INICIAR SESIÓNأنا مين؟!.. مش عارف.
خرجت الكلمات من بين شفتيه متقطعة، ضائعة، كأنها صادرة عن رجلٍ استيقظ في عالمٍ لا يعرف عنه شيئًا.
تجمّد مصعب للحظة وهو يطالعه بعدم استيعاب، ثم قطّب حاجبيه وقال بدهشة:
— مش عارف؟! يعني إيه مش عارف؟!
رفع يحيى يده ببطء نحو رأسه وضغط عليها محاولًا انتزاع أي ذكرى، أي صورة، أي اسم… لكن الفراغ كان سيد الموقف.
أغمض عينيه للحظات ثم فتحهما مجددًا، وعيناه تحملان ارتباكًا خالصًا لا أثر فيه لادعاء أو مزاح.
وقال بصوتٍ خافت:
— والله… مش فاكر حاجة… ولا عارف أي حاجة.
ثم سكت قليلًا كأنه يبحث داخل نفسه عن شيءٍ مفقود، قبل أن يضيف بشرودٍ موجع:
— حاسس إن دماغي… صفحة بيضا.
اتسعت عينا مصعب شيئًا فشيئًا، ثم تمتم بذهول:
—معقول… تكون فقدت الذاكرة؟!
التقط يحيى الجملة كأنها شيءٌ ثقيل أُلقي فجأة فوق صدره، فنظر إليه مصدومًا بينما أكمل مصعب بتفكير:
— أكيد الضربة اللي خدتها على دماغك أثّرت على الذاكرة.
قطّب يحيى حاجبيه وقال بتوتر:
— ضربة؟!.. مين ضربني؟! وإيه اللي حصل أصلًا؟
تنهد مصعب ثم جلس قبالته وقال بهدوء:
— إمبارح لقيناك مرمي على الطريق… غرقان في دمك. وكان في شابين بيجروا من بعيد، ملحقناش نشوف وشوشهم… غالبًا هما اللي عملوا فيك كده.
توقف لحظة ثم سأله بحذر:
— إنت فعلًا مش فاكرهم؟
هز يحيى رأسه ببطء، وعيناه ما زالتا تدوران في المكان كأنه يراه لأول مرة:
— لأ… مش فاكر أي حاجة.
زمّ مِصعب شفتيه آسفًا وتابع قائلًا: أكيد ضربوك عشان يسرقوك، لأن إحنا وإحنا بنغيّر لك هدومك مكانش فيهم أي حاجة، ولا فلوس ولا تليفون، ده حتى مفيش معاك بطاقة ولا أي إثبات شخصية!
حملق بهِ يحيـي بدهشة وقال: يعني إيه؟! يعني هفضل تايه كده ومش عارف أنا مين؟!
أخذته سَوْرةٌ من الغضب ليقول مِصعب محاولًا تهدئته: اصبر بس واستهدي بالله، إنت عشان الجرح لسه جديد ودماغك مش موزونة لسه مش فاكر حاجة، بس يومين تلاتة وإن شاء الله كل حاجة هتبقى زي الفل.
انتبها على دخول والدة مِصعب للغرفة وهي تمنحهما ابتسامةً بشوشة، ثم دنت منهما لتجلس إلى جوار يحيـي وتقول بفرحة: إنت فوقت يا ضنايا، حمد لله على السلامة.
ابتسم لها لا إراديًا وأومأ قائلًا: الله يسلمك يا حجة.
ربتت على ظهرهِ بحنان وقالت: هعملك بقى حاجة تتقوّت بيها عشان تعوض الدم اللي نزل منك...
قاطعها قائلًا: لا لا، مش عايـز.
أردفت ببساطة: لا، مفيش حاجة اسمها مش عايز، ولو على الفطار يا سيدي ابقى عوّضه بعد رمضان، ليس على المريض حرج.
قطّب حاجبيه متعجبًا وقال: هو إحنا في رمضان؟!
