هوس العشق والانتقام

هوس العشق والانتقام

last updateآخر تحديث : 2026-06-29
بواسطة:  بدر رمضانتم تحديثه الآن
لغة: Arab
goodnovel16goodnovel
لا يكفي التصنيفات
13فصول
73وجهات النظر
قراءة
أضف إلى المكتبة

مشاركة:  

تقرير
ملخص
كتالوج
امسح الكود للقراءة على التطبيق

عاشا معاً تحت سقف واحد، لكن الطبيبة الهادئة "ليال" لم تكن تعلم أن زواجها من إمبراطور المال والقدر "فارس" لم يكن سوى فخ نُصب لعائلتها بعناية. في اليوم الذي فُجعت فيه بموت شقيقها التوأم إثر حادث غامض، واكتشافها لمرضها النادر الذي يستلزم خضوعها التام، كان "فارس" يوقع أوراق الاستحواذ على شركات أبيها بدم بارد، ويحتفل مع امرأة أخرى. لم تذرف "ليال" دمعة واحدة؛ بل واجهته بثبات قاتل وطالبت بالطلاق. لكنه صدمها بقسوته المعهودة حين أمسك بفكها بقوة، وقال بنبرة تقطر جموداً: "الطلاق؟ أنتِ مجرد بيدق استخدمته لسحق عائلتكِ، والآن بعد أن دفعتم الثمن كاملاً.. رحيلكِ أو بقاؤكِ لم يعد يغير في الأمر شيئاً!" توالت النكبات؛ دُمّرت عائلتها بالكامل، ودخل والدها في غيبوبة طويلة إثر الصدمة. وعندما ظن "فارس" أنه كسر كبرياءها تماماً، خطت "ليال" خطوتها الأخيرة؛ وألقت بنفسها من أعلى صخرة مطلة على البحر في ليلة عاصفة، تاركة خلفها خاتم زواجها ورسالة من كلمتين: "سددتُ الحساب". لكن اللعبة لم تنتهِ هنا.. فـ "فارس" الذي ظن أنه انتصر، وجد نفسه غارقاً في هوس مريض باختفائها. وبعد سنوات، يعود ذاك الرجل الذي كان دائماً يتعجرف، ليصبح راكعاً على الأرض بعيون دامية، يصرخ بجنون في عتمة الليل متوسلاً عودة امرأة ماتت في نظره، لكنها عادت لتدمر عرشه ببرود أشد من جحيمه...

عرض المزيد

الفصل الأول

الفصل الأول: رائحة المطر والرماد

كانت الممرات في مستشفى "النخبة" الدولي هادئة إلى حدٍ يثير الرعب، تفوح منها رائحة المعقمات الممتزجة بالبرودة والجمود. لم تكن هذه الأجواء غريبة على الدكتورة "ليال"، فقد قضت سنوات عمرها الأخيرة بين هذه الجدران كواحدة من ألمع الجراحين الشبان، تنقذ الأرواح وتواجه الموت بقلب ثابث وعينين لا تعرفان الخوف. لكن اليوم، لم تكن ليال ترتدي معطفها الأبيض؛ كانت تقف في ممر قسم الأورام والتحاليل الدقيقة، تشدّ بحزام حقيبتها الجلدية الرفيعة بيدها التي بدأت ترتجف للمرة الأولى في حياتها. وجهها الشاحب، وعيناها اللامعتان اللتان انطفأ بريقهما فجأة، كانا يعكسان ثقل الورقة البيضاء التي تقبض عليها أصابعها.

تقرير الخزعة كان واضحاً، قاطعاً، ولا يحمل أي مجال للشك: "ورم خبيث ونادر في مراحله المتقدمة".

تنحنح الطبيب الجالس خلف المكتب الفخم، وهو زميل دراستها القديم الذي صُدم بالنتيجة بقدر صدمتها، وقال بنبرة حاول جعلها تبدو متماسكة:

— "يا ليال.. كطبيبة، أنتِ تعلمين أننا لا نؤمن بالمعجزات بل بالحقائق العلمية. إذا نجحت الجراحة العاجلة، وفترات العلاج الكيميائي المكثف، فإن معدل البقاء على قيد الحياة قد يتراوح بين خمس عشرة إلى ثلاثين بالمائة.. لمدة خمس سنوات."

عضّت ليال على شفتها السفلى بقوة حتى كادت تدميها، محاولةً ابتلاع الغصة التي وقفت في حلقها كشفرة حادة. نظرت إلى الزميل الجاد وقالت بصوت هادئ يحمل كبرياءً غريباً:

— "وكم من الوقت يمكنني العيش دون جراحة أو كيميائي، يا زميلي الأكبر؟"

تنهد الطبيب بأسف، واضعاً القلم من يده:

— "من نصف عام إلى عام.. لا أكثر. وستكون الشهور الأخيرة قاسية جداً. ليال، من الأفضل أن تبدئي بروتوكول العلاج فوراً، هذا قد يمنع انتشار الورم وتفشيه في بقية الأعضاء."

