Share

part 2

last update Tanggal publikasi: 2026-07-03 16:58:07

انطفأت أنوار المقهى الخارجية أخيراً، تاركةً المكان الغارق في الظلال يبدو أصغر حجماً وأكثر كآبة مما هو عليه في النهار. وقفت ندى خلف المنضدة الخشبية ترتدي معطفها القطني القديم الذي بهت لونه من كثرة الغسيل. كانت عضلات سحرها ورقبتها تؤلمها بشكل متواصل،

كأنها تحمل ثقلاً لا تراه. التفتت إلى زميلها الجديد الذي كان يمسح الطاولة الأخيرة بتكاسل وقالت بنبرة خافتة يملأها التعب:

"أنا قفلت حساب الدرج يا محمد، وباقي اللبن حطيته في التلاجة الكبيرة ورا.. مش محتاج مني حاجة تانية قبل ما أمشي؟"

رمى محمد الفوطة على الطاولة وتنهد بعمق:

"لا يا ندى، تسلمي.. روحي أنتِ عشان تلحقي الميكروباص، الساعة دخلت في عشرة والجو بدأ يبرد برة."

أومأت برأسها، والتقطت حقيبتها القماشية الصغيرة التي تضع فيها هاتفها ذو الشاشة المشروخة وبعض النقود القليلة. خرجت إلى الشارع،

واستقبلها الهواء الليلي البارد بلفحة قاسية جعلتها تشد أطراف معطفها حول جسدها. كانت الشوارع الجانبية شبه خالية، بينما الشارع الرئيسي يعج بضجيج السيارات المسرعة. مشت بخطوات متثاقلة نحو الموقف، وشعرت أن حذاءها المهترئ يكاد يخذلها مع كل خطوة.

صعدت إلى الميكروباص المزدحم، وجلست بجوار النافذة التي يتسرب منها الهواء. أسندت رأسها إلى الزجاج البارد، تراقب أضواء المحلات الخافتة والمارة الذين يسرعون للوصول إلى بيوتهم. كانت عيناها المتعبتان تعكسان إرهاق يوم طويل، وعقلها لا يتوقف عن حساب المصاريف المتبقية للشهر.

بعد نصف ساعة من الحركة الاهتزازية المزعجة للميكروباص، نزلت في حيها الشعبي. كانت الأزقة ضيقة، تفوح منها رائحة الأطعمة البسيطة وصوت أجهزة التلفاز المنبعث من النوافذ المفتوحة. صعدت درجات السلم الحجري المتهالك لعمارة قديمة، ووصلت إلى الطابق الثالث.

أخرجت المفتاح بحذر، وأدارته في القفل ببطء شديد حتى لا تزعج أحداً.

دخلت الشقة الصغيرة ذات الأثاث المتواضع.

كانت الأجواء هادئة بشكل كئيب. توجهت أولاً نحو غرفة والدتها بخطوات تشبه الهمس. فتحت الباب قليلاً، لتجد والدتها مستلقية في فراشها، وضوء التلفاز الصغير ينعكس على وجهها المتعب بينما كانت منشغلة بالتحدث في هاتفها بصوت منخفض مع إحدى قريباتها، معددةً مشاكل العائلة كالعادة دون أن تلتفت لدخول ابنتها.

وقفت ندى عند الباب لثوانٍ، منتظرة أن تنهي والدتها المكالمة أو تنظر إليها، لكن الأم تابعت الحديث بانسجام:

"آه يا ختي.. وعملت إيه مع جوزها؟ طيب والعيال؟"

شعرت ندى بغصة مألوفة في حلقها، فتراجعت بهدوء وأغلقت الباب. توجهت إلى المطبخ الصغير الذي لا يتسع لشخصين. فتحت الثلاجة، لم تجد فيها سوى علبة جبن قريش صغيرة وبعض الخبز الجاف. أخرجت العلبة، وجلست على مقعد خشبي منفرد أمام طاولة المطبخ الصغيرة.

بدأت تأكل ببطء دون شهية حقيقية، وصوت رنين الآلات وصراخ الزبائن لا يزال يتردد في أذنيها.

نظرت إلى يدها، وتأملت الجرح الصغير في سبابتها الذي تلوث بالحليب صباحاً. أزالت المنديل القديم، وغسلت يدها بالماء البارد الذي جعلها تنتفض من شدته. كانت تشعر بوحدة خانقة،

كأنها تحارب في هذا العالم بمفردها، دون أن يلاحظ أحد تعبها أو يربت على كتفها.

