Share

الفصل الثالث

Penulis: Remas Younis
last update Tanggal publikasi: 2026-07-05 02:56:05

اِمْتَدَّتِ الطَّرِيقُ أَمَامَهُمَا كَكَفَنٍ أَبْيَضَ لَا نِهَايَةَ لَهُ، كَأَنَّ السَّمَاءَ لَفَّتِ الْأَرْضَ بِحُزْنٍ بَارِدٍ لَا يُدْفَنُ، وَسَكَبَتْ عَلَى الْإِسْفَلْتِ نَعْيَهَا الْبَكْمَ، وَسَوَادَهَا الْأَخْرَسَ.

السَّيَّارَةُ تَشُقُّ صَمْتَ اللَّيْلِ بِخَفَرٍ مُرِيبٍ، وَالْعَجَلَاتُ تَئِنُّ فَوْقَ الطُّرُقِ الرَّطْبَةِ، بَيْنَمَا يَرْتَجِفُ النَّسِيمُ بَيْنَ الزُّجَاجِ وَالشَّعْرِ كَأَنَّهُ يُبَلِّغُ تَعَازِيَهُ الْأَخِيرَةَ.

إِيلَارَا كَانَتْ تُحَدِّقُ فِي النَّافِذَةِ كَمَنْ يُحَاوِلُ الْهُرُوبَ مِنِ اِنْعِكَاسِهِ، لَا تَرَى سِوَى امْرَأَةٍ أُخْرَى... امْرَأَةٍ دُفِنَتْ حَيَّةً وَهِيَ وَاقِفَةٌ، كَأَنَّ الصَّدْمَةَ قَدْ نَسَجَتْ كَفَنًا مِنَ الصَّمْتِ حَوْلَهَا، وَدَفَنَتْهَا وَهِيَ تَتَنَفَّسُ.

خُصْلَاتُهَا السَّوْدَاءُ تَتَرَاقَصُ عَلَى أَنْغَامِ الرِّيحِ كَأَنَّهَا تُهَيِّئُ لَهَا وَدَاعًا ثَانِيًا، أَمَّا مَارْكْ؟ فَكَانَ يَجْلِسُ بِجِوَارِهَا كَجَبَلٍ أَصَمَّ لَا يَنْطِقُ، لَكِنَّهُ يُشْعِرُكَ أَنَّهُ سَمِعَ كُلَّ شَيْءٍ، وَعَرَفَ كُلَّ شَيْءٍ، وَصَمَتَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ.

Flash back 🍒

"إيلارا."

لَقَدْ حَانَ الوَقْتُ.

إيلارا تلتفتُ نَحوهُ بِبُطْءٍ، وعَيْناها كَسَهْمَيْنِ غُمِسَ طَرَفَاهُمَا في السُّمِّ.

"حَانَ وَقْتُ مَاذَا؟ لِدَفْنِي مَعَهُمَا؟ أَمْ لِتَوْزِيعِ المِيرَاثِ؟"

مارك يَقتربُ خُطْوَةً، نَبْرَتُهُ مُشْبَعَةٌ بِالصَّقِيعِ.

"بَلْ لِانْتِشَالِكِ مِنْ هَذَا المُسْتَنْقَعِ، أَنَا وَصِيُّكبِوَصِيَّةٍ مِنْ أَبِيكِ. كَلِمَةٌ قُطِعَتْ تَحْتَ ضَوْءٍ بَاهِتٍ، فِي غُرْفَةٍ شَهِدَتْ أَوَّلَ صَرْخَةٍ لِطِفْلٍ."

إيلارا ضَحِكَتْ ضَحِكَةً مُرَّةً، كَأَنَّهَا تَكْسِرُ بِهَا ضِلْعًا دَاخِلِيًّا:

"وَصِيٌّ؟! وَمَنْ أَنْتَ حَتَّى يُؤْتَمَنَ عَلَيْكَ الهَوَاءُ مِنْ حَوْلِي؟"

"كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَخٍ لِي، دَيْنُهُ فِي رَقَبَتِي لا يُكفَّرُ إِلَّا بِحِمَايَتِكِ، وَإِنْ كَرِهْتِ."

تَتَقَلَّبُ نَبْرَتُهَا بَيْنَ الشَّكِّ وَالاشْمِئْزَازِ:

"إِنْ كُنْتَ تَحْمِينِي، فَهَلْ سَيَحْمِينِي أَحَدٌ مِنْكَ؟ أَنْتَ لَسْتَ دِرْعًا… بَلْ مَتَاهَةً، وَسَأَضِيعُ فِيكَ كَمَا ضَاعَ مَنْ سَبَقَنِي."

"لَيْتَنِي كُنْتُ مَتَاهَةً، المَتَاهَاتُ تُنْسَى بَعْدَ النَّجَاةِ… لَكِنَّنِي جُرْحٌ يُخَلِّفُ ظِلَّهُ عَلَى كُلِّ مَنْ عَرَفَهُ.

إِنْ بَقِيتِ هُنَا، سَيَأْكُلُكِ الضَّبْعُ الَّذِي تَرَكَهُ أَبُوكِ خَلْفَهُ ، لَنْ أَدَعَهُمْ يَنْهَشُونَكِ."

"إِذَنْ دَعْنِي أَمُوتْ هُنَا، بَيْنَ أَطْيَافٍ أَعْرِفُهَا… فَالمَوْتُ بِأَنْيَابِ المَاضِي أَهْوَنُ مِنَ الحَيَاةِ فِي قَفَصٍ يُشْبِهُكَ."

يَقتربُ، بِبُطْءٍ، كَأَنَّ خُطُوَاتِهِ تُوَقِّعُ مِيثَاقًا.

"قِفِي، وَلَا تَهْرُبِي

كُتِبَ عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ شَوْكَةً فِي حَلْقِكِ، وَكُتِبَ عَلَيْكِ… أَنْ تَكُونِي النَّصْلَ الَّذِي يَطْعَنُنِي كُلَّمَا نَطَقْتِ. وَلَكِنَّنِي أُقْسِمُ لَكِ، لَنْ أَتْرُكُكِ طَرِيدَةً لِأَنْيَابٍ دُفِنُوا مَعَ وَالِدِكِ فِي نَفْسِ التُّرَابِ."

