تسجيل الدخولالفصل الخامس عشر: المدخل السفلي
لم يكن أمام كريم سوى ثوانٍ قليلة لاتخاذ قراره. في الخارج كانت أصوات الرجال تقترب بسرعة، وصدى خطواتهم يتردد في الممر الطويل للطابق العلوي. كان يعرف أن أي تردد الآن قد يكلفه كل شيء. منذ وصوله إلى هذه المدينة الغامضة وهو يطارد خيطًا يقوده إلى خيط آخر، لكن لأول مرة شعر أن الحقيقة أصبحت قريبة إلى هذه الدرجة. نظر نحو خزانة الكتب مرة أخرى. كان الفراغ الصغير خلفها واضحًا الآن. اندفع إليها بكل قوته. تحركت الخزانة ببطء، ثم انزلقت إلى الجانب كاشفة عن باب خشبي ضيق مخفي داخل الجدار. في اللحظة نفسها سمع صوت أحد الرجال يقول من خارج الغرفة: ـ افتحوا كل شيء... لا يمكن أن يكون بعيدًا. شعر كريم بأن نبضات قلبه تكاد تخرج من صدره. أدار المقبض بسرعة. انفتح الباب بصعوبة. دخل إلى الداخل وأغلقه خلفه بحذر شديد. ثم أسند ظهره إلى الجدار محاولًا التقاط أنفاسه. بعد ثوانٍ فقط دوى صوت الباب الرئيسي للغرفة وهو يُفتح بعنف. أحد الرجال وصل. حبس كريم أنفاسه تمامًا. لم يتحرك. لم يصدر أي صوت. وظل واقفًا في الظلام بينما الرجال يفتشون الغرفة خلف الجدار مباشرة. مرت دقيقة كاملة بدت له كأنها ساعة. ثم بدأت الأصوات تبتعد تدريجيًا. عندها فقط أخرج هاتفه وأضاء المصباح. وجد نفسه داخل ممر حجري ضيق يمتد إلى الأسفل. كانت الجدران مغطاة بالرطوبة والعفن. وقطرات الماء تتساقط من السقف بين الحين والآخر. الهواء بارد بشكل غير طبيعي. كأن المكان لم تدخله أشعة الشمس منذ عشرات السنين. بدأ يتقدم ببطء. كل خطوة كانت تثير داخله خليطًا من الخوف والفضول. أثناء سيره تذكر أول يوم وصل فيه إلى المدينة. كان كل شيء حينها يبدو بسيطًا. مجرد فتاة اختفت منذ سنوات. لكن الآن أصبح يقف وسط شبكة ضخمة من الأسرار. نور. يوسف. الأطفال المختفون. مركز المنارة. والآن المنزل رقم 17. كلها أجزاء من صورة واحدة ما زالت غير مكتملة. بعد عدة أمتار وصل إلى درج حجري قديم. أضاء هاتفه إلى الأسفل. لم يستطع رؤية النهاية. تنهد ببطء. ثم بدأ النزول. كانت الدرجات متآكلة وكأن آلاف الأشخاص مروا من هنا عبر السنين. ومع كل درجة كان شعوره يزداد غرابة. كأن المكان يحمل ذاكرة خاصة به. عندما وصل إلى الأسفل توقف فجأة. اتسعت عيناه من الدهشة. أمامه ظهرت قاعة ضخمة تحت الأرض. أكبر بكثير مما توقع. بل أكبر مما يسمح به حجم المنزل من الخارج. كانت القاعة أشبه بمركز عمليات سري. طاولات طويلة. خزائن معدنية. رفوف مليئة بالملفات. وأجهزة قديمة موزعة في عدة أماكن. اقترب بحذر. ومع كل خطوة كان الغبار يتطاير حوله. توجه أولًا إلى إحدى الطاولات. وجد فوقها عشرات الأوراق المتناثرة. أخذ يقلبها بسرعة. كانت