مُتيم بِك

مُتيم بِك

last updateLast Updated : 2026-07-19
By:  Remas Younis Updated just now
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
Not enough ratings
14Chapters
51views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

فِي هٰذَا العَالَمِ العَاهِرِ، لَا يُولَدُ الحُبُّ نَقِيًّا، بَلْ يُولَدُ فِي الزَّوَايَا المُظْلِمَةِ، عَلَى أَسِنَّةِ الخَطِيئَةِ، يَتَرَعُ مِن جُرْحِ الهَوَى، وَيَكْبُرُ لِيَلْتَهِمَ أَرْوَاحَنَا نَهْشًا. يُقَبِّلُنَا كَمَلَاكٍ، ثُمَّ يَغْرِسُ أَظَافِرَهُ كَجَانٍّ يَتَلَذَّذُ بِالوَجِيعَةِ. لَمْ تَكُنْ قِصَّتِي تَرَفًا وَلَا صُدْفَةً، بَلْ كَانَتْ جُرْحًا فَاخِرًا مَحْفُورًا عَلَى خَاصِرَةِ القَدَرِ، وَتَمَرُّدًا جَرِيئًا عَلَى نُبُوءَاتِ الطُّهْرِ وَالعِفَّةِ. نَحْنُ لَا نَسْرِدُ حِكَايَةَ حُبٍّ بَلَغَتِ النِّهَايَةَ، بَلْ مَأْتَمًا دَفَنَهُ الثَّلْجُ، وَبَصَقَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ لِكَوْنِهِ أَجْمَلَ مِمَّا يَسْتَحِقُّ هٰذَا العَالَمُ. فَافْتَحْ هٰذَا الرِواية، لَا لِتَقْرَأَ فَصْلًا، بَلْ لِتَسْتَلْقِيَ عَلَى سُطورِهِ كَجُثَّةٍ تُرَاقِصُ قَدَرَهَا فِي ظَلَامٍ أَنِيقٍ. عَزِيزِي القَارِئُ: لَا تَفْتَحْ هٰذَا الرِوايه إِنْ كُنْتَ ضَعِيفًا، وَلَا تُلَوِّثْ أَسْطُرِي بِأَنِينٍ رَخْوٍ يُشْبِهُ هَزِيمَتَكَ اليَوْمِيَّةِ. إِنْ لَمْ تُعْجِبْـــكَ فَغَادِرْ كَمَا يَرْحَلُ الحَثَالَةُ عَنْ طَاوِلَةِ المُلُوكِ، بِلَا أَثَرٍ ، وَلَا اعْتِذَار. وَإِنْ أَعْجَبَتْــــكَ فَلَا تَبْتَسِمْ، فَكُلُّ سَطْرٍ سَتَقْرَؤُهُ، سَيَتَسَلَّلُ إِلَى قَلْبِكَ كَطَلْقَةٍ بَطِيئَةٍ، وَسَيَتْرُكُكَ تَنْزِفُ حُبًّــا ثُمَّ كُرْهًــا ثُمَّ "سَتَلْعَنَ اسْمَكَ لِأَنَّكَ فَتَحْتَ هٰذَا الجَحِيمَ بِيَدِكَ" إِنْ كُنْتَ تَظُنُّ أَنَّ هٰذِهِ الرِّوَايَةَ سَتُقَبِّلُ جَبِينَكَ بِرِقَّةٍ، أَوْ تَحْمِلُكَ كَالأُمِّ لِتُرَضِّعَكَ وَهْمَ الحُبِّ، فَضَعْهَــا وَارْحَلْ. هٰذِهِ لَيْسَتْ رِوَايَةً، بَلْ قُنْبُلَةٌ مَذْبُوحَةٌ بِالحُرُوفِ، تَتَفَجَّرُ فِي قَلْبِكَ بَطِيئًا، تُقَبِّلُكَ بِعَيْنٍ، وَتَغْرِزُ أُخْرَاهَا فِي رُوحِكَ ، تُزَغْزِغُ جِرَاحَكَ، ثُمَّ تَسْتَغِلُّ نَزِيفَهَا لِتَخُطَّ نِهَايَتَكَ. "لَا تَقْرَأْهَا لِتَعِيشَ، بَلْ لِتَمُوتَ جَمِيلًا... لَا تَقْرَأْهَا لِتُحِبَّ، بَلْ لِتَكْفُرَ بِكُلِّ مَا آمَنْتَ بِهِ قَبْلَهَا". إِنْ كُنْتَ جَبَانًــا،أَغْلِقْهَا. وَإِنْ كُنْتَ بَشَرِيًّــا، تَرَدَّدْ. أَمَّا إِنْ كُنْتَ مَسْخًـــا يَتَنَفَّسُ الأَلَمَ، فَادْخُلْ

View More

Chapter 1

الفصل الأول

🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒🍒 🍒 🍒

كَانَتِ اللَّيْلَةُ، مِرْآةً مُهَشَّمَةً،

تَنْعَكِسُ فِيهَا صُوَرُ الجَحِيمِ بِهَيْئَةِ حَادِثٍ.

سَجَّلَ الزَّمَانُ اسْتِقَالَتَهُ،وَانْطَوَى المَكَانُ كَمَنْ يَخْجَلُ مِنْ وَقَاحَةِ المَنْظَرِ.

