جميع فصول : الفصل -الفصل 20

25 فصول

البارت الحادى عشر

عند جمال، تبخرت نشوة الانتصار وحلت محلها برودة الخوف؛ كان يقف متسمراً أمام الفراش، وعيناه متسعتان برعب وهو يرى كمية الدماء تزيد وتتدفق بغزارة، بينما وجه سندس يشحب بدرجة ملحوظة، كأن الحياة تتسرب منها قطرة قطرة.وقف أمامها مشلول التفكير، لا يعلم ماذا يفعل، لينتهي به الأمر بانتشال هاتفه بيد ترتجف، متصلاً بشقيقته الكبرى رقية يستنجد بها. لم يكد يشرح لها الوضع، حتى انهال عليه توبيخها الحاد واللاذع، ملقية في وجهه بملامتها القديمة- أهو ده آخرة مراهقتك وعنادك.... سبت بنت خالتك البنت العاقلة الناضجة، ورحت تجري ورا عيلة قد عيالك عشان ترضي غرورك؟ أهو شيل شيلتك بقىضاق صدر جمال، وصاح فيها بنبرة مخنوقة يملؤها الهلع- مش وقت الكلام ده خالص يا رقية.... بقولك البنت بتنزف وبتموت في إيدي، اخلصي وتعاليليلم تمر سوى دقائق معدودة حتى كانت رقية تدلف إلى الشقة مستعجلة، لكنها فور أن دخلت غرفة النوم، تجمدت الدماء في عروقها؛ رأت سندس مجردة من ملابسها، بجسد واهن شاحب كالأموات، ترقد فوق بركة قانية من الدماء. التفتت إلى شقيقها وصرخت في وجهه بعصبية عارمة وهي تلطم خدها- إيه اللي أنت عملته ده؟ يخرب بيتك.. البنت شكل
اقرأ المزيد

البارت الثانى عشر

عند سيليا، انشق سكون الشقة على صوت سعال حاد ومزمن، كان يخرج من صدر الجدة وكأنه يمزق أحشاءها. انتفضت سيليا من مكانها بذعر، وركضت نحو المطبخ لتعود بكوب من الماء ترتجف جوانبه، وقدمته لجدتها وهي تمسد على ظهرها بيدين مرتعشتين. جلست سيليا بجوار الفراش، وعيناها تفيضان بالدموع وتوسلت إليها بنبرة مخنوقة - عشان خاطري يا تيته.. يلا نروح للدكتور، بلاش العناد ده عشان نطمن عليكي، أنا قلبي بيموت من الخوف كل ما بسمع الكحة دي. حركت الجدة رأسها بالرفض الحاسم، ودفعت الكوب جانباً بوهن، متمسكة برأيها ومبدية بروداً شديداً تجاه فكرة الأطباء الذين علمت في قرار نفسها أنهم لن يؤخروا قضاء الله. بعد قليل، فُتح الباب الخارجي ودلفت خالتها الصغرى "رانيا". تحركت رانيا بآلية نحو غرفة والدتها وجلست معها لبعض الوقت خلف باب مغلق، وعندما خرجت، كانت عيناها محتقنتين بالحموضة والاحمرار، تلمع فيهما آثار دموع جُففت على عجل لتترك خطوطاً باهتة على وجنتيها. رمقتها سيليا بنظرة فاحصة، وفي تلك اللحظة بالذات، شعرت بإنقباضة مفاجئة في قلبها، كأن نذير شؤم قد عبر الغرفة. لم تحتمل الشك، وتقدمت من خالتها بلهفة وقلق وسألتها بصوت متهدج
اقرأ المزيد