نظرت إليه السيدة باستغراب، ثم نظرت إلى ولدها لينظر إليها بأسف ويقول: الباشمهندس مش فاكر حاجة يا أمه.
أعادت النظر إليه بحسرة وقالت: يا حبيبي يا ابني! أكيد الضربة اللي خدتها في دماغك دي هي اللي خلتك تنسى، منهم لله اللي أذوك، ربنا يأذيهم في نور عنيهم.
لم يُجبها يحيـي، بل ظل ينظر إلى الفراغ شاردًا، لتربت على كتفه بمواساة وقالت: ولا يهمك يا حبة عيني، يومين إن شاء الله وهتبقى زي الفل.. بس أهم حاجة تاكل وتتغذى عشان تسترد عافيتك بسرعة، وأنا هعملك شوية أكلات كده وخلطات من اللي بتقوي الذاكرة....
ليقاطعها يحيـي مردفًا بتهكم: ويفيد بإيه اللي هيقوي الذاكرة وهي مش موجودة أساسًا.
ثم ربت على كفها قائلًا: ريّحي نفسك يا حجة ومتعمليش حاجة.
نظرت إليه بحزنٍ وأسى وقالت: طيب متزعلش نفسك يا حبيبي وسيبها لله، وبإذن الله هتبقى زي الفل.
أومأ موافقًا ومنحها ابتسامةً هادئة ثم قال: ونعم بالله.
عادت لتقول بإصرار: وأنا هجيبلك دلوقتي تاكل، ويا سيدي بكرة ابقى صوم معانا.
ثم انصرفت لتحضر له الطعام، بينما قال هو مخاطبًا مِصعب: هو النهارده كام رمضان؟!
النهارده 3 رمضان، متخافش هتلحق تصوم إن شاء الله.
أومأ بهدوء لينظر إليه مِصعب ويقول: إمبارح وإحنا بندوّر في هدومك لقينا ده.
قالها وهو يتجه نحو خزانته ويخرج منها شيئًا ليضعه بيد يحيـي الذي تطلّع إليه وقال: مصحف!
أومأ مِصعب قائلًا: لقيناه في جيب الجاكيت من جوه، يا عالم إنت مريت بإيه وربنا نجاك بسبب المصحف ده.
أومأ يحيـي موافقًا وقال: معاك حق.
دخلت والدة مصعب تحمل آنية الطعام، ليحملها ابنها عنها ويضعها أمام يحيـي قائلًا: يلا بسم الله.
بدأ يحيـي بتناول طعامه شاردًا بما آل إليه حاله، منشغلًا بما هو آتٍ.
ـــــــ
مرت الأيام كفيلةً بأن تضمّد جراح الجميع وتُشفى علّاتهم، حيث عاود الجميع ممارسة حياته الطبيعية والتأقلم على أن يحيـي لم يعد موجودًا بينهم.
باشرت يُسر حياتها بهدوء، وقد بدأت استعادة حياتها السابقة، فنزلت إلى شقة صافيه وطرقت الباب، لتفتح لها صافيه وهي تبتسم بلطف وقالت: إزيك يا سوسو، تعالي ادخلي.
أعطتها يُسر طفلتها نور وهي تقول: لأ معلش مش فاضية دلوقتي، خلي نور معاكي على ما أروح أشوف ماما وأرجع.
أومأت صافيه بموافقة وقالت: وماله يا حبيبتي، هو إحنا عندنا كام نوارة يعني، يلا روحي إنتِ وابقي سلّمي على مامتك.
الله يسلمك.
قالتها يُسر وهي تنزل درجات السلم لتصطدم بـ سليمان الذي قال ضاحكًا: على مهلك، كنتِ هتقعي، رايحة فين كده ومستعجلة؟
ابتسمت يُسر وأردفت: رايحة عند ماما.
قال بنبرة ودودة: طيب تعالي أوصلك.
