LOGINفِي هٰذَا العَالَمِ العَاهِرِ، لَا يُولَدُ الحُبُّ نَقِيًّا، بَلْ يُولَدُ فِي الزَّوَايَا المُظْلِمَةِ، عَلَى أَسِنَّةِ الخَطِيئَةِ، يَتَرَعُ مِن جُرْحِ الهَوَى، وَيَكْبُرُ لِيَلْتَهِمَ أَرْوَاحَنَا نَهْشًا. يُقَبِّلُنَا كَمَلَاكٍ، ثُمَّ يَغْرِسُ أَظَافِرَهُ كَجَانٍّ يَتَلَذَّذُ بِالوَجِيعَةِ. لَمْ تَكُنْ قِصَّتِي تَرَفًا وَلَا صُدْفَةً، بَلْ كَانَتْ جُرْحًا فَاخِرًا مَحْفُورًا عَلَى خَاصِرَةِ القَدَرِ، وَتَمَرُّدًا جَرِيئًا عَلَى نُبُوءَاتِ الطُّهْرِ وَالعِفَّةِ. نَحْنُ لَا نَسْرِدُ حِكَايَةَ حُبٍّ بَلَغَتِ النِّهَايَةَ، بَلْ مَأْتَمًا دَفَنَهُ الثَّلْجُ، وَبَصَقَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ لِكَوْنِهِ أَجْمَلَ مِمَّا يَسْتَحِقُّ هٰذَا العَالَمُ. فَافْتَحْ هٰذَا الرِواية، لَا لِتَقْرَأَ فَصْلًا، بَلْ لِتَسْتَلْقِيَ عَلَى سُطورِهِ كَجُثَّةٍ تُرَاقِصُ قَدَرَهَا فِي ظَلَامٍ أَنِيقٍ. عَزِيزِي القَارِئُ: لَا تَفْتَحْ هٰذَا الرِوايه إِنْ كُنْتَ ضَعِيفًا، وَلَا تُلَوِّثْ أَسْطُرِي بِأَنِينٍ رَخْوٍ يُشْبِهُ هَزِيمَتَكَ اليَوْمِيَّةِ. إِنْ لَمْ تُعْجِبْـــكَ فَغَادِرْ كَمَا يَرْحَلُ الحَثَالَةُ عَنْ طَاوِلَةِ المُلُوكِ، بِلَا أَثَرٍ ، وَلَا اعْتِذَار. وَإِنْ أَعْجَبَتْــــكَ فَلَا تَبْتَسِمْ، فَكُلُّ سَطْرٍ سَتَقْرَؤُهُ، سَيَتَسَلَّلُ إِلَى قَلْبِكَ كَطَلْقَةٍ بَطِيئَةٍ، وَسَيَتْرُكُكَ تَنْزِفُ حُبًّــا ثُمَّ كُرْهًــا ثُمَّ "سَتَلْعَنَ اسْمَكَ لِأَنَّكَ فَتَحْتَ هٰذَا الجَحِيمَ بِيَدِكَ" إِنْ كُنْتَ تَظُنُّ أَنَّ هٰذِهِ الرِّوَايَةَ سَتُقَبِّلُ جَبِينَكَ بِرِقَّةٍ، أَوْ تَحْمِلُكَ كَالأُمِّ لِتُرَضِّعَكَ وَهْمَ الحُبِّ، فَضَعْهَــا وَارْحَلْ. هٰذِهِ لَيْسَتْ رِوَايَةً، بَلْ قُنْبُلَةٌ مَذْبُوحَةٌ بِالحُرُوفِ، تَتَفَجَّرُ فِي قَلْبِكَ بَطِيئًا، تُقَبِّلُكَ بِعَيْنٍ، وَتَغْرِزُ أُخْرَاهَا فِي رُوحِكَ ، تُزَغْزِغُ جِرَاحَكَ، ثُمَّ تَسْتَغِلُّ نَزِيفَهَا لِتَخُطَّ نِهَايَتَكَ. "لَا تَقْرَأْهَا لِتَعِيشَ، بَلْ لِتَمُوتَ جَمِيلًا... لَا تَقْرَأْهَا لِتُحِبَّ، بَلْ لِتَكْفُرَ بِكُلِّ مَا آمَنْتَ بِهِ قَبْلَهَا". إِنْ كُنْتَ جَبَانًــا،أَغْلِقْهَا. وَإِنْ كُنْتَ بَشَرِيًّــا، تَرَدَّدْ. أَمَّا إِنْ كُنْتَ مَسْخًـــا يَتَنَفَّسُ الأَلَمَ، فَادْخُلْ
