مشاركة

البارت السابع

مؤلف: Faten Aly
last update تاريخ النشر: 2026-05-19 13:44:32

بدأت إلهام في نسج شباكها وشباك ابنتها حوله بدقة، صائغةً خطة محكمة للإيقاع به في شَرَكِهما. وكانت أولى خطوات المؤامرة تبدأ اليوم؛ حيث دلفَت دنيا إلى أحد أشهر مراكز التجميل، لتبتكر لنفسها هويّة جديدة ومظهرًا مغويًا. صبغت خصلات شعرها باللون الأصفر الذهبي، وقصّته بطريقة عصرية تبرز تقاطيع وجهها، ثم وضعت مساحيق تجميل متقنة بدت كقناع يخفي ملامح المكر خلفها. ارتدت فستاناً ضيقاً يلتصق بجسدها كجلد ثانٍ ويصل إلى منتصف ركبتيها، ونثرت عطرها الفواح الذي يسبق خطوتها ويترك خلفه أثراً لا يُخطئه أحد.

دلفَت من باب الشركة الفخمة مصطحبةً والدتها، وكان عقلها يدور في حلقات مفرغة وهي ترتب أفكارها وكلماتها، حتى وصلتا إلى مكتب سادن. غير أن اندفاعهما ارتطم ببرود السكرتيرة التي وقفت بحسم تطلب منهما الانتظار حتى تُخطر سادن بوجودهما.

اشتعلت دنيا غضباً وهمّت أن تنهرها بصلف، إلا أن إلهام رمقتها بنظرة حادة وصارمة أمَرتها بالهدوء والانتظار، فالصيد الثمين يتطلب نفساً طويلاً.

بعد لحظات ثقيلة، كانت دنيا تجلس على المقعد المقابل لمكتب سادن الضخم، تميل بجسدها نحو الأمام وتصوّب نحوه نظرات هائمة متوسلة، علّها تسترعي انتباهه أو تحرك في جموده ساكناً. لكنه ظل متصلباً، لم يرفع عينيه عن الأوراق والملفات المبعثرة أمامه، كاظماً غيظاً عارماً يغلي في صدره؛ فهو يدرك يقيناً ما وراء هذه الزيارة المتكلفة، ويتجنب بكل قوته الاشتباك معهما.

على لسان سادن

- أنا عارف كويس غرضها من الزيارة دي، وطبعاً ده كله تخطيط إلهام هانم.. الحية اللي خططت زمان عشان تتجوز أبويا، ودلوقتي عاوزة تلم باقي الثروة وتكوش عليها بجوازي من بنتها بس ده بعدها.. استحالة أتجوزها، وبالمعنى الأصح... أنا قفلت باب الجواز ده خالص.

على لسان دنيا

- اللي أنا عاملاه في نفسي وفي شكلي النهاردة يوقع أي راجل في الدنيا.. بس ده مش أي راجل، ده سادن الأسيوطي! أنا بعشق وسامته وبدوب في رجولته وجفائه ده، ولازم هيكون ليا.

بالرغم من محاولات دنيا المستميتة والمتتالية لفتح أي حديث أو لفت انتباهه بحركاتها، إلا أن سادن لم يعرْهما أدنى اهتمام، وظل كالصخر الأصم. وأمام هذا الجدار الثلجي، لم تجد الحيتان بداً في النهاية سوى لملة أذيال الخيبة والمغادرة، وإن ظل الهدف ثابتاً في مخيلتهما.. الوصول إلى رأس سادن مهما كلف الثمن.

