسبب قلة أكلها؟ عدل الطبيب من وضع نظارته الطبية فوق جسر أنفه، ثم ردد بـعملية هادئة وجادة - بـصراحة يا بشمهندس سادن، أمور المدام الزيارة دي مش تمام خالص بـالمقارنة بـالشهور الفاتت.. ضغطها واطي لـدرجة خطيرة ومقلقة، وكمان خاسة اتنين كيلو كاملين في أسبوع واحد، وده مؤشر مش كويس لـجنين في مرحلة نمو. ابتلع سادن تلك الغصة المُرّة ال

  • مدن لا تشبه الحب    136

    اليوم هو ميعاد المتابعة الطبية الهام والخاص بـحملها؛ حضرت كايلا بـلهفة حارقة إلى منزل فريدة لـكي تصطحبها إلى الطبيب والاطمئنان على صحة الجنين، ولكن فيروز فاجأتها بـرفض قاطع، شديد، مستميت لـلخروج من الغرفة أو مفارقة فراشها، متمسكة بـعزلتها بـشكل يثير الضيق. ​أمام هذا العناد، اقتربت كايلا منها بـحذر لـتتفاجأ بـمنظرها الصادم؛ لاحظت شحوب وجهها الشديد الذي بات كـورقة بيضاء خالية من دماء العافية، وعيونها النيلتية الساحرة التي انطفأ بريقها تماماً بـعد أن أُحيطت بـتلك الهالات السوداء القاتمة من فرط السهر والقهر. ​لم تحتمل كايلا رؤية شقيقة روحها بـهذا المنظر المأساوي؛ فـخرجت من الغرفة على الفور بـخطوات متسارعة، وتوجهت نحو المطبخ لـتسأل فريدة بـاندفاع وخوف حقيقي تلمسه بنبرتها - فريدة.... فيروز شكلها متغير خالص وتعبان بـشكل يرعب.. هي مـش بتاكل كويس؟ إيه الهالات والشحوب الـلى في وشها ده؟ ​هزت فريدة رأسها بـقلة حيلة ونظرات مكسورة، لـتردد بـألم ومرارة وعيناها تترقرق بـالدموع - من يوم ما جت هنا يا كايلا.. كل اللى أكلته لا يذكر، لقم بـالعافية عشان بس البيبي الـلى في بطنها.. غير كدة مفيش على لس

  • مدن لا تشبه الحب    البارت السابع

    بدأت إلهام في نسج شباكها وشباك ابنتها حوله بدقة، صائغةً خطة محكمة للإيقاع به في شَرَكِهما. وكانت أولى خطوات المؤامرة تبدأ اليوم؛ حيث دلفَت دنيا إلى أحد أشهر مراكز التجميل، لتبتكر لنفسها هويّة جديدة ومظهرًا مغويًا. صبغت خصلات شعرها باللون الأصفر الذهبي، وقصّته بطريقة عصرية تبرز تقاطيع وجهها، ثم وضعت

  • مدن لا تشبه الحب    البارت السادس

    وقفت هايدي متصلبة، تتأمله بعينين جاحظتين وصدمة ألجمت لسانها إزاء هذا التحول المباغت. عجزت تماماً عن سبر أغوار عقله أو فهم ما يرمي إليه سادن في هذه اللحظة. غير أن كبرياءها الجريح انتفض فجأة؛ فنهضت في مواجهته، غارزة قدميها في الأرض وثبتت عينها في عينه بتحدٍ شرس وهي تهتف بنبرة حادة- قول كده بقى.. إنت

  • مدن لا تشبه الحب    البارت الثالث

    في الخارج، كانت أجواء المبنى أكثر خفة مما في الداخل، كأن الجدران الزجاجية لا تعكس فقط ضوء النهار، بل تخفف من حدة ما يدور خلفها من توتر. وقف "آدم" بالقرب من المدخل، ينتظرها. وما إن ظهرت "كايلا" حتى تغيّر شيء في ملامحه تلقائيًا؛ ذلك الهدوء المتزن الذي يرتديه عادةً انكسر للحظة، لتحلّ محله نظرة أعمق،

  • مدن لا تشبه الحب    البارت الرابع

    يتصفح ماجد الأسيوطي بعض الصحف بهدوءٍ بينما يتناول طعام الإفطار، تجلس إلى جواره زوجته إلهام، وعلى الطرف الآخر من الطاولة تجلس كايلا بصمتٍ بارد، بينما تتخذ دينا مكانها بجوار والدتها، ترمقها بين الحين والآخر بنظراتٍ مترقبة. كانت نظراتٌ خفية تتبادل بين إلهام ودينا، إشارات صغيرة لا تخفى على كايلا، لكن

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status