صَرِيخُ صَفَّارَاتِ الإِسْعَافِ،

لَمْ يَكُنْ نَدَاءَ إِنْقَاذٍ،بَلْ أَذَانَ قَتْلٍ، يُؤَذِّنُ فِي مِحْرَابِ العَدَمِ،

وَيَدْعُو لِجِنَازَةِ الحُبِّ بِصَوْتٍ أَجَشَّ.

الزَّمْهَرِيرُ يَلْتَهِمُ الطَّرِيقَ،وَالثَّلْجُ يُغَطِّي الجُثَثَ، كَمَنْ يُخْفِي دَلِيلَ جَرِيمَةٍ إِلَهِيَّةٍ.

كُلُّ كُرِيَّةِ ثَلْجٍ تَسْقُطُ، كَأَنَّهَا قَسَمٌ مَذْبُوحٌ عَلَى مِذْبَحِ القَدَرِ.

فِي وَسْطِ المَشْهَدِ،جَسَدَانِ يَتَعَانَقَانِ كَتَمَاثِيلَ نَحَتَهَا المَوْتُ فِي لَحْظَةِ سُكْرٍ.

يَتَلَاحَمَانِ كَمَا يَتَلَاحَمُ الحَرْفُ الأَخِيرُ فِي رِوَايَةٍ لَنْ تُكْتَبْ.

كَانَتِ السَّاعَةُ تَنْزِفُ وَقْتَهَاتَوَقَّفَ كُلُّ شَيْءٍ،كَأَنَّ الكَوْنَ حَبَسَ أَنْفَاسَهُ،خَوْفًا أَنْ يُقَاطِعَ مَوْتًا يُرَتِّلُ صَفْحَتَهُ الأَخِيرَةَ.

إيلارا،ذَاتُ التاسع عشرًا رَبِيعًا،وَلَكِنْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كَبُرَتْ أَلْفَ خَرِيفٍ.

عَيْنَاهَا… كَأَنَّهُمَا سَرَقَتَا لَوْنَ اللَّيْلِ،وَصَوْتُهَا… نَايٌ مَكْسُورٌ يَحْنُو عَلَى أَلَمِهِ

تَتَكَوَّرُ عَلَى صَدْرِ وَالِدِهَا كَأَلِيفَةٍ تُقَبِّلُ الوَدَاعَ،وَتَشْهَقُ بِصَوْتٍ يَجْرَحُ الآذَانَ، وَيُرَمِّلُ المَعَانِي:

ــ "عائلتـــي"

أُمي.

أبي.

كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَهَشَّمَتْ فِي فَمِهَا،كَلِمَةٌ فَقَط، نَزَفَتْ، ثُمَّ سَكَتَتْ

لِيَنْهَشَ الصَّمْتُ بَعْدَهَا عِظَامَ جَسَدِهَا، كيف لِفتاة بِمقتبل مُستقبلها أن تَتعرض لِإشد انواع الخسائر قُبحًا.

وَالزَّمَنُ،يَسْتَدِيرُ كَصَفْعَةٍ،وَيَرْفَعُ صَوْتَ المُسْعِفِ، كَمَنْ يُعْلِنُ النِّهَايَةَ فِي مَسْرَحٍ تَرَكَهُ الآلِهَة:

ــ "تَوَقَّفَ النَّبْضُ. كِلَيْهِمَــا لَا حَيَاة."

وَهُنَاكَ، فِي الزَّاوِيَةِ،يَزْدَادُ الضَّوْءُ حُمْرَةً،لَيْسَ مِنَ السِّرَاجِ، بَلْ مِنَ النِّيَّةِ.

مارك كوزا.

الرَّجُلُ الَّذِي قَتَلَ حُبَّهُ، لِكَيْ يَظَلَّ يَعِيشَ فِي قَلْبِهِ، أَشْعَلَ سِيجَارَتَهُ كَمَنْ يُقَدِّمُ قُرْبَانًا، نَفَثَ الدُّخَانَ كَتَعْوِيذَةٍ مَسْمُومَةٍ، ثُمَّ اسْتَرْسَلَ صَوْتٍ خَافِتٍ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مِن ارَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَقِفُ بِجَانِبِهِ؛ ذَلِكَ العَجُوزِ الَّذِي أَرْهَقَتْهُ السَّنَوَاتُ وَتَجَاعِيدُ الزَّمَنِ:

ــ "أَخِيرًا، يَا لُورَا... سَرَقْتُكِ مِنَ الحَيَاةِ، كَمَا عَجَزْتُ أَنْ أَسْرِقَكِ مِنْ دِيفِيد."

الْتَفَتَ مَارْك بِبُرُودٍ نَحْوَ ذَلِكَ العَجُوزِ الأَشْعَثِ الَّذِي يُشَاطِرُهُ لَعْنَةَ الدَّمِ؛ كَاسِيَاس.

كَانَ النَّظَرُ إِلَيْهِ كَافِيًا لِإِشْعَالِ بَقَايَا الكُرْهِ المَوْرُوثِ بَيْنَهُمَا.

حَتَّى فِي مَشْهَدِ المَوْتِ هَذَا، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الِابْنِ وَأَبِيهِ سِوَى جَفَاءٍ يَعْدِلُ زَمْهَرِيرَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ

يُقَلِّبُ فِي دَاخِلِهِ أَلْفَ سِينارْيُو لِلمَوْتِ،كُلُّهَا كَانَتْ أَقَلَّ شِعْرِيَّةً مِمَّا حَدَثَ اللَّيْلَةَ.

ثُمَّ.