تَهْمِسُ، كَأَنَّهَا تُسْقِطُ رُوحَهَا لَا جُمْلَةً:

"لَنْ أَغْفِرَ لَكَ… إِنْ مَسَّنِي أَلَمٌ، سَأَسْجُنْهُ فِيكَ."

"وَأَنَا… لَا أَحْتَاجُ غُفْرَانَكِ، يَكْفِينِي أَنَّكِ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ."

"End of flashback🍒

تُرَاقِبُهُ بِطَرْفِ عَيْنِهَا كَأَنَّهَا تُسَجِّلُ مَلَامِحَ خَصْمٍ... لَا حَلِيفٍ، هَذَا الرَّجُلُ، نِصْفُهُ جَلِيدٌ وَنِصْفُهُ جَحِيمٌ، وَجْهُهُ كُتِبَ عَلَيْهِ تَارِيخُ اللَّطَمَاتِ الَّتِي نَالَهَا مِنَ الْحَيَاةِ، وَجَبْهَتُهُ كَأَنَّهَا أَرْشِيفُ الْعُقُوبَاتِ الْقَدِيمَةِ، عَيْنَاهُ؟ لَا تَنْظُرَانِ، فَهُمَا تُدِيرَانِ الْمَحْكَمَةَ.

هَمَسَتْ، بِصَوْتٍ يُشْبِهُ خَيْطَ الدَّمِ إِذَا اِنْسَالَ مِنْ جُرْحٍ لَا يُرَى:

"لَمْ أُوَدِّعْهُمَا... لَمْ أَحْتَضِنْ أُمِّي فِي لَحْظَتِهَا الْأَخِيرَةِ... لَيْتَنِي صَرَخْتُ، لَيْتَنِي قُلْتُ شَيْئًا..."

شَعَرَ بِنَظَرَاتِهَا تَسْتَثِيرُ كُلَّ مَا كَانَ يَظُنُّهُ مَيِّتًا فِيهِ، كَمَنْ يُقْظِي جُرْحًا نَامَ قَرْنًا فِي أَعْمَاقِ اللَّا وِعْيِ، فَأَدَارَ رَأْسَهُ نَاحِيَتَهَا، لِيَجِدَ نَفْسَهُ أَسِيرًا فِي حَرْبٍ بَصَرِيَّةٍ خَفِيَّةٍ، تَصَادَمَتْ أَعْيُنُهُمَا كَصَدَفَتَيْنِ انْفَتَحَتَا عَلَى أَسْرَارٍ لَا تُقَالُ، وَانْفَجَرَ بَيْنَهُمَا صَمْتٌ يُفَسِّرُ كُلَّ مَا عَجَزَتْ عَنْهُ أَلْسِنَةُ الْبَشَرِ، لَيْسَتْ تَكُنْ نَظَرَةً… إِنَّمَا مِرْآةُ حَرْبٍ قَدِيمَةٍ، وَوَثِيقَةُ صُلْحٍ مُؤَجَّلٍ، وَخَطِيئَةٌ مُشْتَرَكَةٌ تَسْتَتِرُ وَرَاءَ الْهُدُوءِ."

قَالَ بِصَوْتٍ أَشْبَهَ بِصَدًى قَدِيمٍ فِي مَقْبَرَةٍ:

"أَكْثَرُ مَا يُؤْلِمُ فِي الْمَوْتِ... أَنَّهُ لَا يَنْتَظِرُ، يَسْرِقُ، ثُمَّ يُبْقِيكَ مُعَلَّقًا بِجُمْلَةٍ نَاقِصَةٍ، وَبِلَمْسَةٍ لَمْ تَحْدُثْ."

"الْوَدَاعُ لَيْسَ لَحْظَةً، هُوَ نَزِيفٌ طَوِيلٌ... يُلَاحِقُكِ فِي كُلِّ صُورَةٍ، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ، فِي كُلِّ صَوْتٍ كُنْتِ

تَظُنِّينَهُ عَادِيًّا."

قَالَتْ، بِبُحَّةٍ فِيهَا غُصَّةُ سُؤَالٍ لَا يُرَادُ لَهُ إِجَابَةٌ:

"لِمَ أَنَا لَمْ أَكُنْ مُسْتَعِدَّةً لِدَفْنِ أَحَدٍ... كُنْتُ مَا زِلْتُ أَتَعَلَّمُ كَيْفَ أَحْتَضِنُهُمَا."

أَجَابَ بَعْدَ صَمْتٍ ثَقِيلٍ كَالْقَيْدِ:

"الْحَيَاةُ لَا تَخْتَارُ ضَحَايَاهَا، بَلْ تَنْتَقِي مَنْ تُحِبُّ أَنْ تُعَذِّبَهُ أَكْثَرَ."

سَكَتَتْ، ثُمَّ قَالَتْ بِمَرَارَةٍ خَالِصَةٍ:

"كَانَتِ الْجِنَازَةُ عَرْضًا مَسْرَحِيًّا رَخِيصًا… الْكُلُّ يَبْكِي، وَالْكُلُّ يُرَاقِبُ، وَلَكِنْ لَا أَحَدَ رَآنِي."

ضَحِكَ بِسُخْرِيَّةٍ كَأَنَّهَا صَفْعَةٌ لِنَفْسِهِ:

"الْعُيُونُ هُنَاكَ لَمْ تُوَاسِكِ... بَلْ كَانَتْ تُفَكِّكُكِ، يَبْكُونَ بِعَيْنٍ، وَيُحَلِّلُونَكِ بِالْأُخْرَى، كَانُوا يُصَفِّقُونَ فِي دَوَاخِلِهِمْ، لَقَدْ صَارَ حُزْنُكِ مَادَّةً دِرَامِيَّةً."

