Compartir

البارت الخامس

Autor: Faten Aly
last update Fecha de publicación: 2026-06-09 19:24:41

بالرغم من غصّة الظلم التي كانت تسكن جوف حور، ودموعها التي تزرفها يوميًا في خلوتها على حالها وأحلامها الموؤودة، إلا أنها نفضت كل ذلك جانبًا في لمح البصر. تلاشت ملامح العتاب من عينيها، وأمسكت بيد والدها تضغط عليها برفق منفيةً كلامه

- متقولش كده يا بابا، أنت مقصرتش معايا في حاجة خالص...... الحمد لله على كل حال.

تابعت بنبرة هادئة حملت في طياتها حزنًا شفيفًا، لكنها نبعت من اقتناع تام ورضا حقيقي بقضاء الله

- أنا راضية يا بابا بكل اللي ربنا كاتبهولي، ومفيش حاجة بتحصل من غير حكمة، يمكن الخير ليا هنا في ده وإحنا منعرفش.. المهم عندي تفضل أنت راضي عني وبصحة وخير.

كانت حور بتلك الكلمات لا تطمئن والدها فحسب، بل كانت كمن يطبطب برفق على قلبه المثقل بالجراح، وتدعوه للهدوء وهدنة قصيرة مع تأنيب الضمير.

دمعت عينا عادل ورفع يده بالدعاء لها، وصوته يرتجف

- ربنا يرضى عنك ويديكي على قد صبِرِك يا حور.. أنتِ نعم الابنة البارة، ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي.

ساد الصمت بينهما لثوانٍ، غرق فيها عادل في بئر ذكرياته الأليمة؛ تذكر خطأه الفادح في الماضي عندما تزوج من تلك السيدة (والدة مصطفى) التي حطمت حياته ونثرت الأشواك في طريقه، ولم تترك له من ذكراها سوى ابن عاق فاشل يجرع مرارة عقوقه كل صباح ومساء.

شعرت حور بظلال الحزن التي خيمت على ملامح أبيها، ولم تكن تريد الخوض في تلك السيرة المريرة الآن، فأرادت تغيير مجرى الحديث لتنتشل والدها من غرقه. استأذنته بلطف

- بابا.. تسمحلي أروح لصاحبتى جنة عشان أطمنها على نتيجتي؟ ومش هتأخر عليك، هروح وأرجع علطول.

ابتسم عادل وأخرج من جيبه بعض النقود القليلة، وضعها في يدها بحنو وأذن لها بالذهاب. وقف يتطلع في أثرها، يراقب خطى حوريته وهي تغيب عن ناظريه وسط زحام الشارع، وفي تلك اللحظة بالذات، هبت عليه نسمة من الماضي؛ فتذكر زوجته الراحلة (والدة حور)، وتذكر حنانها الطاغية ورقتها التي تشبه رقة ابنتها، ليتنهد بأسى على زمن جميل ولى ولن يعود.

✨✨✨✨✨✨✨

دلف مصطفى من باب الشقة والإنهاك يثقل كاهله بعد يوم عمل طويل في الورشة، لكن كل ذلك التعب تخرس أطرافه فجأة عندما وقع بصرُه على سمر. كانت لا تزال مستلقية بالإغراء ذاته، ترتدي منامتها السوداء الشفافة المنسوجة من الحرير، والتي تلتصق بجسدها بتفاصيل مثيرة تكشف أكثر مما تخفي، مبرزةً عري ظهرها ومنحنياتها بوقاحة آسرة.

التمعت عينا مصطفى ببريق الشهوة، وسرى الخدر في عروقه وهو يتأملها بنهم، خاصة بعدما علم بنظرة سريعة أن الشقة خالية تمامًا، وأن الأجواء مهيأة لهما بمفردهما. اقترب منها بخطوات لاهثة، لكنها فاجأته بأن هبت واقفة وتراجعت للخلف، وهي تصرخ في وجهه ممتعضة، عاقدة حاجبيها بتأفف

- ابعد عني كده يا مصطفى... إيه الريحة دي؟ جاز وشحم على الصبح؟ أنا مش قادرة أتحمل

ثم تلوت شفتاها بتمثيل متقن وهي تتصنع الإعياء الشديد، وتابعت تشتكي بنبرة متباكية مسمومة