سَمِعَ صَوْتَهَا، وَرَآهَا.

تِلْكَ الصَّغِيرَةَ، الَّتِي كَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ ضِمْنَ الضَّرَرِ الجَانِبِيِّ،وَلَكِنَّهَا نَجَتْ، كَجُرْحٍ أَفْلَتَ مِنَ المِقْصَلَةِ.

وَفِي عَيْنِه.لَمَعَ شَيْءٌ،لَا هُوَ نَدَمٌ، وَلَا رَحْمَة،بَلْ هُوَ: فِكْرَة.

ــ "إيلارا..."

تَمْتَمَ بِاسْمِهَا، كَمَنْ يَقْرَأُ سَطْرًا جَدِيدًا فِي كِتَابِ حَيَاتِهِ المُلَوَّثِ.

الْتَقَطَ كَاسِيَاس تِلْكَ الهَمْسَةَ الهَشَّةَ، فَالْتَفَتَ بِعَيْنَيْنِ ضَيِّقَتَيْنِ كَحَيَّةٍ تَتَحَفَّزُ، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ جَافَّةٍ خَلَتْ مِنْ أَيِّ أثَرٍ لِلإِنْسَانِيَّةِ:

ــ "إِنَّهَا ابْنَةُ دِيفِيد..."

عَقَدَ مَارْك حَاجِبَيْهِ، وَتَجَمَّدَتْ مَلَامِحُهُ فِي هَيْئَةِ تَسَاؤُلٍ بَارِدٍ، بَيْنَمَا كَانَ يُنَاظِرُ الأَكْبَرَ سِنًّا بِنَظَرَاتٍ مَلِيئَةٍ بِالتَّكْذِيبِ:

ــ "وَلَكِنْ... عَلَى حَدِّ عِلْمِي، دِيفِيد لَا يُنْجِبُ. مِنْ أَيْنَ لَهُ بِهَذِهِ النَّبْتَةِ الَّتِي نَمَتْ فِي جَحِيمِهِ؟"

حَوَّلَ كَاسِيَاس بَصَرَهُ نَحْوَ الصَّفِيحِ المُلْتَوِي لِلسَّيَّارَةِ المُدَمَّرَةِ. كَانَتْ نَظَرَاتُهُ تَقْطُرُ كُرْهًا دَفِينًا، لَا لِلْجُثَثِ الهَامِدَةِ فَحَسْبُ، بَلْ لِلْإِرْثِ الَّذِي تَرَكُوهُ خَلْفَهُمْ. تَنَفَّسَ بِصُعُوبَةٍ، ثُمَّ بَصَقَ كَلِمَاتِهِ كَمَنْ يَتَخَلَّصُ مِنْ سُمٍّ:

ــ "لَقَدْ تَبَنَّاهَا بِقَرَارٍ مِنْ لُورَا... وَاعْتَبَرَاهَا طِفْلَتَهُمَا المَقَدَّسَة. لَقَدْ قَابَلْتُ تِلْكَ الفَتَاةَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْل، وَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَجْزِمَ لَكَ... أَنَّ نَوَايَاهَا لَيْسَتْ حَسَنَةً أَبَدًا. شَيْءٌ مَا فِيهَا مُشَوَّهٌ، أَشْعُرُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ سَلِيمَةً عَقْلِيًّا."

ضَحِكْ مَارْك ضِحْكَةً مَكْتُومَةً، تَشْبَهُ فِيسْبَارَ الثَّلْجِ وَهُوَ يَرْتَطِمُ بِالزُّجَاجِ. نَظَرَ إِلَى مَكَانِ الحَادِثِ ثُمَّ إِلَى وَالِدِهِ، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ خَبِيثَةٍ:

ــ "مُشَوَّهَة؟... إِذَنْ، هِيَ لَا تَخْتَلِفُ عَنَّا كَثِيرًا .

نَظَرَ لَهُ كَاسِيَاس بِحِدَّةٍ، وَتَقَلَّصَتْ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ الهَرِمِ غَضَبًا مِنْ هَذَا الاسْتِخْفَافِ، لِيَقْتَرِبَ مِنْهُ خُطْوَةً وَيَهْمِسَ بِفَحِيحٍ صَارِمٍ:

ــ "أَتَحَدَّثُ بِجِدِّيَّةٍ يَا مَارْك! إِنَّهَا لَيْسَتْ لُعْبَةً سَهْلَةً كَمَا تَظُنُّ. تَذَكَّرْ أَنَّهَا الآنَ تُعْتَبَرُ شَاهِدًا عَلَى هَذِهِ المَجْزَرَةِ. تِلْكَ الفَتَاةُ ذَكِيَّةٌ جِدًّا... أَجْزِمُ بِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْلَمُ بِأَمْرِ الحَادِثِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ، قَرَّرَتْ رُكُوبَ السَّيَّارَةِ بِنَفْسِهَا."

رَفَعَ مَارْك حَاجِبَيْهِ بِسُخْرِيَةٍ بَارِدَةٍ، رَافِضًا أَنْ يُظْهِرَ أَيَّ أَثَرٍ لِلْمُفَاجَأَةِ، رَغْمَ أَنَّ عَقْلَهُ كَانَ يَعْلَمُ بِيَقِينٍ تَامٍّ أَنَّ كَلِمَاتِ هَذَا العَجُوزِ لَمْ تَكُنْ هَذَيَانًا.

كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ كَاسِيَاس مُحِقٌّ، وَأَنَّ إِيلارَا تُخْفِي خَلْفَ مَلَامِحِهَا البَاكِيَةِ سِرًّا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْبُشَهُ سِوَاهُ.

مَحَقَ مَارْك سِيجَارَتَهُ بَيْنَمَا تَعَالَتْ ضِحْكَتُهُ الاسْتِهْزَائِيَّةُ:

ــ "أَعْتَقِدُ أَنَّ الكِبَرَ قَدْ أَثَّرَ عَلَى تَفْكِيرِكَ ... لَقَدْ بَدَأْتَ تَخْرَفُ مِنْ الآنَ.

فَتَاةٌ فِي التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ تَعْلَمُ عَنْ حَتْفِهَا وَتَسِيرُ إِلَيْهِ؟ هَذِهِ فِكْرَةٌ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِقِصَصِ الرُّعْبِ الرَّخِيصَةِ."

نَفَثَ بَقَايَا الدُّخَانِ فِي وَجْهِ كَاسِيَاس، مُمَوِّهًا عَلَى تِلْكَ الفِكْرَةِ الشَّيْطَانِيَّةِ الَّتِي اسْتَقَرَّتْ فِي عُمْقِ صَدْرِهِ. لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ لِأَحَدٍ، وَخُصُوصًا كَاسِيَاس، أَنْ يَكْتَشِفَ حَقِيقَةَ إِيلارَا. أَرَادَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الوَحِيدَ الَّذِي يَتَسَلَّلُ إِلَى لُعْبَتِهَا الخَفِيَّةِ، أَنْ يَدْخُلَ مَتَاهَتَهَا بِقَدَمَيْهِ، لِيُفَكِّكَ شِفْرَتَهَا وَيَرَى النِّهَايَةَ بِنَفْسِهِ، دُونَ أَنْ تَمَسَّهَا يَدُ العَجُوزِ بِأَذَى.

ثُمَّ أَرْدَفَ مَارْك وَهُوَ يَتَحَرَّكُ مُبْتَعِدًا نَحْوَ الصَّخَبِ:

ــ "دَعْهَا لِلْمَشَافِي، وَدَعْنَا نُغَادِرُ هَذَا المَسْرَحَ البَارِدَ قَبْلَ أَنْ تَكْتَسِيَ ثِيَابُنَا بِرَائِحَةِ فَقِيدَتِكَ... وَفَقِيدِي."

تَرَكَ كَاسِيَاس وَاقِفًا يُرَاقِبُهُ بِشَكٍّ عَمِيقٍ، بَيْنَمَا مَارْك يَلْتَفِتُ بِعَيْنَيْهِ نَحْوَ النَّقَّالَةِ الَّتِي بَدَأَ المُسْعِفُونَ يَرْفَعُونَ جَسَدَ إِيلارَا المُنْهَارَ عَلَيْهَا. تَمْتَمَ فِي سِرِّهِ بِصَوْتٍ لَا يَسْمَعُهُ سِوَى صَدْرِهِ المَخْرُوبِ:

(إِذَنْ، كُنْتِ تَعْلَمِينَ، وَجِئْتِ؟... كَمْ أَنْتِ رَائِعَةٌ فِي انْتِحَارِكِ الصَّامِتِ يَا إِيلارَا. لَقَدْ صَنَعْتِ لِي لُعْبَةً تَسْتَحِقُّ أَنْ أَعِيشَ لِأَجْلِهَا