View More🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒 🍒🍒 🍒 🍒
كَانَتِ اللَّيْلَةُ، مِرْآةً مُهَشَّمَةً، تَنْعَكِسُ فِيهَا صُوَرُ الجَحِيمِ بِهَيْئَةِ حَادِثٍ. سَجَّلَ الزَّمَانُ اسْتِقَالَتَهُ،وَانْطَوَى المَكَانُ كَمَنْ يَخْجَلُ مِنْ وَقَاحَةِ المَنْظَرِ. صَرِيخُ صَفَّارَاتِ الإِسْعَافِ، لَمْ يَكُنْ نَدَاءَ إِنْقَاذٍ،بَلْ أَذَانَ قَتْلٍ، يُؤَذِّنُ فِي مِحْرَابِ العَدَمِ، وَيَدْعُو لِجِنَازَةِ الحُبِّ بِصَوْتٍ أَجَشَّ. الزَّمْهَرِيرُ يَلْتَهِمُ الطَّرِيقَ،وَالثَّلْجُ يُغَطِّي الجُثَثَ، كَمَنْ يُخْفِي دَلِيلَ جَرِيمَةٍ إِلَهِيَّةٍ. كُلُّ كُرِيَّةِ ثَلْجٍ تَسْقُطُ، كَأَنَّهَا قَسَمٌ مَذْبُوحٌ عَلَى مِذْبَحِ القَدَرِ. فِي وَسْطِ المَشْهَدِ،جَسَدَانِ يَتَعَانَقَانِ كَتَمَاثِيلَ نَحَتَهَا المَوْتُ فِي لَحْظَةِ سُكْرٍ. يَتَلَاحَمَانِ كَمَا يَتَلَاحَمُ الحَرْفُ الأَخِيرُ فِي رِوَايَةٍ لَنْ تُكْتَبْ. كَانَتِ السَّاعَةُ تَنْزِفُ وَقْتَهَاتَوَقَّفَ كُلُّ شَيْءٍ،كَأَنَّ الكَوْنَ حَبَسَ أَنْفَاسَهُ،خَوْفًا أَنْ يُقَاطِعَ مَوْتًا يُرَتِّلُ صَفْحَتَهُ الأَخِيرَةَ. إيلارا،ذَاتُ التاسع عشرًا رَبِيعًا،وَلَكِنْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كَبُرَتْ أَلْفَ خَرِيفٍ. عَيْنَاهَا… كَأَنَّهُمَا سَرَقَتَا لَوْنَ اللَّيْلِ،وَصَوْتُهَا… نَايٌ مَكْسُورٌ يَحْنُو عَلَى أَلَمِهِ تَتَكَوَّرُ عَلَى صَدْرِ وَالِدِهَا كَأَلِيفَةٍ تُقَبِّلُ الوَدَاعَ،وَتَشْهَقُ بِصَوْتٍ يَجْرَحُ الآذَانَ، وَيُرَمِّلُ المَعَانِي: ــ "عائلتـــي" أُمي. أبي. كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَهَشَّمَتْ فِي فَمِهَا،كَلِمَةٌ فَقَط، نَزَفَتْ، ثُمَّ سَكَتَتْ لِيَنْهَشَ الصَّمْتُ بَعْدَهَا عِظَامَ جَسَدِهَا، كيف لِفتاة بِمقتبل مُستقبلها أن تَتعرض لِإشد انواع الخسائر قُبحًا. وَالزَّمَنُ،يَسْتَدِيرُ كَصَفْعَةٍ،وَيَرْفَعُ صَوْتَ المُسْعِفِ، كَمَنْ يُعْلِنُ النِّهَايَةَ فِي مَسْرَحٍ تَرَكَهُ الآلِهَة: ــ "تَوَقَّفَ النَّبْضُ. كِلَيْهِمَــا لَا