✨✨✨✨✨✨✨

غلبها النعاس واستسلمت لرقاد عميق عقب تلك الترتيبات المنهكة الخاصة بعقد قرانها باكر، بينما ظلت فريدة مستيقظة في الفراش المجاور، تفتش عن مهرب في سطور إحدى الروايات. فجأة، شق صمت الغرفة صوت رنين هاتف فيروز؛ نظرت فريدة إلى الشاشة لتجدها منار، فدنت من شقيقتها وهزت كتفها برفق لإيقاظها. تمللت فيروز وفتحت عينيها بنعاس، وتناولت الهاتف بكسل، لكنها انتفضت فجأة كمن صعقتها الكهرباء وجلست متصلبة، حين وصل إلى مسامعها صراخ منار المستميت وهي تستنجد بها بخوف. ساد الذعر في أوصال فيروز، وهتفت بنبرة حاسمة تحاول طمأنتها

- أنا جايلك حالاً.. اهدي بس يا منار، مسافة السكة وهكون عندك

دارت بين الشقيقتين جولة سريعة وحادة من الشد والجذب؛ فريدة تحاول منعها بشتى الطرق خوفاً من العواقب، وفيروز تصرّ بعناد على الذهاب، مؤكدة أنها لن تتحمل المكوث في فراشها وصديقتها في خطر.

بالفعل، بدلت فيروز ثيابها بحمى وسرعة، والتقطت هاتفها، ثم تسللت نحو الباب بخطوات قطة حتى لا يشعر بها أحد في المنزل. التفتت إلى أختها وهمست بنبرة متوترة

- أنا هشوف في إيه وهرجع على طول.. أول ما أوصل قدام باب الشقة هيرن عليكي، تفتحيلي فوراً عشان محدش يحس بينا.

أومأت لها فريدة بوجل وقلب مقبوض، لتغادر فيروز الشقة وتسرع بخطاها في السلم، والوجل ينهش صدرها خوفاً من انكشاف أمرها في هذه الساعة المتأخرة.

انقبضت أسارير فيروز وهي تقف في منتصف الشارع الخاوي؛ تطلعت بيأس إلى ذلك الطريق المختصر والمظلم. بالرغم من عتمته الموحشة التي تبث الرعب في النفوس، إلا أنها اختارته مجبرة اختصاراً للوقت.. وياليتها ما فعلت

لم تكد تخطو فيه خطوات معدودة، حتى اعترض طريقها شابان تترنح أجسادهما، وتبدو عليهما أمارات السكر البين. اقتربا منها بوقاحة، ورمقاها بنظرات جائعة، قبل أن يهتف أحدهما بنبرة لزجة

- على فين يا جميل في وقت زي ده؟ ما تيجي تقضي الليلة معانا وأنتِ الكسبانة.

أدركت فيروز في ثانية واحدة حجم المأزق المهلك الذي أوقعت نفسها فيه. تراجعت خطوة للخلف، ولم تجد حلاً سوى إطلاق ساقيها للريح؛ ركضت.. ركضت بكل ما أوتيت من قوة في شوارع مظلمة لا تعلم عنها شيئاً، وأنفاسها المذعورة تسبق خطوتها، بينما كان صدى ركضهما خلفها يقترب ويقترب. لم تعد ترى أمامها من فرط الرعب، حتى اندفعت فجأة نحو الطريق الرئيسي لتلوذ به، غير منتبهة لتلك السيارة المسرعة التي شقت عتمة الليل، وصدمتها بقوة أطاحت بجسدها الضعيف أرضاً.

شقت عتمة الليل صرخة مدوية مزقت سكون الطريق، تلاها صرير حاد وقاسٍ لإطارات تنهش الأسفلت وهي تحاول التوقف دون جدوى. في ثوانٍ معدودة، كان المكان يعج بجمهرة من الناس الذين توافدوا من كل حدب وصوب، ليتشكل طوق بشري حول جسد الفتاة الملقى بلا حراك. بدأت الهمهمات تتصاعد في الأجواء، ممزوجة بعبارات الأسى والحزن على تلك الزهرة النضرة التي ذبلت في مقتبل شبابها، ودهس جمالها تحت عجلات قاسية لم ترحم ضعفها.

