LOGINلأنني أعلم تماماً أن من يدخل بيتاً بهذه الطريقة، لا يأتي ليقتل، بل يأتي ليحكم. والملوك لا يخيفون من يفهم قواعد لعبتهم." > > "إذا كنت تريد القصر، فخذ جدرانه.. لكن إذا كنت تريد الحقيقة كاملة، فستحتاج إلى ظلي."
View Moreكانت الساعة تقترب منتصف الليل، والسماء فوق قصر "آل الأمير" تجود بغيث ثقيل، وصوت حبات المطر يضرب النوافذ الزجاجية الضخمة كأنه تحذير خافت لا يسمعه أحد.
بالأسفل، كانت أنوار القاعة الكبرى تتلألأ، والموسيقى الكلاسيكية تنساب دافئة لتغطي على برودة الطقس، ونفاق الوجوه.
كان "عمران الأمير" يحتفل بمرور عشرين عاماً على تأسيس إمبراطوريته، والجميع جاءوا ليخطبوا وده.
في الطابق العلوي، حيث ينتهي صخب الاحتفال ويبدأ صمت الأسرار، كانت تريل تقف وحيدة في غرفتها.
أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه وهي تتنفس بحدة، وكأنها كانت تركض في ماراثون طويل ضد أنفاسها.
في جيب فستانها الأسود المخملي، كانت تقبض بقوة على ورقة صغيرة عثرت عليها بالصدفة في مكتب والدها قبل دقائق.
ورقة كُتبت بحبر أحمر قَانٍ، وبخط يرتجف:
"الرَّاعي الذي استأمنتموه على القطيع، هو أول من شحذ السكين.. والتعويذة بدأت الآن".
---
خطت خطوات ثقيلة نحو المرآة الكبيرة ذات الإطار الذهبي العتيق.
نظرت إلى انعكاس صورتها... لم ترَ ملامحها الشابة فحسب، بل رأت حشداً من الأشباح يقف وراء كتفها.
تخيلت وجه أبيها "عمران"؛ الرجل الذي طالما تجمّل بالفضيلة والوقار أمام مجتمعه، بينما يخبئ تحت عباءته تاريخاً من المظالم لا يعرفه سوى الجدران.
ولمحَت طيف أمها الضعيفة، التي اختارت أن تبيع عينيها للصمت وتتظاهر بالعمى لتكسب سلاماً زائفاً.
ثم لاح لها وجه أخيها الأكبر "أمجد"، الذي كان يوماً ملاذها الآمن، قبل أن تبتلعه أطماع العائلة ويتحول إلى نسخة مشوهة وباردة من أبيه.
كانت تريل تعيش حياة ثانية في خيالها، حياة تبني خيوطها في السر لتهرب من هذا الجحيم المقنع.
مسحت وجهها بعنف، وكأنها تحاول إزالة قناع العائلة عن جلدها، وهمست لنفسها أمام المرآة بصوت متحشرج:
"لقد انتهى زمن الهروب.. الليلة، سيبدأ الجميع بالدفع."
---
عدّلت تريل فستانها، وأخفت الورقة بعناية، ثم نزلت الدرج الخشبي العتيق بخطوات ملكية ثابتة، تخفي وراء برودها عاصفة عاتية.
وقفت في زاوية القاعة تراقب والدها وهو يلقي خطبته العصماء عن الشرف والمجد، والجميع يصفق بنفاق أعمى.
وفجأة... انقطعت الموسيقى بصرير حاد ومفاجئ.
انفتحت أبواب القاعة الضخمة على مصراعيها، لتدخل برودة الليل العاصف وتطفئ بعض الشموع في نجف القصر.
وقف عند العتبة رجل ثلاثيني، طويل القامة، يرتدي معطفاً أسود طويلاً تبلل بأمطار الليلة.
كان يمتلك هيبة تجبر الأعناق على الالتفات، وملامح حادة كأنها نُحتت من صخر الجبال، وعين تشعان بثقة مرعبة ومظلمة.
لم ينتظر أن يسأله أحد من هو، ولم يطلب إذن الدخول.
خطا خطوات بطيئة، ساد معها صمت مرعب وحشرجة خوف في القاعة.
نظر مباشرة إلى كبير العائلة "عمران"، وابتسم ابتسامة باردة زلزلت أركان المكان، ثم رفع يده وبها صندوق خشبي عتيق، وألقاه بقوة في منتصف القاعة، لينفجر الصندوق وتتناثر منه عشرات الأوراق والصور القديمة تحت أقدام المدعوين!
صاح بصوت جهوري عميق هز جدران القصر:
"مساء الخير يا عمي العزيز.. مضت عشرون سنة، وظننت أن الأرض بلعت دماء أبي، وأن الأوراق تلتهمها النيران..
