بيت / الرومانسية / أسياد الوجع / خيوط الفخ الخفي

مشاركة

خيوط الفخ الخفي

last update تاريخ النشر: 2026-05-24 22:09:17

انقشعت أنوار الحفل الأسطوري مع تباشير الصباح الأولى، وحلّت السكينة المؤقتة على أرجاء قصر "الراوي"، لكنها لم تكن سكينة راحة، بل كانت أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة في الأسواق. في الجناح الرئيسي الفخم، كانت خيوط الفجر الأولى تتسلل بنعومة من بين الستائر الحريرية المطرزة، لتلقي بظلالها الدافئة على "تولين" المستلقية في سبات عميق، ووجهها يحمل مسحة من السلام الذي غاب عنها لشهور. كان شعرها الحريري منسدلاً على الوسادة، ويدها الرقيقة ما زالت متمسكة بطرف الغطاء، كأنها تخشى أن يستيقظ قلبها ليجد أن هذا الدفء كله كان مجرد سراب عابر.

بجانبها، كان "مالك" مستيقظاً منذ ساعات. لم يكن جسده المرهق يمنحه رفاهية النوم الطويل؛ فالألم الطفيف الخفي في موضع البتر كان يذكره دائماً بضريبة الوقوف عنيداً في وجه العواصف. اعتدل في جلسته ببطء شديد مستنداً على ذراعه، وتأمل وجه زوجته وحبيبته بنظرة طويلة تفيض بالرومانسية العذبة والنقاء. امتدت أصابعه الطويلة لتبعد خصلة متمردة من شعرها عن وجهها بحنان حارق، ودندن في سره بوعود حماية أقسم ألا ينكثها أبداً. بالنسبة لمالك، أصبحت "تولين" هي الحصن الحقيقي، والملجأ الوحيد الذي يفر إليه من قذارة المؤامرات وصراعات الملايين.

تحرك "مالك" ببطء، وتناول عصاه الأبنوسية الفخمة ذات المقبض الفضي المستقرة بجانب الفراش. نهض مستنداً عليها بخطوات باتت أكثر ثباتاً، ورغم الألم، كان عناده وجبروته يمنعانه من إظهار أي ضعف. ارتدى ملابسه الرسمية؛ حُلة سوداء كلاسيكية أنيقة تناسب خروجه الأول كرئيس تنفيذي متوج بعد الأزمة، وتوجه نحو الطابق السفلي حيث كان "ياسين" و"آسر" في انتظاره في مكتب القصر الخاص، والوجوه واجمة تحمل علامات الترقب.

دلَف "مالك" إلى المكتب، وضغط بعصاه على الأرضية الخشبية ليُعلن وجوده، وقال بنبرة حادة وصارمة اخترقت الصمت:

— صباح الخير يا جماعة. آسر.. التقرير النهائي لحركة الشحن والجمارك الخاصة بالأسبوع الجديد جاهز؟ عايز أطمن إن الشغل رجع لمجراه الطبيعي قبل ما أتحرك للشركة النهارده.

وقف "آسر" وتقدم نحو طاولة العمل الضخمة، وعيناه تحملان قلقاً لم يستطع إخفاءه، وقال بنبرة خفيضة:

— صباح النور يا مالك.. مبروك مرة تانية يا صاحبي. التقرير جاهز، وحركة الشغل مستقرة بالكامل، والأسهم رجعت لسيطرتنا بنسبة مية في المية بعد تصفية حسابات طارق وشاكر الجويلي. بس في حاجة غريبة ظهرت الصبح في سيستم الميناء بالإسكندرية.. في شحنة ضخمة من قطع غيار المعدات الثقيلة مسجلة باسم شركات "الراوي"، وداخلة الرصيف رقم 7 الأسبوع الجاي.. المصيبة إن الشحنة دي مفيش ليها أي طلب شراء رسمي في دفاتر الإدارة عندنا، ولا عليها إمضاء مني أو من ياسين!