انفتح باب السيارة ببطء، وخرجت كايلا بخطوات متثاقلة، تحاول لملمة شتات عقلها واستيعاب هول الصدمة. كانت كلمات اللوم والتقريع تقذف نحوها من كل اتجاه كالحجارة، والوجوه المحيطة بها تنظر إليها باتهام، لكنها أصمت أذنيها عن كل ذلك. ثبتت عيناها المتسعتان برعب على الفتاة الممددة على الأرض والدماء تطوق جسدها؛ استجمعت كل ما تبقى لها من شجاعة، وحاولت جاهدة إقصاء الرعب لتتصرف بحكمة قبل فوات الأوان

أخرجت هاتفها بأنامل ترتجف بعنف، وضغطت على اسم آدم تطلب نجدته، غير أن أملها تحطم حين أتاها الرد الآلي اللعين بأن الهاتف مغلق. زفرت بضيق وحسرة؛ فقد تذكرت أنه أغلقه بعناد عقب شجارهما الأخير وإصرارها على الذهاب لعيد الميلاد رغم أنفه.

لم يعد أمامها خيار آخر، ولا طوق نجاة سوى شقيقها الأكبر. ابتعدت خطوات تحاول تجنب الأصوات العالية المحيطة بها، والاتهامات التي تلاحقها؛ فالبعض يرميها بالعجرفة والتعالي، والآخر يتهمها باللامبالاة والبرود، بينما كان قلبها يكاد يتوقف رعباً.

لم تمر ثوانٍ حتى أتاها صوت سادن الرخيم عبر الخط، وما إن التقط نبرة صوتها المتهدجة والمتلاشية، حتى تبدل بروده المعتاد إلى فزع عارم، وهتف بلهفة

- كايلا...... فيكِ إيه؟ صوتك ماله؟

انفجرت كايلا بالبكاء، وجاءت كلماتها متقاطعة وسط شهقاتها

- الحقني يا سادن.. خبطت بنت بالعربية.. غرقانة في دمها ومابتحركش.. أنا مش عارفة أعمل إيه

حاول سادن السيطرة على روعه ليمنحها الثبات، وأمرها بنبرة حازمة وقاطعة

- اهدي واسمعيني كويس.. شيلوها فوراً وحطيها في عربيتك، وتعالي على الفيلا عندي.. مسافة ما توصلي هيكون أكبر دكاترة في البلد مستنيينكم هناك.. ياللا يا كايلا اتحركي

وما إن أغلقت الهاتف، حتى شعرت كايلا بقوة غريبة تسري في أوصالها، وكأن صوت أخيها كان الترياق الذي انتشلها من عجزها. التفتت إلى الحشد، ونظرت إلى رجل يبدو عليه الشهامة، وهتفت بنبرة مستعطفة وقوية في آن واحد

- لو سمحت.. ساعدني ننقلها العربية حالاً، أنا مش ههرب.. أنا هوديها لأكبر دكاترة وعلى حسابي، بس نلحقها

تطوع الرجل على الفور، وحمل جسد فيروز الغائب عن الوعي بعناية، ووضعه في المقعد الخلفي للسيارة. صعدت كايلا إلى مقعد القيادة، وضغطت على المكابح بكل قوتها، لتنطلق السيارة كالسهم مشقة ظلام الليل في اتجاه فيلا سادن، تسابق الزمن لإنقاذ روح بريئة.

وفي تلك الأثناء، على الرصيف البارد حيث وقع الحادث، كان هاتف فيروز يرقد وحيداً وشاشته تضيء باسم فريدة. امتدت يد غريبة من بين المارة، التقطت الهاتف بسرعة خاطفة، وتطلع صاحبه إلى الشاشة الحديثة ببريق طمع التمع في عينيه، ثم همس بانتشاء

- يا فرج الله.. لقطة

وفي لمح البصر، خَبأ الهاتف في جيبه بعناية، وتسلل مرتشقاً بين الزحام ليغادر المكان وكأن شيئاً لم يكن، قاطعاً مع خيط الاتصال الوحيد الذي يربط فيروز بعالمها.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • مدن لا تشبه الحب    141

    اليوم هو الموعد الموعود، موعد المتابعة الأخيرة التي حانت تفاصيلها لـتضع حداً لـأيام الانتظار؛ اصطحبها سادن إلى عيادة الطبيب بـخطوات تحفها الرعاية والبهجة، وعيناه الرماديتان لا تفارقان وجهها الساحر الذي عاد إليه نبض العافية والدلال في أحضانه. دلفا إلى غرفة الكشف بـوقار، وتقدم سادن بـجسده الفخم لـيساعدها بـحنو بالغ على التمدد فوق سرير الكشف الحريري، عازلاً إياها بـجسده عن الكون بـأكمله؛ انحنى بـرأسه وطبع قبلة طويلة، شغوفة تقطر عشقاً ويقيناً على كفها الصغيرة المرتعشة، ثم ردد بـنبرة رجولية دافئة تفيض بـالثقة والاشتياق - خلاص هانت يا فجر حياتي.. مـبقاش فاضل غير خطوة واحدة، والبيه الصغير يشرف بـسلامته ويملا علينا الدنيا. ابتسمت له فيروز بـملامح يكسوها العشق والأمان الطاغي بـوجوده؛ تقدم الطبيب بـخطواته العملية الهادئة، وقام بـوضع ذلك السائل البارد على بطنها المنتفخة بـالكامل بـرفق، ثم بدأ بـتحريك جهاز السونار بـتمهل وهو يتابع الشاشة بـأعين فاحصة خبيرة. وفجأة.. تبدلت ملامح الطبيب، واختفت ابتسامته الهادئة لـتحل محلها ملامح الجدية والـحسم؛ وتوقف جهاز السونار بـأجزاء من الثواني عند زاوية معي

  • مدن لا تشبه الحب    140

    دلف سادن من باب الجناح الملكي بـخطواته العسكرية المعهودة، ملامحه الصارمة متشحة بـالتجهم والبرود كـالعادة في الأيام الماضية؛ ولم يلتفت نحوها أو يخصها بـنظرة واحدة تهدئ من روع قلبها، بل تحرك بـخطواته الواسعة ليدلف إلى الحمام مباشرة، ومنه إلى غرفة الملابس لتبديل ثيابه الرسمية بـملابس بيتية مريحة. كل هذا وفيروز تتابعه بـعيونها النيلتية الذابلة، وتشعر بـالغليان والغيظ ينهش صدرها من فرط جفائه القاسي وتجاهله المتعمد الذي بات يفوق قدرتها على التحمل؛ فـاستجمعت أنوثتها المتمردة وتوعدت له في سرها، مقررة الليلة أن تستخدم أسلحتها الأنثوية الفتاكة، والتي تدرك يقيناً أنها سـتأتي بـثمارها وتذيب جبال ثلجه. انقطع الصمت بـدخول الخادمة بـخطوات حذرة، حاملة صينية الطعام الفاخرة كـعادتهم اليومية، وبـجوارها كوب اللبن الدافئ الخاص بـالمتابعة الصحية؛ وضعتها على الطاولة جانباً بـأدب ثم انصرفت. تحرك سادن بـصمت، وحمل صينية الطعام لـيضعها أمامها على الفراش، واجفاً في أثره بـانتظار أن تتناوله بـنفسها حتى يقدم لها جرعتها الدوائية بـانتظام. ولكن، صدمته فيروز بـحركة متمردة ساحرة؛ إذ مدت يدها ونقلت الصينية بـلا مبال

  • مدن لا تشبه الحب    139

    تتمدد فيروز على الفراش الوثير بـجسدها الذي أثقله الحمل في شهوره الأخيرة، وتستند بـرأسها على الوسائد الحريرية، تاركة عينيها النيلتية تسبحان في سقف الغرفة، لـتستعيد بـتفصيل تفاصيل ذكريات ذلك اليوم المشهود؛ فـتطفو على شفتيها الكرزيتين ابتسامة عذبة تفيض بـالانتصار والتشفي. تتذكر كـيف انتفض سادن كـالأسد الهائج لـينتقم لـكرامتها وعشقها الجريح من تلك الحية الرقطاء "هايدي"؛ كيف جاء بها ذليلة، مكسورة، تذرف الدموع الحارة وتتمرغ عند الأقدام تطلب العفو والغفران بـلا طائل، بـصحبة والدها الذي جثا هو الآخر بـكبريائه لـيطالب بـالرحمة بـعد أن هدده سادن بـسحقه بـالنفوذ وإعلان إفلاس شركاته بـالكامل جزاءً وفاقاً لـما اقترفته يدا ابنته الخبيثة من دمار. أما ذلك الشاب الأجير الذي اشترك معها في التقاط الصور وتزييف الحقائق، فـقد كان أهون عليه بـمليون مرة إن كان سادن قد سلمه لـرجال الشرطة والقانون، من ذلك العذاب والـجحيم الذي لاقاه وتجرعه بـين جدران المخزن المظلم على يد سادن الأسيوطي، الذي لقنه درساً في الرجولية جعل عظام جسده ترتعد بـالرعب كلما مر طيف الأسيوطي بـمخيلته. ولكن.. وبالرغم من ثبوت براءته الطاهرة