لكنني عدت، وجئت لأسترد بيتي!"
---
تحرك حراس القصر فجأة بغريزة الدفاع، لكن جاسر لم يرمش له جفن.
رفع يده إشارةً، وفي ثوانٍ خاطفة، انفتحت النوافذ العلوية للقاعة، ليظهر رجال مسلحون يرتدون الأسود، يحيطون بالحفل من كل جانب.
لقد كانت حركة قاطعة أثبتت أن الرجل لم يأتِ ليتفاوض، بل جاء ليحكم قبضته.
وسط هذا الذعر الشامل، لم يستغرق الأمر سوى دقائق معدودة حتى تحولت القاعة الصاخبة إلى ساحة أشبه بالمقبرة.
غادر المدعوون القصر هروباً بذعر، يتهامسون عن الفضيحة الكبرى.
أُغلقت الأبواب الضخمة، وبقي الحراس يطوقون المخارج كالأشباح.
في وسط القاعة، كان عمران الأمير يجلس على مقعده ويده ترتجف، بينما زوجته تبكي بصمت، وابنه الأكبر يقف عاجزاً.
أما جاسر، فكان يتحرك ببرود قاتل، يجمع الأوراق والصور المتناثرة عن الأرض، وكأنه يجمع أشلاء عائلة ظنت يوماً أنها لا تُقهر.
---
خطا جاسر نحو الدرج حيث تقف تريل، ونظر إليها من الأسفل إلى الأعلى.
تلاقت عيونهما مجدداً، فقال بنبرة صوت جهورية هادئة:
"الجميع يرتجف هنا يا ابنة عمي العزيز.. فلم لا ترتجفين كبقية النساء؟"
نزلت تريل الدرجات المتبقية بهدوء ملكي، وقالت بصوت خفيض وواثق:
"لأنني أعلم تماماً أن من يدخل بيتاً بهذه الطريقة، لا يأتي ليقتل، بل يأتي ليحكم.
والملوك لا يخيفون من يفهم قواعد لعبتهم."
اتسعت ابتسامة جاسر الباردة، واقترب منها خطوة إضافية، وهمس بحيث لا يسمعهما أحد:
"ذكية.. وأخطر مما توقعت.
لكن هل تعلمين أن عائلتكِ تعيش على دماء مسروقة؟
وأن هذا القصر كُتب باسمي قبل أن يولد الخذلان في قلب أبيكِ؟"
أدخلت تريل يدها في جيب فستانها المخملي، ولمست الورقة ذات الحبر الأحمر، ثم نظرت في عينيه الحادتين وقالت بجملة هزت ثقته لأول مرة:
"أعلم عن أسرار هذا البيت ما لا تحتويه أوراق صندوقك الخشبي يا جاسر..
وأعلم أن 'الراعي' ليس الذئب الوحيد في هذه الحكاية.
إذا كنت تريد القصر، فخذ جدرانه.. لكن إذا كنت تريد الحقيقة كاملة، فستحتاج إلى ظلي."
استدارت تريل بكل كبرياء وصعدت إلى غرفتها، تاركةً جاسر في حيرة من أمره.
---
لم تكن جدران الغرفة قد هدأت بعد، حتى اندفع شقيقها أمجد داخل غرفتها كالمجنون، تتبعه والدتها سهام التي تبكي برعب وهستيرية.
صاح أمجد بصوت خفيض حاد:
"أنتِ واقفة هناك كالصنم! ذلك المجنون جاسر جاء ليذبحنا جميعاً، وأنتِ كنتِ تنظرين إليه وكأنه بطل منقذ!
هل تدركين أننا قد نخسر كل شيء الليلة؟"
نظرت إليه تريل ببرود أشد من المطر وقالت:
"خسارتنا بدأت منذ عشرين عاماً، عندما بنيتم هذا النفوذ فوق جثة عمه.
جاسر لم يأتِ ليذبحنا، هو جاء ليأخذ ما تملكه أيديكما..
أما أنا، فلا أملك في هذا البيت سوى اسمي."
---
ولم تكد تنهي كلماتها القاسية، حتى قطع حبل التوتر صوت ثلاث طرقات منتظمة وثقيلة على الباب الخشبي.
تحركت تريل بثبات وفتحت الباب.
كان جاسر يقف هناك. قامته الطويلة تسد الممر المظلم، وعيناه تفحصان الغرفة ببرود.
التفت إلى أمجد وأمه وقال بنبرة حاسمة:
"أمجد، خذ والدتك واخرجا.
أريد التحدث مع ابنة عمي على انفراد.. قبل أن يأمر رجالي بنقلكما إلى السرداب السفلي."
سحبت الأم ابنها بسرعة وخرجا يجران أذيال الخوف.
أغلقت تريل الباب، واستدارت لتجد جاسر يجلس على مقعدها، ممسكاً بيده صورة عائلية قديمة وجدها في مكتب والدها السرّي، ومكتوب خلفها:
"تريل هي الحارس الوحيد للعهد القديم.. إذا فُتح الصندوق، فابحثوا عن أثرها".
نظر إليها وقال:
"جئت لأعرف ما هو العهد الذي تحرسينه يا ابنة عمي؟"
مدت تريل يدها ببطء إلى جيب فستانها، وأخرجت تلك الورقة الصغيرة ذات الحبر الأحمر القاني، وبسطتها أمام عينيه.
قرأ جاسر الكلمات المذهلة:
"الرَّاعي الذي استأمنتموه على القطيع، هو أول من شحذ السكين.. والتعويذة بدأت الآن".
همست تريل بنبرة غامضة:
"هذه الورقة كُتبت الليلة.. وهناك شخص آخر في هذا القصر شحذ سكينه ليذبحنا جميعاً.
أنت تظن أنك جئت لتأخذ القصر.. لكنك دخلت إلى مصيدة، وإذا لم نتحالف الليلة.. فلن يخرج أحد منا حياً من هذا البيت."
تغيرت ملامح جاسر، واشتعلت عيناه ببريق مرعب.
طوى الورقة بعناية ووضعها في جيب معطفه الأسود وقال:
"إذاً، الشخص الذي كتبها يشاركنا نفس الهواء الآن.. إنه في هذا القصر."
ردت تريل وهي تتحرك نحو النافذة:
"هناك سرداب قديم يمتد تحت جناح والدي، لا يعرف أحد بوجوده سوى أمي وأبي..
وأظن أن خطايا الماضي لم تُدفن في الأوراق فقط.
إذا كنت تريد الحقيقة، فعلينا أن نبدأ من هناك."
اقترب منها جاسر وقال بصوت خفيض حمل نبرة اتفاق سري:
"سنتحرك إلى السرداب معاً الآن.
لكن تذكري.. أي محاولة للعب والخيانة، ستكون نهايتكِ قبل نهاية عائلتكِ."
ابتسمت تريل ابتسامة خفيفة غامضة وقالت:
"امشِ خلفي يا ابن عمي، ودعنا نرى من هو الذئب الحقي في هذا البيت."
---
تسللا عبر الممرات المظلمة حتى وصلا إلى باب خشبي صغير مخفي وراء سجادة جدارية ضخمة يؤدي إلى سلم لولبي ضيق ينحدر نحو أعماق الأرض.
فتح جاسر الباب ببطء، ليفوح منه غبار قديم ورائحة رطوبة خانقة.
وقبل أن يخطوا خطوتهم الأولى إلى الأسفل، تناهى إلى مسامعهما صوت حركة خفيفة وقفل حديدي يُفتح في عتمة السرداب الموحش
مرت الأيام التالية، وكانت تريل تحاول أن تخفي القلق الذي يسكن داخلها. كانت تبتسم أمام الجميع، وتضحك مع جاسر، وكأن كل شيء عاد طبيعيًا... لكن في داخلها كانت تخوض حربًا لا يراها أحد. كان جاسر يعرفها أكثر من أي شخص آخر. وفي إحدى الليالي، وجدها تقف أمام نافذة غرفتها، تحدق في الظلام الذي يحيط بالقصر. قال بهدوء: "تريل... هناك شيء تخفينه عني." التفتت إليه بسرعة. "لا... ليس هناك شيء." اقترب منها ونظر في عينيها. "منذ متى وأنتِ تكذبين عليّ؟" صمتت طويلًا، ثم اتجهت إلى الخزانة، وأخرجت الكتاب القديم، ووضعته بين يديه. فتح جاسر صفحاته، وما إن وقعت عيناه على الكلمات الجديدة حتى تغيرت ملامحه. "الحب جمع الحارسين... لكنه أيقظ الثمن." رفع رأسه إليها. "ماذا يعني هذا؟" همست بصوت مرتجف: "رأيت النهاية يا جاسر..." "أي نهاية؟" أغمضت عينيها وهي تقول: "رأيت أننا إذا بقينا معًا... سيدفع أحدنا الثمن." ساد الصمت بينهما. ثم أغلق جاسر الكتاب برفق وقال: "وهل قررتِ أن تبتعدي عني وحدك... دون أن تسأليني ماذا أريد؟" انهمرت دموعها. "أنا فقط لا أريد أن أخسرك." اقترب منها وأمسك يديها. "وأنا لا أريد حيا
وصل جاسر وتريل إلى المعبد القديم، وكانت الجدران تحمل نفس الرموز التي ظهرت في القصر.وقف سالم أمام النقش الكبير وقال:"هذا هو المكان الذي بدأ منه كل شيء."اقتربت تريل من الكتابة المنقوشة على الحائط، وبدأت الكلمات تظهر ببطء:"العهد لا يُكسر بالقوة... بل بالاختيار."نظر جاسر إلى أدهم."إذن كل ما حدث كان اختبارًا؟"أجاب أدهم:"كان العهد يخشى أن تتحد أرواح الحارسين، لأنه يعرف أن قوتهما معًا قد تكون عظيمة."سألت تريل:"لكن لماذا كان يريد إبعادنا؟"قال أدهم:"لأن أسهل طريقة للسيطرة على القوة... هي زرع الخوف بين أصحابها."في تلك اللحظة، ظهر الساحر أمامهم."ما زلتم لا تفهمون."ارتفعت الظلال حوله."العهد طلب منكما الفراق، وأنتم تظنون أن التمسك ببعضكما سينقذكم؟"وقف جاسر أمام تريل."لن نسمح لك أن تختار لنا."ابتسم الساحر."إذن ستدفعون الثمن."لكن قبل أن يكمل، بدأ المعبد يهتز.ظهرت كلمات جديدة على الجدران:"الحارسان لا يُختبران بما يفصل بينهما... بل بما يجعلهما أقوى."تغير وجه الساحر."مستحيل..."أدرك الجميع الحقيقة.لم يكن العهد يريد دمارهما...بل كان يريد معرفة إن كانا سيختاران الثقة بدل الخوف.