شَعَرَتْ بِرَغْبَةٍ غَرِيبَةٍ فِي الضَّحِكِ، لَكِنَّهَا ضِحْكَةٌ سَوْدَاءُ، سَاخِرَةٌ،هَذَا اللَّعِينُ... يُعَرِّي أَلَمِي بِجُمَلٍ بَارِدَةٍ، يُسْلَخُنِي بِكَلِمَةٍ، ثُمَّ يُغَطِّي جُرْحِي بِسُكُوتٍ مَدْرُوسٍ. لَا أَدْرِي، هَلْ أَشْكُرُهُ؟ أَمْ أَكْرَهُ أَنَّهُ يَرَانِي بِهَذَا الْوُضُوحِ،، قَالَتْ بِنَبْرَةٍ شِبْهَ هَامِدَةٍ:

"سَأَعْتَادُ... أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ سَيَمُوتُ وَجَعُهُمَا فِيَّ تَدْرِيجِيًّا؟"

هَزَّ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ، وَقَالَ بِجَفَافٍ:

"لَنْ يَمُوتَ، وَلَكِنَّهُ سَيَتَحَوَّلُ، سَيُصْبِحُ جُزْءًا مِنْكِ... عُضْوًا خَفِيًّا، تَتَعَايَشِينَ مَعَهُ كَمَا يَتَعَايَشُ الْجَسَدُ مَعَ الرَّصَاصَةِ."

اِرْتَجَفَتْ يَدُهَا، كَأَنَّهَا تَرُدُّ عَلَى ذَاكِرَةٍ حَاوَلَتِ الْهَرَبَ، ضَمَّتْ ذِرَاعَيْهَا لِصَدْرِهَا، وَكَأَنَّهَا تُؤَنِّبُ نَفْسَهَا عَلَى أَنَّهَا مَا زَالَتْ حَيَّةً.

قَالَتْ، بِصَوْتٍ فِيهِ طَمَعٌ فِي نَجَاةٍ لَا تُمْنَحُ:

"إِلَى أَيْنَ نَذْهَبُ؟"

أَجَابَ، بِعَيْنَيْنِ تُحَدِّقَانِ فِي الْمَجْهُولِ:

"إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي لَمْ يَلْمَسْهُ أَحَدٌ… حَيْثُ لَا تُطْرَقُ الْأَبْوَابُ، وَلَا تَئِنُّ الْجُدْرَانُ."

تَرَدَّدَتْ، ثُمَّ سَأَلَتْ بِخَوْفٍ مَكْتُومٍ:

"قَصْرُ مَارْكْ كُوزَا؟"

نظر إليّ وكأنني نطقت بكلمة محرّمة كأنّني ذكرت اسم الشيطان داخل كنيسة، كَصَدَى عَظْمٍ انْكَسَرَ قَبْلَ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ الصَّرِيرُ، ثُمَّ قَالَ:

"سَمِّيهِ مَا شِئْتِ، قَصْرًا، مَسْرَحًا، أَوْ سِجْنًا... فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، سَتَدْخُلِينَ، وَلَنْ تَخْرُجِي كَمَا كُنْتِ."

ظَلَّتْ تَتَأَمَّلُ الطَّرِيقَ بَصَمْتٍ، وَكَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ قِيلَتْ قَبْلَ قَلِيلٍ كَانَتْ تُنْبِتُ أَشْوَاكًا فِي رُئَتَيْهَا، وَتُرَبِّي صَدًى يُشْبِهُ النَّحِيبَ فِي زَوَايَا صَدْرِهَا.

السَّيَّارَةُ تَخْتَرِقُ الضَّبَابَ كَسَهْمٍ تَائِهٍ، وَالطَّرِيقُ يَتَلَوَّى تَحْتَهُمَا كَأَفْعَى تَخْفِي سُمَّهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالسَّمَاءُ، بِلَا قَمَرٍ، تَبْدُو كَثَوْبِ حِدَادٍ تَمَّ تَمْزِيقُهُ، وَنُجُومُهَا قُطَبٌ مَنْسِيَّةٌ تَبْكِي مَا لَا يُبْكَى عَلَيْهِ.

فَجْأَةً، لَمَعَتْ فِي عَيْنِ إِيلَارَا دَمْعَةٌ كَانَتْ تَتَحَاشَاهَا، وَقَالَتْ وَهِيَ تَخْنُقُ صَوْتَهَا:

"إِذًا... سَتُبْقِينِي عَلَى قَيْدِ الْوُجُودِ فِي مَكَانٍ مَسْجُونٍ فِيهِ مَاضِيَّ، وَتُطْعِمُنِي ذِكْرَايَ كُلَّ صَبَاحٍ؟"

أَجَابَ وَهُوَ يُثَبِّتُ نَظَرَهُ فِي اللَّا شَيْءِ:

"لَا، سَأُعَلِّمُكِ كَيْفَ تَصْنَعِينَ مِنْهَا سِلاحًا، فَالْأَلَمُ إِذَا لَمْ تَسْتَخْدِمِيهِ... سَيَسْتَخْدِمُكِ."

صَمَتَتْ، ثُمَّ أَطْبَقَتْ جُفُونَهَا، كَمَنْ يَسْتَعِدُّ لِغَوْصَةٍ فِي مَاءِ بَارِدٍ، وَقَالَتْ بِنَبْرَةٍ تَشِي بِقَبُولٍ مُمْتَزِجٍ بِرُعْبٍ:

"إِذًا... لِنَذْهَبْ."

توقَّفَتِ السَّيَّارَةُ فَجأَةً أَمَامَ القَصْرِ، وَكَأَنَّ الزَّمَنَ نَفْسَهُ قَدْ تَجَمَّدَ لَحْظَةً لِيُرَتِّبَ عَقْرَبَ السَّاعَةِ.

كَانَ قَصْرُ "فَالِنْتِينَا" كَمَا يُسَمَّى فِي الوَثَائِقِ القَدِيمَةِ مَطْمُورًا فِي حِضْنِ جَبَلٍ، تُحِيطُ بِهِ أَشْجَارُ صَنَوْبَرٍ مُلْتَوِيَةٌ وَكَأَنَّهَا حُرَّاسٌ جِنَائِزِيَّةٌ.

الجُدْرَانُ الحَجَرِيَّةُ بَدَتْ كَأَضْلَاعٍ عَظْمِيَّةٍ تَنْهَضُ مِنْ بَيْنِ الضَّبَابِ،النَّوَافِذُ عَالِيَةٌ، تَحْدِقُ فِي القَادِمِينَ كَعُيُونٍ لَيْلِيَّةٍ.