انحنت ليال باحترام، لكنها حسمت أمرها في ثوانٍ. لقد رأت طوال مسيرتها الطبية مرضى يتآكلون جسدياً ونفسياً تحت وطأة هذا العلاج، وعائلات تفلس خلف سرير المريض دون جدوى. تذكرت حال عائلتها؛ فوالدها يمر بأزمة مالية طاحنة، وشقيقها التوأم "سيف" يحاول جاهداً إنقاذ ما يمكن إنقاذه من شركاتهم المنهارة. إن إخبارهم بمرضها الآن سيكون بمثابة رصاصة الرحمة التي تنهي حياتهم جميعاً.

— "شكراً لك.. لكنني لا أنوي خوض هذه المعركة. لا حاجة للعلاج، فلا أظنني أملك القدرة الجسدية أو النفسية على تحمله."

— "ولكن يا ليال، زوجكِ.. فارس السيوفي؟ إمبراطور المعمار يمكنه توفير أحدث العلاجات في أوربا!"

ابتسمت ليال ابتسامة مريرة، امتزجت بالسخرية والوجع وهي تتحرك نحو الباب:

— "أرجو منك أن تحفظ هذا السر يا زميلي، لا أريد أن تشعر عائلتي بالقلق.. أما عن زوجي، فلديه أمور أخرى تهتم به، وهو بالتأكيد لن يلاحظ اختفائي."

خرجت من غرفة الفحص والخطوات تسرع بها كأنها تهرب من حقيقتها الجديدة. بمجرد خروجها إلى البهو الخارجي للمستشفى، بدأت قطرات المطر تهطل بغزارة، معلنةً عن بداية عاصفة شتوية قاسية. وقفت تحت المظلة، تسحب نفساً عميقاً يملأ صدرها المتعب برائحة المطر والتراب المبتل، وهي تتذكر كيف تحولت حياتها في السنوات الثلاث الأخيرة.

تزوجت من "فارس السيوفي" بعد قصة حب ظنتها أسطورية، قصة بدأت في أروقة الجامعة واكتملت بقصر فخم يحسدها عليه الجميع. في السنة الأولى، كان يعاملها بتقدير، بصدق ظاهري جعلها تسلمه مفاتيح قلبها وعالمها. ولكن، بمجرد أن تمكن من وضع يده على تفاصيل أعمال عائلتها، وبمجرد أن عادت حبيبته السابقة وقريبته "صافي" إلى البلاد وهي حامل تدعي أن الطفل منه.. تغير كل شيء. سقط القناع عن وجه فارس، وتحول الماء الدافئ في حياتهما إلى جليد يقطع الأنفاس.

قطع استرسال ذكرياتها صوت رنين هاتفها بقوة. نظرت إلى الشاشة، فإذا به رقم السائق الخاص بوالدها. انقبض قلبها بغريزة غامضة، وأجابت بيدين مرتعشتين:

— "أهلاً عم منصور.. هل والدي بخير؟"

جاءها الصوت من الطرف الآخر باكياً، منتحباً، تملأه جلبة سيارات الإسعاف وأصوات صراخ في الخلفية:

— "يا دكتورة ليال.. المصيبة حلت علينا! الأستاذ سيف.. شقيقكِ.. الحادث كان بشعاً على الطريق الصحراوي.. سيارته انقلبت واشتعلت النيران بها.. الأطباء يقولون إنه.. إنه مات قبل وصوله للمستشفى، والشرطة تقول إن هناك شبهة جنائية، فرامل السيارة كانت مقطوعة بالكامل!"

سقطت ورقة التحليل الطبية من يد ليال، لتبتلعها مياه المطر الجارية على الرصيف وتتحول إلى رماد ممزق. شعرت بأن الأرض تدور من تحتها، والهواء انسحب من رئتيها تماماً. شقيقها؟ توأم روحها؟ السند الوحيد الذي كان يربطها بهذه الحياة؟ رحل؟ والأسوأ.. أن الحادث مدبر!

لم تبكِ، ولم تصرخ. تحجر الدمع في عينيها ليتحول إلى كتل من جمر مشتعل. اتصلت برقم والدها فوراً، لكن الهاتف كان مغلقاً. اتصلت بالمنزل، ليرد عليها خادم العائلة وهو يرتجف:

— "دكتورة ليال.. الأستاذ الكبير (والدكِ) علم بالخبر وسقط مغشياً عليه، لقد نقلوه الآن إلى مستشفى الطوارئ في غيبوبة تامة، الأطباء يخشون من جلطة دماغية مدمرة!"

