Compartir

part 4

last update Fecha de publicación: 2026-07-03 17:18:15

امتدت خطوط الشمس الذهبية لتنعكس على الواجهة الزجاجية الضخمة للمقهى، واجهة مصقولة بعناية لا تسمح بمرور ذرة غبار واحدة إلى الداخل. لم يكن هذا المكان يشبه ذلك المقاهي الصغير الذي يرتاده عامة الناس، بل كان مقهى فخماً يقع في قلب واحدة من أرقى مناطق العاصمة السكنية والتجارية؛ حيث تصطف السيارات الرياضية الفارهة على الجانبين،

ويتجول البشر بملابسهم الموقعة بأسماء دور الأزياء العالمية.

لكي تصل ندى إلى هذا المكان كل صباح،

كانت تخوض رحلة يومية مضنية تستغرق ساعة كاملة في وسائل المواصلات العامة، تنتقل فيها من أزقة حيها الشعبي المتهالك، مراراً بالحافلات المزدحمة والميكروباصات الخانقة، لتخرج في النهاية إلى هذا العالم المخملي الأنيق كأنها عبرت بوابات الزمن في رحله يوميه لا تستطيع الغائها او تأجيلها

وقفت ندى أمام المرآة الكبيرة في غرفة تبديل الملابس المخصصة للعاملين، لتصلح من شأن مظهرها الذي يفرضه نظام المقهى الصارم. كانت ترتدي قميصاً أبيض ناصعاً بأكمام طويلة زرّتها بدقة حتى المعصم،

وتنورة سوداء مستقيمة تصل إلى أسفل ركبتيها، وتلف فوقها مريلة قطنية سوداء مطرزة بشعار المقهى الذهبي عند الصدر.

رغماً عن بساطة هذا الزي الموحد، إلا أن جسدها المتناسق وشعرها الذهبي المرفوع بعناية جعلها تبدو كأميرة تنكرت في زي نادلة. كان هذا المكان هو مصدر رزقها الوحيد منذ سنة تقريباً؛

عام كامل تعلمت فيه كيف تبتلع كبريائها، وكيف تتعامل مع غطرسة الأثرياء بابتسامة هادئة لا تغادر وجهها.

خرجت إلى صالة المقهى الفسيحة ذات الأرضيات الرخامية والأثاث المخملي الداكن، حيث تنساب موسيقى الجاز الهادئة في الخلفية، وتفوح رائحة البن الكولومبي الفاخر الممتزجة بنكهات الفانيليا النادرة.

"صباح الخير يا ندى.. شكلك منمتيش كويس امبارح، عيونك تعبانة."

التفتت ندى لتجد أحمد، زميلها في المقهى، يقف بجانبها ممسكاً بوعاء زجاجي لتصفية القهوة.

كانت العلاقة بينهما قد نضجت على مدار تلك السنة لتصبح مزيجاً من الزمالة الطيبة والاعتياد اليومي، وبعض الاعجاب الخفي من جهة احمد لها

بحكم أنهما يقضيان ساعات طويلة معاً تحت ضغط العمل. أصلح أحمد مريلته السوداء وتابع النظر إلى عينيها البنيتين باهتمام دافئ

ومره اخري هو اهتمام ينبع من إعجاب صامت يخفيه في قلبه منذ أشهر، إعجاب يتعدى حدود الزمالة لكنه لم يجرؤ يوماً على البوح به خوفاً من أن يخسر قربها، لان ندي ورغم الطيبه التي فيها إلا أنها حاده في أي من يقارب من مساحتها الشخصيه وحدودها التي تجيد رسمها جيدا

أجابت ندى بابتسامة شاحبة وهي تلتقط جهاز تسجيل الطلبات الإلكتروني:

"صباح النور يا أحمد.. لا مفيش حاجة، أنا بس مصدعة شوية من زحمة المواصلات."

تحركت ندى بين الطاولات بخطوات رشيقة منتظمة، تلبي طلبات رجال الأعمال والسيدات الأنيقات، لكن عقلها لم يكن في صالة المقهى الفاخرة على الإطلاق. كانت شاردة تماماً،

تغرق في حسابات مريرة لا تنتهي. الأرقام تتراقص أمام عينيها؛ قيمة إيجار الغرفة الشحيحة الذي يجب دفعه بعد يومين،

ثمن دواء والدتها، ومصاريف المعيشة اليومية. كانت تتساءل بنوع من الانقباض كيف ستجمع هذا المبلغ قبل نهاية المهلة، وهل سيوافق صاحب المحل على إعطائها سلفة صغيرة من راتبها القادم،

أم أن مصيرها سيكون الطرد إلى الشارع برفقة زوجة أبيها القاسية؟ كان هذا التفكير ينهش طمأنينتها ويجعل يدها ترتجف قليلاً وهي تضع كوب الكريمة المثلجة أمام إحدى الزبونات.

لاحظ أحمد شتاتها، فاقترب منها عندما وقفت خلف منضدة التحضير وقال بنبرة منخفضة تحمل وداً حقيقياً:

"ندى.. لو في أي مشكلة مضايقاكي قوليلي، أنتِ عارفة إني هنا دايماً وممكن أساعدك في أي حاجة، حتى لو موضوع مادي."

نظرت إليه بعينين يملأهما الامتنان، لكن عزة نفسها منعتها من القبول، فأجابت بصوت خافت:

"تسلم يا أحمد، ربنا يخليك.. أنا بس شايلة هم الإيجار شوية، بس إن شاء الله هتتحل من عند ربنا."

في تلك الأثناء، وفي الطابق الأخير من برج "المنارة" الزجاجي، كان المشهد مغايراً تماماً، حيث لا مكان للمشاعر أو التعاطف البشري. كانت قاعة الاجتماعات الكبرى غارقة في صمت ثقيل يشبه الصمت الذي يسبق العاصفة.

يجلس أدهم في رأس الطاولة الرخامية الطويلة، يرتدي بدلته السوداء وساعته الفاخرة التي تعكس ضوء الثريا ببرود. كان يمسك بقلم حبر جاف فاخر، يحركه بين أصابعه ببطء، بينما عيناه الحادتان مثبتتان على مدير قطاع الاستثمار الذي كان يقف بملامح شاحبة وجبهة يتصبب منها العرق.

"أنا مش دافع ملايين عشان أسمع مبررات عن خسارة الشحن"، قالها أدهم، وجاء صوته هادئاً، رخيماً، لكنه كان يحمل حدة وشفرة قاطعة جعلت جميع الحاضرين يحبسون أنفاسهم.

حاول المدير التحدث بصوت مرتعش:

"يا أدهم بيه.. السوق واجه تذبذب مفاجئ بسبب أسعار الوقود، وإحنا حاولنا.."

قاطعه أدهم برفع يده حركة واحدة خفيفة، لكنها كانت كافية لإسكاته تماماً.

نظر إليه ببرود مطلق وقال بنبرة لا تعرف الرحمة:

"المحاولة دي مكانها في الشركات الصغيرة مش في مجموعتي. الغلطة في الأرقام دي كلفتنا خسارة كان ممكن نتفاداها لو في ذرة تركيز.

أنت من اللحظة دي معزول من منصبك، وتفضل سلم مكتبك لقسم الموارد البشرية قبل الساعة اتناشر."

اتسعت عينا المدير بصدمة، ونظر إلى بقية أعضاء مجلس الإدارة مستنجداً، لكن الجميع خفضوا رؤوسهم ونظروا إلى الأوراق التي أمامهم بخوف؛ فكل من في القاعة يعلم أن أدهم لا يعطي فرصاً ثانية، وأن عقابه للمخطئين سريع وحاسم بلا أي شفقة ولا رحمه، لان الرحمه هنا تعني الخساره

والخسارة هي لغه لا يجيدها ولا يعرفها ولا يريد معرفتها لانه هنا في تلك المكانة لانه ضحي بالكثير ليفوز دائما وابدا

التفت أدهم إلى بقية الحاضرين، وألقى بالملف المالي على الطاولة بقوة أحدثت صوتاً صاخباً جعل البعض يتراجع في مقاعده، ثم تابع ببرود حاد:

"الكلام ده موجه للكل.. الصفقة الجديدة مع شركة الشحن الدولية لازم تخلص الأسبوع ده وبشروطي أنا. أي تأخير أو غلطة صغيرة في العقود، المسؤول عنها مش بس هيتفصل، أنا هخليه ينسى يشتغل في السوق ده تاني. الاجتماع انتهى.. والورق يجيلي مكتب الصبح ممضي وجاهز."