  • مدن لا تشبه الحب    138

    استقلت فيروز السيارة بـخطوات واهية ثقيلة، وجلست بـجوار سادن كـالغريبة؛ لم تلتفت إليه ولم تنظر في عينيه بـالرغم من قربه الطاغي الذي يزلزل كيانها، بل آثرت الهروب بـملامحها المشحونة بـالوجع لتستند بـرأسها المثقل على زجاج النافذة البارد. كان يتأملها بـطَرف عينيه، فيشعر بـأن روحها قد غادرت جسدها وبـأنها باتت تعيش في عالم آخر مجهول لا يملك مفاتيحه. أغمضت عيونها النيلتية بـأسى واستسلام تام لـتلك الدوامة السوداء العنيفة من الشك والوجع التي سقطت بـداخلها بـلا رحمة. التفت سادن نحو الأمام، وبـنبرة رجولية حازمة منخفضة، أمر السائق بـالتمهل الشديد في القيادة وتفادي أي مطبات أو اهتزازات في الطريق؛ فـهو لم يكن أعمى، بل كان يرى وهنها وجسدها المرتجف، ويلمح امتعاضة الألم والـتعب الـ مرت على وجهها النقي بـفعل هبوط ضغطها، مما كان يسبب له نغزات حارقة، قاتلة في يسار صدره إثر ألمها وفجيعتها.. فـألمها هو ألمه بـالضعف. بعد مدة من السير الوئيد الصامت، وقفت السيارة الفارهة بـانسيابية أمام بوابة الفيلا الفخمة؛ أفاقت فيروز على صوته الرجولي الرخيم وهو يوجه لها الحديث بـشكل مباشر لـلمرة الأولى منذ صعودهما، مردداً

  • مدن لا تشبه الحب    137

    يفحصها الطبيب بـجهاز السونار بـتمهل، وعيناه ترتكزان على الشاشة بـتركيز شديد، بـينما أخذ يطلق زفرات خافتة ويبدي علامات واضحة من عدم الرضا والقلق، مما جعل الأجواء داخل غرفة الكشف تزداد توتراً. انتهى الطبيب من الفحص، وهو يلاحظ بـذكائه الإكلينيكي ذلك التوتر الرهيب والذعر الذي يجتاح وجدان سادن، بالرغم من محاولات الأخير المستميتة لإخفاء مشاعره خلف قناع البرود الصخري والجمود واللامبالاة المصطنعة. نهض الطبيب متوجهاً إلى مكتبه الفخم، تاركاً لـفيروز بعض الخصوصية لتعديل ملابسها بـمساعدة الممرضة. تحرك سادن بـخطوات لاهثة وجلس أمامه على المقعد، ولم يعد قادراً على الصمود أكثر، فـسأله بـلهفة حارقة ونبرة رجولية مرتعشة - خير يا دكتور طمني.. فيروز فيها حاجة؟! ابني جرى له حاجة بـسبب قلة أكلها؟ عدل الطبيب من وضع نظارته الطبية فوق جسر أنفه، ثم ردد بـعملية هادئة وجادة - بـصراحة يا بشمهندس سادن، أمور المدام الزيارة دي مش تمام خالص بـالمقارنة بـالشهور الفاتت.. ضغطها واطي لـدرجة خطيرة ومقلقة، وكمان خاسة اتنين كيلو كاملين في أسبوع واحد، وده مؤشر مش كويس لـجنين في مرحلة نمو. ابتلع سادن تلك الغصة المُرّة ال