في تلك اللحظة، وسط غزارة المطر وبرودة الجو، انكسر شيء ما داخل ليال بعنف، وبدأت تتشكل قطعة من الفولاذ مكان قلبها المكسور. ابتلعت كبرياءها وجرحها، وقررت الاتصال بالشخص الوحيد الذي يملك النفوذ، والقدرة، والشخص الذي يفترض أنه "زوجها". تواصلت مع مكتبه، لتجيبها السكرتيرة ببرود، ثم بعد إلحاح شديد، جاءها صوته الأجوف، الجاف، البارد كالكليد من خلف سماعة الهاتف:

— "لن أراكِ إلا إذا كان الأمر يتعلق بالطلاق، ليال.. أنا مشغول الآن."

كتمت أنفاسها، وقالت بصوت متحشرج يحاول التماسك:

— "فارس.. سيف مات.. أبي في الغيبوبة.. عائلتي تدمرت بالكامل، أحتاجك إلى جانبي الآن، أرجوك.."

وقبل أن تكمل جملتها، سمعت صوتاً أنثوياً ضاحكاً بجانبه عبر الهاتف، كان صوت "صافي" وهي تقول بدلع: "يا فارس، الطبيب بانتظارنا لإجراء فحوصات الجنين، دعك من مكالمات زوجتك المملة".

جاءها صوت فارس مجدداً، ساخراً، خالياً من أي ذرة إنسانية أو رحمة:

— "يا ليال، أي جيل جديد تلعبين؟ عائلتكِ سقطت لأنها ضعيفة، وأنا لا أدعم الضعفاء. سأكون في الفيلا مساءً، جهزي أوراقكِ.. ودعينا ننتهي."

انقطع الاتصال. قطعت المكالمة كل طاقة كانت متبقية في جسد ليال. سقطت بجسدها على الحائط المبتل للمستشفى، بينما تسرب المطر الغزير من الخارج ليبلل خصلات شعرها ووجهها الشاحب. عضت على كم قميصها وهي تبكي بصمت، دمعات حارقة تمتزج بماء المطر البارد. فقدت طفلها في الماضي بسبب إهماله، وفقدت شقيقها اليوم، ووالدها يصارع الموت، وهو.. هو يؤسس عائلة جديدة مع شخص آخر، بل ويسخر من مأساتها.

نظرت ليال إلى السماء المظلمة، وعيناها اللامعتان اللتان كانتا تضيئان بالبراءة في السابق، أصبحتا الآن بلا بريق، باردتين، تنعكس فيهما نيران الكراهية والانتقام. وقفت ببطء، مسحت دموعها بكف يدها، واستعادت توازنها الطبي كجراحة تعرف أين تضع المشرط تماماً لتنهي الألم.

— "فارس السيوفي.." همست باسمه في جوف العاصفة، ونبرتها تحولت إلى برود مخيف وجامد: "لقد بدأت اللعبة.. وظننت أنك الرابح. لكنني أقسم بروح شقيقي، وبدموع أبي، وبمرضي الذي يتآكل في جسدي.. سأجعل عرشك هذا يتحول إلى رماد، وستركع تحت قدمي طالباً المغفرة، ولن تجدها."

تحركت ليال بخطوات ثابتة نحو سيارتها، متوجهة إلى الفيلا. لم تكن متوجهة إلى بيتها، بل كانت متوجهة إلى ساحة المعركة الأولى. الليل في الشتاء يأتي مبكراً، والساعة لم تتجاوز السادسة بعد، ولكن الظلام التام قد حل بالفعل على المدينة.. وعلى قلب ليال.

حين وصلت سيارتها إلى بوابات الفيلا الفخمة، كانت الأضواء مطفأة، والفيلا تبدو خالية تماماً من الحياة، مظلمة كأنها مقبرة قديمة. دلفت من الباب الداخلي، لتجد الصمت يلف المكان. نظرت إلى طاولة الطعام، فرأت الزهور التي نسقتها بنفسها قبل أيام قد ذبلت وتساقطت أوراقها الجافة على الطاولة. من معرفتها بشخصيتها السابقة، كانت تعلم أنها لن تترك الزهور تذبل بهذه الطريقة دون التخلص منها، والاحتمال الوحيد هو أنها لم تكن في كامل قواها العقلية والجسدية خلال الأيام الماضية.