عقد "مالك" حاجبيه الصقريين بتركيز شديد، وضيق عينيه ببريق غاضب:

— يعني إيه الكلام ده؟ شحنة تدخل باسم شركتي من غير علمي؟! مين اللي مصلحته يسجل حاجة زي دي باسمنا بعد القبض على طارق؟

تدخل "ياسين" وعلامات التوتر ترتسم على وجهه المرح:

— مالك.. أنا كلمت مدير الجمارك هناك خفية، وقالي إن الأوراق الرسمية للشحنة دي طالعة من شهور، وعليها إمضاءات وتوثيقات قديمة من مكاتب شاكر الجويلي قبل ما يتم القبض عليه! الأوراق سليمة قانوناً في الميناء، بس بره حساباتنا إحنا تماماً.. أنا خايف يكون طارق ساب لنا لغم ينفجر فينا وهو جوه السجن.

استند "مالك" بكامل ثقله على عصاه، وجالت في عقله أفكار معقدة. التفت إلى آسر وتحدث بصلابة كالحجر:

— آسر.. الشحنة دي وراها حوت كبير في السوق. طارق وشاكر كانوا مجرد واجهة وأدوات غبية. في حد استغل اسم "الراوي" وعلاقاتنا القديمة عشان يمرر حاجة ضخمة بره الرقابة.. تحرك فوراً للإسكندرية، مش عايز الشحنة دي تلمس الرصيف ولا تخرج من الميناء لحد ما نفحص كل صندوق فيها بنفسنا بالورقة والقلم. اللي بيلعب معايا اللعبة دي، مش عارف إن مالك الراوي صاحي لكل نفس في السوق.

رد "آسر" بحسم:

— مفهوم يا مالك.. هتحرك حالا ومعايا القوة القانونية، ومش هسيب صندوق واحد يمر بره عيونا. خلي بالك من نفسك ومن الشركة النهارده.

في نفس الوقت، في الطابق العلوي.. استيقظت "تولين" فجأة بعد مغادرة مالك. التفتت بجسدها فلم تجده بجانبها، فداهمها قلق طفيف تلاشته سريعاً حين تذكرت أنه بات زوجها ورجلها الذي عاد ليمسك بزمام الأمور. نهضت برقة، وارتدت فستاناً من الحرير الناعم بلون وردي هادئ يبرز نقاء بشرتها وشحوبها الجميل الذي بدأ يزول مع مشاعر السعادة الجديدة.

نزلت إلى البهو السفلي، لتجد شقيقتها "ليان" ووالدتها السيدة "فريدة" تجلسان في ردهة الطعام. اقتربت منهما بابتسامة ناعمة تفيض بالخجل:

— صباح الخير يا ماما.. صباح الخير يا ليونتي.

قامت "ليان" بسرعة واحتضنتها بفرحة عارمة:

— يا صباح الورد والياسمين على أحلى عروسة في الدنيا! القصر منور بيكي يا توتة.. طمنيني، عاملة إيه؟ ومالك باشا صحي بدري ونازل المكتب تحت كأنه داخل معركة حربية من أول يوم!

جلست "تولين" ووضعت يدها على وجنتها بخجل:

— مالك طبعه كدا يا ليان.. الشغل في دمه، وأنا مش عايزة أقف في طريقه أو أعطله. المهم عندي إنه يكون مرتاح ونفسيته أحسن بعد الصدمة اللي عاشها بسبب طارق وأمه.

قالت السيدة "فريدة" بنبرة حانية وموجوعة:

— ربنا يهديه ليكي يا بنتي ويحنن قلبه عليكي دايماً.. مالك راجل وصانك قدام الكل بارح، بس الشغل وعالم رجال الأعمال ده مليان وحوش، وأنا قلبي مش مطمن من ساعة موضوع طارق.. خايفة الحقد يكون لسه مخلصش، والناس بره متسيبش جوزك في حاله بعد اللي حصل لرجله.