نهض أدهم من مقعده، وأصلح ياقة سترته بنعومة، ثم تحرك نحو مخرج القاعة بخطوات واثقة ومنتظمة، تاركاً خلفه رجالاً يكبرونه سناً يعرقون توتراً ويتبادلون نظرات الرعب. عاد هو إلى مكتبه الشاسع، دون أن يضيف اي شئ اخر فيكفي ما قاله من تهديدات

وجلس خلف مكتب الأبنوس الأسود، وأخرج سيجارة من علبته الفضية ليشعلها ببرود، متأملاً المدينة الممتدة تحته خلف جدران الكريستال. يفكر في حياته الغير موجوده خارج تلك الشركه العربيه والمعىوفه

كان يشعر بسهوله بزهو القوة والسلطة، لكن هذا الزهو كان مغلفاً بذات الفراغ والبرودة، فراغ يحيط بقلبه كحصن من ثلج، فراغ لا يستطيع أن يحله بأمواله جميعها ولا بسلطته ولا ب كونه اغني رجال الأعمال

دون أن يعلم أن خطواته القادمة ستقوده إلى خارج هذا البرج العاجي، لتضعه مباشرة في طريق تلك النادلة الشاردة التي ترتدي الفستان الوردي تحت مريلتها السوداء.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • الجميله والمليونير    part 5

    مع دقات السابعة صباحاً، كان الضباب الخفيف يغلف واجهة المقهى الزجاجية الفاخرة، كأنه عازل يفصل هذا المكان الأنيق عن صخب الشوارع بالخارج. دخلت ندى من الباب الجانبي بخطوات هادئة ومتزنة، وبدأت روتينها الصباحي المعتاد الذي حفظته عن ظهر قلب طوال هذا العام الطويل من العمل الشاق. وضعت حقيبتها القماشية الصغيرة في الخزانة المخصصة لها، وأصلحت من شأن ملابسها أمام المرآة؛ عدلت ياقة قميصها الأبيض الناصع، وتأكدت من استقامة تنورتها السوداء التي تصل إلى أسفل ركبتيها، ثم ربطت المريلة القطنية السوداء بعناية حول خصرها الصغير، لتخفي خلفها جزئياً فستانها الوردي البسيط الذي يمثل لمحة رقة وسط هذا الزي الرسمي الصارم.الهدوء في هذا الوقت المبكر يكون ساحراً ومهيباً قبل أن يمتلئ المكان بصخب الزبائن وحركتهم العشوائية. بدأت ندى في التحرك بين الطاولات الرخامية الفاخرة، ممسكة بقماش قطني ناعم ومحلول مخصص لتلميع الأسطح الثمينة. انحنت على الطاولة الأولى، وبدأت تمسحها بحركات دائرية منتظمة بطيئة، تتأكد من إزالة أي أثر خفيف أو بقعة صغيرة قد يكون تركها زبائن الليلة الماضية، لتعكس الطاولة ضوء الثريات الكريستالية الخاف

  • الجميله والمليونير    part 4

    امتدت خطوط الشمس الذهبية لتنعكس على الواجهة الزجاجية الضخمة للمقهى، واجهة مصقولة بعناية لا تسمح بمرور ذرة غبار واحدة إلى الداخل. لم يكن هذا المكان يشبه ذلك المقاهي الصغير الذي يرتاده عامة الناس، بل كان مقهى فخماً يقع في قلب واحدة من أرقى مناطق العاصمة السكنية والتجارية؛ حيث تصطف السيارات الرياضية الفارهة على الجانبين، ويتجول البشر بملابسهم الموقعة بأسماء دور الأزياء العالمية. لكي تصل ندى إلى هذا المكان كل صباح، كانت تخوض رحلة يومية مضنية تستغرق ساعة كاملة في وسائل المواصلات العامة، تنتقل فيها من أزقة حيها الشعبي المتهالك، مراراً بالحافلات المزدحمة والميكروباصات الخانقة، لتخرج في النهاية إلى هذا العالم المخملي الأنيق كأنها عبرت بوابات الزمن في رحله يوميه لا تستطيع الغائها او تأجيلها وقفت ندى أمام المرآة الكبيرة في غرفة تبديل الملابس المخصصة للعاملين، لتصلح من شأن مظهرها الذي يفرضه نظام المقهى الصارم. كانت ترتدي قميصاً أبيض ناصعاً بأكمام طويلة زرّتها بدقة حتى المعصم، وتنورة سوداء مستقيمة تصل إلى أسفل ركبتيها، وتلف فوقها مريلة قطنية سوداء مطرزة بشعار المقهى الذهبي عند الصدر.