فجأة، انفتحت أوراق الباب الخارجي بعنف، ودخل رجل طويل القامة، يرتدي بدلة سوداء فاخرة بجانب الطاولة. وجهه الوسيم كان كالعرش الجليدي، وعندما نظر إليها، كان في عينيه السوداوين كراهية عميقة، وجفاء غير مبرر. كان هذا زوجها.. فارس السيوفي.

عندما نزلت ليال من درج الصالة بعد أن غيرت ملابسها المبتلة، التقت بنظراته الباردة، فشعرت ببرودة تسري على ظهرها، لكنها لم تتراجع خطوة واحدة. الوقفة الهادئة والثبات الذي أظهرته فاجآ فارس قليلاً، فقد كان يتوقع رؤية امرأة منهارة، تبكي شقيقها وتستجدي عطفه وأمواله.

— "أين كنتِ؟" جاء صوته البارد، يقطع الصمت الثقيل.

نظرت إليه برأس مرفوع وعيون خالية من أي تعبير، وقالت بنبرة هادئة غير عادية:

— "كنت في المستشفى.. أستلم أوراقاً تخص مستقبلي."

سخر فارس بمرارة، وتقدم خطوات نحوها، مظلماً بطوله الفارع ومحاصراً إياها بجسده وقسوته:

— "مستقبلكِ؟ وهل يملك الضعفاء والمنهارون مستقبلاً يا ليال؟ أخشى أن تموتي كمداً وحزناً دون أن يلاحظ أحد."

كلمة واحدة كالسهم، مزقت ما تبقى من ذكريات طيبة في قلبها المجروح بشدة. لم تبكِ، ولم تثر أي ضجة، بل أخرجت بهدوء غير عادي من حقيبتها ملفاً أبيض وأسود، ووضعته على الطاولة الفاخرة بينهما.

— "لا تقلق.. لقد قمت بتوقيع اتفاق الطلاق الذي طالما أردته."

وضع الاتفاق على الطاولة كان مؤلماً للغاية، كلمتا "شهادة الطلاق" كانتا تبدوان كشفرتين حادتين، لكن ليال كانت قد اتخذت القرار. التفت إليها فارس، وعيناه تضيقان بشك وريبة من هذا الاستسلام السريع:

— "كنت أتساءل كيف بإمكانكِ تحمل الطلاق وعائلتكِ مفلسة وشقيقكِ تحت التراب.. يبدو أن الأمر يتعلق بالمال. كم تطلبين لتغادري حياتي دون فضائح؟"

امتصت ليال السخرية في كلماته، وفي السابق كانت ستدافع عن نفسها وشرف عائلتها بكبرياء، ولكن اليوم كانت مرهقة جداً.. وذكية جداً. علمت أن أول خطوة في الانتقام هي جعل العدو يستهين بك ويظنك طماعاً أو ضعيفاً.

وقفت بهدوء وقالت بصوت خافت لكنه مسموع:

— "كان بإمكاني أن أطلب نصف ممتلكاتك يا سيد فارس، بحكم القانون وبحكم ما قدمته لعائلتك في البداية.. ولكنني سأكتفي بطلب تعويض قدره عشرة ملايين جنيه فقط، وباختصار، ما زلت طيبة أكثر من اللازم وغبية بما يكفي لأترك لك بقية أموالك."

تقدم فارس خطوة للأمام، ظله الطويل يغطي جسد ليال بالكامل، وأمسك بفكها بإصبعه الطويل وقبض عليه بقوة، وصوته كان بارداً وعميقاً يملأ المساحة الفاصلة بينهما:

— "بماذا تنادينني؟ سيد فارس؟"

ابتسمت ليال وسط ألم قبضته، ونظرت في عينيه مباشرة دون أن ترمش:

— "إذا لم تعجبك تسمية 'السيد فارس'، فلا أمانع أن أناديك بزوجي السابق، بعد أن توقع الأوراق الآن.. ويمكنك المغادرة."

أثارت نظرتها المتحدية والباردة استياء فارس الشديد، فهذه ليست المرأة الضعيفة التي تركها صباحاً. اشتدت قبضته على فكها، وقال بنبرة هديدة:

— "هذا منزلي، ما الذي يجعلكِ تظنين أن لديكِ الحق في إجباري على مغادرته أو توقيع الأوراق بشروطكِ؟"

تجمدت ليال قليلاً ثم قالت ببرود تام، وعيناها تشعان بقوة غامضة:

— "ليس لدي الحق، ولكن يا سيد فارس، لا داعي للقلق، بعد أن أحصل على توقيعك على شهادة الطلاق، سأغادر هذا المكان فوراً ولن تراني مجدداً."