فَتَحَ السَّائِقُ البَابَ بِصَوْتٍ مَعْدَنِيٍّ جَافٍّ، لِيَكْشِفَ عَنْ عَالَمٍ مُخْتَلِفٍ، مَمْلُوءٍ بِكُلِّ مَا هُوَ مُهَدَّمٌ وَغَيْرُ حَيٍّ.

كَانَتْ أَضْوَاءُ المَدِينَةِ الخَافِتَةُ تَتْرُكُ ظِلَالًا بَاهِتَةً عَلَى جُدْرَانِ القَصْرِ، وَكَأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنَ الرَّفَاهِيَةِ الضَّائِعَةِ، مَرْحَلَةٍ كَانَتْ مُتَأَصِّلَةً فِي هَذَا المَكَانِ الَّذِي ظَلَّ يَرْوِي قِصَصًا لَمْ تُحْكَ بَعْدُ.

الجَوُّ كَانَ مُشْبَعًا بِنَسِيمٍ بَارِدٍ يَزْحَفُ كَأَيَادٍ خَفِيَّةٍ، وَيَتَسَلَّلُ عَبْرَ مَسَامِّ الهَوَاءِ، يَكَادُ يُثْقِلُ عَلَى الأَنْفَاسِ.

الحَصَى المُبَلَّلُ تَحْتَ الأَقْدَامِ كَانَ يَصْرُخُ فِي صَمْتٍ، خُطُوَاتُ السَّيَّارَةِ تُسْمَعُ وَكَأَنَّهَا أَنِينُ أَرْوَاحٍ كُسِرَتْ فِي ظِلَالِ التَّارِيخِ.

مَدَّتْ قَدَمَها إلى الخارج، كَمَا يَمُدُّ أَحَدُهُمْ عُنُقَهُ تَحْتَ مِقْصَلَةٍ لَا تَهْوِي، بَلْ تَنْتَظِرُ، الهَوَاءُ؟ أَقْدَمُ مِنَ الزَّمَنِ، وَالغُبَارُ عَلَى الأَرْضِ لَمْ يَكُنْ تُرَابًا، بَلْ ذِكْرَيَاتٌ بَصَقَهَا النِّسْيَانُ ثُمَّ ابْتَلَعَهَا مُجَدَّدًا، لَمْ تَقُلْ شَيْئًا، لِأَنَّهَا تَعْلَمُ  لَا شَيْءَ يُقَالُ هُنَا إِلَّا وَيُشْنَقُ عَلَى أَوْتَارِ صَدَاهُ، سَارَتْ خَلْفَهُ ،  كُلُّ خُطْوَةٍ مِنْهُ تُطْفِئُ نُورًا فِيهَا، وَكُلُّ خُطْوَةٍ مِنْهَا تُوقِظُ ظِلًّا فِيهِ، الضَّوْءُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الأَلْوَانِ كَمَنْ لَا يَحْسِمُ رَأْيَهُ فِي الجَرِيمَةِ: أَصْفَرٌ إِنْ فَكَّرَتْ... أَزْرَقٌ إِنْ شَكَّتْ... أَسْوَدٌ إِنْ حَاوَلَتِ الفَهْمَ

كَانَ الحَرَسُ وَاقِفِينَ عَلَى أَطْرَافِ المَكَانِ، لَا يَتَجَاوَزُونَ دَوْرَهُمْ فِي السُّكُونِ وَالمُرَاقَبَةِ، لَا يَهْتَمُّونَ إِلَّا بِوُجُودِهِمْ فِي هَذَا الحَيِّزِ مِنَ الزَّمَنِ، وَكَأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ إِلَّا مَا يُرِيدُونَ لِلآخَرِينَ أَنْ يَرَوْهُ.

ثُمَّ تَدَاخَلَ طَاقِمُ الخَدَمِ مِنَ البَابِ الجَانِبِيِّ، يُحِيطُونَ بِهِمْ، يَمْلَؤُونَ المَكَانَ بِحَرَكَاتِهِمُ البَطِيئَةِ وَالمُنَظَّمَةِ، يَضَعُونَ كُلَّ خُطْوَةٍ بِثِقَلٍ عَلَى الأَرْضِ، كَأَنَّهُمْ يَسْحَبُونَ زَمَنًا بِأَسْفَارِهِ الثَّقِيلَةِ.

"أَهْلًا بِعَوْدَتِكِ، سَيِّدَةَ إيلَارَا."

هَمَسَ أَحَدُ الخَدَمِ، وَهُوَ يَرْفَعُ حَاجِبًا بِتَقْدِيرٍ بَارِدٍ، بَيْنَمَا كَانَتْ عَيْنَاهُ تَتَنَقَّلَانِ بَيْنَهُمَا، دُونَ أَنْ يُظْهِرَ أَيَّ أَثَرٍ لِلتَّرْحِيبِ الحَقِيقِيِّ.

عَقَدَتْ إيلَارَا حَاجِبَيْهَا، وَهِيَ تُنَاظِرُ ذَلِكَ الأَشْقَرَ بِصَدْمَةٍ، حَرَّكَتْ رَأْسَهَا بِسُرْعَةٍ نَحْوَ كُوزَا، لَعَلَّهَا تَجِدُ فِي وَجْهِهِ تَفْسِيرًا، لَكِنَّهُ تَقَدَّمَ بِشَكْلٍ لَا مُبَالٍ، وَدَخَلَ جُزْءًا مِنَ القَصْرِ كَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ذَاكِرَةٍ نَائِمَةٍ.

رَاقَبَتْ عَيْنَاهَا خُطُوَاتِهِ، وَلَكِنْ أَفْكَارَهَا تَوَارَتْ عَنِ الغَايَةِ الَّتِي كَانَتْ تَبْحَثُ عَنْهَا، فَقَدِ انْسَابَ انْتِبَاهُهَا نَحْوَ اللَّوْحَاتِ المُعَلَّقَةِ عَلَى الجِدَارِ، وَالَّتِي لَطَالَمَا أَسَرَتْهَا بِلُغَةِ الفَنِّ الَّتِي هِيَ هَوَايَتُهَا وَمَلْجَؤُهَا.