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
14 Chapters
الفصل الأول
🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒🍒 🍒 🍒 كَانَتِ اللَّيْلَةُ، مِرْآةً مُهَشَّمَةً، تَنْعَكِسُ فِيهَا صُوَرُ الجَحِيمِ بِهَيْئَةِ حَادِثٍ. سَجَّلَ الزَّمَانُ اسْتِقَالَتَهُ،وَانْطَوَى المَكَانُ كَمَنْ يَخْجَلُ مِنْ وَقَاحَةِ المَنْظَرِ. صَرِيخُ صَفَّارَاتِ الإِسْعَافِ، لَمْ يَكُنْ نَدَاءَ إِنْقَاذٍ،بَلْ أَذَانَ قَتْلٍ، يُؤَذِّنُ فِي مِحْرَابِ العَدَمِ، وَيَدْعُو لِجِنَازَةِ الحُبِّ بِصَوْتٍ أَجَشَّ. الزَّمْهَرِيرُ يَلْتَهِمُ الطَّرِيقَ،وَالثَّلْجُ يُغَطِّي الجُثَثَ، كَمَنْ يُخْفِي دَلِيلَ جَرِيمَةٍ إِلَهِيَّةٍ. كُلُّ كُرِيَّةِ ثَلْجٍ تَسْقُطُ، كَأَنَّهَا قَسَمٌ مَذْبُوحٌ عَلَى مِذْبَحِ القَدَرِ. فِي وَسْطِ المَشْهَدِ،جَسَدَانِ يَتَعَانَقَانِ كَتَمَاثِيلَ نَحَتَهَا المَوْتُ فِي لَحْظَةِ سُكْرٍ. يَتَلَاحَمَانِ كَمَا يَتَلَاحَمُ الحَرْفُ الأَخِيرُ فِي رِوَايَةٍ لَنْ تُكْتَبْ. كَانَتِ السَّاعَةُ تَنْزِفُ وَقْتَهَاتَوَقَّفَ كُلُّ شَيْءٍ،كَأَنَّ الكَوْنَ حَبَسَ أَنْفَاسَهُ،خَوْفًا أَنْ يُقَاطِعَ مَوْتًا يُرَتِّلُ صَفْحَتَهُ الأَخِيرَةَ. إيلارا،ذَاتُ ا
last updateLast Updated : 2026-07-05
Read more
الفصل الثاني
وهالة السَّمَاءَ فُجِعَتْ، فَانْفَتَقَتْ بِسَوَادِهَا، وَشَرَعَتْ تُمْطِرُ وَهِيَ تُجْرِي لِلْأَرْضِ غُسْلَهَا الْأَخِيرَ، تَرَاكَمَتِ الْغُيُومُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ كَأَحْقَادٍ لَمْ تُفْصِحْ، وَانْكفَأَتِ الْأَشْجَارُ فَوْقَ بَعْضِهَا كَأَنَّهَا تَشْهَقُ مَعَ كُلِّ نَعْشٍ يُوَارَى، فِي الْمَقْبَرَةِ، بَيْنَ صَفَّيِ الْقُبُورِ الْيَتَامَى، وُضِعَ التَّابُوتَانِ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ، فأِنَّ الْمَوْتَ ذَاتَهُ خَجِلَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ عَاشِقَيْنِ.كَانَتْ هِيَ... إِيلَارَا، النَّبْتَةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي نَمَتْ وَسَطَ حَقْلٍ مِنَ الرَّمَادِ، وَاقِفَةً تَحْتَ شَجَرَةِ سَروٍ عَرْجَاءَ، تَلِفُّهَا السَّوَادُ مِنْ رَأْسِهَا حَتَّى قَدَمَيْهَا، كَأَنَّهَا قِطْعَةُ لَيْلٍ لَمْ يُكْتَبْ لَهَا شُرُوقٌ، فُسْتَانُها أَلاسْوَدُ،كَانَ حُزْنًا مُخَيَّطًا بِإِبَرِ الصَّمْتِ لَمْ يَكُنْ شَالُ حَرِيرًا، كَانَتْ رُوحَ أُمِّهَا، تَلِفُّ عُنُقَهَا كَعِنَاقٍ أَخِيرٍ لَا يُرَادُ لَهُ الْاِنْتِهَاءُ.تَقَدَّمَتْ بِخُطَاهَا نَحْوَ التُّرَابِ الطَّازِجِ، ذَٰلِكَ التُّرَابِ الَّذِي لَمْ يُشْفَ بَعْدُ مِ
last updateLast Updated : 2026-07-05
Read more
الفصل الثالث
اِمْتَدَّتِ الطَّرِيقُ أَمَامَهُمَا كَكَفَنٍ أَبْيَضَ لَا نِهَايَةَ لَهُ، كَأَنَّ السَّمَاءَ لَفَّتِ الْأَرْضَ بِحُزْنٍ بَارِدٍ لَا يُدْفَنُ، وَسَكَبَتْ عَلَى الْإِسْفَلْتِ نَعْيَهَا الْبَكْمَ، وَسَوَادَهَا الْأَخْرَسَ.السَّيَّارَةُ تَشُقُّ صَمْتَ اللَّيْلِ بِخَفَرٍ مُرِيبٍ، وَالْعَجَلَاتُ تَئِنُّ فَوْقَ الطُّرُقِ الرَّطْبَةِ، بَيْنَمَا يَرْتَجِفُ النَّسِيمُ بَيْنَ الزُّجَاجِ وَالشَّعْرِ كَأَنَّهُ يُبَلِّغُ تَعَازِيَهُ الْأَخِيرَةَ.