أزاحت يد فارس عن وجهها بجرأة وجسارة لم يعهدها فيها من قبل، وحدقت في عينيه السوداوين بجسارة، وقالت بصوت بارد كالثلج:

— "يا سيد فارس، غداً في تمام الساعة التاسعة صباحاً، أحضر اتفاق الطلاق ولنلتقِ في مكتب السجل المدني لإنهاء كل شيء.. غداً، ستبدأ حياتك الجديدة، وسأبدأ أنا حساباتي."

استدارت وتركته واقفاً في وسط الصالة المظلمة، تعلو وجهه علامات الشك والذهول من هذه القوة المفاجئة، بينما كانت هي تصعد الدرج بخطوات ثابتة، تدرك أن الفصل الأول من كتاب حياتها القديم قد أُغلق، وأن غداً.. هو بداية أولى خطوات الجحيم الذي ستجلبه إلى عالمه.

توسيع
الفصل التالي
تحميل

أحدث فصل

فصول أخرى
لا توجد تعليقات
13 فصول
الفصل الأول: رائحة المطر والرماد
كانت الممرات في مستشفى "النخبة" الدولي هادئة إلى حدٍ يثير الرعب، تفوح منها رائحة المعقمات الممتزجة بالبرودة والجمود. لم تكن هذه الأجواء غريبة على الدكتورة "ليال"، فقد قضت سنوات عمرها الأخيرة بين هذه الجدران كواحدة من ألمع الجراحين الشبان، تنقذ الأرواح وتواجه الموت بقلب ثابث وعينين لا تعرفان الخوف. لكن اليوم، لم تكن ليال ترتدي معطفها الأبيض؛ كانت تقف في ممر قسم الأورام والتحاليل الدقيقة، تشدّ بحزام حقيبتها الجلدية الرفيعة بيدها التي بدأت ترتجف للمرة الأولى في حياتها. وجهها الشاحب، وعيناها اللامعتان اللتان انطفأ بريقهما فجأة، كانا يعكسان ثقل الورقة البيضاء التي تقبض عليها أصابعها.تقرير الخزعة كان واضحاً، قاطعاً، ولا يحمل أي مجال للشك: "ورم خبيث ونادر في مراحله المتقدمة".تنحنح الطبيب الجالس خلف المكتب الفخم، وهو زميل دراستها القديم الذي صُدم بالنتيجة بقدر صدمتها، وقال بنبرة حاول جعلها تبدو متماسكة:— "يا ليال.. كطبيبة، أنتِ تعلمين أننا لا نؤمن بالمعجزات بل بالحقائق العلمية. إذا نجحت الجراحة العاجلة، وفترات العلاج الكيميائي المكثف، فإن معدل البقاء على قيد الحياة قد يتراوح بين خمس عشرة إ
last updateآخر تحديث : 2026-06-20
اقرأ المزيد
الفصل الثاني: شرخ في جدار الزجاج
لم تنم ليال تلك الليلة؛ بل قضتها في مراقبة عقارب الساعة وهي تتحرك ببطء قاتل، كأنها عداد تنازلي لما تبقى من حياتها القديمة. في تمام الساعة الثامنة صباحاً، كانت تقف أمام مرآتها، تتأمل وجهها الشاحب الذي رسمت عليه مساحيق التجميل ملامح زائفة من القوة. ارتدت معطفاً أسود طويلًا، يماثل السواد الذي يغلف قلبها، وخرجت متجهة نحو مكتب السجل المدني.كان الجو عاصفاً، وبقايا مطر الليلة الماضية ما زالت تكسو الطرقات ببريق زجاجي منكسر. عندما وصلت، وجدته بانتظارها داخل سيارته الفارهة. ترجل فارس بخطوات واثقة، تملأه هيبة الغرور والسيطرة التي يفرضها على كل مكان يطأه. دخلا الصالة دون أن ينبسا ببنت شفة، وعيناه تلاحق حركاتها الهادئة بشك لم يستطع إخفاءه.جلس الطرفان أمام الموظف المختص، ووضعت الأوراق التي تم تجهيزها لإنهاء هذا العقد الذي دام ثلاث سنوات. حين أمسك فارس بالقلم ليوقع، تردد لثانية واحدة، ونظر إليها ببرود قائلاً:— "ما زال بإمكانكِ التراجع، ليال. التوقيع هنا يعني أنكِ تخرجين من حصن السيوفي إلى العراء.. وعائلتكِ الآن لا تملك حتى ثمن كفن شقيقكِ."لم تهتز شعرة واحدة في رأسها، بل نظرت إلى القلم بجمود وقال
last updateآخر تحديث : 2026-06-20
اقرأ المزيد
الفصل الثالث: لعبة الخضوع الظاهري