- أنا ضهري انكسر من النجمة في تنظيف البيت وطبخ الأكل وتربية الولد، وست حور هانم صابحة من بدري صايعة في الشوارع ومحدش قادر عليها ولا كاسر لها كلمة، سايبالي الشقا كله ونازلة تتدلع

كانت سمر ترمقه بطرف عينها، تراقب بدقة ملامح وجهه التي بدأت تحتقن بالـغضب وتأثير كلماتها المحرضة عليه. ابتسمت في أعماقها بخبث ولؤم بعدما تأكدت أنها أصابت هدفها بدقة، فأرادت أن تزيد النار اشتعالاً لتكسب جولتها الكبرى، فاقتربت منه خطوة وتمايلت بجسدها قائلة بنبرة ذات دلال وعتب

- أنا تعبت من العيشة دي يا مصطفى.....بيت مقرف مش عارفة آخد راحتى خالص، لا عارفة أخد راحتي في بيتي ولا ألبس اللي على هوايا وأتدلع لجوزي

انمحت عقله فكرة العمل والجهد، وأعماه سحر جسدها وكلماتها. اقترب منها بجاذبية لا تقاوم، وجذبها من خصرها بقوة نحو صدره العريض حتى التزق جسداهما تمامًا، وهمس بفحيح لاهث يملؤه الرغبة العارمة وهو يدفن وجهه في عنقها العاري، مستنشقًا عطرها النفاذ بقبلات ساخنة ومتلاحقة تداعب بشرتها

- حقك عليا يا قلبي.. متزعليش، والنعمة في كتاب الله لأربيها، حور دي هربيها.... بس تعالى دلوقتى

تلاشت ملامح التمنع من وجه سمر وحلت مكانها نظرة خاضعة مستسلمة لسطوته، وتجاوبت معه بنعومة ودلال التفت فيه ذراعاها حول عنقه بقوة، تارة تبادله الأنفاس اللاهثة، وتارة تغرس أظافرها في كتفيه بإثارة. لم يحتمل مصطفى هذا الفيضان من الدلال، فانحنى وحملها بين ذراعيه بخفة، بينما رصعت سمر وجهه بقبلات متفجرة، ليتجه بها بخطوات سريعة متخبطة نحو غرفة نومهما..

وهنا.. نغلق نحن باب الغرفة وباب الشقة أيضًا، فالبيوت أسرار، ولندع الأحداث تأخذ مجراها خلف الأبواب المغلقة، بانتظار ما ستسفر عنه العاصفة القادمة لحور عند عودتها.

✨✨✨✨✨✨✨

وصلت حور إلى البناية التي تقطن بها صديقتها جنة. وقفت لوهلة تتأمل الطراز الحديث للعمارة، ثم دلفت إلى الداخل. اتجهت أنظارها نحو باب المصعد المعدني، فتملكها خوف طفولي غريب، وتخيلت وكأن ذلك الصندوق الحديدي وحش يتربص بها؛ فلوحت له بذعر مضحك، والتدفت نحو السلم تركض صعودًا على الدرج بنشاط لم تخلُ منه الرهبة.

وصلت إلى باب الشقة وهي تلهث بشدة، تكاد أنفاسها تنقطع، ووقفت تحاول تنظيم شهيقها وزفيرها وهي تطرق الباب بيدين مرتعشتين. انفتح الباب لتطل منه جنة، التي تطلعت إليها بدهشة عارمة من منظرها اللاهث وكأنها كانت في سباق للجري، وتساءلت بذهول عن حالتها، لتجيبها حور بنبرة مقطوعة وهي تستند إلى الجدار

- طلعت على السلم.. رجلي انكسرت.

انفجرت جنة ضاحكة بصوت عالٍ؛ فهي تعلم علم اليقين مدى فوبيا حور وخوفها المرضي من المصاعد، وجذبتها من يدها تدعوها للدخول

- ادخلي يا خوافة، دايماً عاملة لنا مناحة من الأسانسير.

دلفت حور إلى ردهة الشقة، ودون مقدمات، أخرجت من حقيبتها الصغيرة ورقة النتيجة الرسمية الخاصة بجنة ومدتها إليها. تلقتها جنة بلهفة وفرحة عارمة كادت تطير بها؛ فاليوم أعلنت شهادة تخرجها الرسمية، وبات بإمكانها أخيرًا الزواج من حبيبها الذي انتظر هذا اليوم بفارغ الصبر.