حَيَاة." وَهُنَاكَ، فِي الزَّاوِيَةِ،يَزْدَادُ الضَّوْءُ حُمْرَةً،لَيْسَ مِنَ السِّرَاجِ، بَلْ مِنَ النِّيَّةِ. مارك كوزا. الرَّجُلُ الَّذِي قَتَلَ حُبَّهُ، لِكَيْ يَظَلَّ يَعِيشَ فِي قَلْبِهِ، أَشْعَلَ سِيجَارَتَهُ كَمَنْ يُقَدِّمُ قُرْبَانًا، نَفَثَ الدُّخَانَ كَتَعْوِيذَةٍ مَسْمُومَةٍ، ثُمَّ اسْتَرْسَلَ صَوْتٍ خَافِتٍ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مِن ارَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَقِفُ بِجَانِبِهِ؛ ذَلِكَ العَجُوزِ الَّذِي أَرْهَقَتْهُ السَّنَوَاتُ وَتَجَاعِيدُ الزَّمَنِ: ــ "أَخِيرًا، يَا لُورَا... سَرَقْتُكِ مِنَ الحَيَاةِ، كَمَا عَجَزْتُ أَنْ أَسْرِقَكِ مِنْ دِيفِيد." الْتَفَتَ مَارْك بِبُرُودٍ نَحْوَ ذَلِكَ العَجُوزِ الأَشْعَثِ الَّذِي يُشَاطِرُهُ لَعْنَةَ الدَّمِ؛ كَاسِيَاس. كَانَ النَّظَرُ إِلَيْهِ كَافِيًا لِإِشْعَالِ بَقَايَا الكُرْهِ المَوْرُوثِ بَيْنَهُمَا. حَتَّى فِي مَشْهَدِ المَوْتِ هَذَا، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الِابْنِ وَأَبِيهِ سِوَى جَفَاءٍ يَعْدِلُ زَمْهَرِيرَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ يُقَلِّبُ فِي دَاخِلِهِ أَلْفَ سِينارْيُو لِلمَوْتِ،كُلُّهَا كَانَتْ أَقَلَّ شِعْرِيَّةً مِمَّا حَدَثَ اللَّيْلَةَ. ثُمَّ. سَمِعَ صَوْتَهَا، وَرَآهَا. تِلْكَ الصَّغِيرَةَ، الَّتِي كَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ ضِمْنَ الضَّرَرِ الجَانِبِيِّ،وَلَكِنَّهَا نَجَتْ، كَجُرْحٍ أَفْلَتَ مِنَ المِقْصَلَةِ. وَفِي عَيْنِه.لَمَعَ شَيْءٌ،لَا هُوَ نَدَمٌ، وَلَا رَحْمَة،بَلْ هُوَ: فِكْرَة. ــ "إيلارا..." تَمْتَمَ بِاسْمِهَا، كَمَنْ يَقْرَأُ سَطْرًا جَدِيدًا فِي كِتَابِ حَيَاتِهِ المُلَوَّثِ. الْتَقَطَ كَاسِيَاس تِلْكَ الهَمْسَةَ الهَشَّةَ، فَالْتَفَتَ بِعَيْنَيْنِ ضَيِّقَتَيْنِ كَحَيَّةٍ تَتَحَفَّزُ، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ جَافَّةٍ خَلَتْ مِنْ أَيِّ أثَرٍ لِلإِنْسَانِيَّةِ: ــ "إِنَّهَا ابْنَةُ دِيفِيد..." عَقَدَ مَارْك حَاجِبَيْهِ، وَتَجَمَّدَتْ مَلَامِحُهُ فِي هَيْئَةِ تَسَاؤُلٍ بَارِدٍ، بَيْنَمَا كَانَ يُنَاظِرُ الأَكْبَرَ سِنًّا بِنَظَرَاتٍ مَلِيئَةٍ بِالتَّكْذِيبِ: ــ "وَلَكِنْ... عَلَى حَدِّ عِلْمِي، دِيفِيد لَا يُنْجِبُ. مِنْ أَيْنَ لَهُ بِهَذِهِ النَّبْتَةِ الَّتِي نَمَتْ فِي جَحِيمِهِ؟" حَوَّلَ كَاسِيَاس بَصَرَهُ نَحْوَ الصَّفِيحِ المُلْتَوِي لِلسَّيَّارَةِ المُدَمَّرَةِ. كَانَتْ نَظَرَاتُهُ تَقْطُرُ كُرْهًا دَفِينًا، لَا لِلْجُثَثِ الهَامِدَةِ فَحَسْبُ، بَلْ لِلْإِرْثِ الَّذِي تَرَكُوهُ خَلْفَهُمْ. تَنَفَّسَ بِصُعُوبَةٍ، ثُمَّ بَصَقَ كَلِمَاتِهِ كَمَنْ يَتَخَلَّصُ مِنْ سُمٍّ: ــ "لَقَدْ تَبَنَّاهَا بِقَرَارٍ مِنْ لُورَا... وَاعْتَبَرَاهَا طِفْلَتَهُمَا المَقَدَّسَة. لَقَدْ قَابَلْتُ تِلْكَ الفَتَاةَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْل، وَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَجْزِمَ لَكَ... أَنَّ نَوَايَاهَا لَيْسَتْ حَسَنَةً أَبَدًا. شَيْءٌ مَا فِيهَا مُشَوَّهٌ، أَشْعُرُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ سَلِيمَةً عَقْلِيًّا." ضَحِكْ مَارْك ضِحْكَةً مَكْتُومَةً، تَشْبَهُ فِيسْبَارَ الثَّلْجِ وَهُوَ يَرْتَطِمُ بِالزُّجَاجِ. نَظَرَ إِلَى مَكَانِ الحَادِثِ ثُمَّ إِلَى وَالِدِهِ، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ خَبِيثَةٍ: ــ "مُشَوَّهَة؟... إِذَنْ، هِيَ لَا تَخْتَلِفُ عَنَّا كَثِيرًا . نَظَرَ لَهُ كَاسِيَاس بِحِدَّةٍ، وَتَقَلَّصَتْ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ الهَرِمِ غَضَبًا مِنْ هَذَا الاسْتِخْفَافِ، لِيَقْتَرِبَ مِنْهُ خُطْوَةً وَيَهْمِسَ بِفَحِيحٍ صَارِمٍ: ــ "أَتَحَدَّثُ بِجِدِّيَّةٍ يَا مَارْك! إِنَّهَا لَيْسَتْ لُعْبَةً سَهْلَةً كَمَا تَظُنُّ. تَذَكَّرْ أَنَّهَا الآنَ تُعْتَبَرُ شَاهِدًا عَلَى هَذِهِ المَجْزَرَةِ. تِلْكَ الفَتَاةُ ذَكِيَّةٌ جِدًّا... أَجْزِمُ بِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْلَمُ بِأَمْرِ الحَادِثِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ، قَرَّرَتْ رُكُوبَ السَّيَّارَةِ بِنَفْسِهَا." رَفَعَ مَارْك حَاجِبَيْهِ بِسُخْرِيَةٍ بَارِدَةٍ، رَافِضًا أَنْ يُظْهِرَ أَيَّ أَثَرٍ لِلْمُفَاجَأَةِ، رَغْمَ أَنَّ عَقْلَهُ كَانَ يَعْلَمُ بِيَقِينٍ تَامٍّ أَنَّ كَلِمَاتِ هَذَا العَجُوزِ لَمْ تَكُنْ هَذَيَانًا. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ كَاسِيَاس مُحِقٌّ، وَأَنَّ إِيلارَا تُخْفِي خَلْفَ مَلَامِحِهَا البَاكِيَةِ سِرًّا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْبُشَهُ سِوَاهُ. مَحَقَ مَارْك سِيجَارَتَهُ بَيْنَمَا تَعَالَتْ ضِحْكَتُهُ الاسْتِهْزَائِيَّةُ: ــ "أَعْتَقِدُ أَنَّ الكِبَرَ قَدْ أَثَّرَ عَلَى تَفْكِيرِكَ ... لَقَدْ بَدَأْتَ تَخْرَفُ مِنْ الآنَ. فَتَاةٌ فِي التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ تَعْلَمُ عَنْ حَتْفِهَا وَتَسِيرُ إِلَيْهِ؟ هَذِهِ فِكْرَةٌ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِقِصَصِ الرُّعْبِ الرَّخِيصَةِ." نَفَثَ بَقَايَا الدُّخَانِ فِي وَجْهِ كَاسِيَاس، مُمَوِّهًا عَلَى تِلْكَ الفِكْرَةِ الشَّيْطَانِيَّةِ الَّتِي اسْتَقَرَّتْ فِي عُمْقِ صَدْرِهِ. لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ لِأَحَدٍ، وَخُصُوصًا كَاسِيَاس، أَنْ يَكْتَشِفَ حَقِيقَةَ إِيلارَا. أَرَادَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الوَحِيدَ الَّذِي يَتَسَلَّلُ إِلَى لُعْبَتِهَا الخَفِيَّةِ، أَنْ يَدْخُلَ مَتَاهَتَهَا بِقَدَمَيْهِ، لِيُفَكِّكَ شِفْرَتَهَا وَيَرَى النِّهَايَةَ بِنَفْسِهِ، دُونَ أَنْ تَمَسَّهَا يَدُ العَجُوزِ بِأَذَى. ثُمَّ أَرْدَفَ مَارْك وَهُوَ يَتَحَرَّكُ مُبْتَعِدًا نَحْوَ الصَّخَبِ: ــ "دَعْهَا لِلْمَشَافِي، وَدَعْنَا نُغَادِرُ هَذَا المَسْرَحَ البَارِدَ قَبْلَ أَنْ تَكْتَسِيَ ثِيَابُنَا بِرَائِحَةِ فَقِيدَتِكَ... وَفَقِيدِي." تَرَكَ كَاسِيَاس وَاقِفًا يُرَاقِبُهُ بِشَكٍّ عَمِيقٍ، بَيْنَمَا مَارْك يَلْتَفِتُ بِعَيْنَيْهِ نَحْوَ النَّقَّالَةِ الَّتِي بَدَأَ المُسْعِفُونَ يَرْفَعُونَ جَسَدَ إِيلارَا المُنْهَارَ عَلَيْهَا. تَمْتَمَ فِي سِرِّهِ بِصَوْتٍ لَا يَسْمَعُهُ سِوَى صَدْرِهِ المَخْرُوبِ: (إِذَنْ، كُنْتِ تَعْلَمِينَ، وَجِئْتِ؟... كَمْ أَنْتِ رَائِعَةٌ فِي انْتِحَارِكِ الصَّامِتِ يَا إِيلارَا. لَقَدْ صَنَعْتِ لِي لُعْبَةً تَسْتَحِقُّ أَنْ أَعِيشَ لِأَجْلِهَادَخَلْتُ بِخُطًى وَاثِقَةٍ، أَسِيرُ عَلَى نَصَائِحِ الذِي يَقْبَعُ خَلْفِي. وَجَدْتُ الجَمِيعَ حَاضِرًا، وَالطَّمَعُ يَبْرُقُ فِي عُيُونِهِمْ كَخَنَاجِرَ مَسْمُومَةٍ. أَنْ تَكُونِي ابْنَةً مُتَبَنَّاةً لِعَائِلَةٍ لَا ذُرِّيَّةَ لَهَا، لَكِنَّهَا تَمْلِكُ مِنْ جِهَةِ الأَبِ نَسْلًا قَذِرًا، وَأَنْ يَكُونَ رَاعِيكِ وَحَامِي ظَهْرِكِ هُوَ النَّقَاءَ الوَحِيدَ المَزْعُومَ مِنْ هَذَا النَّسْلِ... أَمْرٌ يَفُوقُ قُدْرَتَكِ عَلَى تَحَمُّلِ جَشَعِهِمْ. لَمْ يُحَاوِلُوا حَتَّى مُدَارَاةَ كُرْهِهِمْ لِي.وَقَعَتْ عَيْنِي عَلَى مَارْكُوس، ابْنِ عَمِّي رِيتْشَارْد. لَقَدْ تُوُفِّيَ وَالِدُهُ مُنْذُ أَنْ كَانَ صَغِيرًا، وَهُوَ مَنْ تَوَلَّى الِاهْتِمَامَ بِأُمُورِ العَائِلَةِ، وَلَطَالَمَا كَانَ مُقَرَّبًا مِنْ وَالِدِي "دِيفِيد".أَخَذْتُ نَفَسًا عَمِيقًا، وَلَمْ أُحَاوِلْ تَصَنُّعَ مَلَامِحِي؛ سَوْفَ أُعَامِلُهُمْ بِالْمِثْلِ وَأُظْهِرُ مَشَاعِرَ الكُرْهِ الَّتِي تَعْتَلِجُ فِي صَدْرِي.ــ "السَّيِّدُ كَارْث... الوَكِيلُ المَسْؤُولُ عَنِ الوَصِيَّةِ. هَذِهِ الآوِنَةَ السَّيِّدَةُ إِيلارَا."نَط
ـ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ـ يَعْتَقِدُ المُلْحِدُونَ أَنَّ الكَوْنَ نَشَأَ نَتِيجَةَ تَفَاعُلَاتٍ كِيمْيَائِيَّةٍ وَفِيزْيَائِيَّةٍ بَحْتَة، وَأَنَّنَا لَسْنَا سِوَى ذَرَّاتٍ عَابِرَةٍ تَصْطَدِمُ بِبَعْضِهَا فِي هَذَا الفَرَاغِ. يَقُولُونَ إِنَّ البَشَرَ يَنْقَسِمُونَ إِلَى صِنْفَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: أَخْيَارٌ وَأَشْرَارٌ. الأَشْخَاصُ الجَيِّدُونَ هُمْ مَنْ نَبَتُوا مِنَ العَنَاصِرِ النَّقِيَّةِ أُحَادِيَّةِ المَجْمُوعَاتِ، بَيْنَمَا الأَسْوِيَاءُ سِيئُو النِّيَّةِ هُمْ مَخْلُوقَاتٌ مُشَوَّهَةٌ أَنْجَبَتْهَا الطَّبِيعَةُ فِي لَحْظَةِ خَطَأٍ. وَأَنَا... وَمَنْ يَجْلِسُ بِجَانِبِي الآنَ، نَنْتَمِي إِلَى الصِّنْفِ الثَّانِي لَا مَحَالَةَ. كِلَانَا مُشَوَّهٌ بِطَرِيقَتِهِ، وَكِلَانَا يُكَمِّلُ الآخَرَ فِي هَذَا الخَرَابِ. ـ ـ ـ ـ"هَلْ يُوجَدُ شَيْءٌ فِي وَجْهِي؟" قَطَعَ تَأَمُّلَات