البارت الثالث عشر

قرر جمال اليوم أن يضع حداً لهذه الفجوة الجليدية، وأن يقتحم حياة تلك الفتاة لينتزع نظرة الرعب الجاثمة في عينيها. لقد سئم مراقبتها وهي تضع له الطعام بأنامل ترتجف، ثم تفر هاربة كغزال يخشى بندقية الصياد. أراد ليومه هذا أن يحمل صك غفران، وأن يسير في اتجاه مغاير تماماً. دلف من باب الشقة في غير موعده المعتاد، متسللاً بخطوات خفيفة، فاستقبلته رائحة طعام شهي تفوح من المطبخ. تقدم ببطء ووقف عند الإطار الخشبي للباب، يتأمل جسدها الضئيل بشوق جارف جلبته خلوته الطويلة. التفتت سندس فجأة، وما إن وقعت عيناها عليه حتى شلّها الرعب؛ وفي لمحة بصر، انفتح في رأسها سرداب تلك الليلة المشؤومة، الليلة التي حُفرت في ذاكرتها بنصال من الوجع والخوف. ارتبكت واهتزت يداها، فسقطت الأطباق من بين أصابعها لتتحطم على الأرض محدثة جلبة تزامنت مع انهمار دموعها المباغتة. انحنت بجسدها المرتعش تفترش الأرض محاولةً جمع الشظايا وتبرير موقفها بكلمات متلعثمة خائفة، إلا أن جمال أسرع نحوها وجثا بمحاذاتها. أمسك بيديها بحنو بالغ، فشعر بانتفاضة جسدها وارتجافه العنيف جراء لمسته، لكنه تعمد التغاضي عن تلك الرعدة. غاص بنظراته في عينيها الواسع
اقرأ المزيد

البارت الرابع عشر

توقفت وتين عن السير فجأة كأنما صدمها جدار خفي، وشعرت بوخزة ألم حادة اخترقت نياط قلبها قبل مسمعها. التفتت بكامل جسدها لتصبح في مواجهة سيليا، وجعدت وجهها بملامح يكسوها الوجع والترقب؛ إذ قفز إلى مخيلتها على الفور السيناريو الأسوأ.. ظنت أن الجدة قد استسلمت أخيراً لضغط ابنتها الكبرى، وقررت الخلاص من مسؤولية سيليا بإعادتها إلى جحيم والدها الجاحد. لكن دموع سيليا التي تحجرت في مصل حدقتها وهي تقاوم الانفجار، جاءت لتصحح الظن، وقالت بنبرة يقطر منها الحزن الشفيف - تيتة قررت تجوزني لإبن خالتي. في تلك اللحظة، زفرت وتين بملء صدرها تنهيدة ارتياح طويلة، كأنما أُزيح عن كاهلها جبل من الهم، واستأنفت سيرها بخطوات أكثر خفة وهي تلتفت إليها متسائلة - يا بنتي خضيتيني.... بس قوليلي.. ده قرار تيتة لوحدها ولا رغبة ابن خالتك نفسه؟ صمتت سيليا لثوانٍ، ركزت فيها بصرها على رصيف الطريق وكأنها تزن الكلمات وتسترجع تفاصيل المشهد، ثم أجابتها بصوت خفيض - لأ.. خالتو رانيا هي اللي جات وطلبتني منه ابنها. لم تكد سيليا تنهي جملتها حتى جاءتها مباغتة قوية؛ ضربة مازحة لكنها قوية من كف وتين استقرت على كتفها، أتبعتها الأخيرة
اقرأ المزيد

البارت الخامس عشر

عند سيليا، كانت أنغام الموسيقى الصاخبة تملأ أركان المطبخ، ممتزجة بصوت حركتها وهي تتنقل بخفة بين الأواني وتعد الطعام بانسجام تام. تماهت مع اللحن لدرجة فصلتها عن العالم الخارجي، فلم تسمع رنين جرس الباب، ولا الخطوات الهادئة التي تسللت لداخل البيت. وفجأة، انشقت الأرض خلفها عن صوت رجولي عميق ودافئ، داهم سكون خلوتها قائلاً بمرح - لا طلعتي بتعرفي تطبخي أهو يا سيليا.. يعني كده طمنيني، مش هجوع معاكي انتفضت سيليا من مكانها وجفلت صراخاً إثر المفاجأة، والتفتت بحركة سريعة لتجده واقفاً يستند بكتفه على إطار الباب؛ إنه خالد ابن خالتها والمتقدم لخطبتها. تجمدت سيليا في مكانها، واتسعت عيناها بذهول تطلعت به إليه بفم مفتوح وعقل مشلول يحاول استيعاب وجوده المفاجئ في هذا المكان وبتلك الجرأة، كأنما تحولت في ثوانٍ إلى تمثال شمعي لا حراك فيه. لم يستطع خالد كبت قعقعة ضحكاته الرجولية وهو يتأمل هيئتها الطفولية العفوية؛ فقد كانت مصففة شعرها على هيئة ضفيرتين منسدلتين على كتفيها، وترتدي فستاناً منزلياً قصيراً يبرز صغر سنها، وتقف حافية القدمين تماماً بلا حذاء. كانت عيناه تلمعان بإعجاب صريح ودافئ بهذه اللوحة الفطري
اقرأ المزيد