استغلت حور هذه اللحظات لتلتقط أنفاسها وتستعيد توازنها، ثم هبت واقفة فجأة، ورسمت علامات غضب مصطنعة على وجهها الصبوح، وتساءلت بعصبية ونبرة عتاب

- ممكن أسمع بقى إيه سبب شحططتي دي؟ وليه تخليني أروح أجيب نتيجتك أنا بالنيابة عنك، مع إنك صحتك زي البمب وتقدرى تمشي على رجليكي؟

اقتربت جنة منها بأسف مبتسمة، وطبعت قبلة حانية على وجنتها الناعمة ثم احتضنتها بقوة، معتذرة عن ذلك المجهود الذي بذلته حور بالنيابة عنها، وقالت بنبرة حماسية

- حقك عليا يا حوري متزعليش.. والله غصب عني، ابن خالتي لسه راجع من السفر النهاردة بعد غياب سنين، وأنا مع خالتي في بيتها من يومين بنجهز كل حاجة، لسه داخلة بيتنا مفيش من شوية صغيرة

شعرت حور بالشفقة والالتماس لصديقتها عقب سماع عذرها. تلاشت عصبيتها، وضربت جنة بخفة ودلال على كتفها، لتشرق على شفتيها المكتنزتين تلك الابتسامة الرقيقة الساحرة التي تميزها، وتزينت وجنتيها بالغمازتين المحفورتين اللتين تزيدان وجهها فتنة وبهاءً، وقالت بحب

- مبروك يا حبيبتي، ربنا يسعدك ويتمملك على خير.

همت حور بالانصراف بالرغم من توسلات جنة الحارة وإلحاحها الشديد بأن تمكث معها لتقضيا بعض الوقت معًا، إلا أن حور رفضت بلطف وغادرت البناية.

لم تكن حور ترغب في العودة إلى المنزل قط؛ فهي تعلم جزيئات الوقت بدقة، وتعلم أن والدها الحنون ما زال مرابطًا في عمله، بينما شقيقها القاسي مصطفى قد عاد حتمًا إلى الشقة. شعرت بنفور جارف وضيق في صدرها من فكرة مواجهة ذلك الأخ المتجبر، وزوجته الأفعى سمر التي تتفنن في معاملتها بأسوأ ما يكون وإذلالها في غياب أبيها.

راحت حور تجوب الشوارع والحواري العتيقة بخطى وئيدة هائمة، مستسلمة لدوامة الأفكار التي بدأت تنهش عقلها؛ لقد أنهت دراستها رسميًا اليوم، فماذا بعد؟ ماذا ستفعل في الأيام القادمة وما هو مصيرها المجهول؟ بالرغم من جمالها الصارخ الذي جعل الكثير من شباب الحي يتقدمون لخطبتها طوال الفترات الماضية، إلا أنها كانت تقابل كل طلب بالرفض القاطع؛ لعلمها ويقينها التام أن هؤلاء الخطاب لم يأتوا إلا من طرف زوجة أخيها سمر وبتدبير خبيث منها، للتخلص منها وإلقائها لأي شخص.

لم تشعر حور كم مضى من الوقت وهي تمشي على غير هدى في أزقة القاهرة، حتى بدأت خيوط الشمس الذهبية بالانكسار، وشعرت بآلام مبرحة تنهش أقدامها الصغيرة، وتسلل الوهن والضعف إلى كامل جسدها الممشوق؛ فهي لم تتناول أي لقمة أو قطرة ماء منذ استيقاظها صباحًا من فرط القلق.