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ فِي صَبَاحِ "فَالِيدْمُورَا" المُثْلِجِ وَالقَارِسِ، كَانَتْ حَسْنَاؤُنَا تَقِفُ أَمَامَ الشُّرْفَةِ، تُرَاقِبُ بِعَيْنَيْنِ رَاكِدَتَيْنِ أَسْرَابَ العَصَافِيرِ المُهَاجِرَةِ الَّتِي تَشُقُّ رِمَادَ السَّمَاءِ. عَلَى الرَّغْمِ مِنْ صَقِيعِ الجَوِّ الَّذِي يَكَادُ يَجْمَدُ لَهُ الشَّجَرُ، كَانَتْ تَرْتَدِي مَلَابِسَ خَفِيفَةً لا تَقِي شَيْئًا. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَهْلاً مِنْهَا، بَلْ عِشْقاً لِلْبَرْدِ؛ كَانَتْ تَعْشَقُ أَنْ يَسْرِيَ الصَّقِيعُ فِي عِظَامِ جَسَدِهَا، وَيَرُوقُهَا ذَلِكَ الشُّعُورُ الخَاصُّ بِالقُشَعْرِيرَةِ النَّاتِجَةِ عَنْهُ كَأَنَّهُ يُثْبِتُ لَهَا أَنَّهَا لا تَزَالُ تَتَنَفَّسُ. وَلَمْ يَكُنْ فِي عَقْلِهَا المُرْتَبِكِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ سِوَى ذَلِكَ الرَّجُلِ السِّرْيَالِيِّ... "مَارْك". ـ ـ عَضَّتْ عَلَى شَفَتَيْهَا بِحِقْدٍ دَفِينٍ عِنْدَمَا طَفَا طَيْفُهُ
𝒦.𝑅.𝒜.𝒩.𝐸 . .. مَلْمَسُ ٱلْمَاءِ وَهُوَ يَتَسَاقَطُ عَلَى جِلْدِي... لَيْسَ دِفْئًا، بَلْ جَلْدٌ يُجْلَدُنِي. كُلُّ قَطْرَةٍ تَنْغَرِسُ فِيَّ كَذِكْرَى، كَطَعْنَةٍ لَهَا وَجْهٌ قَدِيمٌ، كَأَنَّ ٱلسَّمَاءَ تُعِيدُ إِلَيَّ ذُنُوبِي، لَا لِتَغْسِلَهَا... بَلْ لِتُذَكِّرَنِي بِهَا. أَقِفُ فِي ٱلْمُنْتَصَف لَا حَيٌّ تَمَامًا، وَلَا مَيِّتٌ بِمَا يَكْفِي لِأَنْسَى. "مَنْ أَكُونُ؟" سُؤَالٌ تَافِهٌ حِينَ تَتَآكَلُ هُوِيَّتُكَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَنْظُرُ فِيهَا إِلَى نَفْسِكَ وَلَا تَرَاهَا. إِنَّنِي فِي سَاحَةِ حَرْبٍ. نَعَمْ... سَاحَةٌ لَا يُرْفَعُ فِيهَا عَلَمُ ٱنْتِصَارٍ، وَلَا تُبْنَى فِيهَا قُبُورٌ تَلِيقُ بِٱلْخَاسِرِينَ. كُلُّ مَا فِيهَا صُرَاخُ مَنْ لَا صَوْتَ لَهُ. . وَإِنْ فُزْتُ... خَسِرْتُ. وَإِنْ خَسِرْتُ... فَقَدْتُ. . وَفِي كِلَا ٱلِٱحْتِمَالَيْنِ: "أَنَا ٱلْخَاسِرُ." أَنَا وَحْدِي، ٱلَّذِي يَتَآكَلُهُ ٱلْفَرَاغُ مِنَ ٱلدَّاخِلِ، ٱلَّذِي كُلَّمَا نَهَضَ، وَجَدَ نَفْسَهُ مُمَدَّدًا عَلَى سَرِيرِ هَزِيمَتِهِ. أُغْمِضُ عَيْنَيَّ لَا طَ