على الجانب الآخر من المدينة، حيث تختفي الضوضاء العشوائية وتحل محلها الفخامة الهادئة للمجمعات السكنية المغلقة، كانت سيارة أدهم تقف أمام بوابة قصره الحديث المصمم على الطراز الأوروبي المعاصر.

فتح الحارس البوابات الحديدية الضخمة إليكترونياً، وتحركت السيارة بنعومة فوق الممشى الحجري المحاط بأشجار منسقة بدقة.

ترجل أدهم من السيارة، وحمل حقيبته الجلدية الفاخرة. دخل الردهة الواسعة ذات الأرضية الرخامية اللامعة التي تعكس ضوء الثريات الكريستالية

الضخمة.

كان القصر غارقاً في صمت مهيب، صمت لا يقطعه سوى صوت خطواته المنتظمة. لم يكن هناك أحد بانتظاره؛ فالخدم ينتهي عملهم في المساء ويغادرون إلى ملحق خاص بهم لترك كامل الحرية له.

خلع سترته السوداء وألقاها على الأريكة الجلدية الطويلة، ثم فك ربطة عنقه وأزرار قميصه العلوية بملل.

صعد السلم الرخامي المؤدي إلى الطابق الثاني، ودخل غرفة مكتبه الخاصة. كانت الغرفة مجهزة بأحدث التقنيات الجدارية، وتحتوي على مكتبة ضخمة تضم كتباً نادرة في الاقتصاد والقانون.

مشى نحو منضدة المشروبات الصغيرة في زاوية الغرفة، وأخرج زجاجة مياه غازية باردة، وصبها في كوب زجاجي ثقيل.

جلس خلف مكتبه، ونظر إلى النافذة الزجاجية العملاقة التي تكشف له منظر المدينة الصامتة من بعيد، حيث تظهر أضواء الأبراج البعيدة كنجوم صغيرة مستلقية على الأرض.

أخرج سيجارة جديدة وأشعلها ببرود، ونفث الدخان الكثيف الذي أخذ يتصاعد ويتلاشى في الهواء المعقم للغرفة.

أخرج هاتفه الشخصي، ووجد عدة اتصالات فائتة من شركاء أعمال، ورسالة نصية من والدته المتواجدة في الخارج تسأله فيها عن صفقة الاستحواذ الأخيرة وعن أحوال البورصة،

دون أي سؤال عن حاله أو كيف قضى يومه.

رمى الهاتف على المكتب بإهمال،

وشعر ببرودة شديدة تجتاح المكان رغم أن نظام التدفئة كان يعمل بأقصى طاقته. كانت حياته مليئة بكل ما يتمناه أي إنسان؛ السلطة، المال، النفوذ، والرفاهية المطلقة،

لكنه كلما عاد إلى هذا البيت الكبير في المساء، كان يواجه الحقيقة العارية: إنه يعيش في فراغ تام.

جدران القصر الفاخرة لم تكن سوى حصن يعزله عن الحياة الحقيقية وعن المشاعر الدافئة التي لم يتذوقها منذ سنوات طويلة.

عادت ندى إلى غرفتها الصغيرة بعد أن أنهت وجبتها الشحيحة. أغلقت الباب، وجلست على طرف سريرها الضيق. كان السرير مغطى بلحاف قطني قديم مليء بالألوان الباهتة.

أمسكت بهاتفها، وفتحت تطبيق الأغاني، واختارت قائمة من الموسيقى الهادئة الحزينة التي تفضلها دائمًا في مثل هذه الأوقات لتواسي بها وحدتها.

بدأت الألحان الشجية تملأ أركان الغرفة الصغيرة، وتدفعها إلى الغرق في أفكارها. تمددت على السرير،

ووضعت ذراعها فوق عينيها لتمنع الدموع التي كادت أن تسقط من فرط الإرهاق والقهر. كانت تتساءل في سرها إن كان هذا هو كل ما تخبئه لها الحياة؛ عمل مضنٍ، جسد عليل، وتجاهل مستمر من أقرب الناس إليها. تنهدت بعمق، وضمت اللحاف حولها، محاولةً النوم للهروب من واقعها الصعب، بينما كانت الموسيقى الحزينة تستمر في العزف في الظلام.

في تلك الأثناء، كان أدهم قد ترك مكتبه وتوجه إلى غرفة نومه الشاسعة التي تتوسطها سرير ملكي ضخم.

وقف أمام المرآة الكبيرة، ينظر إلى ملامحه الحادة وعينيه اللتين تحملان نظرة برود قاسية أصبحت جزءاً من شخصيته. غير ملابسه وارتدى ملابس قطنية مريحة، لكنه لم يتوجه إلى السرير فوراً.

بل سار نحو الشرفة الكبيرة المطلة على الحديقة المظلمة. كان الهواء الليلي يداعب وجهه، حاملاً معه صمت المدينة الشاسعة.