طمأنتها "تولين" وهي تمسك بيدها:

— متقلقيش يا ماما.. طالما إحنا كلنا مع بعض وإيدي في إيد مالك، مفيش مخلوق هيقدر يكسرنا.. مالك قوي بيا، وأنا هكون حمايته وأمانه دايماً.

عند الساعة الحادية عشرة صباحاً.. وصل "مالك الراوي" إلى المقر الرئيسي لشركاته بوسط القاهرة. انفتح باب السيارة الفارهة، وخرج بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي؛ يستند على عصاه الأبنوسية الفخمة ذات المقبض الفضي المصمت، ويخطو بخطوات بطيئة لكنها ثابتة تضرب الرخام بإيقاع حازم هز أركان الشركة. اصطف الموظفون ومديرو الإدارات على الجانبين بتحية تملاها الهيبة والخوف؛ فقد ظن البعض أن حادث البتر سيجعله عاجزاً أو متوارياً عن الأنظار، لكن ظهوره المفاجئ بحُلتة السوداء وعينيه الصقريتين الحادتين أثبت للجميع أن الأسد قد عاد لعرينه أشد شراسة.

دلَف "مالك" إلى مكتبه الفخم، وجلس خلف طاولة العمل الضخمة، ووضع عصاه بجانبه. لم تكد تمر دقائق حتى انفتح الباب ودخل السكرتير الخاص بوجه شاحب يحمل بطاقة عمل فاخرة:

— مالك باشا.. في حد بره طالب يقابل حضرتك فوراً وبشكل شخصي.. مش راضي يتكلم مع سكرتارية الإدارة، وقالي أسلّم لحضرتك الكارت ده بالذات.

أخذ "مالك" الكارت، ونظر إليه لتتسع عيناه ببريق غاضب ومفاجئ. كان الاسم المكتوب بخط مذهب بارز هو: "رأفت المنشاوي".. الحوت الأكبر والمنافس التقليدي لعائلة الراوي!

ضغط "مالك" على الكارت بيده اليسرى بقوة حتى تجعد، وقال بنبرة صوت جافة وخالية من التردد:

— خليه يدخل حالا.

انفتح الباب، ودلَف "رأفت المنشاوي" بكامل وقاره الثعلبي؛ رجل في الخمسين من عمره، يرتدي ملابس فخمة، وعلى وجهه ابتسامة خبيثة تفيض بالمكر والشماتة المبطنة. تقدم بخطوات واثقة وجلس على المقعد المقابل لمالك دون انتظار دعوة، ونظر إلى عصا مالك المستقرة بجانبه، ثم قال بصوت أجش يحمل فحيح الأفاعي:

— ألف مبروك على الجواز يا مالك باشا.. والحمد لله على سلامتك بعد الحادثة المأساوية دي. السوق كله كان زعلان عشانك، بس ما شاء الله.. رجعت واقف على رجليك.. أقصد واقف بعصايتك بكامل شياكتك وجبروتك.

لم تحرك كلمات "رأفت" المستفزة شعرة واحدة في وجه مالك الرخامي؛ بل مال بجسده للأمام، ونظر في عيني رأفت مباشرة ببرود قاتل:

— الله يسلمك يا رأفت بيه.. ومظنش إنك جاي تعزيني في رجلي أو تباركلي على جوازي في نص ليل أو أول النهار كدا.. اتكلم دغري وهات اللي عندك، وقت مالك الراوي غالي والشركة مش مكان للمجاملات الرخيصة.

اختفت الابتسامة تدريجياً من وجه "رأفت"، وحلّت مكانها نظرة تملأها الكراهية والتحدي، وقال بصوت منخفض:

— تمام يا مالك.. ندخل في المفيد. أنا جاي أعرض عليك صفقة العمر.. صفقة هتحميك وتحمي اسم عيلتك من فضحية دولية وشيكة. شركات المنشاوي مستعدة تشتري حصتك وحصة عمك عاصم في قطاع الجمارك والنقل البحري بالكامل.. وبالمقابل، أنا هقفل ملف الشحنة الكبيرة اللي داخلة الرصيف رقم 7 الأسبوع الجاي باسم شركات الراوي.. شحنة السـ،ـلاح والمواد المهربة اللي طارق وشاكر الجويلي رتبوها بالاتفاق مع شبكات دولية قبل ما يدخلوا السجن!