القَصْرُ بَدَا فَارِغًا مِنَ الحَيَاةِ، وَلَكِنَّ تِلْكَ الحَيَاةَ المُتَجَدِّدَةَ فِي الزَّمَانِ، كَانَتْ مَمْلُوءَةً بِالظِّلَالِ. السَّقْفُ العَالِي كَانَ يَطْوِي تَفَاصِيلَ المَاضِي، كَمَا لَوْ أَنَّ أَصْدَاءَ الذِّكْرَيَاتِ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ الجُدْرَانِ الرَّاكِدَةِ.

"هَذَا المَكَانُ..."

هَمَسَتْ إيلَارَا، وَهِيَ تُحَدِّقُ فِي الأَعْمِدَةِ المَنْقُوشَةِ وَالتَّمَاثِيلِ المَكْسُورَةِ، كَأَنَّ كُلَّ قِطْعَةٍ هُنَا تَرْوِي قِصَّةً مَفْزِعَةً، أَوْ نَشِيجَ أَسْطُورَةٍ مَنْسِيَّةٍ.

"مَقْبَرَةُ أَسْرَارِي."

قَالَ مَارْكُ، بِصَوْتٍ ثَقِيلٍ، وَكَأَنَّ كَلِمَاتِهِ سَقَطَتْ عَلَى الأَرْضِ، وَأَضَافَتْ ثِقْلًا إِلَى المَكَانِ، الذِي أَصْبَحَ

أَكْثَرَ ظُلْمَةً مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ.

"مَنْ هَؤُلَاءِ؟"

نَطَقَتْ إيلَارَا، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى اللَّوْحَاتِ المُعَلَّقَةِ عَلَى الجُدْرَانِ، تَتَطَالَعُهَا بِعُيُونٍ مَلِيئَةٍ بِالغُبَارِ، كَأَنَّهَا تُحَاكِمُهَا.

"سُلَالَةُ كُوزَا. مَلْعُونُونَ مُنْذُ النَّفَسِ الأَوَّلِ."

قَالَ مَارْكُ، وَهُوَ يَقْتَرِبُ مِنْ لَوْحَةٍ لِرَجُلٍ، بَصَرُهُ مُثَبَّتٌ عَلَى عَيْنَيْهِ المَرْسُومَتَيْنِ.

"أَسْمَعُ صُرَاخَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ."

سَادَ الصَّمْتُ بَعْدَ كَلِمَاتِهِ، صَمْتٌ لَا يُشْبِهُ الِاحْتِمَالَ، بَلْ يُشْبِهُ هُوَّةً فِي النَّفْسِ تُدْعَى "الْوَاقِع"، وَفِي طَيَّاتِهِ، كَانَتِ السَّيَّارَةُ تَسِيرُ فِي طُرُقٍ لَمْ تُسَجَّلْ عَلَى أَيِّ خَرِيطَةٍ، طُرُقٍ تُشْبِهُ خَرَابَاتِ الْإِحْسَاسِ.

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمْ تَكُنْ إِيلَارَا تُفَكِّرُ إِلَى أَيْنَ، بَلْ كَيْفَ، كَيْفَ تَتَنَفَّسُ، كَيْفَ لَا تَسْقُطُ فِي هُوَّةٍ حَدَّقَتْ فِيهَا طَوِيلًا، هُوَّةِ فَقْدٍ لَا يَتَعَافَى.

هَمَسَتْ، وَعَيْنَاهَا تَتَجَمَّعُ فِيهِمَا كُلُّ مِيَاهِ الْكَوْنِ:

"هَلْ تَظُنُّ أَنَّ الْمَوْتَى يَرَوْنَ مَا نُصْبِحُ عَلَيْهِ بَعْدَهُمْ؟"

تَنَهَّدَ مَارْكْ، كَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُجِيبَ، ثُمَّ تَرَكَ الْكَلِمَاتِ تَذُوبُ فِي حَلْقِهِ، وَقَالَ:

"لَوْ كَانُوا يَرَوْنَ... لَغَفَرُوا لِنُفُوسِنَا هَذَا التَّخَبُّطَ، وَلَبَكَوْا أَكْثَرَ مِنَّا."

أَخَذَتْ تَحْكُّ يَدَهَا، كَأَنَّهَا تَمْسَحُ عَنْهَا ذَنْبًا لَا يُغْفَر، وَقَالَتْ بِنَبْرَةٍ خَامِدَةٍ:

لَيْتَنِي مَنْ رَحَلْتُ."

تَشَدَّدَ فَكُّهُ، وَنَظَرَ نَحْوَ الْأَمَامِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةٍ خَامِدَةٍ وَخَطِرَةٍ:

"مَا زَالَ هُنَاكَ كَثِيرُونَ لَمْ يَرْحَلُوا بَعْدُ... إِذَا كُنْتِ تُرِيدِينَ الرَّحِيلَ، فَارْحَلِي إِلَيْهِمْ، إِلَى مَنْ جَعَلُوا نجاتك يَبْدُو قَدَرًا، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ جَرِيمَةٌ."

خَلْفَ البَابِ الخَشَبِيِّ المُعَتَّقِ، لَمْ يَكُنْ فِي انْتِظَارِهَا "مَكَانٌ" بَلْ مَاضٍ شَرِدَ مِنْ قَبْرِهِ، وَجَاءَ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ، مَكْتَبٌ بِلَوْنِ الخَزَفِ المُشَقَّقِ، لَوْحَاتٌ لِرِجَالٍ يَبْتَسِمُونَ كَأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ طَرِيقَةَ مَوْتِهَا بِالتَّفْصِيلِ، وَخَرَائِطُ عَلَيْهَا خُطُوطٌ حَمْرَاءُ تَخْتَرِقُ المُدُنَ كَأَوْرِدَةٍ لَمْ تَعُدْ تَنْقُلُ دَمًا.

بَقِيت تُحَدِّقُ فيه طَويلًا، كَمَنْ يُعيدُ تَرتيبَ أَوراقٍ ذابَ حِبْرُها.