لا، شكرًا، مش عايزة أعطلك، أنا هروح وأجي طوالي إن شاء الله.
قال معترضًا: لأ والله مينفعش، تعالي أوصلك بسرعة.
نزلت خلفه لتستقل السيارة إلى جواره، ليبادر هو بالحديث قائلًا: زياد رجع من الحضانة ولا لسه؟!
أيوة جه وقاعد مع جده، كان مصمم ييجي معايا بس أنا مرضيتش لأنه شقي ومش بيسكت، وإنت عارف الوضع هناك مش مستحمل أصلًا.
حك ذقنه بإبهامه بتفكير وقال: وإيه أخبار جوز أمك وإخواتك؟
تنهدت لتردف: والله ما أعرف عنهم حاجة من زمان، أهي رايحة أطمن عليهم، كنت عايزة أشتري لهم شوية حاجات قبل ما أروح بس لقيت الفلوس اللي معايا مش هتكفي، قولت مرة تانية بقى.
على الفور استلّ جزدانه من جيب سرواله وأخرج منه الكثير من النقود ليمد يده إليها وهو يقول: مش عيب عليكي تكونوا محتاجين حاجة وتخبي! خدي هاتيلهم اللي هما عاوزينه كله.
تصنعت الحرج وقالت: لأ طبعًا، إيه اللي حضرتك بتقوله ده يا عمو؟! أنا مش ممكن آخد الفلوس دي أبدًا.
أوقف السيارة ورفع يده عن المقود لينظر إليها بضيق قبل أن يردف قائلًا: إيه اللي إنتِ بتقوليه ده؟! هو إنتِ مش مسؤولة مننا زي نور وزياد ولا إيه؟! وإخواتك زي ما كانوا مسؤولين مننا أيام يحيـي الله يرحمه، هيفضلوا مسؤولين مننا دلوقتي برضو، واللي يعوزوه يجيلهم.
التقطت النقود من بين يديه وهي تتصنع الضيق وقالت: بس دي أول وآخرة، بعد كده مش هقدر آخد حاجة منك.
يا ستي لما نبقى نيجي لبعدين ربنا يساويها، يلا وصلنا أهو.
نظرت إلى جانبها ثم أعادت النظر إليه وقالت: هديلهم الفلوس بقى وهما يجيبوا اللي عاوزينه، لأني مش هلحق أشتري لهم حاجة، بجد مش عارفة أقولك إيه يا عمو!
مسح جانبي شاربه العريض بإصبعيه الإبهام والسبابة وأردف بزهو فقال: متقوليش حاجة خالص، سلّمي عليهم بس.
أومأت بابتسامة لتردف بعدها بلطف وتقول: يوصل، عن إذنك.
ترجلت من السيارة ليتطلع هو في أثرها بشغف ويتفحصها بإعجاب لم تُخفِه نظراته، ليقول: رهوان… يخربيت أبوكي!
حمحم بعدها بقوة ليستعيد همّته قبل أن يدير طارة القيادة عائدًا إلى المنزل.