تصلب جسد "مالك" تماماً، واشتعلت عيناه بجمر الغضب، لكنه حافظ على بروده المخيف، وتابع "رأفت" بخبث عارم:

— الأوراق طالعة باسم شركتك يا مالك.. والبوليس الدولي والمخابرات عندهم علم بالشحنة ومستنيين أول صندوق يلمس الرصيف عشان يلفوا حبل المشنقة حوالين رقبتك ورقبة عيلتك بتهمة تـ،ـهريب السـ،ـلاح الدولي وتخريب الأمن القومي! لو بعتلي الحصة النهارده.. الشحنة دي هتتحول باسم شركات وهمية بره مصر، واسم الراوي هيفضل نظيف في السوق.. فكر كويس يا عريس، العرض ده مش هيتكرر، والعصاية دي مش هتنفعك جوه الزنزانة!

قام "مالك" من مقعده فجأة بحركة حازمة وقوية، واستند على عصاه الأبنوسية بكل جبروته، واقترب من مكتب رأفت ليقف فوق رأسه كالملاك الحارس الغاضب، وقال بصوت جهوري زلزل جدران المكتب:

— اسم الراوي مبيتلويش دراعه بتهديد من أشكال الصراصير اللي زيك يا رأفت!! طارق وشاكر كلاب ومرميين في السجن، والشحنة اللي بتتكلم عنها دي لو فيها مسمار واحد يمس أمن البلد دي، أنا بنفسي اللي هسلمها للحكومة! شركات الراوي قايمة على الأصول والنقاء، والكلب اللي فكر يلعب من ورا ضهري عشان يوقعني، هيكون حفر قبره بإيده! اطلع بره مكتبي حالا.. وقول للي مشغلينك إن مالك الراوي لسه واقف بطوله، والإمبراطورية دي هتدفنكم كلكم قبل ما تتهز شعرة واحدة منها!!

انتفض "رأفت المنشاوي" واقفاً، وتغير لونه للون الأحمر العنيف من شدة الغيظ، ونظر إلى مالك بوعيد مرعب:

— ماشي يا مالك.. أنت اللي اخترت الخراب بنفسك وبكبرياءك الأعمى! الأسبوع الجاي لما الشحنة توصل والكلابشات تتلف حوالين إيدك، متجيش تعيط وتطلب الأمان.. نهايتك قربت، والمرة دي مش هتلاقي رجل صناعية تقف عليها!

خرج "رأفت" من المكتب وأغلق الباب بعنف أحدث رنيناً قذراً في المكان.. بينما بقي "مالك" واقفاً بمفرده، يستند على عصاه بقلب ينبض بالغضب العارم والتحدي، وتيقن في تلك اللحظة أن الفخ الدولي الجديد قد أُحكم حول رقبة عائلته، وأن مواجهة مروعة وساخنة بانتظاره في الأيام القادمة ستحرق الأخضر واليابس في السوق!

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أسياد الوجع   الإمبراطور يكسر القيد