إِيلَارَا كَانَتْ تُحَدِّقُ فِي النَّافِذَةِ كَمَنْ يُحَاوِلُ الْهُرُوبَ مِنِ اِنْعِكَاسِهِ، لَا تَرَى سِوَى امْرَأَةٍ أُخْرَى... امْرَأَةٍ دُفِنَتْ حَيَّةً وَهِيَ وَاقِفَةٌ، كَأَنَّ الصَّدْمَةَ قَدْ نَسَجَتْ كَفَنًا مِنَ الصَّمْتِ حَوْلَهَا، وَدَفَنَتْهَا وَهِيَ تَتَنَفَّسُ.خُصْلَاتُهَا السَّوْدَاءُ تَتَرَاقَصُ عَلَى أَنْغَامِ الرِّيحِ كَأَنَّهَا تُهَيِّئُ لَهَا وَدَاعًا ثَانِيًا، أَمَّا مَارْكْ؟ فَكَانَ يَجْلِسُ بِجِوَارِهَا كَجَبَلٍ أَصَمَّ لَا يَنْطِقُ، لَكِنَّهُ يُشْعِرُكَ أَنَّهُ سَمِعَ كُلَّ شَيْءٍ، وَعَرَفَ كُلَّ شَيْءٍ، وَصَمَتَ عَنْ كُلِّ شَيْء
last updateLast Updated : 2026-07-05
Read more
البارت الرابع
نَهَضَتْ، حَادَّةَ العَيْنَيْنِ، كَمَنْ مَلَّتْ سُخْرِيَّةَ الهَارِبِ مِنْ حَقِيقَتِهِ، وَرَمَتْ كَلِمَاتِهَا الأَخِيرَةَ كَسَهْمٍ: "أَنْتَ لَا تُرِيدُ الحَقِيقَةَ... بَلْ تُرِيدُ أَنْ تَسْبِقَهَا."ابْتَسَمَ، وَأَرْخَى رَأْسَهُ عَلَى الأَرِيكَةِ التِي يَتَرَبَّعُ عَلَيْهَا كَمَلِكٍ مَكْسُورٍ، وَاسْتَنْشَقَ عَقِبَ سِيجَارَتِهِ، قَائِلًا: "وَالحَقِيقَةُ لَا تُخِيفُنِي... وَلَكِنَّ مَا يُخِيفُكِ أَنْتِ، هُوَ أَنْ تَجِدِيهَا تُشْبِهُكِ."دُونَ أَنْ تَلْتَفِتَ، وَبِصَوْتٍ أَشَدَّ مِنَ السُّكُونِ وَأَقْسَى مِنَ الصَّدَى: "إِذَنْ، فَلْتَخَفْ... لِأَنَّ الحَقِيقَةَ، يَا سَيِّدَ كُوزَا، لَا تُشْبِهُنِي فَقَطْ... الحَقِيقَةُ أَنَا."تَقْطَعُ خُطَاهَا نَحْوَ البَابِ بِخُطًى مَحْسُوبَةٍ، كَمَنْ يَعْرِفُ أَنَّ خَلْفَهُ حَقْلَ أَلْغَامٍ."وَمَا الَّذِي يَجْعَلُ 'الحَقِيقَةَ' تَهْرُبُ إِذًا؟!"تَوَقَّفَتْ عِنْدَ البَابِ، وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى المِقْبَضِ، وَلَمْ تَلْتَفِتْ..كَأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي جُمْلَةٍ نُسِيَتْ فِي فَمِ شَاعِرٍ كَانَ يَحْتَضِرُ. الجُدْرَانُ؟ تَهْمِسُ. الصُّوَرُ؟ لِأُنَاسٍ يُشْ
last updateLast Updated : 2026-07-05
Read more
البارت الخامس
جَاءَ صَوْتُهُ مِنْ زَاوِيَةٍ نَسِيَتْ نَفْسَهَا، صَوْتٌ بَارِدٌ كَظِلٍّ يَسْحَبُ نَفْسَهُ عَلَى الْأَرْضِ.لَمْ تَرْفَعْ رَأْسَهَا، وَلَكِنَّ الشَّهْقَةَ فِي صَدْرِهَا تَعَثَّرَتْ.اِبْتَسَمَتْ... بِسُخْرِيَّةٍ قَاتِلَةٍ:"وَأَنْتَ؟ تَمْشِي كَجُثَّةٍ تَتَنَفَّسُ... وَتَظُنُّ نَفْسَكَ مُرْشِدًا لِلْحَيَاةِ؟"تَلَامِيحُهُ لَانَتْ، لِأَنَّهَا تَكَلَّمَتْ. نَظَرَ فِي عَيْنَيْهَا، وَكُلَّمَا حَاوَلَ أَنْ يَرَى، رَأَى حُفْرَةً، اقْتَرَبَ مِنْهَا.خَطْوَةٌ...فَاهْتِزَازٌ خَفِيفٌ فِي كَتِفِهَا الْأَيْسَرِ، كَأَنَّ الْجَسَدَ يَسْتَعِدُّ لِهُجُومٍ، لَا لِحِوَارٍ.خَطْوَةٌ أُخْرَى...وَتَقَلَّصَتْ أَمْعَاؤُهَا دُونَ إِذْنٍ، كَمَا تَفْعَلُ الْأَحْشَاءُ حِينَ تُدْرِكُ أَنَّهَا سَتَسْمَعُ الْحَقِيقَةَ."إِذًا... مَا زَالَ لَدَيْكِ لِسَانٌ. كُنْتُ أَظُنُّهُ دُفِنَ مَعَ وَالِدِكِ.""لَا، هُوَ فَقَطْ يَتَجَنَّبُ الزَّحْفَ عَلَى طِينِ الْأَكَاذِيبِ."خَلَعَ قُفَّازَهُ الْجِلْدِيَّ بِبُطْءٍ، كَمَنْ يَخْلَعُ جِلْدًا لَا يَعْنِيهِ، وَاقْتَرَبَ خُطْوَةً... فَأُخْرَى."طِينٌ؟ أَمْ صَلْصَالٌ صُنِعَ مِنْكِ
last updateLast Updated : 2026-07-05
Read more