البارت السادس عشر

عند نجلاء، كان الغليان سيد الموقف في غرفتها المغلقة. جلست الخالة الكبرى لسيليا تتوسط ابنتيها، وتفرك يديها بعصبية مفرطة وغيظ يكاد يمزق صدرها عقب علمها بأمر خطبة خالد وسيليا. كانت الأفكار السوداء تتصارع في رأسها؛ كيف لتلك الفتاة، ابنة شقيقتها الراحلة، أن تحصل دائماً على كل شيء؟ كانت ترى في وجود سيليا سارقاً مستمراً لحقوق بناتها؛ فالجدة أفنت عمرها في تربية سيليا ورعايتها عوضاً عن أن تلتفت لبنات نجلاء، والآن، وتتويجاً لهذا الإجحاف في نظرها، تختطف سيليا زيجةً العمر، الزيجة التي طالما خططت نجلاء وتمنتها لابنتها الكبرى. بجوارها، كانت جيهان، الابنة الكبرى لنجلاء، تجلس منكسرة واجمة ويملأ الحزن تفاصيل وجهها. لم تكن المسألة مجرد رغبة أم؛ بل كان خالد هو الأمنية الوحيدة التي عاشت جيهان تحلم بها سرا وعلانية، والآن، تبخرت تلك الأمنية كالدخان عقب هذا الخبر الصاعق. وبدلاً من أن تجد المواساة في حضن والدتها، تلقت لومًا وتقريعاً حاداً من نجلاء التي صاحت فيها بحنق - كله منك! ضيعتيه من إيدك ببرودك.. مكنتيش عارفة تلفتي نظره ولا تخليه يبص لك؟ أهو سيبتيه لحد ما جت السنيورة وبحركاتها شلته وشغلت باله وخليته
اقرأ المزيد

البارت السابع عشر

عند نجلاء، كانت خيوط المؤامرة قد تشابكت في عقلها لتغزل في النهاية ذلك الحل "المثالي" الكفيل بفض تلك الخطبة النكراء وإخماد فرحة سيليا. كانت ترى أن هذه الزيجة ما هي إلا تدمير لمستقبل ابنتها، ولن تسمح بمرورها مرور الكرام. التقطت هاتفها بعزم، وضغطت على أرقام حفظتها عن ظهر قلب، لتتصل بشقيقها الأكبر حسن، القابع في الأراضي السعودية منذ سنوات طويلة، والذي يمثل لها وللعائلة ورقة الضغط الكبرى وصوت الحسم والديكتاتورية المسموع. لم تمر سوى دقيقة واحدة حتى أتاها صوته عبر الأثير، حاملاً بحة الغربة ووقار الأخ الأكبر. وبعد كلمات الترحيب والسؤال عن الأحوال التي اختصرتها نجلاء على عجل من فرط حماسها، ولجت في صلب الموضوع مباشرة، وقالت بنبرة مشحونة بالتحريض والأسى المصطنع - الحقنا يا حسن.. أمك خلاص كبرت ومبقتش قادرة توزن الأمور، ورايحة تجوز سيليا بنت أختك لخالد ابن رانيا.... جوازة مش مناسبة خالص، وبعتة وضياع للبنت، وأمك سداها وراحت وافقت من ورايا ومحدش عامل لنا اعتبار. تنحنح حسن على الطرف الآخر، وبدا أن الحديث لم يعجبه، لكن نجلاء أطلقت رصاصتها الأخيرة لتهز ثباته تماماً حين أردفت - ومش بس كده يا حسن..
اقرأ المزيد