تقارير قديمة. أسماء. أرقام. تواريخ. وملاحظات مكتوبة بخط اليد. لكن شيئًا واحدًا تكرر أكثر من غيره. الرقم 17. كان موجودًا في معظم الصفحات. أحيانًا كعنوان. وأحيانًا كرمز. وأحيانًا داخل ملاحظات قصيرة. شعر بأن هذا الرقم يحمل معنى أكبر بكثير من مجرد عنوان منزل. ثم لفت انتباهه الجدار المقابل. اقترب منه ببطء. وما إن وصل حتى شعر بصدمة حقيقية. الجدار بالكامل كان مغطى بالصور. مئات الصور. أطفال. مراهقون. موظفون. وأشخاص مجهولو الهوية. بين الصور خطوط حمراء تربط الأسماء ببعضها. تمامًا كما يفعل المحققون في القضايا المعقدة. بدأ يقرأ الأسماء. ثم توقف عند اسم يعرفه جيدًا. نور. كانت صورتها في المنتصف تقريبًا. ومن حولها عشرات الخطوط التي تصلها بأسماء أخرى. بينها اسم يوسف. وشخصيات لم يسمع بها من قبل. شعر بقشعريرة تسري في جسده. نور لم تكن مجرد فتاة اختفت. كانت جزءًا أساسيًا من هذا اللغز. بل ربما كانت أقرب شخص للحقيقة. وبينما يتفحص الصور لاحظ وجود ملف أسود موضوع بعناية فوق إحدى الطاولات. اقترب منه. فتح الغلاف ببطء. وفي الصفحة الأولى قرأ عنوانًا مكتوبًا بخط واضح: "المشروع 17" ارتجفت يداه قليلًا. بدأ يقلب الصفحات. وجد إشارات إلى عمليات نقل غامضة. وتقارير عن أطفال تم تسجيلهم ثم اختفت بياناتهم لاحقًا. وصفحات كاملة أزيلت أو مُزقت عمدًا. شعر بالغضب. كان واضحًا أن شخصًا حاول إخفاء الأدلة. لكن آثار الحقيقة ما زالت موجودة. وفجأة سمع صوتًا خافتًا قادمًا من الأعلى. رفع رأسه بسرعة. كان صوت ارتطام بعيد. الرجال ما زالوا يبحثون عنه. وربما وجدوا المدخل السري بالفعل. أغلق الملف بسرعة. وأكمل استكشاف المكان. في نهاية القاعة وجد بابًا معدنيًا ثقيلًا. اقترب منه. بدا مختلفًا عن كل شيء حوله. أحدث. وأكثر استخدامًا. كأن شخصًا ما دخل منه قبل فترة ليست بعيدة. لاحظ لوحة إلكترونية صغيرة بجواره. ضغط عليها. أضاءت الشاشة الضعيفة. ظهرت أرقام باهتة. 17-09 تأملها للحظات. ثم تذكر الساعة القديمة في الطابق العلوي. التاسعة وثلاث عشرة دقيقة. أدخل الرقم. انتظر ثانية. ثم سمع صوت نقرة معدنية. بدأ الباب ينفتح ببطء. تسارعت أنفاسه. دخل بحذر. وجد ممرًا قصيرًا يقوده إلى غرفة أخرى. لكن هذه الغرفة كانت مختلفة تمامًا. لا غبار. لا رطوبة. ولا آثار إهمال. كأنها استُخدمت مؤخرًا. في وسطها مكتب كبير. وفوقه حاسوب محمول قديم. وأقراص تخزين متعددة. وكاميرا فيديو. وبعض الأوراق المرتبة بعناية. اقترب من الحاسوب. ضغط زر التشغيل. مرت لحظات قبل أن تضيء الشاشة. ظهرت نافذة تطلب كلمة مرور. شعر بالإحباط. لكنه لاحظ ورقة صغيرة ملصقة أسفل الجهاز. رفعها. وجد كلمة واحدة: "البداية" كتبها. وفجأة انفتح