البارت السادس
فَلَمَّا تَنَفَّسَ الصُّبْحُ زَفِيرَهُ الأَوَّلَ مِن رِئَةِ الظَّلَامِ الْمُثْقَلَةِ بِأَثْقَالِ الْغَيْبِ، وَاهْتَزَّتْ أَنْفَاسُ الْفَجْرِ بَيْنَ شَهِيقِ الرَّجَاءِ وَاحْتِضَارِ الْفَقْدِ، سَلِسَتْ «إيلارَا» مِن جُحُورِ النَّوْمِ الْعَمِيقِ كَمَا يَنْزَلِقُ الْحُلْمُ مِن بَيْنِ جُفُونِ الْأَرَامِلِ، كَأَنَّهَا حَوْرَاءُ نُسِجَتْ مِن عَتْمَةِ الْبَرْزَخِ، ذَاكَ الْبَرْزَخِ الَّذِي لَا يُفَارِقُهُ إِلَّا مَيِّتٌ، أَوْ نَذِيرٌ مُتَوَشِّحٌ بِسَوَادِ الْانْتِظَارِ.تَقَلَّبَ جَسَدُهَا عَلَى الْفِرَاشِ كَمَا يَتَلَوَّى السَّهْمُ فِي صَدْرِ الْأَلَمِ، كَأَنَّ الْمَهْدَ فَرَاشَةٌ مِنْ أَشْوَاكِ الذِّكْرَيَاتِ الَّتِي لَا تَفْنَى، وَمَا كَانَ الْحَرِيرُ تَحْتَهَا إِلَّا كَفَنًا شَفَّافًا يَحْتَضِنُ أَرْوَاحًا غَابَتْ فِي عُنُقِ الزَّمَانِ.فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا كَأَنَّمَا تُفْتَحُ كُوَّةٌ فِي جِدَارِ غُرْبَةٍ مَنْسِيَّةٍ؛ فَمَا رَأَتْ إِلَّا سَقْفًا مُتَصَدِّعًا يَئِنُّ تَحْتَ وَطْأَةِ الصُّوَرِ الْمُمَزَّقَةِ، كَأَمْعَاءٍ تَنْفَجِرُ فِي جَوْفِ لَيْلٍ يَهْمِسُ بِوَجَعٍ لَا يُسْمَعُ.انْشَقَّ
last updateLast Updated : 2026-07-05
Read more
البارت السابع
...خُطُوَاتُهَا تَسِيرُ عَلَى سِجَّادٍ كَثِيفٍ كَغَابَةٍ، لٰكِنَّهَا تَسْمَعُهَا كَدَقَّاتِ دُفٍّ فِي مَوْكِبِ نُبُوءَةٍ.كُلُّ عَمُودٍ فِي القَصْرِ يَحْكِي عَنْ مَجْدٍ مُغْتَصَبٍ، وَكُلُّ لَوْحَةٍ فَمٌ أُغْلِقَ عَلَى صَرْخَةٍ لَمْ تُرْوَ.السُّرْيَالِيُّ... مَارْك كُوزَا.نَطَقَتْ كَلِمَاتِهَا بِسُخْرِيَّةٍ حَادَّة وَعَيْنَاهَا تَتَفَحَّصَانِ اللَّوْحَاتِ المُعَلَّقَةَ. تِلْكَ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَى سَلْفَادُور دَالِي الرَّسَّامِ الإِسْبَانِيِّ الَّذِي ادَّعَى أَنَّ اللهَ نَفْسَهُ يَتَمَتَّعُ بِذَوْقٍ رَفِيعٍ... لِأَنَّهُ خَلَقَهُ!أَيُّ نَرْجِسِيَّةٍ هَذِهِ الَّتِي تَزْعُمُ أَنَّ الخَالِقَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا فَانِيًا يُمَجِّدُ فَانِيًا؟أَطْبَقَتْ جُفُونَهَا كَمَنْ يُشِيِّعُ ذَوْقًا فِي نَعْشِهِ، ثُمَّ زَفَرَتْ كَمَنْ اسْتَنشَقَ غُبَارَ خُدْعَةٍ عَفِنَة، تَتَفَحَّصُ مَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ: فَنٌّ.خُطُوطٌ مَعْوَجَّةٌ، وَصَفْحَةٌ بَيْضَاءُ، تَشُقُّهَا سَوَادَاتٌ كَجِرَاحٍ عَبَثِيَّةٍ، تُحَاصِرُهَا هَالَةٌ ذَهَبِيَّةٌ كَإِكْلِيلِ مَوْتٍ مُزَيَّفٍ، يُرِيدُونَ لَهُ أَنْ يُقْنِعَكَ أَن
last updateLast Updated : 2026-07-05
Read more
البارت الثامن
السَّماءُ رَماديَّةٌ، كأنَّها جِلْدُ أَرْمَلَةٍ عَجوزٍ، لمْ يَزُرْ وَجْهَها ضَوْءُ شَمْسٍ مُنذَ عَهْدِ الطُّوفان.والشَّوارعُ ضَيِّقَةٌ، تَنْحَني كأَمْعاءٍ مَنْسِيَّةٍ في جَوْفِ مَدِينَةٍ مَرِيضَة.حَجَرُها الأَسْوَدُ تَبْرُقُ عَلَيْهِ البَلُّوراتُ المُبْتَلَّةُ كأَنَّها دُمُوعُ آلِهَةٍ قَدِيمَةٍ تَحَجَّرَتْ مِن فَرْطِ اللَّعَنات.اللَّيْلُ فِيها طَوِيلٌ، مُمتَدٌّ كَمَوْكِبِ جِنازَةٍ أَبَدِيَّةٍ، لا يَنامُ فِيهِ سِوَى الضَّمِيرِ، ذاكَ الطَّيْفُ الَّذِي لَمْ يَعُدْ لَهُ جَسَد.