All Chapters of دموع تطفئ العشق : Chapter 1 - Chapter 10

25 Chapters

البارت الأول

كانت الجدران العتيقة لحي الأميرية تحمل في طياتها دفء زمنٍ مضى، لكنها في تلك الليلة لم تفلح في حماية براءة سيليا. في غرفتها الصغيرة، انكمشت الطفلة ذات السنوات الخمس، واحتضنت دميتها القماشية المهترئة كأنها تلوذ بها من إعصار الكلمات القادمة من ردهة المنزل.كان صوت زوجة أبيها يخترق الأبواب الخشبية، حادًا، باكيًا بزيف، ينسج اتهامات لا يستوعبها عقل سيليا الصغير. وفي المقابل، كان صوت أبيها خافتًا، مستسلمًا، يغلفه ضعفٌ مخزٍ أمام جبروت تلك المرأة. لم تكن شهقات زوجة الأب سوى شباكٍ تُحاك بدقة، تلمست سيليا خيوطها وهي تشعر بالخوف يتسلل إلى أطرافها.فجأة، تحول الخوف إلى فزع حقيقي.انفتح باب الغرفة بعنف أطاح بسكون المكان. دلف والدها، ولم يكن الرجل الذي تعرفه؛ تبدلت ملامحه، واكتست عيناه بقسوة غريبة، بدا لها في تلك اللحظة يشبه الوحوش التي تخافها في أفلام الرسوم المتحركة. انهالت عباراته القاسية كالمدي قبل أن تتبعها يداه. لم تصرخ سيليا، ولم تستغيث. كان صمتها غريبًا على طفلة في عمرها، صمتٌ ولد من رحم يقينٍ مبكر بأن البكاء لن يغير من الأمر شيئًا. حاولت بنظراتها، بحركات يديها الصغيرة أن تنفي التهمة، لكن وا
Read more

البارت الثانى

كانت ليلة الامتحان الأخير تحمل في هوائها مزيجًا غريبًا من الترقب والرهبة.في تلك الغرفة الصغيرة أسفل الدرج، التفت الفتيات الخمس حول منضدة خشبية قديمة، تكدست عليها الكتب والمذكرات، وسادت أجواء الصمت إلا من حفيف تقليب الأوراق وصوت أنفاسهن المتلاحقة. غدًا ينتهي المارثون، غدًا يُسدل الستار على مرحلة الشهادة الإعدادية وتبدأ عتبات نضج جديدة.فجأة، أغلقت وتين كتابها بقوة أحدثت صوتًا مسموعًا، ثم سكنت مكانها وشردت عيناها نحو السقف، قبل أن تطلق تنهيدة طويلة ومحملة بالشغف، قائلة- إمتى بقى أخلص ثانوي وأحقق حلمي؟ نفسي أدخل كلية الإعلام وأبقى مذيعة كبيرة.. صوتي يوصل لكل الناس.أحدثت كلمات وتين شرخًا في جدار الصمت المحيط بهن. أغلقت سيليا كتابها هي الأخرى، لكن حركتها كانت بطيئة، هادئة، مشوبة بوجع قديم. تطلعت إلى الفراغ بملامح حزينة، وقالت بنبرة هامسة وكأنها تخاطب قدرها- أنا بقى نفسي أخلص وأدخل كلية الطب.. نفسي أبقى دكتورة قلب كبيرة، عشان أعالج تيتة لما النوبة تجيلها، وتفضل عايشة معايا كتير.. أنا ماليش غيرها في الدنيا دي بعد ربنا.كانت كلمات سيليا تلامس شغاف قلوبهن، فهن يعلمن أن الجدة هي حصنها الوحي
Read more