النظام. شعر بصدمة ممزوجة بالحماس. بدأ يتنقل بين الملفات بسرعة. وجد آلاف الوثائق. وتسجيلات صوتية. وصورًا. وتقارير. ثم ظهر أمامه مجلد يحمل اسم نور. تردد. ثم ضغط عليه. ظهرت عشرات الملفات. كانت نور تجمع المعلومات منذ سنوات. صور. ملاحظات. خرائط. وتسجيلات سرية. شعر بإعجاب حقيقي. لقد كانت أقرب للحقيقة مما تخيل. ثم وجد ملف فيديو بعنوان: "إذا وصلت إلى هنا" ضغط عليه. بعد لحظات ظهرت صورة نور على الشاشة. كانت تجلس أمام الكاميرا. وجهها شاحب. وعيناها مرهقتان. لكن نظرتها كانت قوية. قالت بهدوء: "إذا كنت تشاهد هذا الفيديو... فهذا يعني أن الأمور لم تسر كما خططت." توقف كريم عن الحركة تمامًا. واصل الاستماع. تحدثت نور عن الخوف. وعن الأشخاص الذين كانوا يراقبونها. وعن اكتشافها لأشياء لم يكن يجب أن تعرفها. ثم قالت جملة جعلت قلبه يخفق بقوة: "ليس كل من تظنه عدوًا هو عدو بالفعل." تذكر يوسف فورًا. ثم تابعت: "هناك شخص ما داخل المنظومة كان يحاول مساعدتي." لكنها لم تذكر اسمه. وفجأة انقطع الفيديو للحظة. ثم عاد. بدت نور أكثر توترًا. قالت: "إذا وصلت إلى الملف الأخير فستفهم لماذا حدث كل شيء." وقبل أن تكمل سمع كريم صوتًا جديدًا. صوت باب معدني يُفتح في مكان قريب. انتفض من مكانه. أوقف الفيديو فورًا. أنصت جيدًا. هذه المرة لم يكن يتخيل. هناك أشخاص بالفعل في الممر الخارجي. بدأت الخطوات تقترب. ثم سمع صوت الرجل الغامض الذي قابله سابقًا. قال ببرود: ـ لقد وصل إلى الغرفة. ورد آخر: ـ هل حصل على الملفات؟ قال الرجل: ـ لا يهم... المهم ألا يرى الملف الأخير. تجمد كريم مكانه. الملف الأخير؟ نظر بسرعة إلى شاشة الحاسوب. وبدأ يبحث بين المجلدات. بعد ثوانٍ اكتشف مجلدًا مخفيًا. فتحَه. وجد ملفًا واحدًا فقط. دون اسم. دون عنوان. دون أي معلومات. ضغط عليه. ظهرت صورة على الشاشة. وفي اللحظة نفسها شعر بأن الأرض تهتز تحت قدميه. كانت الصورة له هو. كريم. التقطت أمام الفندق. انتقل إلى الصورة التالية. كانت له داخل المكتبة. ثم أمام مركز المنارة. ثم في الزقاق. ثم أمام المنزل رقم 17. شعر ببرودة تسري في جسده. كان مراقبًا منذ البداية. كل خطوة. كل حركة. كل مكان ذهب إليه. ثم ظهر ملف جديد يحمل اسمه فقط: "كريم" اقتربت الخطوات أكثر من الباب. وأصبح صوت الرجال واضحًا للغاية. أما كريم... فمد يده نحو الملف. وهو يدرك أن ما سيقرأه خلال اللحظات القادمة قد يغير كل ما يعرفه عن نفسه. نهاية الفصل الخامس عشر.الفصل الأربعون: صدمة الحقيقةالصمت الذي أعقب كلمات الرجل كان أشد قسوة من أي انفجار.كأن الزمن نفسه توقف للحظة.نور وقفت مكانها بلا حركة.عيناها متسعتان بشكل مرعب.أنفاسها متقطعة.وقلبها يرفض تصديق ما سمعه للتو."