تُضاءُ شَوارِعُها بِفَوانِيسَ نُحاسِيَّةٍ شاحِبَةٍ، يَهْتَزُّ زُجاجُها إِذا صَفَعَتْهُ رِيحُ الشَّمالِ، فَتَرْتَجِفُ كأَضْلاعِ لِصٍّ في ساعَةِ الحِساب.وفي الحِكايَةِ المُتَناقَلَةِ بَيْنَ أَلْسِنَةِ العَجائِز، يُقالُ:" إِنَّ مَنْ وُلِدَ في فاليدمورا، لا يَضْحَكُ إِلَّا إِذا سُجِّلَ مَوْتُ أَحَدِهِمْ في سِجِلِّ الغُرَباء.''---تَقَعُ "فاليدمورا" على الخاصِرَةِ الجَنُوبِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ مِنَ القارَّةِ العَتِيقَةِ، "سيرڤانتورا"كَنَدْبَةٍ لا تَنْدَمِلُ في جَسَدِ التَّارِيخ.بَيْنَ جِبالٍ سُودٍ كَأَنَّها أَكْو
last updateLast Updated : 2026-07-13
Read more
البارت التاسع
كَانَ الجَسَدُ مَائِلًا عَلَى الأَرِيكَةِ العَتِيقَةِ، كَأَنَّمَا انْحَنَى الزَّمَنُ بِنَفْسِهِ لِيَسْتَرِيحَ.كَتِفَاهُ العَرِيضَتَانِ اسْتَسْلَمَتَا لِثِقْلٍ دَاخِلِيٍّ لَا يُرَى، وَقَدِ انْفَرَجَتْ أَصَابِعُهُ عَلَى سِيجَارَةٍ نِصْفُ مُطْفَأَةٍ، يَتَصَاعَدُ دُخَانُهَا فِي دَوَائِرَ مُلْتَفَّةٍ كَالأَفَاعِي، تَتَرَاقَصُ فَوْقَ السَّقْفِ المُنْخَفِضِ كَأَطْيَافِ لَعْنَةٍ تَأْبَى الرَّحِيلَ.مَفَاصِلُهُ مُتَيَبِّسَةٌ قَلِيلًا، كَأَنَّ البُرُودَةَ تَسَلَّلَتْ مِنْ أَعْمَاقِهِ لَا مِنَ الطَّقْسِ. أَنْفَاسُهُ بَطِيئَةٌ، تَنْسَابُ مِنْ صَدْرٍ يَخْتَنِقُ بِصَمْتٍ مَكْظُومٍ، وَكَأَنَّ الضِّلْعَ الأَيْسَرَ يَئِنُّ كُلَّمَا مَرَّتْ ذِكْرَى عَلَى هَيْئَةِ أَلَمٍ قَدِيمٍ. مَلَامِحُهُ شَاحِبَةٌ، وَلَكِنَّهَا مُشْتَعِلَةٌ فِي آنٍ؛ عَيْنَاهُ الغَائِرَتَانِ بَدَتَا كَفَجْوَتَيْ لَيْلٍ لَا قَمَرَ فِيهِ، وَجَبْهَتُهُ تَلْمَعُ بِرُطُوبَةٍ بَارِدَةٍ، تَأْبَى أَنْ تَجِفَّ.لَمْ تَكُنِ الغُرْفَةُ إِلَّا انْعِكَاسًا لَهُ-كَأَنَّهَا اقْتُطِعَتْ مِنْ كَابُوسٍ حَجَرِيٍّ لَا يَتَحَرَّكُ.الهَوَاءُ سَاكِنٌ،
last updateLast Updated : 2026-07-13
Read more
البارت العاشر
«هُوَ يَخْلُقُ القَوانِينَ، وَهِيَ تُجِيدُ كَسْرَهَا.»كَمْ غُرْفَةً في هَذَا القَصْرِ تُخْفِي صَدَأَهَا تَحْتَ الطِّلَاءِ؟كَمْ يَدًا عَبَثَتْ بِهَذِهِ الأَدْرَاجِ قَبْلِي، تَبْحَثُ عَنِ الشَّيْءِ ذَاتِهِ الَّذِي أَبْحَثُ عَنْهُ الآنَ... وَرُبَّمَا دَفَعَتْ ثَمَنَهُ؟تُضْحِكُنِي فِكْرَةُ الأَسْرَارِ.لَيْسَ لأَنَّهَا تُخِيفُنِي، بَلْ لأَنَّهَا دَائِمًا أَوْهَنُ مِمَّا نَظُنُّ، وَأَثْقَلُ مِمَّا تَحْتَمِلُهُ الذَّاكِرَةُ.أُقَلِّبُ هَذِهِ الأَوْرَاقَ كَمَا يُقَلَّبُ جَسَدُ قَتِيلٍ فِي مَشْرَحَةٍ بَارِدَةٍ.حَرَكَةٌ بَطِيئَةٌ، مَحْسُوبَةٌ، كَأَنِّي أَخْشَى أَنْ أُوقِظَ بَيْنَ الصَّفَحَاتِ شَيْئًا لَا يُحِبُّ الضَّوْءَ.لَيْسَ هَدَفِي أَنْ أَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ، أَنَا فَقَطْ أَبْحَثُ عَنْ خَيْطٍ صَغِيرٍ، كَلِمَةٍ سَقَطَتْ سَهْوًا، اسْمٍ كُتِبَ فِي مَكَانٍ لَا يُفْتَرَضُ أَنْ يُكْتَبَ فِيهِ.كُلُّ مَا حَوْلِي يَبْدُو كَاذِبًا؛الكُتُبُ مَرْصُوصَةٌ كَجُنُودٍ عُمْيَانٍ، السَّتَائِرُ مُغْلَقَةٌ كَفَمٍ دَفَنَ سِرَّهُ، الطَّاوِلَةُ مُصْقُولَةٌ أَكْثَرَ مِمَّا يَلِيقُ بِأَحَدٍ يَعِيشُ هُنَا.ل
last updateLast Updated : 2026-07-13
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status