Masukنَهَضَتْ، حَادَّةَ العَيْنَيْنِ، كَمَنْ مَلَّتْ سُخْرِيَّةَ الهَارِبِ مِنْ حَقِيقَتِهِ، وَرَمَتْ كَلِمَاتِهَا الأَخِيرَةَ كَسَهْمٍ: "أَنْتَ لَا تُرِيدُ الحَقِيقَةَ... بَلْ تُرِيدُ أَنْ تَسْبِقَهَا."
ابْتَسَمَ، وَأَرْخَى رَأْسَهُ عَلَى الأَرِيكَةِ التِي يَتَرَبَّعُ عَلَيْهَا كَمَلِكٍ مَكْسُورٍ، وَاسْتَنْشَقَ عَقِبَ سِيجَارَتِهِ، قَائِلًا: "وَالحَقِيقَةُ لَا تُخِيفُنِي... وَلَكِنَّ مَا يُخِيفُكِ أَنْتِ، هُوَ أَنْ تَجِدِيهَا تُشْبِهُكِ." دُونَ أَنْ تَلْتَفِتَ، وَبِصَوْتٍ أَشَدَّ مِنَ السُّكُونِ وَأَقْسَى مِنَ الصَّدَى: "إِذَنْ، فَلْتَخَفْ... لِأَنَّ الحَقِيقَةَ، يَا سَيِّدَ كُوزَا، لَا تُشْبِهُنِي فَقَطْ... الحَقِيقَةُ أَنَا." تَقْطَعُ خُطَاهَا نَحْوَ البَابِ بِخُطًى مَحْسُوبَةٍ، كَمَنْ يَعْرِفُ أَنَّ خَلْفَهُ حَقْلَ أَلْغَامٍ. "وَمَا الَّذِي يَجْعَلُ 'الحَقِيقَةَ' تَهْرُبُ إِذًا؟!" تَوَقَّفَتْ عِنْدَ البَابِ، وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى المِقْبَضِ، وَلَمْ تَلْتَفِتْ.. كَأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي جُمْلَةٍ نُسِيَتْ فِي فَمِ شَاعِرٍ كَانَ يَحْتَضِرُ. الجُدْرَانُ؟ تَهْمِسُ. الصُّوَرُ؟ لِأُنَاسٍ يُشْبِهُونَهَا... وَلَكِنْ بِلَا أَعْيُنٍ. كُرْسِيٌّ يَتَأَرْجَحُ دُونَ جَسَدٍ. وَسَاعَةٌ تُشِيرُ إِلَى زَمَنٍ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ. فَجْأَةً، وَبِصَوْتٍ قَاطِعٍ كَحَدِّ السُّخْرِيَةِ، قَالَ: "كُلُّ مَا سَمِعْتِيهِ عَنْ مَارْكْ كُوزَا... لَمْ يَكُنْ كَذِبًا." تَوَقَّفَتْ. رَمَشَتْ. نَظَرَتْ إِلَيْهِ... لَمْ تَفْهَمْ، وَلَكِنَّ الصَّمْتَ دَاخِلَهَا صَرَخَ. أَكْمَلَ، بِابْتِسَامَةٍ لَا تَنْتَمِي لِوَجْهٍ بَشَرِيٍّ: "لِأَنَّ الكَذِبَ... أَحْيَانًا أَصْدَقُ مِنَ الحَقِيقَةِ." اقْتَرَبَتْ مِنْهُ خُطْوَةً... بِجُرْأَةِ مَنْ احْتَرَقَ وَلَمْ يَمُتْ، سَأَلَتْ: "وَهَلِ الكَذِبُ... صَنَعَكَ؟" ضَحِكَ، ضِحْكَةَ مَنْ ضَحَّى بِنَفْسِهِ لِيُحْرِقَ غَيْرَهُ: "أَنَا لَا أَكْذِبُ... أَنَا فَقَطْ أُجِيدُ تَرْتِيبَ الأَوْجَاعِ." نَظَرَتْ فِي عَيْنَيْهِ — عَيْنَا