وقف هناك لفترة طويلة، والسيجارة بين أصابعه تكاد تنطفئ. كان يشعر بقلق غامض لا يعرف مصدره، كأن شيئاً ما يلوح في الأفق، شيئاً سيزلزل هذا الاستقرار البارد الذي بناه حول نفسه لسنوات.

ألقى بعقب السيجارة في المنفضة الرخامية، وعاد إلى الداخل ليغلق الباب الزجاجي خلفه، معلناً نهاية يوم آخر في عالمه المعزول، دون أن يدرك أن في الطرف الآخر من المدينة،

هناك حياة بسيطة ومتعبة، تسير في طريقها لتتقاطع مع حياته بطريقة لن يتوقعها أبداً.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • الجميله والمليونير    part 5

    مع دقات السابعة صباحاً، كان الضباب الخفيف يغلف واجهة المقهى الزجاجية الفاخرة، كأنه عازل يفصل هذا المكان الأنيق عن صخب الشوارع بالخارج. دخلت ندى من الباب الجانبي بخطوات هادئة ومتزنة، وبدأت روتينها الصباحي المعتاد الذي حفظته عن ظهر قلب طوال هذا العام الطويل من العمل الشاق. وضعت حقيبتها القماشية الصغيرة في الخزانة المخصصة لها، وأصلحت من شأن ملابسها أمام المرآة؛ عدلت ياقة قميصها الأبيض الناصع، وتأكدت من استقامة تنورتها السوداء التي تصل إلى أسفل ركبتيها، ثم ربطت المريلة القطنية السوداء بعناية حول خصرها الصغير، لتخفي خلفها جزئياً فستانها الوردي البسيط الذي يمثل لمحة رقة وسط هذا الزي الرسمي الصارم.الهدوء في هذا الوقت المبكر يكون ساحراً ومهيباً قبل أن يمتلئ المكان بصخب الزبائن وحركتهم العشوائية. بدأت ندى في التحرك بين الطاولات الرخامية الفاخرة، ممسكة بقماش قطني ناعم ومحلول مخصص لتلميع الأسطح الثمينة. انحنت على الطاولة الأولى، وبدأت تمسحها بحركات دائرية منتظمة بطيئة، تتأكد من إزالة أي أثر خفيف أو بقعة صغيرة قد يكون تركها زبائن الليلة الماضية، لتعكس الطاولة ضوء الثريات الكريستالية الخاف

  • الجميله والمليونير    part 4

    امتدت خطوط الشمس الذهبية لتنعكس على الواجهة الزجاجية الضخمة للمقهى، واجهة مصقولة بعناية لا تسمح بمرور ذرة غبار واحدة إلى الداخل. لم يكن هذا المكان يشبه ذلك المقاهي الصغير الذي يرتاده عامة الناس، بل كان مقهى فخماً يقع في قلب واحدة من أرقى مناطق العاصمة السكنية والتجارية؛ حيث تصطف السيارات الرياضية الفارهة على الجانبين، ويتجول البشر بملابسهم الموقعة بأسماء دور الأزياء العالمية. لكي تصل ندى إلى هذا المكان كل صباح، كانت تخوض رحلة يومية مضنية تستغرق ساعة كاملة في وسائل المواصلات العامة، تنتقل فيها من أزقة حيها الشعبي المتهالك، مراراً بالحافلات المزدحمة والميكروباصات الخانقة، لتخرج في النهاية إلى هذا العالم المخملي الأنيق كأنها عبرت بوابات الزمن في رحله يوميه لا تستطيع الغائها او تأجيلها وقفت ندى أمام المرآة الكبيرة في غرفة تبديل الملابس المخصصة للعاملين، لتصلح من شأن مظهرها الذي يفرضه نظام المقهى الصارم. كانت ترتدي قميصاً أبيض ناصعاً بأكمام طويلة زرّتها بدقة حتى المعصم، وتنورة سوداء مستقيمة تصل إلى أسفل ركبتيها، وتلف فوقها مريلة قطنية سوداء مطرزة بشعار المقهى الذهبي عند الصدر.