    كانت شمس مطلع الفجر تشق عباب السماء بخيوطٍ ذهبية دافئة، تنعكس على جدران قصر "الراوي" الأثرية العتيقة كأنها تمهد الساحة لحدثٍ يترقبه التاريخ المالي والاجتماعي للبلاد. لم تكن هذه النسمات الصباحية لتمر برداً وسلاماً، بل كانت تحمل في طياتها ملامح إعصارٍ قادم من غياهب الصعيد، إعصارٍ لا يبقي ولا يذر، يوشك أن يزلزل عروشاً شُيدت في دهاليز لندن وروما.بفضل وثائق البراءة الجديدة القاطعة التي نسج خيوطها "آسر" بدهاءٍ محاسبي وفني لا غبار عليه من واقع الدفاتر السرية، ومصحوبةً بالتنازل الرسمي الموثق بالدم والمختوم بأختامٍ سيادية والذي قدمه "عبد السلام" باشا لإبراء ذمة زوج ابنته، تحطمت الأغلال. تم الإفراج عن "مالك الراوي" بالأصول الصارمة والوجاهة الاجتماعية الباذخة التي تليق باسمه؛ فلم يكن خروجه مجرد إخلاء سبيل عابر، بل كان زفة ملوكية، وموكباً مهيباً تناقلت أنباءه وكالات الأنباء بره وجوه مصر، ليعلن للجميع أن الصقر قد استرد سماءه، وأن القيد لم يكن إلا استراحة محارب.انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة للبهو الفسيح، ودخل مالك الراوي.كان دخوله أشبه بعاصفة صامتة تجتاح المكان برائحة السيطرة والرج

  • أسياد الوجع   عودة الميت

    كان الصمت الذي أعقب دوي الطلقات الغامضة في ردهات القصر أشبه بسكون المقابر الذي يسبق البعث، صمتٌ ثقيل، لزج، تفوح منه رائحة البارود المحترق والأنفاس المحبوسة في غياهب الفزع. انقشعت غيابة الظلمة ببطء حين عادت الأضواء الخافتة لتداعب جدران المكتب الأبنوسي المغلق لـ "مالك الراوي". وعلى الأرض، كانت جثث المرتزقة الذين حاولوا التصفية ممددة بلا حراك، بعد أن باغتها رصاصٌ مجهول المصدر من النوافذ العلوية الشاهقة، بينما كانت "تولين" تقف مذهولة، كفها المخملية ما زالت متشبثة بقبضة عصا مالك الأبنوسية، وجسدها الممشوق يرتعش بعنفوانٍ يمزج بين رعب اللحظة وأنوثتها الطاغية التي لم يزدها الخطر إلا بريقاً وجاذبية. في تلك اللحظة الرهيبة، انفتح الباب الخشبي الضخم للمكتب ببطء يحمل هيبة جنائزية. دخل رجلٌ يجر خطاه بثقل، رجلٌ ترتعد الفرائص لرؤيته. كان يرتدي معطفاً صوفياً رصاصياً قديماً، ملامحه غائرة كأخاديد حفرها الزمن والقهر، ولحيته البيضاء الكثة تنطق بعقدٍ من العذاب والتواري. وقف في منتصف القاعة وسط ذهول "آسر" الذي تجمدت الدماء في عروقه، وشلل "ياسين" الذي كان جاثياً في زاوية الغرف

  • أسياد الوجع   جَبَرُوتُ العَرْشِ

    كان برج "الراوي" الإداري الشاهق ينطح سحاب العاصمة كمسلة من زجاج وفولاذ، يعكس أشعة الشمس الحارقة التي تبدو واهنة أمام برودة الصراع الدائر في ردهاته. في الطابق الخمسين، كانت قاعة الاجتماعات الكبرى لقطاع الموانئ مهيأة لاستقبال إحدى أخطر جلسات الجمعية العمومية الطارئة في تاريخ المجموعة. الطاولة البيضاوية المصنوعة من خشب الجوز النادر يحيط بها حيتان السوق، رجال أعمال ومستثمرون كبار تلمع في عيونهم شهوة الانقضاض على فريسة جريحة غاب أسدها. كان الهواء مشحوناً بذكورة طاغية غاشمة، ونظرات الشماتة تتربص بالكرسي الشاغر في رأس الطاولة. وفجأة، انفتحت الأبواب الهيدروليكية الضخمة، ودخلت "تولين". لم تكن تسير، بل كانت تطأ الأرض بكبرياء ملوكي وخطوات مدروسة بدقة تزلزل قلوب الحاضرين. كانت ترتدي بدلة نسائية سوداء حادة الخطوط، مستوحاة من رداء القادة، تلتف حول جسدها الممشوق بدقة متناهية، مبرزة بياض بشرتها المرمرية النقي وعنقها المشرئب بعناد أرستقراطي باذخ. وجهها الرخامي خلا من أي مساحيق تجميل مبالغ فيها، تاركةً لعينيها الصقريتين، اللتين تفيضان بنقاء شرس وذكاء حاد، مهمة إرهاب الحضور. كانت ت