رَجُلٍ يَحْمِلُ بِدَاخِلِهِ اِسْمَيْنِ... وَقَبْرَيْنِ... وَحَرْبًا لَا يَعْرِفُ أَيْنَ انْدَلَعَتْ. قَالَتْ: "أَنَا لَا أَخَافُ مَارْكْ." رَدَّ بِلَا رَمْشٍ، بِلَا رُوحٍ: "مَارْكْ لَا يُخِيفُ... مَارْكْ يُعْدِي." سَكَتَتْ. لَكِنَّهُ اقْتَرَبَ مِنْهَا، وَهَمَسَ، كَمَنْ يُبَلِّغُ رِسَالَةً لِلرَّبِّ دُونَ إِذْنٍ: "كُلُّ مَنْ عَرَفَهُ... احْتَرَقَ. لَا لِأَنَّهُ شَيْطَانٌ، بَلْ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَصِيرُوا شَيَاطِينَ." قَالَتْ، بِصَوْتٍ يُشْبِهُ طَلْقَةً ضَائِعَةً: "وَأَنْتَ؟ مَنْ تَكُونُ؟" نَظَرَ إِلَيْهَا — لَا كَأَنَّهُ يَرَاهَا، بَلْ كَأَنَّهُ يَقْرَؤُهَا: "أَنَا... النُّسْخَةُ الَّتِي نُسِيَتْ فِي الطَّابِعَةِ حِينَ طُبِعَ الأَصْلُ." قَالَتْ: "اسْمُكَ؟" اقْتَرَبَ مِنْهَا أَكْثَرَ. لَامَسَ ظِلُّهُ أَنْفَاسَهَا، وَقَالَ: "الأَسْمَاءُ... شِفْرَاتٌ. لَا تُهْدَى، بَلْ تُشْهَرُ." قَالَتْ، بِجُنُونِ طِفْلَةٍ وَجَدَتْ بَابَ الجَحِيمِ مَفْتُوحًا: "أُرِيدُ الحَقِيقَةَ." قَالَ، بِبُرُودِ مَقْبَرَةٍ رُوسِيَّةٍ فِي كَانُونِ الثَّانِي: "الحَقِيقَةُ... تَحْتَاجُ إِلَى مَوْتٍ إِضَافِيٍّ، لِتُفْهَمَ." قَالَتْ: "وَكَمْ مَوْتًا بَعْدُ عَلَيَّ؟" رَدَّ، وَكَأَنَّهُ يَقُصُّ عَلَيْهَا نِهَايَةً لَمْ تَبْدَأْ: "يَكْفِي أَنْ تَمُوتِي مَرَّةً وَاحِدَةً... بِطَرِيقَةٍ صَحِيحَةٍ." قَالَتْ، بِنَبْرَةٍ تُقَطِّرُ تَعَبًا وَسُخْرِيَةً: "مَا المَطْلُوبُ؟ أَنْ أَقْتُلَ؟ أَمْ أُقْتَلَ؟" "كِلَاهُمَا... لَكِنْ بِالتَّرْتِيبِ الصَّحِيحِ." قَالَتْ، وَضَحْكَتُهَا تَتَلَوَّى كَأَفْعَى: "وَهَلْ لِلْمَوْتِ تَرْتِيبٌ؟" أَجَابَهَا: "الَّذِينَ يَمُوتُونَ خَطَأً... يَعُودُونَ خَطَأً." تَكَوَّرَتْ أَصَابِعُهَا عَلَيْهِ... فَارْتَجَفَ الهَوَاءُ. السَّاعَةُ عَلَى الحَائِطِ صَرَخَتْ. وَالزَّمَنُ؟ صَفَعَ نَفْسَهُ. أَخْبِرْنِي... مَتَى أَبْدَأُ؟" قَالَ، كَمَنْ يُلْقِي بِهَا مِنْ أَعْلَى جَبَلٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ: "حِينَ تَسْمَعِينَ الهَمْسَ... مِنْ دَاخِلِ جُثَّتِكِ." ثُمَّ اسْتَدَارَ... مَشَى نَحْوَ العَتْمَةِ. وَلَكِنْ قَبْلَ أَنْ يَذُوبَ فِي الظِّلِّ، قَالَ بِنَبْرَةٍ لَا تَنْكَسِرُ: "وَلَا تَنْسِي يَا إِيلَارَا. أنا لَا أخْتَارُ الصَّالِحِينَ." 