الجلوس في جوف الهزيمة يتطلب شجاعة أشد فتكاً من شجاعة المواجهة العنيفة. كانت ليال تدرك هذه الحقيقة وهي تقف وسط بهو مستشفى الطوارئ البارد، تستمع إلى صدى كلمات المحامي التي جردتها من كل ملاذ آمن. تلمست العقد الماسي الرفيع حول عنقها، ثم نظرت إلى الباب الزجاجي حيث يرقد جسد والدها المعلق بأنشوطة الأجهزة الاصطناعية. إن الموت يطرق بابها من الداخل عبر الورم الذي يتسلل في أحشائها، ومن الخارج عبر خسارة كل من تحب. لكن، بدلاً من الجري نحو الهاوية لإنهاء الألم، قررت ليال خوض اللعبة بذكاء الجراح؛ حيث الهدوء التام هو الكفيل بإنجاح أعتى العمليات الخطرة.أخرجت هاتفها واتصلت بالمحامي، وجاء صوتها عبر الخط خالياً من أي نبرة انكسار:— "استمع إليّ جيداً.. لن نخلي المنزل، ولن نترك الشيكات تمر للنيابة. غداً صباحاً، ستقوم بتحويل مبلغ خمسة ملايين جنيه من حساب التعويض الذي تركه فارس إلى البنك لتسوية القضية العاجلة، والخمسة ملايين الأخرى ستوضع كوديعة طبية لتغطية مصاريف العناية المركزة الخاصة بأبي بالكامل."— "ولكن يا دكتورة.. هكذا ستصبحين بلا أي سيولة نقدية! لن تملكي شيئاً لنفسكِ!"— "أنا لا أحتاج المال الآن.. أن
last updateآخر تحديث : 2026-06-20
اقرأ المزيد
الفصل الرابع: حافة الهاوية
الزمن في حضرة الموت لا يُقاس بالدقائق، بل بالأنفاس المعدودة التي تخرج من صدرٍ مثقل بالهموم. كانت ليال تشعر بالورم النادر يتسلل في أحشائها كأفعى صامتة، يرسل وخزات ألم حادة في جوف ليلها، لكنها كانت تبتلع الآهة تلو الأخرى ببرود جراحي اعتادت عليه. لم يكن جسدها وحده ما يتعرض للضغط؛ فالأيام الماضية تحولت إلى جحيم مستعر مدفوع برغبة فارس السادية في رؤيتها منكسرة، مستجدية، أو حتى صارخة في وجهه. كان يتعمد إذلالها بكل الطرق الممكنة؛ تارة يدعو "صافي" إلى الفيلا لتجلس في صدر الصالة وتملي على ليال أوامرها بوقاحة، وتارة أخرى يتعمد ملاحقتها بنفوذه ليمنع أي مستشفى خاص من مجرد النظر في سيرتها الذاتية.في صباح أحد الأيام، ألقى فارس بملف وثائق هندسية أمامها على طاولة الإفطار، وقال بنبرة تقطر استعلاءً:— "هذه هي عقود الاستحواذ النهائية على سلسلة مخازن عائلتكِ المنهارة. ستقومين بنقلها إلى اسم شركتي بصفتكِ الوصية القانونية على والدكِ الغائب عن الوعي. وقعي هنا.. ودون نقاش."نظرت ليال إلى الأوراق، ثم رفعت عينيها الجليديتين إليه، وقالت بصوت هادئ لم يهتز:— "وإذا لم أوقع يا سيد فارس؟"ارتسمت على شفتيه ابتسامة و
last updateآخر تحديث : 2026-06-20
اقرأ المزيد
الفصل الخامس: ولادة من رحم الموت
في اللحظة التي تلت ارتطام جسد ليال بالفراغ، ساد صمتٌ مرعب لم تقطعه سوى زمجرة الأمواج العاتية التي ابتلعت كل شيء في جوفها المظلم. الغرق في عتمة البحر يشبه تماماً الغرق في تفاصيل الخيانة؛ كلاهما يسحب الروح ببطء حتى ينقطع آخر خيط من أنفاس الحياة. تسللت المياه الباردة إلى أعماق جسدها الشاحب، لتخمد وخزات الألم الحارق الذي نهش أحشاءها طوال الأسابيع الماضية، وكأن البحر قرر أن يكون الملاذ الأكثر رحمة بها من جحيم قفص فارس السيوفي.على حافة الصخرة السوداء، ظل محرك سيارتها يعمل بانتظام رتيب، ومصابيحها الأمامية تخترق عتمة العاصفة وتسلط ضوءها نحو الفراغ، كأنها شاهد صامت على المأساة. وبجوار الحافة تماماً، كان شريط الإضاءة الخاص بهاتفها يلمع وسط قطرات المطر الشديدة، معلناً عن وصول الرسالة التي هزت أركان الطرف الآخر من المدينة.في ذات الوقت، كان فارس يجلس في بهو فيلته الفخمة، ممسكاً بقدح من القهوة السوداء لعلها تبدد أثر الخمر والغضب اللذين يغليان في عروقه. كانت كلمات ليال الأخيرة تتردد في أذنيه كصوت مطرقة تضرب كبرياءه؛ "أنت رجل مهزوم وضعيف". لم يتجرأ أحد طوال حياته على مواجهته بهذا العري، ولم تستطع ا