  • مدن لا تشبه الحب    136

    اليوم هو ميعاد المتابعة الطبية الهام والخاص بـحملها؛ حضرت كايلا بـلهفة حارقة إلى منزل فريدة لـكي تصطحبها إلى الطبيب والاطمئنان على صحة الجنين، ولكن فيروز فاجأتها بـرفض قاطع، شديد، مستميت لـلخروج من الغرفة أو مفارقة فراشها، متمسكة بـعزلتها بـشكل يثير الضيق. ​أمام هذا العناد، اقتربت كايلا منها بـحذر لـتتفاجأ بـمنظرها الصادم؛ لاحظت شحوب وجهها الشديد الذي بات كـورقة بيضاء خالية من دماء العافية، وعيونها النيلتية الساحرة التي انطفأ بريقها تماماً بـعد أن أُحيطت بـتلك الهالات السوداء القاتمة من فرط السهر والقهر. ​لم تحتمل كايلا رؤية شقيقة روحها بـهذا المنظر المأساوي؛ فـخرجت من الغرفة على الفور بـخطوات متسارعة، وتوجهت نحو المطبخ لـتسأل فريدة بـاندفاع وخوف حقيقي تلمسه بنبرتها - فريدة.... فيروز شكلها متغير خالص وتعبان بـشكل يرعب.. هي مـش بتاكل كويس؟ إيه الهالات والشحوب الـلى في وشها ده؟ ​هزت فريدة رأسها بـقلة حيلة ونظرات مكسورة، لـتردد بـألم ومرارة وعيناها تترقرق بـالدموع - من يوم ما جت هنا يا كايلا.. كل اللى أكلته لا يذكر، لقم بـالعافية عشان بس البيبي الـلى في بطنها.. غير كدة مفيش على لس

  • مدن لا تشبه الحب    البارت الرابع والسبعين

    انتهت محاضرات فيروز الأخيرة لـتسرع بخطواتها نحو الكافيه القريب من الجامعة، حيث اتفقت مع شقيقتها فريدة على اللقاء سراً بـعيداً عن عيون والدهما ورجاله. جلست فريدة أمامها، وما إن بدأت تقص عليها تفاصيل المواجهة النارية التي دارت بين فهد وفاروق، وما آلت إليه الأمور من تقديم موعد الزفاف لـيكون بـنهاية ا

  • مدن لا تشبه الحب    البارت التاسع والستون

    كانت فريدة تجلس في المكان المخصص لها، يلفها فستانها الذي اضطرت لارتدائه رغم بساطته، وبجوارها يجلس فهد، الرجل الذي اختاره قلبها عنوةً عن كل شيء. لكن، عوضاً عن بريق السعادة الذي يزين عيون العرائس، كانت فريدة تغرق في دوامة من الانكسار. لم تكن هذه اللحظة التي رسمتها في مخيلتها منذ الطفولة؛ فـنظرات والد

  • مدن لا تشبه الحب    البارت الستون

    حاول جاهداً أن يطوع الأرقام والملفات، يلتهم تلال العمل المتراكمة فوق مكتبه بـسرعة جنونية، فـهناك معركة أخرى.. معركة كبرى وأكثر شراسة في انتظاره بالمنزل، ويجب عليه الفوز بها بـأي ثمن. طالما جاهد سادن نفسه، وطالما تذرع بـالكبرياء وحصّن قلبه بـالجمود، ولكن اليوم.. اليوم انقشعت الغمامة؛ فـقد رأى بـأم ع

  • مدن لا تشبه الحب    البارت السادس والخمسون

    - يعني أنتِ رأيك إني أطنشه تماماً، ولا كأني شايفاه في الرايحة والجاية؟ كانت تلك الكلمات الهامسة والمليئة بـالتوجس والترقب هي ما وجهته كايلا لـفيروز، وهما تقفان متجاورتين داخل عربة المصعد المتجهة صوب طابقهما الإداري في الشركة. تطلعت إليها فيروز بـنظرة حكيمة، ثم أومأت لها بـرأسها بـالموافقة القاطعة

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status