🍒 🍒 🍒 🍒 فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي نَسِيَتْ فِيهَا السَّمَاءُ أَسْمَاءَهَا، وَأَخْطَأَ الْوُجُودُ فِي عَدِّ أَنْفَاسِهِ، انْبَسَطَتِ الرِّيحُ كَآهَةً قَدِيمَةً، كَانَ الْهَوَاءُ يَجُرُّ جُثَّتَهُ عَلَى أَطْرَافِ النِّسْيَانِ، وَعَادَتِ الطَّبِيعَةُ تَتَقَيَّأُ نُسَخَهَا الْبَشَرِيَّةَ. كُلُّ شَيْءٍ مُوحِشٌ، يَتَنَفَّسُ الْحِدَادَ بِصَمْتٍ مُدَوٍّ، لَمْ تَبْقَ أَيَّةُ إِشَارَةٍ تُفِيدُ أَنَّ هَذَا الْمَكَانَ قَدْ عَرَفَ الْأُنْسَ يَوْمًا... كَأَنَّهُ سَاحَةُ مَجْزَرَةٍ لَمْ تَشْهَدْ دَمًا، وَلَكِنَّهَا تَنْزِفُ فِي الْأَضْلَاعِ نَزِيفَ الضَّرِيرِ فِي الظَّلَامِ. بَقِيتُ وَاقِفَةً، كَأَنَّ قَدَمَيَّ قُيِّدَتَا بِأَغْلَالِ الذُّهُولِ، أُرَاقِبُ تَبَخُّرَ ظِلِّهِ عَنْ نَاظِرَيَّ... اخْتَفَى كَمَنْ يُنْتَزَعُ مِنْ رَحِمِ الزَّمَانِ، لَا مِنْ غُبَارِ الْمَكَانِ، كَأَنَّ الْوُجُودَ نَفَى اسْمَهُ عَنْهُ، وَكَأَنَّ الزَّمَانَ بَصَقَهُ مِنْ جَوْفِهِ، فَارْتَدَّ كَفِكْرَةٍ لَمْ تُكْتَبْ... كَكَائِنٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ أَنْ يُوجَدَ، فَانْمَحَى قَبْلَ أَنْ يُلْفَظَ، وَتَفَتَّتَ ظِلُّهُ فِي هَوَاءٍ لَمْ يُسَمِّهِ أَحَدٌ. "أَنَا لَا أَخْتَارُ الصَّالِحِينَ." جُمْلَةٌ، لَوْ كَانَتْ خَنْجَرًا، لَنَفَذَتْ فِي اللَّحْمِ كَمَا تَنْفُذُ لَعْنَةٌ عَتِيقَةٌ فِي عَظْمِ مَسَاءٍ جَافٍّ، لَا يُنْطِقُهُ إِلَّا الرَّعْشُ، وَلَا يُنْكِرُهُ إِلَّا مَنْ أَلِفَ الْخَوْفَ. غُرِسَتْ كَلِمَتُهُ فِي صَدْرِهَا كَمَا تَغْرِسُ الْأُقْحُوَانَةُ ذَاتُ الشَّوْكِ أَسَافِينَهَا فِي تُرْبَةِ قَبْرٍ نَسِيَ الزُّوَّارُ مَكَانَهُ. وَفَجْأَةً... فُتِحَ البَابُ. لَا كَمَا تُفْتَحُ الأَبْوَابُ عَادَةً، بَلْ كَمَا يُقْتَحَمُ المَصِيرُ حِينَ يَمَلُّ الِانْتِظَارَ. كَأَنَّ العَتَبَةَ ذَاتَهَا تَرَدَّدَتْ، لَا تَدْرِي أَكَانَتْ تَعْبُرُنَا، أَمْ كُنَّا نَحْنُ مَنْ نَعْبُرُهَا. انْشَقَّ كِتْمَانُ اللَّحْظَةِ، وَتَسَلَّلَتْ مِنْ بَيْنِ شُقُوقِ البَابِ رِيحٌ بَارِدَةٌ، تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا رَائِحَةَ مَوْتٍ لَمْ يُعْلَن عَنْهُ بَعْدُ، وَلَكِنَّهُ يُقِيمُ هُنَاكَ... يُسْكِنُ الزَّوَايَا. ظَهَرَ رَجُلٌ فِي مُنْتَصَفِ الأَرْبَعِينَ، بِثِيَابٍ سَوْدَاءَ تُشْبِهُ الطُّقُوسَ الجِنَائِزِيَّةَ، لَا لَوْنَ فِيهَا سِوَى بَيَاضِ يَاقَتِهِ المُنَكَّسَةِ، كَأَنَّهَا بَقِيَّةُ نُورٍ تَأَخَّرَ عَنِ الِانْطِفَاءِ. كَانَ رَأْسُهُ مُنْحَنِيًا بِانْضِبَاطٍ أَقْرَبَ إِلَى عُبُودِيَّةٍ اخْتَارَتْ قَيْدَهَا. قَالَ بِصَوْتٍ يُشْبِهُ تَقْلِيبَ أَوْرَاقٍ مُبَلَّلَةٍ فِي مَقْبَرَةٍ قَدِيمَةٍ، صَوْتُهُ يَتَأَخَّرُ عَنْ شَفَتَيْهِ بِثَانِيَةٍ... كَأَنَّهُ لَا يَأْتِي مِنْهُ، بَلْ مِنْ ظِلِّهِ: "آنِسَةُ إِيلَارَا... تَفَضَّلِي. سَتُقِيمِينَ اللَّيْلَةَ فِي الجَنَاحِ الجَنُوبِيِّ. السَّيِّدُ أَمَرَ بِذَلِكَ." لَمْ تُجِبْ. لَمْ تَرْمِشْ حَتَّى. سَارَتْ خَلْفَهُ، لَا كَمَنْ يَتْبَعُهُ، بَلْ كَمَنْ يَسِيرُ نَحْوَ مَجْهُولٍ يُشْبِهُهَا... أَكْثَرَ مِمَّا يُشْبِهُهُ. كَانَ المَمَرُّ طَوِيلًا، بَارِدًا، كَأَنَّهُ صُمِّمَ لِيَخْتَبِرَ صَبْرَ الأَحْيَاءِ وَهُمْ يَعْبُرُونَ نَحْوَ مَوْتٍ مُعَلَّقٍ عَلَى الأَسْقُفِ كَالثُّرَيَّا. الجُدْرَانُ مُصْقُولَةٌ بِحِجَارَةٍ تُشْبِهُ عِظَامًا بَيْضَاءَ، وَمُعَلَّقٌ عَلَيْهَا لَوْحَاتٌ مُغَطَّاةٌ بِقِمَاشٍ أَسْوَدَ، لَا يَظْهَرُ مِنْهَا إِلَّا زَوَايَا مُفْزِعَةً... كَأَنَّ أَحَدَهُمْ غَطَّى شَيْئًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُرَى، لَا لِأَنَّهُ مُرْعِبٌ، بَلْ لِأَنَّهُ صَادِقٌ أَكْثَرَ مِمَّا يَلِيقُ بِالْعَيْنِ أَنْ تَحْتَمِلَ. وَاحِدَةٌ فَقَطْ... بَدَا قِمَاشُهَا كَأَنَّ الهَوَاءَ تَحْتَهَا يَتَنَفَّسُ. مَرُّوا بِالأَبْوَابِ المُغْلَقَةِ، بَابًا تِلْوَ آخَرَ، وَكُلُّ بَابٍ يَتَمْتِمُ بِصَوْتٍ لَا يُسْمَعُ، كَأَنَّ خَلْفَ كُلٍّ مِنْهَا ذَاكِرَةً مَخْنُوقَةً... أَوْ صَرْخَةً مُؤَجَّلَةً. وَلَمَّا بَلَغَا بَابًا ضَيِّقَ الْجَنْبَيْنِ، مَصُوغًا مِنْ ذَهَبٍ خَامٍ تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ كَلِمَاتٌ بِلِسَانِ اللَّاتِينِ، كُتِبَ فِيهَا: "Non est locus illis sine cicatricibus" (لا مَكانَ لِمَن لمْ يَحمِلْ في الجَسدِ أثرًا.) تَوَقَّفَ الرَّجُلُ عِندَ العَتَبَةِ، ثُمَّ أَدَارَ قَفَاهُ دُونَ أَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهَا، وَقَالَ بِصَوْتٍ غَائِرٍ كَأَعْمَاقِ بِئْرٍ: "هَذِهِ آخِرُ لَيْلَةٍ لَكِ فِي حَاشِيَةِ هَذَا الِاسْمِ… يَا إيلارا." ثُمَّ أَغْلَقَ البَابَ، فَأَصْدَرَ صَوْتًا كَصَفِيقِ تُرَابٍ يُهَالُ عَلَى لَحْدٍ، فَشَعَرَتْ كَأَنَّهَا وُورِيَتْ تُرَابَ النِّسْيَانِ وَهِيَ تُرَفْرِفُ بِنَفَسٍ بَاقٍ. تَقَدَّمَتْ خُطًى، كَمَنْ يَدْخُلُ طَيْفَ ذَاكِرَةٍ تُقَاوِمُ النِّسْيَانَ بِأَظَافِرِهَا. غُرْفَةٌ؟ كَلَّا. بَلْ مِصْيَدَةٌ بَنَاهَا الزَّمَانُ لِكُلِّ مَنْ تَجَرَّأَ عَلَى تَذَكُّرِ مَا يَجِبُ أَنْ يُنْسَى. جُدْرَانٌ بِيضٌ، غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَعْكِسُ الضَّوْءَ، بَلْ تَحْبِسُهُ فِي صُدُورِهَا كَمَا يُحْبَسُ الدَّمْعُ فِي مُقْلَةٍ تَأَبَّتْ عَلَى السُّقُوطِ. السَّقْفُ أَعْلَى مِنْ مَا يَجِبُ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُذَكِّرَهَا بِصَغِيرِ قَامَتِهَا فِي مُقَابِلِ هَذَا المَكْرِ الأَزَلِيِّ. وَهُنَاكَ… شُرْفَةٌ ضَيِّقَةٌ، تُطِلُّ عَلَى غَابَةٍ لَا يَسْكُنُهَا مَخْلُوقٌ، بَلْ تُؤْنِسُهَا هَمَسَاتُ الظِّلَالِ وَنُوَاحُ الأَغْصَانِ. وَفَوْقَهَا، يَرْتَفِعُ قَمَرٌ كَاسِرٌ، كَأَنَّهُ مَصْلُوبٌ فِي السَّمَاءِ يُشَاهِدُهَا وَهُوَ يَزْرَعُ فِي عَيْنَيْهِ صَمْتًا يُشْبِهُ العِتابَ. وَالنُّجُومُ؟ كَمِئْذَنَاتٍ مَهْجُورَةٍ، تَهْتِفُ فِي السَّمَاءِ بِلَا مُؤَذِّنٍ، تَلْتَاعُ وَتَخْفُتُ، ثُمَّ تَنْطَفِئُ وَكَأَنَّهَا تُعَزِّي قَلْبًا لَمْ يُولَدْ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى السُّلوَى. السَّرِيرُ المُنْتَصِبُ فِي مُنْتَصَفِ المَكَانِ، يَبْدُو كَفَرَاشٍ جَاهِزٍ لِسَفْكِ نَوْمٍ مَذْبُوحٍ، وَالوِسَادَةُ أَبْيَضُ مِنَ العَظْمِ، وَلَكِنَّهَا أَبْرَدُ مِنْ كَفِّ أَرْمَلَةٍ. الكُرْسِيُّ فِي الزَّاوِيَةِ يُشْبِهُ جِذْعَ شَجَرَةٍ قُطِعَ وَتُرِكَ يُنَاظِرُ المَكَانَ الَّذِي انْتُزِعَ مِنْهُ. جَلَسَتْ... وَفِي جُلُوسِهَا، بَدَتْ كَمَنْ يُقِيمُ مَرَاسِمَ عَزَاءِ نَفْسِهِ، تَضَعُ يَدَيْهَا فَوْقَ رُكْبَتَيْهَا كَمَنْ يَسْتَعِدُّ لِحُكْمٍ لَا اسْتِئْنَافَ فِيهِ. وَحِينَ أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا، لَمْ يَهْجَعِ الجَفْنُ، بَلْ صَحَا العَقْلُ، وَاشْتَعَلَتْ السَّكِينَةُ فِي قَلْبِها كَنَارٍ تَسْتَعِرُ تَحْتَ الثَّلْجِ. ثُمَّ سَمِعَتْ هَمْسًا… يَنْبَعِثُ مِنْ أَعْمَاقِهَا، لَا يُشْبِهُ صَوْتَ أَحَدٍ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فَمٌ. "اِسْمَعِي الهَمْسَ مِنْ دَاخِلِ جُثَّتِكِ." لَمْ يَكُنْ صَوْتَ مَارْكْ، وَلَا رَجْعَ أَنْفَاسِهَا... بَلْ صَوْتًا ضَارِبًا فِي قِدَمِ النَّشْأَةِ، خَارِجًا مِنْ شَقٍّ قَدِيمٍ فِي جِدَارِ ذَاكِرَةِ الكَوْنِ، كَأَنَّهُ شَهْقَةُ الخَلِيقَةِ الأُولَى حِينَ وُلِدَ الوَجَعُ. يُلَامِسُ نُخَاعَ الرُّوحِ كَمَا يُلَامِسُ النَّصْلُ الرَّقَبَةَ، وَيُوقِظُ فِي دَاخِلِهَا ٱمْرَأَةً لَمْ تَدْخُلِ الحَيَاةَ بَعْدُ." كَانَ الصَّمْتُ يَتَدَلَّى مِنْ سَقْفِ الرُّوحِ كَمِشْنَقَةٍ تُجَاهِدُ أَنْ تَبْقَى مُتَدَلِّيَةً، وَكُنْتُ، أَنَا، ذَاكَ الظِّلَّ الَّذِي نَسِيَتْهُ الشَّمْسُ عَلَى جِدَارٍ تَصَدَّعَ مِنْ فُقْدَانِ الأَصْوَاتِ. الزَّمَنُ كَانَ أَبْكَمَ،يَزْحَفُ تَحْتَ أَظَافِرِ المَكَانِ كَمَوْلُودٍ مُشَوَّهٍ لَمْ يُسَمِّهِ أَحَد،كَيْفَ لِلسُّكُونِ أَنْ يَحْمِلَ هٰذِهِ الكَمِّيَّةَ مِنَ العُرْي؟ كَيْفَ تَكُونُ الجُثَثُ أَكْثَرَ حَيَاةً مِنِّي؟ Flashback لَمْ تَكُنِ اللَّيْلَةُ تَحْمِلُ نَجْمًا، بَلْ كَانَتِ السَّمَاءُ كَقَلْبِهَا... مُعَتَّمَةً، وَاسِعَةً، وَثَقِيلَةً بِالذِّكْرَيَاتِ. فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الَّتِي يَتَكَرَّرُ فِيهَا النَّبْضُ عَلَى نَفْسِ الْجُرْحِ، عَيْنُهَا لَمْ تَكُنْ تُفَتِّشُ عَنْ أَشْيَاءَ، بَلْ تُنَقِّبُ عَنْ أَشْبَاحٍ. ثَقِيلٌ هُوَ الْهَوَاءُ... كَأَنَّ الْجُدْرَانَ تُحَاوِلُ أَنْ تَتَقَيَّأَ مَا سَمِعَتْهُ مِنْ نَوَاحٍ، وَلَمْ تَسْتَطِعْ. إِيلَارَا تَقِفُ فِي مُنْتَصَفِ الْغُرْفَةِ، أَنْفَاسُهَا تَصْعَدُ بِصُعُوبَةٍ كَأَنَّهَا تَتَسَلَّقُ ذِرْوَةَ جَبَلٍ فِي صَدْرِهَا، وَأَصَابِعُهَا تَرْتَجِفُ وَهِيَ تَلْمَسُ حَقِيبَةً جِلْدِيَّةً عَتِيقَةً مَفْتُوحَةً عَلَى السَّرِيرِ. تُودِعُ فِيهَا مَا لَا يُؤْخَذُ فِي الرَّحِيلِ: عِطْرٌ خَافِتٌ مِنْ بَقَايَا أُمِّهَا، قُفَّازُ وَالِدِهَا الْمُهْتَرِئُ، وَرَقَةٌ مَطْوِيَّةٌ عَلَى شَكْلِ تَنَهُّدَةٍ، وَنَظَّارَتُهُ الَّتِي تَرَكَهَا ذَاتَ مَسَاءٍ وَنَسِيَ الْعَوْدَةَ. الْغُرْفَةُ تَغَيَّرَتْ... لَمْ تَمَسَّهَا يَدٌ، وَلَكِنِ الذَّاكِرَةُ تَقَشَّرَتْ. الْخَشَبُ يَئِنُّ، وَالْهَوَاءُ صَفْعَةٌ بِطَعْمِ الْمَعْدِنِ. رُبَّمَا لِأَنَّ الرَّائِحَةَ لَمْ تَعُدْ رَائِحَةَ بَيْتٍ، بَلْ صَارَتْ ذِكْرَى تُشْنَقُ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ. إِيلَارَا لَمْ تَأْتِ لِتُوَدِّعَ... بَلْ لِتَقْتَلِعَ نَفْسَهَا مِنَ الْمَاضِي. كَانَتْ تَرْتِّبُ أَشْيَاءَهَا كَمَنْ يُجْرِي طُقُوسَ النَّبْذِ... نَبْذُ الذَّاتِ. "جَمِيلٌ... تُعَبِّئِينَ رُفَاتًا وَتَظُنِّينَهَا أَمْتِعَةَ سَفَرٍ؟"دَخَلْتُ بِخُطًى وَاثِقَةٍ، أَسِيرُ عَلَى نَصَائِحِ الذِي يَقْبَعُ خَلْفِي. وَجَدْتُ الجَمِيعَ حَاضِرًا، وَالطَّمَعُ يَبْرُقُ فِي عُيُونِهِمْ كَخَنَاجِرَ مَسْمُومَةٍ. أَنْ تَكُونِي ابْنَةً مُتَبَنَّاةً لِعَائِلَةٍ لَا ذُرِّيَّةَ لَهَا، لَكِنَّهَا تَمْلِكُ مِنْ جِهَةِ الأَبِ نَسْلًا قَذِرًا، وَأَنْ يَكُونَ رَاعِيكِ وَحَامِي ظَهْرِكِ هُوَ النَّقَاءَ الوَحِيدَ المَزْعُومَ مِنْ هَذَا النَّسْلِ... أَمْرٌ يَفُوقُ قُدْرَتَكِ عَلَى تَحَمُّلِ جَشَعِهِمْ. لَمْ يُحَاوِلُوا حَتَّى مُدَارَاةَ كُرْهِهِمْ لِي.وَقَعَتْ عَيْنِي عَلَى مَارْكُوس، ابْنِ عَمِّي رِيتْشَارْد. لَقَدْ تُوُفِّيَ وَالِدُهُ مُنْذُ أَنْ كَانَ صَغِيرًا، وَهُوَ مَنْ تَوَلَّى الِاهْتِمَامَ بِأُمُورِ العَائِلَةِ، وَلَطَالَمَا كَانَ مُقَرَّبًا مِنْ وَالِدِي "دِيفِيد".أَخَذْتُ نَفَسًا عَمِيقًا، وَلَمْ أُحَاوِلْ تَصَنُّعَ مَلَامِحِي؛ سَوْفَ أُعَامِلُهُمْ بِالْمِثْلِ وَأُظْهِرُ مَشَاعِرَ الكُرْهِ الَّتِي تَعْتَلِجُ فِي صَدْرِي.ــ "السَّيِّدُ كَارْث... الوَكِيلُ المَسْؤُولُ عَنِ الوَصِيَّةِ. هَذِهِ الآوِنَةَ السَّيِّدَةُ إِيلارَا."نَط