last updateآخر تحديث : 2026-06-20
اقرأ المزيد
الفصل السادس: هبوط العنقاء
كانت السحب الرمادية المتكاثفة فوق أجواء القاهرة تنبئ بعاصفة شتوية وشيكة، تحاكي في قتامتها تلك العاصفة القديمة التي شهدت نهاية "ليال". وفي عمق ذلك الفضاء الممتد، كانت الطائرة الخاصة الفخمة، التي تحمل شعار "مجموعة ماسة الطبية والاستثمارية العالمية" محفوراً بالذهب الخالص على هيكلها العاجي، تشق عباب السماء بانتظام ومهابة كأنها طائر عنقاء يرفض السقوط. في مقصورة القيادة الخلفية، حيث يمتزج عبير الجلود الفاخرة برائحة خشب الصندل النادر، كانت تجلس امرأة تفيض بالوقار والغموض. لم تكن هذه المرأة تشبه "ليال" الطبيبة المسالمة ذات النظرات الطيبة والانكسار المرير؛ لقد ماتت تلك الضحية المستسلمة في جوف العاصفة وعند صخور البحر المظلمة. المرأة الجالسة الآن هي "الدكتورة ماسة الهواري"، أيقونة الطب والاستثمار في أوربا، التي ولدت من رحم الموت لتسترد ما سُلب منها بدم بارد. تأملت ماسة انعكاس وجهها في النافذة الزجاجية للطائرة. ملامحها تغيرت بذكاء؛ شعرها الكستنائي الداكن صُفّف بقصة قصيرة وحادة تحدد فكها المرفوع بكبرياء، وعيناها اللامعتان اللتان ذرفتا دماءً في الماضي، أصبحتا الآن واحتين من الجليد الأسو
last updateآخر تحديث : 2026-06-26
اقرأ المزيد
الفصل السابع: زنزانة في قصر العز
في قاعة الاجتماعات الكبرى لشركة "السيوفي للمقاولات والهندسة"، كان الصمت الثقيل يطبق على الأنفاس، صمتٌ أشبه بذاك الذي يسبق صدور حكم الإعدام. كانت الجدران الزجاجية الشاهقة تطل على أفق القاهرة المغلف بالضباب، بينما انعكست ظلال الكراسي الجلدية الفخمة على الطاولة الخشبية الطويلة التي شهدت فيما مضى صفقات بملايين الدولارات. اليوم، تبدل كل شيء. الجلال القديم بات باهتاً، والعرش الذي بناه "فارس السيوفي" على مدار سنوات من الغطرسة والنفوذ كان يتهاوى تحت وطأة الديون، والقضايا، والضربات المتلاحقة الخفية التي لم يعرف مصدرها بعد. جلس فارس في صدر الطاولة، لكن لم يكن هو ذاك الرجل المتغطرس الذي يرعب بنظراته أعتى رجال الأعمال. كان يجلس منكسراً، منحنياً بقامته الفارهة بعض الشيء، وعيناه السوداوان الغائرتان تحيطان بهما هالات سوداء عميقة، تحكي قصة عامين من الأرق الجسدي والنفسي، عامين قضاهما مهووساً بذكرى امرأة ألقيت في جوف البحر. كان يمسك بقلم مذهب بين أصابعه، يقلبه بتوتر، بينما كان الوفد الاستثماري وممثلو البنوك الدائنة يحيطون به كنقوش باردة، يملون عليه شروط تصفية أملاكه المتبقية. — "س
last updateآخر تحديث : 2026-06-26
اقرأ المزيد
الفصل الثامن: شباك الغواية المحرمة