وجدت نفسها في نهاية المطاف تعود بخطى مكسورة نحو مربع بيتها؛ فالمنزل بالنسبة إليها رغم قسوته وجحيمه، يظل شرًا لابد منه، ومأوى لا بديل عنه لتسند رأسها المتعب وتواجه ما تخبئه لها الساعات القادمة خلف الباب المغلق.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • أسوار العشق    البارت الخامس والعشرون

    لم يتبقَّ سوى القليل من الوقت على ذلك الموعد الحاسم، الموعد الذي حدده حسن لإصطحابها هي ووالدها لمعاينة عش الزوجية، والانطلاق بعدها لشراء مستلزمات العرس. كانت حور تقف أمام المرآة، تتأمل تفاصيل وجهها بذهول، وكأن الصورة المنعكسة أمامها تخص فتاة أخرى لا تعرفها. غرقت في بحر من الشرود، وراحت تهمس لنفسها بحيرة طفولية - يا ترى حسن اختارني عشان جمالي؟ ولا عشان إيه بالظبط؟ صمتت لثانية، ثم ابتسمت بسخرية من أفكارها وتابعت - إيه الهبل اللي أنا بقوله ده! أكيد عشان جمالي.. هو يعني لحق يحبني من أول نظرة؟ لكن قلباً نابضاً بالداخل انتفض ليرد عليها - وإيه المشكلة؟ ما أنا كمان حبيته من أول نظرة عادت الهواجس لتطرق عقلها البكر - طب بفرض إن جمالي ده ضاع في يوم من الأيام.. هيعمل إيه؟ ضربت كفاً بكف ونهرت نفسها بقوة - بطلي بقى كلام الأفلام والروايات ده، واحمدي ربنا على النعمة.. كفاية إني بكرة هخرج من البيت ده، وأرتاح من وش مصطفى ومراته بينما كانت مستغرقة في تلك المناظرة النفسية، اخترق خلوتها صوت طرقات والدها الحانية على الباب، وهو ينادي بنبرة مبهجة - يلا يا حور يا بنتي.. حسن بره ومستني

  • أسوار العشق    البارت الرابع والعشرون

    أشرقت شمس الصباح الدافئة، لتعلن بنورها الساطع عن مولد فجر جديد انشق من بين ضلوع الظلام القاتم، وبدد عتمة الخوف التي كانت تسكن الأرجاء. تسللت أشعة الضحى برفق عبر ستائر الغرفة، لداعبت تلك الأهداب الكثيفة لحور. فتحت عينيها بتثاقل، ونظرت حولها بنعاس، لتجد الدبدوب الأحمر القابع بين أحضانها ما زال يسكن مكانه ويدفئ مضجعها. انفرجت أساريرها وابتسمت من أعماق قلبها؛ فقد أيقنت الآن أن ما عاشته بالأمس لم يكن مجرد حلم وردي عابر، بل هو واقع ملموس وحقيقة ستغير مجرى حياتها. رفعت الدبدوب، ألقت عليه تحية الصباح العفوية وقبلته برقة، قبل أن يقطع خلوتها صوت طرقات متتالية على باب الغرفة. نهضت حور من فراشها، وعدلت هندامها ثم فتحت الباب، لتتفاجأ بزوجة أخيها سمر تقف أمامها وهي تحمل ابنها آدم على كتفها بضيق، وقالت بنبرتها الآمرة المعتادة - صباح الخير يا حور.. خدي آدم خليه جنبك و خللى بالك منه لحد ما أرجع من الشغل كالعادة. تجمعت الحمرة في وجنتي حور وشعرت بخجل شديد أخرس لسانها؛ راحت تبحث عن كلمات رقيقة تسعفها في هذا الموقف الصعب، لكن العبارات تبخرت وتركتها تواجه مأزقاً حرجاً. أخذت نفساً خفيفاً وقالت بأسف حقيق