البارت الثالث

فتحت إيمان باب الشقة بهدوء، يسبقها أمل ضئيل في أن تجد صدرًا رحبًا يستمع إليها في نهاية هذا العام الدراسي الشاق. رأت والدتها تقف في الردهة، فألقت عليها التحية بنبرة حانية محبة، لكن الأم التفتت إليها بوجه متجهم وملامح جامدة لم تحمل أي دفء، وردت بتحية مقتضبة وجافة قبل أن توليها ظهرها وتدلف إلى المطبخ لإعداد طعام الغداء.لم تيأس إيمان؛ كانت حاجة قلبها الصغير إلى "الإنصات" أكبر من خوفها. دلفت خلفها إلى المطبخ، ووقفت بجوارها تراقب حركتها الروتينية، ثم استجمعت شجاعتها وبدأت تتحدث. فضفضت لها عن أمور خاصة تؤرقها كفتاة تكبر وتتغير، وقصت لها بنبرة متهدجة عن تلك السخرية والتهكمات القاسية التي تتعرض لها من بنات المدرسة، وكيف أن كلماتها وتصرفاتها دائمًا ما تكون مادة لتندرهم. كانت تبحث عن حماية، عن نصيحة أمومة ترمم ثقتها المهتزة.لكن الأم لم تمهلها لتكمل.استدارت نحوها بعيون متسعة غاضبة، وقاطعتها بنهر حاد زلزل أركان المطبخ الصغير. صبت عليها لومًا لا تفتعله إلا مع المذنبين، وصاحبت في وجهها متهمة إياها بأنها تخطت حدود الأدب والحياء بمثل هذا الحديث، وأنها ما زالت طفلة لا يحق لها الخوض في هذه الأمور، وا
Read more

البارت الرابع

داخل جدران الفصل الدراسي، كانت الهمهمات والضحكات المكتومة تتصاعد من المقاعد الخلفية، بينما تجلس إيمان في المقعد الأوسط، تتوسط سيليا ووتين كمن يحتمي بجدارين من الأمان. كان صوت المعلمة يتردد في أرجاء القاعة وهي تشرح تفاصيل "الجهاز التناسلي للأنثى"، لكن الكلمات لم تكن لتمر على مسامع إيمان كدرس عادي. كانت كل جملة، وكل رسم توضيحي على السبورة، يرتد إلى صدرها كخنجر يثير داخلها تساؤلات قديمة، مرعبة، ومخفية.تطلعت حولها بشرود وحزن غامر؛ راقبت ملامح زميلاتها، وتفاصيل نموهن الأنثوي الطبيعي، لتتأكد من ذلك الإحساس الصامت الذي لازمها لسنوات: إنها ليست مثلهن، هناك خطأ ما في جسدها، ثمة اختلاف عميق وغامض يفصلها عن عالم البنات المحيط بها. في تلك اللحظة، وسط شرودها، وُلد داخلها قرار انتحاري؛ لن تصمت بعد اليوم. ستتحدث مع عائلتها مهما كلفها الأمر، ومهما حاولوا قمعها أو نعتها بقلة الأدب، سيعلو صوتها هذه المرة ليخترق جدار الصمت والإنكار.دبّت في جسدها قوة غريبة وهي تطأ عتبة المنزل. دلفت مباشرة إلى المطبخ حيث تقف والدتها، ووقفت أمامها بجسد يرتجف، لكن عينيها كانتا تشعان بجرأة غير معهودة. وقبل أن تنطق الأم بكل
Read more

البارت الخامس

في شقة الطابق الثالث، تلاشت مساحات الأمان الضيقة كالعادة ليحل محلها صوت سمير الصارم.وقف والد ريهام يتوسط ردهة المنزل بجسده المتصلب، يوجه إليها أوامر حاسمة مغلفة بجهلٍ وقسوة لا ترحم. كان يوبخها بعصبيته المعهودة، محملًا إياها ذنب صداقة عمرها، ناعتًا تلك العلاقة الطاهرة بالوصمة والعار. ارتجت جدران الشقة لصوته الخشن وهو يصيح في وجهها- البت دي تقطعي علاقتك بيها خالص وسيرة أيمن أو إيمان دي مسمعهاش في البيت... كفاية لحد كده العار اللي جلبتيهولنا بصحوبيتك ليها.. الواحد مبقاش عارف دي ولد ولا بنت... الناس بتاكل وشنا في الرايحة والجاية، ومش ناقص غير يقولوا بنتي بتمشي مع مسخكالمرات السابقة، تجمد جسد ريهام النحيل أمام ثورته. لم تنطق بحرف، ولم تحاول حتى الدفاع عن رفيقة الطفولة؛ فالصوت في حضرتها محرم، والجدال تهمة عقابها وخيم. أومأت برأسها إيجابًا بحركة آلية منكسرة، وعيناها مثبتتان في الأرض تخفيان انكسارًا أعمق من كلمات والده.لكن خلف هذا الخنوع الظاهري، كان قلب ريهام يتمزق إربًا؛ اعتصرها الحزن والوجع على صديقتها التي تعيش أبشع محنة قد يمر بها إنسان. شعرت ريهام بكل نبرة خذلان عاشها أيمن، وودت لو
Read more