ثُمَّ نَطَقَت بِبُطْءٍ يُشْبِهُ نَحْتَ التَّماثِيلِ في صَخْرِها الأَصَمِّ:

"هَلْ أَخْبَرَكِ أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ أَنَّ التَّوَرُّطَ بِي لا يُشْبِهُ السُّقُوطَ... بَلْ يُشْبِهُ الاسْتِيْقَاظَ؟"

رَمَى جَسَدَهُ عَلَى الأَرِيكَةِ بِاِسْتِخْفَافٍ، فارِكًا بَيْنَ سَاقَيْهِ بِطَرِيقَةٍ تُخْفِي اكْتِئَابًا مُقَنَّعًا بِالاسْتِهْتَارِ

صَوْتُهُ كانَ مَزيجًا بَيْنَ الاِسْتِفْزازِ وَالاعْتِرافِ، يُدَخِّنُ الكَلِمَاتِ كَمَنْ يَجُسُّ نَبْضَ السَّمَاءِ.

"وَما الْمُشْكِلَةُ فِي الاسْتِيْقَاظِ؟ مَنَامُكِ عَلَى مَا يَبْدُو كَانَ مُرِيحًا أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ."

اِرْتَسَمَتِ الابْتِسَامَةُ عَلَى شَفَتَيْهَا، لَكِنَّ فَمَهَا وَحْدَهُ مَنِ ابْتَسَمَ، أَمَّا عَيْنَاهَا فَكَانَتَا كَمِرْآَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ، تُرْجِعَانِ صُورَةَ الأَلَمِ مُشَوَّهَةً وَمُضَاعَفَةً:

"فِي بَعْضِ الأَحْلَامِ، تُوقِظُكَ صَفْعَةٌ. وَأَنَا أُجِيدُ الصَّفَعَاتِ."

مَدَّ خَطَّ شَفَتَيْهِ، كَمَنْ يَسْخَرُ مِنْ لُعْبَةٍ يَعْرِفُ نِهَايَتَهَا مُسْبَقًا، هُوَ لَمْ يَعُدْ يَسْعَى لِلفَوْزِ، بَلْ لِلتَّلَذُّذِ بِالخَسَارَةِ:

"تَعْرِفِينَ مَا يُضْحِكُنِي؟ أَنَّكِ تَظُنِّيْنَ أَنَّكِ تَمْلِكِينَ مَفَاتِيحَ اللُّعْبَةِ، وَأَنْتِ بالكادِ تَعْرِفِينَ قَوَانِينَهَا."

إطالة النظر قَلِيلًا، كَمَنْ يُحَلِّلُ نَبْرَةَ صَوْتِهِ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَاتِهِ، كَأَنَّهَا تَغْمِسُ سَمْعَهَا فِي دَمِ نِيَّاتِهِ:

"لَا حَاجَةَ لِلْمَفَاتِيحِ حِينَ أَكُونُ أَنَا الباب."

هُوَ رَجُلٌ يَرْقُبُ النَّوَافِذَ أَكْثَرَ مِنَ الأَبْوَابِ، يَنْظُرُ نَحْوَ الشُّرُودِ، ثُمَّ يَعُودُ بِنَظَرِهِ إِلَيْهَا:

"وَأَنَا؟ هَلْ أَبْدُو لَكَِ كَمَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ؟ أَنَا فَقَطْ أُحْصِي مَنْ خَرَجَ وَلَمْ يَعُدْ."

تَقَدَّمَتْ خُطْوَةً، كَأَنَّهَا تَخْرُقُ الضَّوْءَ بِلَحْنِهَا، وَانْخَفَضَ صَوْتُهَا حَتَّى ثَقُلَ فِي الْهَوَاءِ، كَمَا يَثْقُلُ القَطِرُ عَلَى النَّارِ:

"أَنْتَ لَا تُحْصِي... أَنْتَ تَحْفِرُ. وَمَنْ يَبْحَثُ بِهَذَا العُمْقِ، لَا يُرِيدُ إِجَابَاتٍ، بَلْ يُرِيدُ جُثَثًا."

حَرَّكَ رَأْسَهُ لِلْيَسَارِ، كَمَنْ يَقْتُلُ الوَقْتَ عَمْدًا وَبِبُرُودٍ:

"رُبَّمَا... أَنَا لَا أَبْحَثُ عَنِ الجُثَثِ، بَلْ عَمَّنْ دَفَنَهَا."

اِرْتَجَفَتْ عَيْنَاهَا لُهْنَةً، ثُمَّ أَغْمَضَتْ جَفْنَهَا كَمَنْ يُسَكِّنُ نَارًا فِي أَعْمَاقِهِ:

"حِينَ تَبْدَأُ بِالحَفْرِ... لَا تَلُمْ الأَرْضَ إِنِ ابْتَلَعَتْكَ."

"وَحِينَ تُجِيدِينَ الهُرُوبَ... لَا تَنْسِي أَنَّ فِي كُلِّ نَفَقٍ، بَابًا لَا يُفْتَحُ إِلَّا مِنَ الدَّاخِلِ."

صَمْتٌ نَظَرَاتٌ، فَوْضَى لَا تُقَالُ. كُلٌّ مِنهُمَا قَرَأَ الآخَرَ، دُونَ أَنْ يَعْتَرِفَ، عُيُونٌ تَسْأَلُ عَنِ الدَّافِعِ، وَأُخْرَى تُطْبِقُ عَلَى مَا طُلِبَ مِنْهَا صَمْتًا.

نَهَضَتْ، حَادَّةَ العَيْنَيْنِ، كَمَنْ مَلَّتْ سُخْرِيَّةَ الهَارِبِ مِنْ حَقِيقَتِهِ، وَرَمَتْ كَلِمَاتِهَا الأَخِيرَةَ كَسَهْمٍ: "أَنْتَ لَا تُرِيدُ الحَقِيقَةَ... بَلْ تُرِيدُ أَنْ تَسْبِقَهَا."