ساد الصمت داخل الغرفة بعد كلمات أدهم."لكنه لم يأتِ وحده."نظر جاسر نحو الباب."إذن أخبرنا بالحقيقة كاملة قبل أن يصل."تنهد أدهم، ثم اقترب من الكتاب ووضع يده عليه.بدأت الصفحات تتحرك، وظهرت كلمات جديدة:"العهد لا يُفتح إلا بثمن... والثمن هو أثر من يحملونه."نظرت تريل إلى أدهم."ما معنى هذا؟"قال بصوت هادئ:"العهد القديم لم يكن مجرد وعد بين حارسين... كان رابطًا. وعندما يجتمع الحارسان في الوقت الخطأ، تتحول القوة التي تحميهما إلى قوة لا يمكن السيطرة عليها."نظر جاسر إلى تريل."يعني وجودنا معًا هو المشكلة؟"خفض أدهم عينيه."ليس وجودكما فقط... بل اجتماع قوّتكما."اقتربت تريل من الكتاب."وماذا يريد العهد منا؟"ساد الصمت للحظة.ثم قال أدهم:"يريد الاختيار."قطبت حاجبيها."أي اختيار؟"أجاب:"إذا اختار الحارسان السير في الطريق نفسه، يطلب العهد ثمنًا كبيرًا... لأن القوة التي تُولد من اتحادهما قد تفتح بابًا لقوة مظلمة."نظر جاسر إليه بجدية."يعني العهد يريد أن يمنعنا من البقاء معًا."أومأ أدهم."لأنه يخشى ما قد يحدث إذا اجتمعت العلامتان بالكامل."نظرت تريل إلى جاسر.ولأول مرة لم يكن خوفها من الع
ظلت تريل تحدق في كلمات أبيها، وكأنها تحاول أن تجد بين الحروف تفسيرًا لما يحدث حولها.مد جاسر يده وأمسك بالكتاب بهدوء."عمران كان يعرف أن هذا سيحدث."قال سالم بصوت منخفض:"كان يعرف أكثر مما أخبرنا به."قلب جاسر الصفحات بحذر، حتى وصل إلى صفحة كانت مختلفة عن باقي الصفحات.لم تكن تحتوي على حكاية...بل على أسماء.أسماء كثيرة من عائلات قديمة، وبجانب بعضها علامات غريبة.قالت تريل:"ما هذه العلامات؟"اقترب سالم.ثم تغيرت ملامحه."هذه ليست أسماء..."نظر إليه جاسر."إذن ماذا تكون؟"أجاب سالم:"هذه قائمة بمن حملوا العهد عبر السنين."سكت لحظة."وبعضهم لم يكمل الطريق."شعرت تريل بالقلق."ماذا يعني لم يكمل؟"لم يجب سالم.لكن جاسر لاحظ شيئًا في أسفل الصفحة.اسم قديم كان مشطوبًا بعناية.اقترب أكثر.ثم اتسعت عيناه."سالم..."اقترب سالم، وما إن رأى الاسم حتى تجمد.قالت تريل:"من هذا؟"أجاب سالم بصوت متردد:"أول شخص خان العهد."ساد الصمت.ثم سألت تريل:"ولماذا شطبوا اسمه؟"أغلق سالم الكتاب قليلًا."لأن الحقيقة كانت أخطر من أن تُكتب."في تلك اللحظة...تحركت إحدى صفحات الكتاب وحدها.ظهرت كلمات جديدة أمامه