ليلى اتقتلت."الجملة كانت تتردد داخل رأسها مرارًا.كأنها سكين تعيد تمزيق جرح قديم لم يلتئم يومًا.هزت رأسها بعنف.ـ كداب...خرج صوتها ضعيفًا.مرتعشًا.ـ مستحيل...الرجل نظر إليها بحزن واضح.لكن قبل أن يتحدث...انطلق شعاع ضوئي حاد من السلاح الذي ظهر خلفه.صرخ كريم فورًا:ـ حاسب!اندفع دون تفكير.وأمسك الرجل من ذراعه بقوة.ثم جذبه بعيدًا في اللحظة الأخيرة.مر الشعاع بجوارهم مباشرة.واصطدم بالأرض.فانفجرت مساحة كاملة من الضوء.واهتز المكان بعنف.تراجع الجميع.بينما ظهر صاحب السلاح أخيرًا.رجل طويل.يرتدي معطفًا أسود.ووجهه مخفي خلف قناع معدني غريب.لكن الغريب لم يكن شكله.بل شعور الرعب الذي انتشر فور ظهوره.حتى الرجل الغامض بدا متوترًا.قال عادل:ـ مين ده؟لم يرد أحد.لكن الرجل المقنع تحدث بنفسه.وصوته خرج باردًا بشكل مرعب.ـ كان المفروض تفضل الحقيقة مدفونة.تجمدت نور.أما الرجل
الكتابةالفصل التاسع والثلاثون: الحقيقة التي هربتتجمد الجميع في أماكنهم.الرجل الغامض كان يقف أمامهم بالفعل.لكن هذه المرة لم يكن وحده.خلفه وقف شخص آخر.شخص غطت الظلال معظم ملامحه.لكن وجوده وحده كان كافيًا ليجعل الهواء من حولهم يبدو أثقل.نور كانت أول من تكلم.ـ إنت...ـ رجعت تاني ليه؟ابتسم الرجل الغامض ابتسامة باهتة.وكأنه كان يتوقع السؤال.ثم قال بهدوء:ـ لأن الوقت انتهى.عادل عقد حاجبيه.ـ وقت إيه؟لكن الرجل لم ينظر إليه.كانت عيناه مثبتتين على نور فقط.ـ وقت الهروب من الحقيقة.شعرت نور بانقباض غريب في صدرها.وكأن كلمات الرجل أصابت جرحًا قديمًا بداخلها.أما كريم فاقترب خطوة منها بشكل تلقائي.وقف بجانبها.قريبًا بما يكفي ليشعرها أنها ليست وحدها.لاحظ الرجل ذلك.وابتسم مرة أخرى.ـ واضح إن الرابط بينكم بقى أقوى من المتوقع.رد كريم بحدة:ـ ابعد عن الموضوع ده.ـ وقول عاوز إيه.ساد الصمت للحظات.ثم رفع الرجل يده.فانفتحت أمامهم صور ضوئية متتالية.مشاهد من الماضي.مشاهد لم يروها من قبل.ظهرت فتاة صغيرة تركض داخل ممر طويل.تبكي.وتصرخ باسم شخص ما.تجمدت نور.لأن الفتاة كانت هي.نسخة أص
الكتابةالفصل الثامن والثلاثون: الذكرى التي لم تمتساد الصمت بعد اختفاء الكيان.لكن الصمت هذه المرة لم يكن بسبب الخوف.بل بسبب ذلك الصوت.ذلك الصوت الذي خرج من الباب الغريب.صوت فتاة تعرفه نور جيدًا.جيدًا لدرجة أن قلبها توقف للحظة.وقفت مكانها دون حركة.وعيناها متسعتان بصدمة واضحة.لاحظ كريم ارتجاف يديها.فنظر إليها بقلق.ـ نور؟لم تجبه.كانت تنظر إلى الباب وكأنها ترى شبحًا من الماضي.تكرر الصوت مرة أخرى.ـ نور...تعالي.أغمضت نور عينيها بقوة.وكأنها تحاول التأكد أن ما تسمعه ليس وهمًا.لكن الصوت عاد للمرة الثالثة.أكثر وضوحًا.وأكثر قربًا.