تسجيل الدخولخنجر أثريّ يقطر دماً قديماً، وصمتٌ مطبقٌ دام عشرين عاماً يكسره ظهور امرأة غامضة تُدعى 'تانيت'. بين نفوذٍ يُبنى بقطعٍ من التبر الخالص، ومحققٍ يُصيخ السمع لخطايا الماضي، تبدأ لعبة شطرنج كبرى لا مكان فيها للصدفة. هل تُشترى الحقيقة حين تُباع الأساطير؟ أم أن للعدالة وجهاً آخر لا يرحم؟"
عرض المزيدبعد دقائق حبست الأنفاس، خيم سكونٌ تام على القاعة؛ لم يكن صمتاً مفروضاً بوقار المحكمة هذه المرة، بل كان لهفةً لسماع الكلمة التي انتظرها الجميع طيلة ستة أشهر.. لحظة النطق بالحكم.بدأ القاضي بسرد الحيثيات، فصلاً تلو الآخر، مفصلاً العقوبات المستحقة عن كل جريمة نُسبت لرمزي الساخي. وختم كلماته بعبارة جعلت منى تغمض عينيها بابتسامة انتصار هادئة:"حكمت المحكمة علنياً وحضورياً على المتهم رمزي الساخي بالسجن المؤبد."في تلك اللحظة، لم تعد منى تسمع ضجيج القاعة أو صرخات رمزي الهستيرية؛ كانت ترى شريط ذكرياتها يمر أمام عينيها.. رأت مشهد الجريمة البشع، الليالي التي قضتها تبكي فراق أمها، والسنوات الطويلة التي أفنتها في التخطيط والبحث عن الثغرة التي ستهدم عرش رمزي وتذله. ستة أشهر من الانتظار المرير توجت بهذا الحكم الذي أثلج صدرها وأعاد الحق لأصحابه.تبادلت نظرة ممتنة مع المدعي العام، ثم وقفت بشموخ وسط جموع الحاضرين وعدسات الصحافة التي تهافتت لنيل تصريح منها. خرجت من القاعة بخطى واثقة يتردد صداها في الممرات، ولحق بها حمزة.قال حمزة بزهو: "لقد فعلتِها يا فتاة!"ابتسمت له منى قائلة: "لم أفعلها وحدي..
ضرب القاضي بمطرقته بقوة صائحاً: "هدووووء! هذه محكمة وقاعة عدالة وليست سوقاً عاماً!" سحب رجال الشرطة رمزي وهو يصرخ بهستيريا، بينما حاول محاموه تهدئته دون جدوى. في هذه الأثناء، تبادل المدعي العام نظرة خاطفة مع منى التي ارتسمت على ثغرها ابتسامة نصر خفية؛ فقد كانت هذه هي الخطة بالضبط: استدراج رمزي واستفزازه وصدمه بالحقائق المدفونة حتى يفقد سيطرته على أعصابه ويعترف بلسانه. خيم الهدوء مجدداً على القاعة، فوجه القاضي حديثه لمنى: "ذكرتِ أنكِ شهدتِ الجريمة، كيف لم يلحظ وجودكِ؟" أجابت منى بثبات: "كنت في الطابق العلوي، أراقب ما يحدث من شق الباب بصمت مطبق خوفاً من أن يلمحني. وحين نزل هو ليغادر مع سائقه، نزلتُ فوجدت أمي جثة هامدة. تملكني الرعب فهربت هائمة على وجهي حتى وصلت إلى ضيعة بعيدة ونمت فيها من فرط التعب. لفتتني امرأة طيبة، ولأنها خشيت عليّ من الضياع في دور الأيتام، آوتني عندها. كبرتُ وتعلمتُ في كنفها بعيداً عن أعين العالم، ولم تظهر هويتي إلا حين فُتحت القضية مجدداً، فجئت لأدلي بشهادتي." سألها القاضي: "وكيف علمتِ بأمر القضية؟" أجابت: "من التلفاز.. حين سمعت اسمه، استيقظت كل ذكريات
جلس المحامي، فاستدار المدعي العام نحو رمزي ورمقه بنظرة ثاقبة قائلاً: "ولماذا لا نقول إنها كانت علاقة عابرة، وحين هددتك ليلى بفضح أمرك قررت التخلص منها؟" انتفض رمزي غضباً وحاول النهوض، لكن المحامي الجالس بجانبه كبحه بقوة. تدخل محامٍ آخر من هيئة الدفاع صائحاً: "سيدي القاضي، إني أعترض! هل لدى السيد المدعي العام دليل واحد على هذه المزاعم؟ هذا اتهام خطير يشهّر بموكلي، والقانون يعاقب على مثل هذه الافتراءات، ونحن نحتفظ بحق المتابعة القضائية." وجه القاضي حديثه للمدعي العام: "هل تملك دليلاً يسند ادعاءك هذا؟" أجاب المدعي العام بثقة هزت أركان القاعة: "بالتأكيد يا سيدي القاضي، لدي دليل قاطع.. شاهدة ستضع حداً لهذا الجدل وتكشف الحقيقة كاملة. أطلب دخول الشاهدة." فُتح باب القاعة الكبيرة، ودخلت بخطى واثقة يتردد صدى كعبها العالي في أرجاء الصمت المخيم. كانت ترتدي طقماً رسمياً أنيقاً، وشعرها ينسدل بحرية، وعلى وجهها ابتسامة غامضة وهي تنظر نحو رمزي المصدوم، الذي راح يبحث في ذاكرته عن سر هذا الوجه المألوف لديه. تقدمت نحو منصة الشهود واستقرت في مكانها. قال المدعي العام: "قبل أن تُعرف الشاهدة
في غرفةٍ معتمة لا يكسر سكونها إلا ضوءٌ خافت، جلس رمزي بملابس السجن الرثة، يقابله ثلاثة محامين ببذلاتهم الرسمية الأنيقة. كان صوته يتهدج غضباً وهو يصرخ في وجوههم: "طلبتم وقتاً ومنحتكم إياه! قضيتُ ستة أشهر بين الحثالة والمجرمين.. طلبتم مالاً وأغرقتكم به، ومع ذلك أنتم ثلاثة ولم تستطيعوا إخراجي من هنا!" رد المحامي الأول بهدوء حذر: "سيد رمزي، القضية معقدة للغاية. المدعي العام عازمٌ على إغراقك، ولقد استنزفنا الشهور الستة الماضية في المماطلة لتقليل الخسائر. غداً هي الجلسة الختامية، وإذا سارت الأمور وفق خطتنا، فقد تنال البراءة." زمجر رمزي: "لا أريد مراهناتكم! أريد جواباً قاطعاً.. هل سأخرج غداً أم لا؟" تبادل المحامي الثاني النظرات مع زميليه وقال بتردد: "بإمكاننا فعل ذلك.. الأمر صعب، لكنه ممكن." خبط رمزي بيده على الطاولة وصاح: "غداً أريد محاكمة تنتهي لصالحي، أريد الخروج من هذا العفن والوسخ!" ثم نهض بعنف وطرق الباب ليأخذه الحارس، تاركاً خلفه المحامين في دوامة من النقاش. وضع المحامي الثالث رجلاً فوق الأخرى وقال بيأس: "المدعي العام لم يكتفِ بحفر حفرة له، بل بنى له مقبرة! القضية خاسرة
رفعت تانيت حاجبها باستنكار ورمقته بنظرة حادة: "منذ متى يسير الخدم أمام سادتهم؟" رفع نِير يده في الهواء وكأنه يهمّ بصفع الفراغ من فرط استدراجه، ثم أجابها محتداً: "لستُ خادماً لكِ، أنا رجل قانون.. أنا شرطي!" لم تعره تانيت أدنى اهتمام، ومضت تتبختر أمامه بوقار، وقد شبكت يديها خلف ظهرها، تسير بخطىً
تنهد الرئيس شدّاد بعمق، محاولاً كبح جماح غضبه الذي بلغ ذروته وهو يصغي إلى أَسِيل يروي تفاصيل ما جرى: "لقد نفد صبري يا نِير.. أنت موقوف عن العمل لشهرٍ كامل! لا أريد رؤية وجهك هنا طيلة هذه المدة، وراتبك سيتوقف أيضاً حتى إشعارٍ آخر." كانت ابتسامة الرضا ترتسم على محيا نِير ظناً منه أنها مجرد عطلة، ل
استقلَّ نِير سيارته والضحك يغالب أنفاسه؛ فكيف لتلك "المعتوهة" أن تذيق عصابةً بأكملها الويلات، ثم تتمادى بإلقاء الأوامر بلكنةٍ غريبة؟ انطلق خلف سيارة الترحيلات نحو المركز، بل وسبقهم إلى الداخل بخطىً متبخترة. أنزل رجال الشرطة الفتاة من الحافلة، وهي لا تزال تملأ المكان صخباً واحتجاجاً، فمضوا بها إل
قطع رئيس المخفر، شدّاد، حديثه بحدة، وأمر أَسِيل باستلام زمام المبادرة. انطلقت سيارات الشرطة تشرق الأرض بمصابيحها، متجهةً صوب الإحداثيات التي انتزعها نِير من ذاك الفتى المذعور. كانت الوجهة غابةً نائية تقع على تخوم المدينة، تحتضن بين أشجارها الكثيفة مستودعاً مهجوراً تفوح منه رائحة النسيان، وهو الو