ألقت بها زينب بقوة دفعةً واحده لتتسمر قدما صافيه بالأرض من أسفلها وقد شعرت بأن الأرض تميد بها لتتسائل بصوتٍ مهزوز :بتقولي إيه؟!إزاي؟!مستحيل!قالت كلمتها الأخيرة بقهرٍ لم و لن يشعر به أحدٌ سواها لتقول زينب غير آبهه :هو إيه اللي مستحيل ،بقوللك حامل ، و البيت مقلوب فوقاني تحتاني من إمبارح و سليمان هايص و مسابش حد غير لما قالله ..........لم تستمع صافيه إلي بقية حديثها بل أنهت الإتصال علي الفور و بدون وعيٍ منها إرتدت ملابسها و خرجت من الغرفه لتلتقي بأخيها يجلس شارداً قبل أن ينتبه لها فقال مستغرباً : رايحه فين يا صافيه عالصبح؟!بجمودٍ أجابته :راجعه بيتي .إزداد تعجبه فقال :راجعه بيتك الساعه 8 الصبح؟ و بعدين مش المفروض جوزك هييجي ياخدك!أشاحت بوجهها إلي الجانب تخفي عينيها الدامعه عنه حتي لا يتبين كذبها وقالت :منا كلمته إمبارح بالليل و قال إنه مش فاضي النهارده،هرجع أنا بقا هو أنا هتوه يعني!نظر إليها مطولاً و قال :إنتي متخانقه مع جوزك؟حاسس إن في حاجه مش طبيعيه.تأففت بنزق وضيق يملؤها وقالت :يووه يا إبراهيم،هو عشان عاوزة أرجع بيتي يبقا في حاجه مش طبيعيه؟!تبين ضيقها بالإضافه إلي عدم رغبتها با
بعد مرور شهر علي زواج سليمان و يُسر...... دخل سليمان إلي شقة يُسر ليجدها نائمة كعادتها في الآونه الأخيرة فإنتابه الضيق و جلس إلي جانبها يحاول إفاقتها وهو يقول: يُسر، إصحي بقينا المغرب. تحركت في الفراش بضيق و تجاهلته ليعاود حديثه قائلاً: يا يُسرررر، قومي بقا مش كل ما أدخل ألاقيكي نايمه إنتي إيه اللي جرالك؟! زفرت بتأفف وقالت: في إيه يا سليمان حرام عليك هو إنت هتنقص حاجه لو سيبتني نايمه! رفع حاجبيه متعجباً و قال: هنقص حاجه؟! أه هنقص كتير قومي يلا. نظرت إليه بضيق وقالت: عشان خاطري يا سليمان سيبني نايمه أنا مش قادرة أقوم. قلّب كفيه متعجباً وقال: طيب قومي هاتيلي أتغدي. أجابت بإقتضاب: مقدرتش أطبخ، إنزل إتغدي عند صافيه. نظر إليها مغتاظاً و قال: أتغدي عند صافيه؟! طب و عيالك هياكلوا فين؟! عند صافيه بردو؟! نهضت عن الفراش بحدة و صاحت بعصبية بالغة وقالت: يووه، هو تحقيق ولا إيه عالصبح؟! ظل ينظر إليها متعجباً من عصبيتها المفرطه و الغير مبررة بالنسبة له وقال: في إيه يا يُسر مالك؟؛ بقيتي عصبيه و خُلقك قصير كده ليه؟! تنهدت مطولاً وقالت: مش عارفه أعصابي تعبانه ليه الفترة دي! مبقيتش مستحمله حد
أتي يوم خطبة غَزَل التي إستقبلته بحزن و بؤس شديد، كانت صافيه تجلس إلي جوارها تحتضنها وهي غارقه في سيْل دموعها الجارف. _خلاص بقا يا غزل يا حبيبتي، في عروسه تعيط يوم خطوبتها بردو؟ نظرت غَزَل إليها وقالت: مش عيزاه يا عمتو، حاسه إني هيجرالي حاجه لو إتجوزته، حاسه إني كده هبقا بخون يحيـي! دُهِشت صافيه مما إستمعت إليه فأردفت بحدة تقول: بتخوني يحيـي!! إيه العبط اللي بتقوليه ده يا غزل؟! يحيـي مات يا بنتي الله يرحمه، و حتي لو كان عايش إنتي لا كنتي مراته ولا خطيبته عشان تقولي كده. و أضافت بإستهجان: ده مراته معملتهاش!! لم تجيبها غَزل لتتابع عمتها حديثها و تقول: قومي يلا بلاش خيابة، إغسلي وشك كده و غيري و حطي ميكب و حاجات من بتاعة العرايس دي زمان المعازيم علي وصول. علي مضض، نهضت غَزل و قامت بتبديل ملابسها إلي رداء فضفاض بسيط من اللون الوردي و لم تضيف أي زينه إلي وجهها و خرجت لتجلس وسط الحضور بوجهٍ عابس شاحب اللون. تقدم منها والدها فنهضت لتصافحه فقام هو بإحتضانها بسعادة وهو يقول: حبيبة قلبي يا غزل أخيراً ربنا إستجاب ليا و شوفتك عروسه زي القمر. إحتضنت والدها بشده وقد أجهشت بالبكاء ليقول محذر
كانت غَزَل تباشر عملها بالمركز قبل أن تنتبه إلي صوت رنين هاتفها لتخرجه من حقيبتها فوجدت رقم مجهول يتصل بعدها فأجابت مسرعة ليصلها صوت أنثوي ميّزته هي فقالت بلهفه: أيوة يا طنط هبه؟ _أيوة يا غزل، بابا تعبان وإحنا في المستشفي الأميري غرفة 205 تعالي بسرعه. هرولت ركضاً تستوقف سيارة أجرة ركبتها و إتجهت بها إلي المشفي فوراً. وصلت للغرفه الموجود بها والدها و دلفت بلهفه لتجده راقداً علي الفراش لا حول له ولا قوة فإقتربت منه و دمعاتها تسيل دون هوادة و أمسكت بيده تقبلها وهي تقول: مالك يا بابا سلامتك ألف سلامه. ثم نظرت إلي جارتهم المدعوة هبه وقالت: هو جراله إيه يا طنط هبه؟! قالت هبه بأسف: والله يا غزل إحنا كنا قاعدين في أمان الله و فجأه سمعنا صوت حاجه بتتهبد علي الأرض، طلعنا نجري لقينا صوت حد بينازع عندكوا في الشقه، أبو إسلام كسر باب الشقه و دخل لقا الحاج إبراهيم واقع في الأرض و جمبه الكرسي كان تقريباً بيحاول يتسند عليه قام خده و وقع.. نظرت غزل إلي والدها بحزن وقالت: أكيد مخدش العلاج بتاعه، أنا السبب. قللت الأخيرة لتنفجر بالبكاء فقالت هبه: وإتتي ذنبك إيه بس يا بنتي؟ _ذنبي إني سيبته و نزلت إ
كانت تجلس شارده كعادتها تفكر بهِ فكيف لها أن تنساه وهو من أول من داعب قلبها و إنتزع إبتساماتها فلطالما عشقته و إنتظرته ولكنها أبت ان يبدو ذلك عليها فهي كانت لا تزال صغيرة وتراه قد لا يلتفت لها يوماً فكيف لها أن تطمح في ذلك وقد يراها طفلة في نظره، فـ كبتت مشاعرها بينها وبين نفسها وعانت من لوعة الحب الصامت الذي لم يُلهب إلا وجدانها وحدها.كانت تأمل أن ربما بداخله شيء نحوها هو الآخر ولم ير منها شيئا يدفعه لأن يصرّح لها بما داخله فإنتظرته ليالٍ طوال. هكذا قيدت غزل تلك المشاعر و دعتها تكبر داخلها فقط هي وحدها حتى فوجئت بخبر زواجه من يُسر لتنسحب علي الفور من وسط ذلك الجمع الغفير وهي تحبس دمعاتها لأنها لم تحمل داخلها إلا لوعة الحب والفراق. مسحت دمعاتها التي طفقت تسبح فوق وجنتيها و أسبلت جفنيها توّد النوم حتي تنعزل به عن عالمها المُهلك ولكن أنَّي لها ذلك.رأت يحيـي يجلس مبتسماً لها وهي تدنو بخطواتها منه حتي إقتربت منه و توقفت أمامه لتجده ما زال ينظر بإتجاهها و يبتسم ولكن ليس لها فنظرت خلفها لتجد يُسر في مكتمل أنوثتها تقف وعلي ثغرها إبتسامه فاتنه و يحيـي ينظر لها و يبتسم ثم نهض عن مقعده و س