شعرت بدمعة ساخنة تهرب من عينها.همس عادل:ـ إنتِ تعرفي صاحبة الصوت؟تنفست بصعوبة.ثم قالت بصوت مبحوح:ـ مستحيل...ـ مستحيل تكون هي.نظر إليها كريم باستغراب.لكنه لم يضغط عليها.كان يرى الألم في عينيها.ويرى الذكريات القديمة وهي تعود دفعة واحدة.فقط اقترب منها خطوة.وقال بهدوء:ـ لو مش عايزة تدخلي... محدش هيجبرك.التفتت إليه.وفي تلك اللحظة شعرت بشيء غريب.رغم كل الفوضى.ورغم كل ما مروا به.كان كريم دائمًا أول شخص يفكر في راحتها قبل أي شيء آخر.ابتس
الفصل السابع والثلاثون: الرابط الأخيرساد الصمت.لكن هذه المرة لم يكن صمتًا مخيفًا كما اعتادوا.كان صمتًا ثقيلًا، يحمل بين طياته شيئًا أشبه بالحزن.الخيوط الضوئية التي كانت تربط الجميع ببعضهم بدأت تهتز بعنف.مرة تضيء.ومرة تخفت.وكأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة.كريم كان واقفًا في مكانه، ينظر إلى نور.لأول مرة منذ وقت طويل لم يكن يفكر في الطبقات أو الأنظمة أو الاختبارات.كل ما كان يفكر فيه هو شيء واحد.ماذا لو اختفت نور؟الفكرة وحدها جعلت قلبه ينقبض.أما نور فكانت تنظر إلى الخيوط المرتبطة بها وكأنها ترى شيئًا لا يراه أحد.قالت بصوت خافت:ـ هما بيمسحوا الروابط.عادل التفت إليها بسرعة.ـ يعني إيه؟أغمضت عينيها للحظة ثم قالت:ـ يعني الذكريات اللي خلتنا نثق في بعض.ـ اللحظات اللي قربتنا من بعض.ـ كل حاجة.شعر كريم ببرودة تسري في جسده.نظر إليها مباشرة.ـ مستحيل.ابتسمت نور ابتسامة حزينة.ـ واضح إنهم شايفين إن المشاعر مشكلة.ساد الصمت مجددًا.ثم دوى صوت النظام من كل الاتجاهات:ـ تبقى ثلاثون ثانية على تثبيت العلاقة الأساسية.ـ في حالة الفشل سيتم إنهاء الطبقة.ارتجفت الأرض تحت أقدامهم.لكن كريم ل
الفصلل السادس وثلاثون اختبار العلاقات الطبقة الشفافة لم تكن جدارًا. ولا بابًا. كانت أقرب إلى “حالة إدراك جديدة” تُفرض عليهم دون استئذان. كريم شعر أنه لا يدخل مكانًا… بل يدخل طريقة جديدة لفهم الوجود. كل شيء حوله أصبح واضحًا بشكل مزعج. ليس لأنه بسيط… بل لأنه متعدد الطبقات بشكل لا يُحتمل. نور كانت تقف أمامه، لكن وجودها لم يكن واحدًا. كان هناك أكثر من “نور” يتراكبون فوق بعضهم البعض: واحدة تنظر إليه بثقة. واحدة تراقبه بحذر. واحدة تبدو وكأنها لا تثق في أي شيء أصلًا. وأخرى صامتة تمامًا، وكأنها ترى شيئًا لا يراه أحد. عادل أيضًا لم يكن ثابتًا. بل يتغير حسب زاوية النظر. مرة يبدو كأنه مرشد. ومرة كأنه مراقب. ومرة كأنه غريب تمامًا عن كل ما يحدث. النسخ داخل كريم لم تعد تتحرك بشكل منفصل. بل أصبحت “تتنفس معًا”. لكن هذا لم يكن مريحًا. كان أشبه بفوضى منظمة. ثم جاء الصوت. لكن هذه المرة… لم يكن صوتًا واحدًا. بل شبكة أصوات متداخلة. قال: ـ “المرحلة التالية: اختبار العلاقات بين التفرعات.” تجمد الجميع. كريم رفع رأسه: ـ علاقات إيه؟ جاء الرد: ـ