  • أسوار العشق    البارت الثالث والعشرون

    عقب إنصراف الضيوف، وإغلاق الباب على أصداء أقدامهم، وقفت حور في ردهة المنزل يتملكها طوفان من مشاعر غريبة وعذبة، عجزت عن تفسيرها أو وضع مسمى لها. لكن الشيء الوحيد الذي كانت تدركه وتستشعره بيقين، هو تلك السعادة العارمة التي تجتاح صدرها؛ سعادة حقيقية افتقدتها منذ سنوات طوال، وتحديداً منذ ذلك اليوم البعيد الذي ظهرت فيه نتيجتها في الشهادة الإعدادية وحققت فيه نجاحاً باهراً. في زاوية الصالة، كانت سمر تقف واجمة، ترمقها بنظرات حقد مسمومة وكراهية تقطر من عينيها، بيد أن حور تعمدت التغاضي تماماً عن تلك النظرات البائسة؛ فلن تسمح اليوم لأي أشياء عقيمة أو نفوس مريضة أن تعكر صفو مزاجها الراقص فرحاً. أدارت ظهرها ودلفت إلى غرفتها لتستريح، ولم تمر لحظات حتى لحق بها والدها عادل، والابتسامة ترتسم على وجهه المتعب الذي تبدلت ملامحه إلى الراحة. كان يحمل في يده حقيبة هدايا أنيقة، واقترب منها يطبع قبلة حانية على جبينها وهو يمد يده بالحقيبة قائلاً - خدى يا حبيبتي.. دي هدية حسن ليكِ، كان جايبها معاه وهو داخل في أول الزيارة ونساها في الصالون. تطلع عادل إليها بنظرات تفيض بالفخر والسعادة، ثم انصرف وأغلق الباب خل

  • أسوار العشق    البارت الثانى والعشرون

    عادت حافلة العائلة إلى المنزل، وترجل منها حسن وهو يشعر بجسده خفيفاً كأنه لا يطمس بقدميه فوق الرصيف؛ فقد أطاحت به الفرحة العارمة في فضاءات بعيدة، واكتست خطواته مرونة وحيوية افتقدها منذ سنوات غربته الطويلة. دلف إلى ردهة المنزل بجسد حاضر وعقل مغيب تماماً، غارقاً في تفاصيل وجه حور ونبرات صوتها التي ما زالت تعزف في أذنيه. لم يكن حسن عابئاً بالجدل الساخن الدائر بين أفراد عائلته في الصالون؛ حيث كان عصام ما زال متشبثاً بوقاره المصطنع واعتراضه الحاد، قائلاً بنبرة يملؤها التحذير - يا جماعة اسمعوني بس، البنت أصغر منه بسنين كتير، جيل غير الجيل.. طريقة تفكيرها وعيشتها مش هتناسب طبيعة حسن ولا حياته بره، الجواز مش شكل حلو وخلاص برى محمد قلم الدفاع سريعاً ليقف في صف أخيه، ورد بمؤازرة حماسية - بالعكس يا عصام، أنا شايف إن في بينهم قبول وتآلف من نوع خاص جداً.. تآلف رباني ظهر ووضح أوي في كلامهم ونظراتهم مع إنها أول مرة يقعدوا مع بعض بجد. وبعدين أنا مع حسن وبأيده جداً في فكرة إنه ياخدها معاه الإمارات، ده حقهم يبنوا حياتهم سوا من أول يوم. سقطت الكلمات في روع حسن، فانتفض من شروده وانتبه للحديث، لكنه تر

  • أسوار العشق    البارت الحادى والعشرون

    يلتفت للكلمات بقدر ما فتنته عفوية طريقتها التي سحرت لبه، فرد بهيام ومرح - أعمل إيه طيب؟ ما أنا واقف قدام لوحة جميلة، وبسمع لحن أجمل. لمح في عينيها لمحة شرود، وكأنه قرأ أفكارها وسر توجسها. استدار ونظر إلى الشارع محاولاً السيطرة على نبضاته المتسارعة، هامساً لنفسه بالتمهل فستكون ملكه بعد أسبوعين. ثم قال وهو ما زال ينظر للخارج - عارف إنك زمانك بتقولي في سرك ده بياع كلام، حافظ كلمتين وجاي يثبتني بيهم. اتسعت عينا حور دهشة؛ فقد كان هذا تحديداً ما يدور في عقلها! صمتت تستمع إليه بفضول، فالتفت إليها بملامح كستها الجدية والصدق، وسألها - أنتِ عارفة أنا عندي كام سنة؟ هزت رأسها نفيًا بحيرة؛ فهي لم تهتم بالسؤال ولم يخطر ببالها. أخذ حسن نفساً عميقاً، ومد ساعديه على سور الشرفة قائلاً بعمق - بصي.. لو بشهادة الميلاد فأنا عندي اتنين وتلاتين سنة. ولو بحساب المواقف الصعبة والوجع اللي عشته يبقى عندي متين سنة.. أما بحساب العمر اللي فرحت فيه بجد.. فهو يدوب خمس دقايق، من ساعة ما شفتك. لامست كلماته العميقة شغاف قلبها، ونظرت إليه بعينين يملؤهما التعاطف والشفقة؛ فقد شعرت من نبرته بحجم المعاناة التي عاشها