  • الجميله والمليونير    part 3

    لم يكن الصباح في بيت ندى يبدأ بنور الشمس، بل بزئير المنبه المزعج الذي ينطلق من هاتفها ذو الشاشة المشروخة ليشق سكون الغرفة الضيقة. فتحت عينيها ببطء، وشعرت بثقل النوم لا يزال يداعب جفونها، لكنها لم تملك ترف البقاء في الفراش لدقيقة إضافية. أزاحت اللحاف الباهت ووقفت على الأرضية الإسمنتية الباردة التي جعلت قشعريرة تسري في جسدها، ثم توجهت مباشرة نحو المرآة الصغيرة المعلقة على الحائط الخشبي لدولابها القديم.رغم قسوة الفقر والظروف المحيطة بها، إلا أن المرآة كانت تعكس كل صباح لوحة ربانية بديعة لم تستطع الأيام المضنية أن تمحو سحرها. نظرت ندى إلى وجهها المتعب؛ كانت تملك بشرة بيضاء صافية كالحليب، تعتني بها بوسائلها البسيطة والبدائية؛ قطرات من ماء الورد تضعها قبل النوم، وبقايا زيت زيتون تمسح به وجنتيها لتظل ناعمة رغماً عن حرارة الأفران وغبار الشوارع. رفعت يدها لتزيح خصلات شعرها الذهبي الغزير الذي كان يتدلى على كتفيها كشلال من خيوط الشمس، وهو شعر ناعم تحرص على تمشيطه الطويل كل صباح ليظل محتفظاً ببريقه رغماً عن قلة الإمكانيات. تأملت عينيها البنيتين الواسعتين اللتين تشبهان حبات اللوز في دافئهما،

  • الجميله والمليونير    part 2

    انطفأت أنوار المقهى الخارجية أخيراً، تاركةً المكان الغارق في الظلال يبدو أصغر حجماً وأكثر كآبة مما هو عليه في النهار. وقفت ندى خلف المنضدة الخشبية ترتدي معطفها القطني القديم الذي بهت لونه من كثرة الغسيل. كانت عضلات سحرها ورقبتها تؤلمها بشكل متواصل، كأنها تحمل ثقلاً لا تراه. التفتت إلى زميلها الجديد الذي كان يمسح الطاولة الأخيرة بتكاسل وقالت بنبرة خافتة يملأها التعب:"أنا قفلت حساب الدرج يا محمد، وباقي اللبن حطيته في التلاجة الكبيرة ورا.. مش محتاج مني حاجة تانية قبل ما أمشي؟"رمى محمد الفوطة على الطاولة وتنهد بعمق:"لا يا ندى، تسلمي.. روحي أنتِ عشان تلحقي الميكروباص، الساعة دخلت في عشرة والجو بدأ يبرد برة."أومأت برأسها، والتقطت حقيبتها القماشية الصغيرة التي تضع فيها هاتفها ذو الشاشة المشروخة وبعض النقود القليلة. خرجت إلى الشارع، واستقبلها الهواء الليلي البارد بلفحة قاسية جعلتها تشد أطراف معطفها حول جسدها. كانت الشوارع الجانبية شبه خالية، بينما الشارع الرئيسي يعج بضجيج السيارات المسرعة. مشت بخطوات متثاقلة نحو الموقف، وشعرت أن حذاءها المهترئ يكاد يخذلها مع كل خطوة.صعدت إلى الميكروباص

  • الجميله والمليونير    part 1

    تطايرت حبات البن المطحون في الهواء لتستقر على حافة الآلة النحاسية الضخمة التي كانت تطلق زفيراً ساخناً متواصلاً. مسحت ندى جبهتها بظهر يدها بسرعة، تاركةً أثراً خفيفاً من الدقيق فوق حاجبها، قبل أن تلتقط كوباً ورقياً آخر وتضع عليه الغطاء البلاستيكي. كانت الأصوات حولها تتداخل في كتلة واحدة صاخبة؛ رنين الجرس المعلق على الباب الخشبي، صرير المقاعد المعدنية وهي تُسحب بعجالة، وتمتمات الزبائن الواقفين في طابور لا ينتهي."لو سمحتي.. بقالي رربع ساعة مستني الكرواسون، القطر هيفوتني!"صاح رجل يرتدي بدلة مجعدة وهو ينظر في ساعة يده بتوتر، فالتفتت إليه ندى بابتسامة سريعة حاولت جاهدة أن تبدو حقيقية وهي تفتح باب الفرن الصغير لتلتقط المخبوزات الساخنة بملقاط معدني:"ثواني وهيكون جاهز مع حضرتك، متقلقش هتلحق القطر."وضعت الطلب في الكيس الورقي وسلمته له، لتلتفت فوراً إلى ماكينة الإسبريسو التي بدأت تسرب بعض الماء الساخن على الأرضية الخشبية المتهالكة. تراجعت خطوة للخلف، وسحبت قماشاً قديماً لتمسح الماء قبل أن يتعثر أحد. تحركت أصابعها بخفة على أزرار الماكينة، يداها اللتان حملتا حروقاً صغيرة باهتة من بخار الأيام

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status