البارت السادس

في صالة المنزل، كان سمير يجلس دافنًا جسده في مقعده العتيق، قبالة شقيقه الأكبر الذي كان وجهه يفيض حنقًا وغيظًا وهو ينفث تفاصيل خيبته في ابنه البكر. كان العم يصف ابنه بكلمات حارقة، ناعتًا إياه بالفساد، والعقوق، والركض الأعمى خلف شهواته ونزواته الطائشة التي باتت تزكم الأنوف.أما سمير، فقد انبرى بكل هدوء يربت على كتف شقيقه، محاولاً إخماد ثورته بنبرة باردة ووعظية، مجتهدًا في إيجاد مبررات تسند نزق الفتى، حيث قال له محاولاً مواساته- اهدى بس يا أخويا وماتزعلش نفسك.. مهما عمل هو في النهاية راجل، والراجل ما يعيبوش إلا جيبه.. طيش شباب وهيعدي، بكرة يتجوز ويعقل.كان سمير يستميت في الدفاع عن ابن أخيه الفاسد، يغسل خطاياه بعباءة الرجولة المطاطة، بينما كانت ريهام تقبع خلف باب غرفتها الموارب، تستمع إلى جبال التناقض التي يلقيها والدها في الخارج.ارتسمت على شفتيها ابتسامة تهكم مريرة؛ تذكرت كيف كان منذ قليل يزلزل جدران البيت بالصراخ في وجهها، محولاً مرض جارهم النقي وعذابه إلى عار كاد يقتلها به، وكيف أن خطأ الفتاة في عرفه خطيئة لا تُغتفر، وصداقتها تهمة تستوجب السجن. بكت داخلها وهي ترى في عقلية والدها نسخة
Read more

البارت السابع

تمر السنوات سريعة كخطى الغرباء، تتبدل ملامح الوجوه، وتتسع الفجوات بين البيوت، لكنها لم تزد تلك الرابطة التي جمعت الفتيات الأربع إلا رسوخًا ومتانة؛ بقين كفًا واحدة تأبى أن تنفرط أصابعها رغم تبدل الفصول وقسوة الظروف.أما عن أيمن، فقد كان يواجه معركته الخاصة ليرمم أنقاض روحه، ولم تنقطع طوال تلك السنين صلته بوتين؛ ظلت هي نافذته الوحيدة على الأمان، واليد الطاهرة التي كلما كاد يغرق في لُجّة يأسه، تشبثت به لتعبر به نحو بر الأمان.استدارت تروس الزمن، وتكلل ذلك الانعزال الطويل والمجهود المضني الذي بذله أيمن؛ إذ وضع أمام عينيه هدفًا حاسمًا ليكون سلاحه في مواجهة مجتمع لا يرحم. صبّ كل تركيزه واهتمامه في الفترة الماضية على محراب الدراسة، ليحصد في النهاية ثمرة صبره ويسطر اسمه في المركز الأول على ترتيب مدرسته للبنانيين. كان ذلك النجاح المدوي بمثابة الخطوة الأولى الثابتة ليعبر بها بوابات كلية الطب، عازمًا أمره بروح صلبة لا تلين على أن يتخصص في "الطب النفسي"؛ وكأنه يسعى لمداواة عقول البشر ليفهم صراعاتهم، ويعالج أرواحًا أضناها الوجع كما أضناه هو يومًا.وعلى الدرب ذاته من الكفاح والشغف، كانت وتين تجني ث
Read more

