والله موضوع الملاجئ القديمة هذا يخليني أتذكر فيلم وثائقي شفته قبل كم شهر على ناشونال جيوغرافيك. العلماء هالفترة صاروا يستخدمون تقنيات تصوير ثلاثي الأبعاد وتقنيات الليدار عشان يكتشفوا ملاجئ تحت الأرض ما كانت ظاهرة للعين المجردة. شيء يخوف ويحمّس في نفس الوقت!
أذكر واحد من الحفريات اللي تابعتها كانت في منطقة جبلية في سلطنة عمان، لقوا كهف كبير استخدمته حضارة قديمة كملجأ خلال العصور الجليدية. الشيء المضحك أنهم لقوا رسومات جدارية تصور حيوانات منقرضة، وكنت أتخيل نفسي مكانهم وهم يحاولون النجاة من البرد القارس.
في الحقيقة أنا متحمس لهالمجال لأن التطور التكنولوجي خلّى علماء الآثار يكتشفون أماكن ما كانت تخطر على بالنا. مثلاً في أمريكا الجنوبية، اكتشفوا مؤخراً شبكة أنفاق تحت الأرض يعتقد أنها كانت ملجأ لطقوس دينية قديمة. هالمسلسلات الوثائقية تخلي الواحد يشعر إنه عايش المغامرة بنفسه، حتى لو كان قاعد على الكنبة.
أعشق استكشاف الأماكن غير التقليدية حين أسافر، والملاجئ القديمة تحديدًا تثير فضولي بشكل لا يوصف. في رحلتي الأخيرة إلى إحدى المدن التاريخية، قررت أن أخرج عن المألوف وأبحث عن هذه الملاجئ التي كانت ملاذًا للناس أيام الحروب. تخيل أنك تدخل نفقًا مظلمًا وتشعر ببرودة الجدران الحجرية تحت أصابعك، وتقرأ النقوش التي تركها الخائفون منذ عقود. هناك شيء حميمي في تلك الأماكن، كأنها تحفظ ذكريات المئات من البشر. بعض السياح يمرون عليها بسرعة وربما لا يلتفتون إليها، لكني رأيت مجموعات صغيرة من عشاق التاريخ يتجولون في أحد الملاجئ الشهيرة تحت الأرض، يلتقطون صورًا لجدران مغطاة بالطحالب ومقاعد حجرية بسيطة. الأمر ليس مجرد فضول سياحي عابر، بل هو بحث عن جذور المدينة نفسها. حتى أني تحدثت مع مرشد محلي أخبرني أن بعض الملاجئ تحولت إلى متاحف صغيرة، لكن الزوار لا يكثرون عليها مقارنة بالمواقع السياحية البراقة. بالنسبة لي، زيارة أحد الملاجئ القديمة كانت تجربة لا تُنسى، شعرت خلالها وكأنني أسير في شريط زمني موازٍ، أسمع أصداء خطى من عاشوا أيامًا أصعب. إن لم تكن من محبي التصوير الفوتوغرافي أو القصص الإنسانية، قد تمل بسرعة، لكن إن كنت مثلي تبحث عن العمق، فهذه الأماكن تروي أكثر مما تتخيل.
أذكر أني في تلك الرحلة بقيت ساعة كاملة داخل أحد الملاجئ، أتأمل كيف تحولت جدرانه الصامتة إلى لوحة فنية من العصور. بعض الجدران كانت مغطاة برسوم الأطفال الخجولة، وأخرى تحمل أسماء محفورة بأيدٍ مرتجفة. السياح الذين يزورون هذه الأماكن عادة ما يكونون من الباحثين عن المغامرة أو المصورين، أو حتى طلاب التاريخ الذين يخططون لدراساتهم. لكن للأسف، الملاجئ القديمة ليست على رأس قائمة 'الأماكن التي يجب زيارتها' في أدلة السفر الشهيرة، لذا تبقى حكرًا على القلة الفضولية. إنها جوهرة خفية لمن يحب أن يرى المدينة من زاوية مختلفة، بعيدًا عن صخب الأسواق والمتاحف المزدحمة. بعد مغادرتي، شعرت أنني فهمت أكثر كيف تعايش الناس مع الخوف والأمل في نفس المساحة الضيقة.
يا سلام، هذا موضوع شغلني الفترة اللي فاتت، خاصة بعد ما شفت بنفسي كيف الملاجئ القديمة في حينا كانت مهملة ومليانة حشرات. صحيح أن البلدية بدأت تشد حيلها شوي بعد تحذيرات الدفاع المدني، لكن المشكلة أن الترميم متوقف على ميزانيات كل منطقة. مثلاً، في حي الزهراء رموا اللي حطوا فيه الملجأ القديم تحت المدرسة وافتتحوه كمركز طوارئ حديث بعد ما كان مغلق ١٠ سنين.
لكن في أطراف المدينة بعض الملاجئ لسا مهملة، وإذا سألت المسؤولين يقولوا 'الموافقات قيد الدراسة'.. دراستهم طويلة! الصراحة، أنا فضولي أتابع هالموضوع لأنو مع الحروب والكوارث الطبيعية صار ضروري نكون جاهزين.