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • مُتيم بِك   البارت الرابع عشر

    دَخَلْتُ بِخُطًى وَاثِقَةٍ، أَسِيرُ عَلَى نَصَائِحِ الذِي يَقْبَعُ خَلْفِي. وَجَدْتُ الجَمِيعَ حَاضِرًا، وَالطَّمَعُ يَبْرُقُ فِي عُيُونِهِمْ كَخَنَاجِرَ مَسْمُومَةٍ. أَنْ تَكُونِي ابْنَةً مُتَبَنَّاةً لِعَائِلَةٍ لَا ذُرِّيَّةَ لَهَا، لَكِنَّهَا تَمْلِكُ مِنْ جِهَةِ الأَبِ نَسْلًا قَذِرًا، وَأَنْ يَكُونَ رَاعِيكِ وَحَامِي ظَهْرِكِ هُوَ النَّقَاءَ الوَحِيدَ المَزْعُومَ مِنْ هَذَا النَّسْلِ... أَمْرٌ يَفُوقُ قُدْرَتَكِ عَلَى تَحَمُّلِ جَشَعِهِمْ. لَمْ يُحَاوِلُوا حَتَّى مُدَارَاةَ كُرْهِهِمْ لِي.وَقَعَتْ عَيْنِي عَلَى مَارْكُوس، ابْنِ عَمِّي رِيتْشَارْد. لَقَدْ تُوُفِّيَ وَالِدُهُ مُنْذُ أَنْ كَانَ صَغِيرًا، وَهُوَ مَنْ تَوَلَّى الِاهْتِمَامَ بِأُمُورِ العَائِلَةِ، وَلَطَالَمَا كَانَ مُقَرَّبًا مِنْ وَالِدِي "دِيفِيد".أَخَذْتُ نَفَسًا عَمِيقًا، وَلَمْ أُحَاوِلْ تَصَنُّعَ مَلَامِحِي؛ سَوْفَ أُعَامِلُهُمْ بِالْمِثْلِ وَأُظْهِرُ مَشَاعِرَ الكُرْهِ الَّتِي تَعْتَلِجُ فِي صَدْرِي.ــ "السَّيِّدُ كَارْث... الوَكِيلُ المَسْؤُولُ عَنِ الوَصِيَّةِ. هَذِهِ الآوِنَةَ السَّيِّدَةُ إِيلارَا."نَط

  • مُتيم بِك   البارت الثالث عشر

    ـ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ـ يَعْتَقِدُ المُلْحِدُونَ أَنَّ الكَوْنَ نَشَأَ نَتِيجَةَ تَفَاعُلَاتٍ كِيمْيَائِيَّةٍ وَفِيزْيَائِيَّةٍ بَحْتَة، وَأَنَّنَا لَسْنَا سِوَى ذَرَّاتٍ عَابِرَةٍ تَصْطَدِمُ بِبَعْضِهَا فِي هَذَا الفَرَاغِ. يَقُولُونَ إِنَّ البَشَرَ يَنْقَسِمُونَ إِلَى صِنْفَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: أَخْيَارٌ وَأَشْرَارٌ. الأَشْخَاصُ الجَيِّدُونَ هُمْ مَنْ نَبَتُوا مِنَ العَنَاصِرِ النَّقِيَّةِ أُحَادِيَّةِ المَجْمُوعَاتِ، بَيْنَمَا الأَسْوِيَاءُ سِيئُو النِّيَّةِ هُمْ مَخْلُوقَاتٌ مُشَوَّهَةٌ أَنْجَبَتْهَا الطَّبِيعَةُ فِي لَحْظَةِ خَطَأٍ. وَأَنَا... وَمَنْ يَجْلِسُ بِجَانِبِي الآنَ، نَنْتَمِي إِلَى الصِّنْفِ الثَّانِي لَا مَحَالَةَ. كِلَانَا مُشَوَّهٌ بِطَرِيقَتِهِ، وَكِلَانَا يُكَمِّلُ الآخَرَ فِي هَذَا الخَرَابِ. ـ ـ ـ ـ"هَلْ يُوجَدُ شَيْءٌ فِي وَجْهِي؟" قَطَعَ تَأَمُّلَات

  • مُتيم بِك   البارت الثاني عشر

    ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ فِي صَبَاحِ "فَالِيدْمُورَا" المُثْلِجِ وَالقَارِسِ، كَانَتْ حَسْنَاؤُنَا تَقِفُ أَمَامَ الشُّرْفَةِ، تُرَاقِبُ بِعَيْنَيْنِ رَاكِدَتَيْنِ أَسْرَابَ العَصَافِيرِ المُهَاجِرَةِ الَّتِي تَشُقُّ رِمَادَ السَّمَاءِ. عَلَى الرَّغْمِ مِنْ صَقِيعِ الجَوِّ الَّذِي يَكَادُ يَجْمَدُ لَهُ الشَّجَرُ، كَانَتْ تَرْتَدِي مَلَابِسَ خَفِيفَةً لا تَقِي شَيْئًا. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَهْلاً مِنْهَا، بَلْ عِشْقاً لِلْبَرْدِ؛ كَانَتْ تَعْشَقُ أَنْ يَسْرِيَ الصَّقِيعُ فِي عِظَامِ جَسَدِهَا، وَيَرُوقُهَا ذَلِكَ الشُّعُورُ الخَاصُّ بِالقُشَعْرِيرَةِ النَّاتِجَةِ عَنْهُ كَأَنَّهُ يُثْبِتُ لَهَا أَنَّهَا لا تَزَالُ تَتَنَفَّسُ. وَلَمْ يَكُنْ فِي عَقْلِهَا المُرْتَبِكِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ سِوَى ذَلِكَ الرَّجُلِ السِّرْيَالِيِّ... "مَارْك". ـ ـ عَضَّتْ عَلَى شَفَتَيْهَا بِحِقْدٍ دَفِينٍ عِنْدَمَا طَفَا طَيْفُهُ

  • مُتيم بِك   الحادي عشر.