البارت الثامن

عند أيمن، كانت الأسرة تجتمع في الصالة بالخارج، يتقاسمون الضحكات والأحاديث والأطباق الدافئة، ولكن بدون أيمن.. كعادتهم المقيتة التي استمرت طوال السنوات الثلاث الماضية. حتى وجبات الطعام غدت طقسًا يمارسه وحيدًا خلف بابه المغلق؛ فقد رسخ في أعماقه يقين مرير بأنه كائن منبوذ، غريب عن نسلهم، ومطرود من جنة قبولهم. وحجتهم الجاهلة في عزله كانت دائمًا حاضرة، فحتى ذلك التفوق المدوي الذي أحرزه، والمركز الأول الذي انتزعه من بين براثن ظروفه، لم يشفع له لديهم، ولم يزحزح من صدره ذاك الشعور الثقيل بالاضطهاد الذي ظل يلازمه كظله.بينما كان يقبع في ركن غرفته المظلمة، غارقًا في محيط أفكاره الوجودية التي لا تهدأ، تناهت إلى مسامعه أصواتهم بالخارج وهم يتداولون سيرته بتهكمهم المعتاد. لم يقطع حبل أفكاره سوى طرقات مباغتة على خشب الباب، طرقات لم تكن لـوتين أو لوالده، بل كانت لأخيه الأصغر أمجد.كان أمجد، طوال السنوات الفائتة، يمثل رأس الحربة في عائلته للتنمر على أيمن؛ كان الأكثر قسوة وسخرية، والأسرع في قذف الكلمات المسمومة التي تنهش هويته. لكن الآية انقلبت إلى النقيض التام فجأة؛ تبدل حال أمجد عقب ظهور النتيجة وحصول
Read more

البارت التاسع

تجمعت الصديقات حول سندس في حلقة دافئة، يحاولن انتشالها من تلك الحالة الهامدة التي تملكتها منذ أن جرتها قدماها إليهن.دثرتها ريهام بين ذراعيها، واحتوتها في عناق صامت طويل علّه يرمم بعضاً من شتاتها. أما سندس، فكانت غارقة في بحر من الأسئلة المريرة.... كيف يملك الآباء هذه القدرة على تفصيل مصائرنا وفق مقاسات ظروفهم؟ لم تكن ترى في هذا الارتباط زيجة، بل صفقة تجارية متبادلة المنفعة، طرفاها والدها والعريس، بينما هي مجرد قطعة شطرنج، عامل مساعد لا قيمة له، يُضحى به لتمرير اللعبة.على الجانب الآخر، كانت سيليا تراقب المشهد بغصة خاصة؛ لم يكن لديها أب يفرض عليها خياراته، بل إن وجوده في حياتها بأكمله لم يكن سوى سطر فارغ.وفي تلك الأثناء، كانت "وتين" قد بلغت ذروة غليانها، فلم تحتمل الصمت وهتفت بحنق مكتوم- مش قادرة أستوعب إزاي الجريمة دي هتم...... فين التكافؤ في إن واحدة تتجوز واحد أكبر منها بعشرين سنة؟ داخلة عشان تخلف له عيال وتبقى مجرد ديكور يتباهى بيه قدام الناس ويرضي غروره.... وفي المقابل كام قرش يرميهم لأبوها.. إحنا رجعنا لعصر الجواري وبيع العبيد تاني ولا إيه؟ساد الصمت للحظات صبت فيها وتين تركي
Read more

البارت العاشر

عند وتين، كان الصمت يلف أرجاء الغرفة، خرقته نبرة صوت أيمن القادمة عبر مكبر الصوت في الهاتف، بينما جلست وتين بجوار شقيقها الأصغر تيم تتابع الحوار بملامح يكسوها الإحباط.كانوا يتناقشون حول المصير البائس الذي انتهت إليه سندس مؤخراً، وجاء رأي أيمن قاطعاً ومفعماً بالمرارة- سندس مجرد ضحية تانية لعائلتها.. المشكلة إن الأهل اللي شبه كدا عمرهم ما هيعترفوا بجريمتهم، ودايماً بيقنعوا نفسهم إن الجوازة دي هي مصلحتها، وإنهم بيبنوا مستقبلها، وهما في الحقيقة بيدفنوا أحلامها وطموحاتها تحت التراب عشان يريحوا دماغهم.أمّن والد وتين على كلامه، متهجماً بملامحه وهو يتذكر كبريائه الذي أُهين، وقال بنبرة حملت جرحاً قديماً غائراً- أيمن بيتكلم صح.. للأسف الأهل أوقات بيكونوا هما الجلاد.لم تكن الكلمات مجرد تحليل عابر من والد وتين، بل كانت رجع صدى لسنوات مضت؛ فالرجل لم ينسَ قط أنه هو الآخر كان ضحية لعائلته وقسوتهم في يوم من الأيام، وتجرع من الكأس ذاتها التي تجرعها سندس الآن.وفي نهاية المطاف، وكعادة الضحايا حين يعجزون عن مواجهة الجاني الحقيقي، التف الجميع حول حلقة اللوم المفرغة، وصبوا جام غضبهم وعتابهم على والد
Read more
PREV
123
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status