أمبارح كلمت صديقي مهندس مدني وأكد لي أن تحويل هيكل قديم لملجأ حديث ممكن إذا توفرت السيولة، المشكلة أكبر في البيروقراطية. الشخص العادي ما رح يفهم لماذا الموافقة تتأخر سنة كاملة لمجرد تغيير الأبواب الحديدية. أتمنى فعلاً تشوفوا النتائج قريباً، لأنو السلامة مش لعبة سياسية.
أتعرف، هذا السؤال يلامس شيئاً شخصياً جداً بالنسبة لي. قبل بضع سنوات، كنت في رحلة مع أصدقائي إلى قرية جبلية قديمة، وكان هناك ملجأ من الحرب العالمية الثانية متروك منذ عقود. لم أكن لأفكر فيه مرتين لولا أنني شاهدت فيلم 'The Descent' قبل الرحلة بأسبوع. الفيلم حوّل الكهوف المظلمة إلى كوابيس حية، وفجأة أصبح ذلك الملجأ في مخيلتي مكاناً يخبئ وحوشاً تتربص في الظل.
لكن الشيء المثير هو أنني عندما دخلت الملجأ بالفعل، كان أكثر ما أخافني ليس الوحوش الخيالية، بل الصمت المطبق والجدران الخرسانية التي لم تلمسها الشمس منذ خمسين عاماً. بدأتُ أتخيل أصوات خطى الجنود الذين احتموا هناك، وهمس العائلات التي كانت تختبئ من القنابل. الأفلام لم تخترع رعباً جديداً، بل أعطتنا لغة مختلفة لنفس الخوف القديم. هذا المزيج بين الخيال السينمائي والذكريات الحقيقية للأماكن المهجورة يخلق حالة غريبة من الرهبة. أعتقد أن السينما تعيد تلوين مشاعرنا تجاه هذه الملاجئ، فتجعلنا نراها كمساحات مليئة بأسرار لم تُروَ بعد، بدلاً من مجرد أقبية متربة.
أذكر أنني كنت منغمساً في لعبة 'Assassin's Creed Origins' لساعات، وأثناء تجوالي في صحراء مصر الافتراضية، صادفت معبداً نصفه مدفون تحت الكثبان الرملية. توقفت حائراً أمام التفاصيل الدقيقة: الأعمدة الضخمة التي تحمل نقوشاً هيروغليفية تروي قصصاً عن فيضانات النيل، والجدران السميكة التي يبدو أنها صُممت لتحمل العواصف الرملية. لكن أكثر ما أثار فضولي هو اكتشافي عبر المقالات أن هذه المعابد كانت تحتوي على 'فتحات تهوية' خفية تعمل مثل قنوات طاقة، تسمح بتدفق الهواء البارد من تحت الرمال إلى الداخل، وكأنهم استخدموا الأرض نفسها كمكيف طبيعي. ثم هناك السر في توجيه المداخل نحو الشمس في أوقات معينة، مما يخلق تأثيرات ضوئية درامية داخل الغرف المقدسة. قرأت أنهم بنوا أسقفاً مدرجة متدرجة لتصريف مياه الأمطار النادرة بعيداً عن الأساسات، في تصميم هندسي يسبق عصره.
هذا جعلني أتأمل كيف تعامل المصريون القدماء مع الرمال كعنصر بناء لا كعدو، فغطوا الجدران بطبقات من الجص المائل للصلابة، وزرعوا أشجار السنط حول المعابد لتثبيت الكثبان. كل هذه الأسرار تجعلني أشعر أن المعابد الغارقة ليست مجرد أطلال، بل كتب مفتوحة عن عبقرية التكيف مع البيئة.
المشي بين أحجار القصور القديمة يجعل رأسي يمتلئ بالحكايات. كنت أزور أحدها ذات مساء، وكانت النوافذ المكسورة تعكس ضوء الشارع بطريقة مخيفة وجميلة في آن واحد. أحد الأسباب الأساسية لترك الناس لقصورهم هو التكلفة الباهظة للصيانة؛ المباني الكبيرة تحتاج إلى سقوف جديدة، أنظمة كهرباء ومياه معاد تأهيلها، وترميم للأخشاب والجدران، وكل ذلك يُترجم إلى مئات الآلاف من الدولارات أو ما يعادلها. عندما تتغير الأولويات العائلية أو تنتقل العائلة لمدن أخرى بحثًا عن عمل أو تعليم، يصبح حفظ القصر فكرة مكلفة وغير عقلانية.
سبب آخر أقنعني به مالك سابق التقيته كان القوانين والضرائب. إرث الأوقاف أو التعقيدات القانونية لملكية العقار قد تجعل بيعه أو ترميمه مهمة معقدة تستغرق سنوات، وقد يفقد الورثة الحماس أو الموارد. وفي حالات أخرى يصبح القصر عبئًا، موضوعًا للتفتيش والرقابة، أو حتى ملاذًا للمهربين والعابثين، ما يزيد من المخاطر والتكاليف. بالنسبة لي، هذا المزيج من الضغوط المالية والقانونية والاجتماعية يفسر كثيرًا لماذا تُترك قصور كانت يومًا رمز رفاهية لتذوي وتتحول إلى خرائب تحكي الزمن.