كانت غزل تجلس إلي جوار السيدة كاريمان تسند يديها أسفل خديها وتستمع إلي حكاياتها التي أصبحت جزءاً هاماً من يومها لتقول: أفهم من كده إنك فضلتي تحبيه رغم اللي كان بيعملوا فيكي و رغم إنه إتجوز عليكي! أومأت كاريمان بإبتسامه تمتزج بها آلام الذكريات وقالت: لله يرحمه مكانش سايبلي إختيار غير إني أحبه كل يوم أكتر من اللي قبله، طول عمره كان حنين عليا و عمره ما كان قاسي. تسائلت غزل بتعجب وقالت: كل ده و مكانش قاسي!! هي القسوة بالنسبة لك إيه؟! نظرت كاريمان أمامها بشرود و أردفت: القسوة ليها معاني كتيرة يا غزل غير اللي إنتي فاهماها، أو يمكن أنا عشان كنت بحبه أوي كنت ببص للأمور من زاوية تانيه غير كل الناس، القسوة بالنسبه لي هي مش إنه يضرب و يهين و يخاصم و يجافي، لأ، القسوة بالنسبه لي كانت لو جيت في يوم بكيت و ممسحش دموعي، لو لقاني عايزة أعيط و محضنيش، لو حسيت لمسته ليا راح منها الدفا اللي كان ملازمها، لو نبرة صوته وهو بيتكلم معايا مبقاش فيها نفس اللهفه اللي بيتكلم بيها. ثم نظرت إلي غزل وقالت: لو هنحسب القسوة بالمقاييس بتاعتي يا غزل فهو عمره ما كان قاسي عليا. لم يَسعها سوي أن تبتسم لتلك الكلمات ال
صعد سليمان إلي شقته و دلف ليجد صافيه تتحدث إلي "غَزَل" عبر الهاتف ليشير إليها مبتسماً وقال: سلميلي عليها و قوليلها إني مخاصمها. إبتسمت صافيه وقالت لـ غزل: عمك سليمان بيقوللك إنه مخاصمك. ثم نظرت إلي سليمان وقالت: بتقولك متقدرش علي زعلك بس الشغل الجديد لخمها. أومأ موافقاً لتقول صافية: ماشي يا حبيب
كان مقيّداً بأغلالً من شوك لم يستطع حلّها أو نزعها و لكن قدماه كانتا محررتان ليفيق من غفلته و يهرول سريعاً إلي الخارج ليجد إمرأةً جميله تقف بعيداً علي مدد بصره ليركض بإتجاهها فإذ بها تعود للخلف ليعود و يركض نحوها مرة أخري ليجدها وكلما إقترب منها إبتعدت أكثر ليتيقن أنها سراب و أنه لن يتمكن من اللحاق
مرّت الأشهر المنصرمه عليهِ وكإنها أعواماً لا تُعد ولا تحصي فـ كم تمني بكل يوم يمضي أن تعود إليه ذاكرته و يكتشف هويّته و لكن أحلامه تضيع هباءً منثوراً، كان يأمل في كل مساء أنه سيفيق غداً وقد تذكر من هو و ماذا أودي بِحياته حتي أصبحت هكذا ليفاجأ بأنه لازال يحمل تلك الذاكرة الفارغه و يعود إليه الإحباط
ذهبت يُسر إلي بيت أهلها ليستقبلها أشقائها الصغار بفرحة عارمه و هم يتسارعون إليها لتخرج هي الحلوي و الهدايا من حقيبة يدها قبل أن تري والدتها التي تتقدم نحوها بخطوات متباطئه متثاقله فنهضت هي تستقبلها لتحتضنها بإشتياق كبير ثم قالت: مالك يا ماما بس صحتك في النازل و مش راحمه نفسك بردو. تمتمت والدتها بت