الفصل الخامس والثلاثون: قلب الاحتمالاتالضوء ابتلعهم بالكامل.لكن لم يكن اختفاءً عادياً.كان إحساسًا أشبه بأن الواقع نفسه تم طيه مثل ورقة.كريم لم يعد يشعر بجسده.ولا بصوته.ولا حتى بفكرة ثابتة عن نفسه.ثم فجأة…بدأ كل شيء يعود تدريجيًا.صوت أولًا.ثم إحساس خفيف بالأرض.ثم رؤية مشوشة.فتح عينيه.كان في مكان مختلف تمامًا.ليس أبيض.ولا مظلم.بل شيء بين الاثنين.فضاء رمادي لا نهاية له.لكن ليس فارغًا.كان مليئًا بخيوط ضوئية تتحرك مثل أعصاب ضخمة في الهواء.كأن المكان نفسه “يفكر”.نهض ببطء.ـ أنا فين؟لا رد.لكن هذه المرة لم يكن وحده.ظهر عادل على بعد خطوات، ينهض بصعوبة.ثم نور.ثم النسخة الأخرى من كريم.لكنهم لم يكونوا قريبين من بعض كما كانوا.كان كل واحد في “نقطة” مختلفة قليلًا داخل نفس الفضاء.كأن المسافات بينهم لا تخضع لقانون واحد.قالت نور بصوت متوتر:ـ ده قلب الاحتمالات…لكن صوتها كان يتقطع.كأن المكان يعيد تشكيل الكلمات نفسها.ردت النسخة الأخرى:ـ لأ…ـ ده مش مكان واحد حتى.ـ ده حالة وجود.اقترب كريم خطوة.لكن المسافة لم تتغير.ظل في مكانه تقريبًا.تجمد.ـ إيه اللي بيحصل؟فجأة…ظهر
الفصل الثالث والثلاثون: الاختيار المزدوجالوقت لم يعد مفهومًا ثابتًا.كان يتكسر حولهم مثل زجاج غير مرئي.كريم يقف أمام البابين.يمين… وشمال.كل باب يلمع بشكل مختلف.كأن كل واحد منهم يقوده إلى نسخة مختلفة من الحقيقة.النسخة الأخرى من كريم كانت واقفة بجانبه مباشرة.تراقب البابين بصمت.نور خلفهم، وجهه
الفصل الثاني والثلاثون: بين طبقتين من الوجودالظلام لم يكن ظلامًا حقيقيًا.كان أقرب إلى فراغ بلا تعريف.كريم شعر وكأن جسده يطفو، لا يسقط ولا يستقر، وكأن الجاذبية نفسها فقدت قرارها.الصوت الوحيد الذي كان يسمعه هو أنفاسه… وأنفاس شخص آخر قريب جدًا منه.فتح عينيه ببطء.لم يكن هناك أرض واضحة.ولا سقف.و
الفصل الحادي والثلاثون: المكان الذي لا يكتملالصمت كان مطبقًا.كريم فتح عينيه ببطء.لم يعد هناك صوت إنذار.لا شاشات.لا جدران.ولا حتى إحساس بالمكان الذي كان فيه منذ لحظات.كل شيء أبيض.لكن ليس بياضًا طبيعيًا.كان بياضًا بلا عمق.كأن الفراغ نفسه له لون.تحرك خطوة إلى الأمام.لم يشعر بأي أرض تحت قدم
الفصل الثلاثون: انهيار النسخالقاعة كلها اهتزت.الأرض تحتهم بدأت تتشقق ببطء، كأن المكان نفسه لم يعد قادرًا على تحمل ما يحدث داخله.النسخة الأخرى من كريم كانت واقفة في المنتصف.تبتسم.لكن هذه المرة لم تكن ابتسامة هادئة.بل ابتسامة شخص يعرف أن النهاية بدأت.قال بصوت منخفض:ـ مفيش خروج.ـ النظام انتهى