    𝒦.𝑅.𝒜.𝒩.𝐸 . .. مَلْمَسُ ٱلْمَاءِ وَهُوَ يَتَسَاقَطُ عَلَى جِلْدِي... لَيْسَ دِفْئًا، بَلْ جَلْدٌ يُجْلَدُنِي. كُلُّ قَطْرَةٍ تَنْغَرِسُ فِيَّ كَذِكْرَى، كَطَعْنَةٍ لَهَا وَجْهٌ قَدِيمٌ، كَأَنَّ ٱلسَّمَاءَ تُعِيدُ إِلَيَّ ذُنُوبِي، لَا لِتَغْسِلَهَا... بَلْ لِتُذَكِّرَنِي بِهَا. أَقِفُ فِي ٱلْمُنْتَصَف لَا حَيٌّ تَمَامًا، وَلَا مَيِّتٌ بِمَا يَكْفِي لِأَنْسَى. "مَنْ أَكُونُ؟" سُؤَالٌ تَافِهٌ حِينَ تَتَآكَلُ هُوِيَّتُكَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَنْظُرُ فِيهَا إِلَى نَفْسِكَ وَلَا تَرَاهَا. إِنَّنِي فِي سَاحَةِ حَرْبٍ. نَعَمْ... سَاحَةٌ لَا يُرْفَعُ فِيهَا عَلَمُ ٱنْتِصَارٍ، وَلَا تُبْنَى فِيهَا قُبُورٌ تَلِيقُ بِٱلْخَاسِرِينَ. كُلُّ مَا فِيهَا صُرَاخُ مَنْ لَا صَوْتَ لَهُ. . وَإِنْ فُزْتُ... خَسِرْتُ. وَإِنْ خَسِرْتُ... فَقَدْتُ. . وَفِي كِلَا ٱلِٱحْتِمَالَيْنِ: "أَنَا ٱلْخَاسِرُ." أَنَا وَحْدِي، ٱلَّذِي يَتَآكَلُهُ ٱلْفَرَاغُ مِنَ ٱلدَّاخِلِ، ٱلَّذِي كُلَّمَا نَهَضَ، وَجَدَ نَفْسَهُ مُمَدَّدًا عَلَى سَرِيرِ هَزِيمَتِهِ. أُغْمِضُ عَيْنَيَّ لَا طَ

  • مُتيم بِك   البارت العاشر

    «هُوَ يَخْلُقُ القَوانِينَ، وَهِيَ تُجِيدُ كَسْرَهَا.»كَمْ غُرْفَةً في هَذَا القَصْرِ تُخْفِي صَدَأَهَا تَحْتَ الطِّلَاءِ؟كَمْ يَدًا عَبَثَتْ بِهَذِهِ الأَدْرَاجِ قَبْلِي، تَبْحَثُ عَنِ الشَّيْءِ ذَاتِهِ الَّذِي أَبْحَثُ عَنْهُ الآنَ... وَرُبَّمَا دَفَعَتْ ثَمَنَهُ؟تُضْحِكُنِي فِكْرَةُ الأَسْرَارِ.لَيْسَ لأَنَّهَا تُخِيفُنِي، بَلْ لأَنَّهَا دَائِمًا أَوْهَنُ مِمَّا نَظُنُّ، وَأَثْقَلُ مِمَّا تَحْتَمِلُهُ الذَّاكِرَةُ.أُقَلِّبُ هَذِهِ الأَوْرَاقَ كَمَا يُقَلَّبُ جَسَدُ قَتِيلٍ فِي مَشْرَحَةٍ بَارِدَةٍ.حَرَكَةٌ بَطِيئَةٌ، مَحْسُوبَةٌ، كَأَنِّي أَخْشَى أَنْ أُوقِظَ بَيْنَ الصَّفَحَاتِ شَيْئًا لَا يُحِبُّ الضَّوْءَ.لَيْسَ هَدَفِي أَنْ أَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ، أَنَا فَقَطْ أَبْحَثُ عَنْ خَيْطٍ صَغِيرٍ، كَلِمَةٍ سَقَطَتْ سَهْوًا، اسْمٍ كُتِبَ فِي مَكَانٍ لَا يُفْتَرَضُ أَنْ يُكْتَبَ فِيهِ.كُلُّ مَا حَوْلِي يَبْدُو كَاذِبًا؛الكُتُبُ مَرْصُوصَةٌ كَجُنُودٍ عُمْيَانٍ، السَّتَائِرُ مُغْلَقَةٌ كَفَمٍ دَفَنَ سِرَّهُ، الطَّاوِلَةُ مُصْقُولَةٌ أَكْثَرَ مِمَّا يَلِيقُ بِأَحَدٍ يَعِيشُ هُنَا.ل

  • مُتيم بِك   البارت التاسع

    كَانَ الجَسَدُ مَائِلًا عَلَى الأَرِيكَةِ العَتِيقَةِ، كَأَنَّمَا انْحَنَى الزَّمَنُ بِنَفْسِهِ لِيَسْتَرِيحَ.كَتِفَاهُ العَرِيضَتَانِ اسْتَسْلَمَتَا لِثِقْلٍ دَاخِلِيٍّ لَا يُرَى، وَقَدِ انْفَرَجَتْ أَصَابِعُهُ عَلَى سِيجَارَةٍ نِصْفُ مُطْفَأَةٍ، يَتَصَاعَدُ دُخَانُهَا فِي دَوَائِرَ مُلْتَفَّةٍ كَالأَفَاعِي، تَتَرَاقَصُ فَوْقَ السَّقْفِ المُنْخَفِضِ كَأَطْيَافِ لَعْنَةٍ تَأْبَى الرَّحِيلَ.مَفَاصِلُهُ مُتَيَبِّسَةٌ قَلِيلًا، كَأَنَّ البُرُودَةَ تَسَلَّلَتْ مِنْ أَعْمَاقِهِ لَا مِنَ الطَّقْسِ. أَنْفَاسُهُ بَطِيئَةٌ، تَنْسَابُ مِنْ صَدْرٍ يَخْتَنِقُ بِصَمْتٍ مَكْظُومٍ، وَكَأَنَّ الضِّلْعَ الأَيْسَرَ يَئِنُّ كُلَّمَا مَرَّتْ ذِكْرَى عَلَى هَيْئَةِ أَلَمٍ قَدِيمٍ. مَلَامِحُهُ شَاحِبَةٌ، وَلَكِنَّهَا مُشْتَعِلَةٌ فِي آنٍ؛ عَيْنَاهُ الغَائِرَتَانِ بَدَتَا كَفَجْوَتَيْ لَيْلٍ لَا قَمَرَ فِيهِ، وَجَبْهَتُهُ تَلْمَعُ بِرُطُوبَةٍ بَارِدَةٍ، تَأْبَى أَنْ تَجِفَّ.لَمْ تَكُنِ الغُرْفَةُ إِلَّا انْعِكَاسًا لَهُ-كَأَنَّهَا اقْتُطِعَتْ مِنْ كَابُوسٍ حَجَرِيٍّ لَا يَتَحَرَّكُ.الهَوَاءُ سَاكِنٌ،

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status