البارت الثامن عشر

كعادة هذا البيت، كان يضج بالصخب والضوضاء المألوفة؛ أصوات الأطفال المرتفعة، وصراخ منال المستمر لمحاولة السيطرة على الفوضى. لكن وسط هذه الجلبة، ارتفعت طرقات مرحة متلاحقة على الباب، حملت نغمة غريبة ومبشرة. أسرعت منال لتفتح الباب، وتسمرت في مكانها لثوانٍ قبل أن تنفرج أساريرها؛ فلقد كانت سندس تقف أمامها بكامل أناقتها. ارتمت سندس في أحضان زوجة أبيها على الفور، لتمتزج دموع الاشتياق بزغاريد الفرحة العفوية؛ فهذه هي زيارتها الأولى لمنزل والدها منذ ليلة زفافها المشهودة. تهافت الصغار من كل حدب وصوب، يلتفون حول شقيقتهم الكبرى بحفاوة وقبلات طفولية، وفي غمرة هذا العناق، لمحت منال قامة جمال المهيبة الواقفة خلف سندس في الممر. ارتبكت منال سريعاً، واعتذرت منه بلهفة حارة داعية إياه للدخول بوقار - أهلاً...أهلا ، خطوة عزيزة.. اتفضل، البيت بيتك. كانت على وشك أن تخبره بعفوية أنه بات بمثابة ابن لها، لكن الكلمة تعلقت في حلقها؛ فأي ابن هذا وهو يكبر زوجها نبيل في العمر؟! تداركت الموقف بذكاء واستبدلتها قائلة - إنت خلاص بقيت واحد مننا.. من العيلة يعنى أما سندس، فكانت تشعر في تلك اللحظات وكأنها فراشة تحررت
اقرأ المزيد

البارت الناسع عشر

دلج حسن إلى داخل أحضان والدته، في عناق طويل طالت مدته حتى بدا وكأنه يعوض به جفاء السنين. كان يشعر بنبضات قلبها الهزيلة المتسارعة تحت صدره، وهي تعانقه بشوق أموي جارف جففت به بحور الغربة. تغلغلت رائحتها المميزة العتيقة إلى أعماق رئتيه، فكانت بمثابة مسكن قوي وفوري لكل تلك الآلام والندوب التي صنعتها قسوة الأيام في بلاد السفر؛ لقد جاءت أنفاس والدته الدافئة لترمم تلك التصدعات الشروخ التي خلفتها الغربة في جدران روحه. تراجع حسن خطوة ليخرج من بين أحضانها، فسارعت العجوز ووضعت وجهه الرجولي بين كفيها المرتعشتين، تتشرب ملامحه بعينين مغرورقتين، وكأنها لا تكتفي بالنظر، بل تحتضن ملامحه وتخبئها بين أهدابها القصيرة. استندت بكامل ثقلها عليه، ليدلفا معاً إلى داخل ردهة الشقة، بينما كانت دموعها الشاخصة تأبى التوقف، لتكون في صمتها أبلغ من آلاف الكلمات والعبارات. ساعدها حسن برفق شديد حتى استقرت في جلستها على الأريكة، وجلس بجوارها، محتضناً كفها الوهن بين كفتيه القويتين، يرفعه إلى شفتيه ليقبله بين الفينة والأخرى بحفاوة بالغة. أخذت والدته ترحب به بنبرة متهدجة، وتسأله بلهفة عن أحواله، وعن زوجته، وأولاده الذين
اقرأ المزيد

البارت العشرون

امتلأ البيت عن آخره بالأهل والأقارب، وتعالت أصوات الأغاني والزغاريد في الخارج لتعلن بدء الاحتفال، بينما كانت ريهام تجلس في غرفتها، والتوتر الإيجابي يسيطر على جوارحها، تترك وجهها لوتين التي راحت تضع لها لمسات رقيقة من مساحيق التجميل بحرفية وحب. ما إن انتهت وتين، حتى وقفت ريهام أمام المرآة الكبيرة؛ ولأول مرة منذ وقت طويل، أشرق وجهها بسعادة حقيقية كشفت عن جمالها الأخاذ الذي تضاعف بفضل تلك اللمسات البسيطة. تطلعت ريهام إلى انعكاس صورتها بفرحة غامرة، ودارت حول نفسها وهي تردد بنبرة يملؤها الهيام والشغف - أنا مش مصدقة نفسي يا بنات.. كلها دقائق معدودة وأبقى رسمياً حرم الأستاذ أشرف تبادلت وتين وسيليا نظرات ممتلئة بالدهشة والذهول من هذا الانقلاب الجذري في حال صديقتهما؛ تحولت من النقيض إلى النقيض في لمح البصر! تذكرتاها قبل فترة وجيزة وهي تبكي وتنحب بمرارة، معلنةً رفضها التام لهذه الزيجة وخوفها من قسوة الأب. تساءلت الفتاتان في سرهما... أهذه هي السطوة السحرية لفرحة البدايات؟ أم أن عقولهن لم تصل بعد إلى النضوج الكافي للحكم على تقلبات القلوب؟ أم أن ريهام، بوعي أو بدون وعي، قد وجدت ضالتها ومأمنها ب
اقرأ المزيد
السابق
123
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status