في الصباح التالي، كان جناح الإدارة الجديد في برج "ماسة الاستثماري" يعبق بنفحات من الفخامة الحداثية؛ جدران من الرخام الأسود المصقول تتداخل مع واجهات زجاجية ممتدة تكشف عن قاهرة غارقة في ضباب رمادي كأنه يغسل أدران الماضي. في هذا الفضاء النقي والبارد، كانت الدكتورة ماسة الهواري (ليال) تجلس خلف مكتبها المصنوع من الأبنوس الداكن، تتأمل في ملفات تصفية الحساب، بينما كان فارس السيوفي يقف على بعد خطوات، هائماً في فلكها، ممزقاً بين كبريائه الجريح وهوسه المتعاظم الذي يكاد يفتك بعقله.كان فارس يحمل في يده النسخة المعدلة من عقد الشراكة، وجسده الفارع يرتعش تحت تأثير الصراع النفسي الرهيب؛ كان يحاول التمسك بآخر شظايا رجولته ونفوذه، يبحث في بنود العقد عن مخرج، عن ثغرة تمنحه حق الاعتراض، لكن الشروط كانت موضوعة بدقة جراحية لا تترك مجالاً للمناورة. كانت تفاصيل الصفقة تجرده من حق التوقيع المنفرد، وتجبره على تقديم كشوفات دورية عن كل مليم يدخل أو يخرج من حساباته الشخصية، بل وتخضع قراراته الهندسية لموافقتها الطبية والاستثمارية المسبقة.— "هذا العقد ليس شراكة، يا دكتورة ماسة.. هذا صك استعباد علني!" قا
last updateآخر تحديث : 2026-06-27
اقرأ المزيد
الفصل التاسع: باقة من الرماد الأسود
في المساء، كان المطعم الفرنسي الفاخر الواقع في الطابق الأخير من أحد فنادق العاصمة الشاهقة يطفو فوق بحر من أضواء المدينة المتلألئة تحت عباءة الليل. الأجواء بالداخل كانت مفعمة بنوع من الفخامة المخملية؛ الموسيقى الكلاسيكية الهادئة تنساب بوقار بين الموائد، وإضاءة الشموع الخافتة ترسم ظلالاً دافئة ومبهمة على الجدران الخشبية الداكنة. كان هذا العشاء عملاً رسمياً ضم كبار المستثمرين والمستشارين القانونيين لتثبيت أركان الشراكة الجديدة، لكن بالنسبة لفارس السيوفي، تحولت المأدبة إلى ساحة تعذيب نفسي مشحونة بأعلى درجات التوتر والشد والجذب العاطفي.كانت تجلس أمامه مباشرة، تفصل بينهما طاولة مغطاة بمفرش حريري أبيض، تزدان بكؤوس الكريستال وأواني الفضة. كانت الدكتورة ماسة الهواري (ليال) تبدو كأيقونة من السحر الغامض؛ ترتدي فستاناً من الحرير القرمزي الداكن العاري الكتفين، يبرز عنقها العاجي الطويل، وتتدلى من أذنيها أقراط ماسية صغيرة تلمع مع كل حركة هادئة من رأسها. لم تكن تشاركه الحوار؛ بل كانت تدير النقاش مع المستثمرين الأجانب ببراعة ودبلوماسية بلغة إنجليزية متقنة، ونبرة صوتها المخملية الناعمة تسري في ج
last updateآخر تحديث : 2026-06-27
اقرأ المزيد
الفصل العاشر: شروط قاسية
كان الجو داخل المقر الجديد لـ"مجموعة ماسة الاستثمارية" يوحي بسطوة تتجاوز حدود المال؛ جدران شاهقة من الرخام الإيطالي الأسود العاكس تتمازج مع ألواح زجاجية مصقولة تفصل بين المكاتب ببرود مطبق. في هذا الفضاء الشاهق الذي يشرف على امتداد النيل الغارق في سديم الشتاء، كانت الدكتورة ماسة الهواري (ليال) تقف خلف مكتبها الفخم، متدثرة بمعطف مخملي بلون القرمزي القاتم، وعيناها الجليديتان تراقبان أوراق الضغط المالي الأخيرة. وعلى بُعد خطوات، كان فارس السيوفي يقف بجسده الفارع الذي بدا متوتراً كقوس مشدود، يطالع القرار الإداري الجديد الذي ألقته أمامه كحكم قضائي لا رجعة فيه. كان الشرط الجديد الذي فرضته ماسة يمثل قمة المحاصرة النفسية والإذلال الممنهج؛ إذ لم تكتفِ بالاستحواذ على أصوله وتجريده من صلاحياته التنفيذية، بل اشترطت نقل مكتبه الخاص فوراً ليكون ملاصقاً لمكتبها تماماً، يفصل بينهما حائط زجاجي شفاف ومتحرك بلمسة زر واحدة. كانت تريد إدخاله إلى قفصها الذهبي، لتبقيه تحت مجهر مراقبتها الدقيقة، تدرس انفعالاته، وتراقب وهنه، وتستمتع بتآكل كبريائه يوماً بعد يوم. — "نقل مكتبي إلى هنا؟ أن أكو
last updateآخر تحديث : 2026-06-28
اقرأ المزيد
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status