  • الجميله والمليونير    part 3

    لم يكن الصباح في بيت ندى يبدأ بنور الشمس، بل بزئير المنبه المزعج الذي ينطلق من هاتفها ذو الشاشة المشروخة ليشق سكون الغرفة الضيقة. فتحت عينيها ببطء، وشعرت بثقل النوم لا يزال يداعب جفونها، لكنها لم تملك ترف البقاء في الفراش لدقيقة إضافية. أزاحت اللحاف الباهت ووقفت على الأرضية الإسمنتية الباردة التي جعلت قشعريرة تسري في جسدها، ثم توجهت مباشرة نحو المرآة الصغيرة المعلقة على الحائط الخشبي لدولابها القديم.رغم قسوة الفقر والظروف المحيطة بها، إلا أن المرآة كانت تعكس كل صباح لوحة ربانية بديعة لم تستطع الأيام المضنية أن تمحو سحرها. نظرت ندى إلى وجهها المتعب؛ كانت تملك بشرة بيضاء صافية كالحليب، تعتني بها بوسائلها البسيطة والبدائية؛ قطرات من ماء الورد تضعها قبل النوم، وبقايا زيت زيتون تمسح به وجنتيها لتظل ناعمة رغماً عن حرارة الأفران وغبار الشوارع. رفعت يدها لتزيح خصلات شعرها الذهبي الغزير الذي كان يتدلى على كتفيها كشلال من خيوط الشمس، وهو شعر ناعم تحرص على تمشيطه الطويل كل صباح ليظل محتفظاً ببريقه رغماً عن قلة الإمكانيات. تأملت عينيها البنيتين الواسعتين اللتين تشبهان حبات اللوز في دافئهما،

  • الجميله والمليونير    part 2

    انطفأت أنوار المقهى الخارجية أخيراً، تاركةً المكان الغارق في الظلال يبدو أصغر حجماً وأكثر كآبة مما هو عليه في النهار. وقفت ندى خلف المنضدة الخشبية ترتدي معطفها القطني القديم الذي بهت لونه من كثرة الغسيل. كانت عضلات سحرها ورقبتها تؤلمها بشكل متواصل، كأنها تحمل ثقلاً لا تراه. التفتت إلى زميلها الجديد الذي كان يمسح الطاولة الأخيرة بتكاسل وقالت بنبرة خافتة يملأها التعب:"أنا قفلت حساب الدرج يا محمد، وباقي اللبن حطيته في التلاجة الكبيرة ورا.. مش محتاج مني حاجة تانية قبل ما أمشي؟"رمى محمد الفوطة على الطاولة وتنهد بعمق:"لا يا ندى، تسلمي.. روحي أنتِ عشان تلحقي الميكروباص، الساعة دخلت في عشرة والجو بدأ يبرد برة."أومأت برأسها، والتقطت حقيبتها القماشية الصغيرة التي تضع فيها هاتفها ذو الشاشة المشروخة وبعض النقود القليلة. خرجت إلى الشارع، واستقبلها الهواء الليلي البارد بلفحة قاسية جعلتها تشد أطراف معطفها حول جسدها. كانت الشوارع الجانبية شبه خالية، بينما الشارع الرئيسي يعج بضجيج السيارات المسرعة. مشت بخطوات متثاقلة نحو الموقف، وشعرت أن حذاءها المهترئ يكاد يخذلها مع كل خطوة.صعدت إلى الميكروباص

  • الجميله والمليونير    part 1

    تطايرت حبات البن المطحون في الهواء لتستقر على حافة الآلة النحاسية الضخمة التي كانت تطلق زفيراً ساخناً متواصلاً. مسحت ندى جبهتها بظهر يدها بسرعة، تاركةً أثراً خفيفاً من الدقيق فوق حاجبها، قبل أن تلتقط كوباً ورقياً آخر وتضع عليه الغطاء البلاستيكي. كانت الأصوات حولها تتداخل في كتلة واحدة صاخبة؛ رنين الجرس المعلق على الباب الخشبي، صرير المقاعد المعدنية وهي تُسحب بعجالة، وتمتمات الزبائن الواقفين في طابور لا ينتهي."لو سمحتي.. بقالي رربع ساعة مستني الكرواسون، القطر هيفوتني!"صاح رجل يرتدي بدلة مجعدة وهو ينظر في ساعة يده بتوتر، فالتفتت إليه ندى بابتسامة سريعة حاولت جاهدة أن تبدو حقيقية وهي تفتح باب الفرن الصغير لتلتقط المخبوزات الساخنة بملقاط معدني:"ثواني وهيكون جاهز مع حضرتك، متقلقش هتلحق القطر."وضعت الطلب في الكيس الورقي وسلمته له، لتلتفت فوراً إلى ماكينة الإسبريسو التي بدأت تسرب بعض الماء الساخن على الأرضية الخشبية المتهالكة. تراجعت خطوة للخلف، وسحبت قماشاً قديماً لتمسح الماء قبل أن يتعثر أحد. تحركت أصابعها بخفة على أزرار الماكينة، يداها اللتان حملتا حروقاً صغيرة باهتة من بخار الأيام

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status