  • أسياد الوجع   عِنَاقُ الأَرْوَاح

    لم تكن الطرقات المؤدية إلى مقر الاحتجاز السري سوى دهاليز من الصمت والوجوم، ممرات معتمة تفوح منها رائحة الرطوبة والحديد البارد، كأنها نفق ممتد نحو الجحيم. غير أن "تولين" كانت تسير في تلك الممرات كملكة منيفة تسير نحو عرشها المستباح، واثقة الخطى، برغم الخفقان الرعديد الذي كان يخلع قلبها بين الضلوع. لقد استخدمت كل ما تملكه عائلتها الأرستقراطية العريقة من نفوذ قانوني باذخ، وعلاقات ضاربة في جذور السلطة والقضاء الدولي، لتنزع هذا اللقاء الاستثنائي، منفرداً، بعيداً عن عيون الرقباء وآذان المخبرين.كانت ترتدي ثوبها الأسود الحازم، الذي بات بمثابة درعها الفولاذي وجناحها الكاسر؛ ثوب يبرز بياض بشرتها المرمرية التي ازدادت شحوباً بفعل السهر واللوعة، لكنه كان يعكس أيضاً عناداً أرستقراطيًا لا يقبل الانكسار.انفتح الباب الحديدي الثقيل بصريرٍ يمزق نياط القلوب، لتدخل إلى غرفة التحقيق المعتمة، الإضاءة شحيحة، تنبعث من مصباح عارٍ متدلٍ من السقف، يسلط ضوءاً مخروطياً أصفر على وسط القاعة. وهناك، في قلب تلك الظلمة الموحشة، رأته.كان "مالك الراوي" مصلوب القامة كعاداته، كالنخلة العاتية التي ترفض أن تن

  • أسياد الوجع   دفاتر الغدر ومؤامرة المليار

    خيّم الليل على قصر "الراوي" ككفنٍ أسود حواشيه الوجوم، وانزاحت جلبة المزاد البغيض وتفرق الحاقدون والشامتون، ليتركوا خلفهم فراغاً يئن في ردهات القصر كريحِ صرصرٍ عاتية. لأول مرة منذ تلك الليلة المشؤومة التي عُصف فيها بأركان الإمبراطورية، وجدت "تولين" نفسها وحيدة، تماماً، في الجناح الرئيسي. ذلك الجناح الذي كان يوماً حصناً منيعاً للحب والسطوة، ومحارباً لا تدخله خطوب الدهر، استحال الآن إلى مساحة شاسعة من الصمت الموحش والبرودة الهالكة.وقفت تولين في منتصف الغرفة، وجسدها الممشوق يبدو ضئيلاً تحت سقفها الشاهق الارتفاع. تلاطمت في أعماقها أمواجٌ عاتية من الصراع النفسي المرير؛ كانت تشعر بأنها امرأة تُركت عارية بلا غطاء في مهب العاصفة، يُطاردها شبح خوفٍ جارف على زوجها، وحبيبها، وسيد قلبها "مالك" المقبع وراء جدرانٍ مصمتة لا ترحم. كان عقلها يصور لها السجون بظلمتها وقسوتها، بينما كان كبرياؤها يرفض أن يرى "الراوي" مكبلاً. أهذا هو الرجل الذي كان بكلمة واحدة منه يُزلزل عروش المال؟ أهذا الذي كانت هيبته تسبق خطاه؟ كيف للأقدار أن تجرؤ على مَسّ طوده؟تحركت بخطواتٍ وئيدة، ثقيلة، كأنما تجر خلفها سلاس