  • أسوار العشق    البارت العشرون

    يجلس عادل وحور أمام شاشة التلفاز بجسدين حاضرين وعقلين غائبين؛ فكل نبضة تمر تقربهما من الموعد الحاسم. كانت حور مأخوذة بفيضان مشاعرها، تتساءل بوجل... هل سينتهي الأمر هنا؟ فذلك الرجل الذي لم تلتقِ به إلا لماماً، زرع في صدرها راحة عجيبة هزت قناعاتها السابقة بالرفض، وجعلتها تترقب قدومه بلهفة خفية أنكرتها على نفسها. وفي تلك الأثناء، كان عادل يحمل على كتفيه هماً أثقل من الجبال؛ شارد الذهن في كيفية تدبير تكاليف جهاز ابنته، ولديه يقين دامغ بأن ابنه مصطفى لن يمد له يد العون ولو بنذر يسير، فأنانيته أعمت بصيرته. أما في الغرفة المجاورة، فكانت سمر تجوب الأركان كالنمر الحبيس، ينهش الغضب ملامحها وهي تنزل اللعنات على زوجها مصطفى لعجزه عن إيقاف هذه الزيجة. كان مصطفى يستمع إلى ثورتها بدهشة واستنكار؛ فما الذي يهمها إن تزوجت حور أو عنست؟ في كلتا الحالتين لن يدفع هو قرشاً واحداً، لكنه آثر الصمت تجنباً للسيد جلال الذي يسكن تفكير زوجته في الخفاء. قطع هذا التوتر صوت جرس الباب. انتفضت حور كعصفور ذعور وركضت لتهرع إلى غرفتها، بينما نهض عادل بأنفاس متثاقلة ليفتح الباب. وما إن سحب الترباس حتى أطل وجه حسن، وعينا

  • أسوار العشق    البارت الثامن عشر

    بينما كان عادل منهمكاً في عمله الشاق، يتصبب عرقاً ويسابق الوقت لإنجاز مهامه، تناهى إلى مسامعه صوت مألوف أتاه من الخلف يلقي عليه التحية بنبرة بشوشة وابتسامة دافئة. التفت عادل، وتجمد في مكانه لبرهة يرد التحية بشرود وعقل مضطرب؛ تضاربت الأفكار في رأسه كعاصفة مفاجئة، وساوره ظن سيئ بأن الشاب قادم اليوم

  • أسوار العشق    البارت السابع عشر

    عاد حسن إلى المنزل بصحبة والدته وأخويه، والوجوم الذي كان يعلو وجهه قبل الزيارة قد تبدد تماماً، ليحل محله هدوء مريب وهوام لم يخفَ على أحد منذ أن وطئت قدماه بيت حور.جلس في الصالون بجوارهم، بجسد حاضر وعقل غائب؛ فما زالت تلك الكلمات القليلة المتعثرة التي تفوهت بها وهي تستأذن للمغادرة ترن في أذنيه، تطر

  • أسوار العشق    البارت السادس عشر

    أنهت فرح جولتها اليومية بنفاد صبر وإرهاق شديدين، وزاد من ثقل اليوم عليها غياب أخيها الأصغر الذي اعتاد مرافقتها، لكن وعكة صحية مفاجئة ألزمته الفراش وحرمتها من سند وجوده بجوارها. وقفت على عتبة الجمعية، تفرك كفيها بقلة حيلة وتجول ببصرها في أرجاء الشارع بحثاً عن سيارة أجرة تقلها إلى المنزل. وفي لمح ال

  • أسوار العشق    البارت الخامس عشر

    كان يقف أمام المرآة شاردًا، يتلمس أطراف قميصه وهو يبدل ملابسه بخطوات آلية وئيدة. غام في بحر من الهواجس، فها هو يستعد للذهاب إلى فتاة لا يعلم عنها شيئًا، حتى اسمها تاه من عقله المزدحم بتفاصيل السفر والعمل وترتيبات الشقة. بدأ بدافع الفضول البشري يحاول رسم ملامحها في مخيلته؛ حاول أن يركّب وجهًا في خ

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status