  • أسياد الوجع   اقتحام الحصن

    كان البهو الفسيح في قصر "الراوي" يغرق في دثارٍ من الألق الأرستقراطي الباذخ؛ الثريات الكريستالية المتدلية كعناقيد من نورٍ مصفى تعكس بريقها على الأرضيات الرخامية المصقولة، ورجال المال والأعمال، حيتان البورصة الذين تحرك إيماءاتهم مؤشرات الأسواق العالمية، يتنقلون كأشباحٍ أنيقة يتبادلون همسات الصفقات والمليارات. وفي قلب هذا المحفل، كان "مالك الراوي" يقف كطودٍ شامخ لا تزعزعه عواصف الأرض، مستنداً بكفه العريضة ذات العروق النافرة على مقبض عصاه الأبنوسية ذات الرأس الفضي المصاغ على هيئة صقرٍ كاسر. كانت عيناه الحادتان، بلونهما القاتم وعمقهما المخيف، تجوبان المكان بيقين ملكٍ يجلس على عرشٍ شُيّد من جماجم الخصوم.وعلى مقربةٍ تلتصق به أنفاسها، كانت "تولين".كانت تولين في ذلك المساء تجسيداً حياً لفتنةٍ إغريقية تمردت على لوحات الطين؛ جسدها الممشوق، المرن كغصن ياسمين في مهب نسيم مائع، يلتف بثوبٍ مخملي أسود يبرز بياض بشرتها المرمرية التي تكاد تشفّ عما تحتها من نبضٍ هائج. كانت تفيض برومانسية فطرية، تمزج بين رقة الأنثى وعنفوان الكبرياء. كانت عيناها تسافران في تفاصيل وجه مالك، تقرأ خطوط جبهته العر

  • أسياد الوجع   جمر النوايا الأخيرة

    سقطت الورقة المكتوبة بالدم فوق النجيل الأخضر بجوار حوض الورد، لترتطم بقلب "تولين" التي تيبّست أطرافها تماماً وتحول وجهها الساحر إلى لون المرمر الشاحب. بدت أنوار الشمس الدافئة في تلك اللحظة وكأنها ضياءٌ بارد منبعث من جوف المقابر، واختلطت رائحة الياسمين الذكية بعبير الرعب والموت الحتمي الذي عاد ليمد

  • أسياد الوجع   نزيف العرش

    امتزج عواء صفارات إنذار سيارات الدعم السيادي وقوات المباحث الكلية بصوت الرياح الصحراوية الباردة التي كانت تعصف بأسوار قصر "الراوي" المهشم. في الممر العلوي الفسيح، حيث تلاقت خيوط فجر جاردن سيتي الباردة باللون القرمزي القاني للدماء النازفة، كان المشهد أشبه بملحمة مأساوية أُسدل ستارها الأول على جثث ال

  • أسياد الوجع   في سكون الليل

    انثقب سكون الليل في بهو القصر بأصوات المعدن البارد الخشن وهي تلتحم ببعضها خلف الباب الخشبي الثقيل للجناح؛ صدى "تكّة" تعمير الأسلحة الآلية كان كافياً ليعلن أن أسوار جاردن سيتي الأرستقراطية لم تعد ملاذاً للأمان، بل تحولت إلى مقبرة كلاسيكية فاخرة حُفرت حدودها بعناية طوال عشرين عاماً. عندما انطفأت الأن

  • أسياد الوجع   سقوط الأقنعة الأخيرة

    ساد الصمت المطبق زنازين مديرية الأمن الكلية مع انتصاف ليل العاصمة، صمتٌ لم يكن يحمل السكينة، بل كان أشبه بالغسق الخانق الذي يسبق هبوب العواصف الكبرى. في الممر المظلم المؤدي إلى زنزانة التحقيق السرية، كانت خطى "آسر" تتحرك بحسم وقوة، يرافقه اثنان من حراس القصر الأشداء المدججين بالسلاح وبأوامر مباشر

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status