ـ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ـ يَعْتَقِدُ المُلْحِدُونَ أَنَّ الكَوْنَ نَشَأَ نَتِيجَةَ تَفَاعُلَاتٍ كِيمْيَائِيَّةٍ وَفِيزْيَائِيَّةٍ بَحْتَة، وَأَنَّنَا لَسْنَا سِوَى ذَرَّاتٍ عَابِرَةٍ تَصْطَدِمُ بِبَعْضِهَا فِي هَذَا الفَرَاغِ. يَقُولُونَ إِنَّ البَشَرَ يَنْقَسِمُونَ إِلَى صِنْفَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: أَخْيَارٌ وَأَشْرَارٌ. الأَشْخَاصُ الجَيِّدُونَ هُمْ مَنْ نَبَتُوا مِنَ العَنَاصِرِ النَّقِيَّةِ أُحَادِيَّةِ المَجْمُوعَاتِ، بَيْنَمَا الأَسْوِيَاءُ سِيئُو النِّيَّةِ هُمْ مَخْلُوقَاتٌ مُشَوَّهَةٌ أَنْجَبَتْهَا الطَّبِيعَةُ فِي لَحْظَةِ خَطَأٍ. وَأَنَا... وَمَنْ يَجْلِسُ بِجَانِبِي الآنَ، نَنْتَمِي إِلَى الصِّنْفِ الثَّانِي لَا مَحَالَةَ. كِلَانَا مُشَوَّهٌ بِطَرِيقَتِهِ، وَكِلَانَا يُكَمِّلُ الآخَرَ فِي هَذَا الخَرَابِ. ـ ـ ـ ـ"هَلْ يُوجَدُ شَيْءٌ فِي وَجْهِي؟" قَطَعَ تَأَمُّلَات
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ فِي صَبَاحِ "فَالِيدْمُورَا" المُثْلِجِ وَالقَارِسِ، كَانَتْ حَسْنَاؤُنَا تَقِفُ أَمَامَ الشُّرْفَةِ، تُرَاقِبُ بِعَيْنَيْنِ رَاكِدَتَيْنِ أَسْرَابَ العَصَافِيرِ المُهَاجِرَةِ الَّتِي تَشُقُّ رِمَادَ السَّمَاءِ. عَلَى الرَّغْمِ مِنْ صَقِيعِ الجَوِّ الَّذِي يَكَادُ يَجْمَدُ لَهُ الشَّجَرُ، كَانَتْ تَرْتَدِي مَلَابِسَ خَفِيفَةً لا تَقِي شَيْئًا. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَهْلاً مِنْهَا، بَلْ عِشْقاً لِلْبَرْدِ؛ كَانَتْ تَعْشَقُ أَنْ يَسْرِيَ الصَّقِيعُ فِي عِظَامِ جَسَدِهَا، وَيَرُوقُهَا ذَلِكَ الشُّعُورُ الخَاصُّ بِالقُشَعْرِيرَةِ النَّاتِجَةِ عَنْهُ كَأَنَّهُ يُثْبِتُ لَهَا أَنَّهَا لا تَزَالُ تَتَنَفَّسُ. وَلَمْ يَكُنْ فِي عَقْلِهَا المُرْتَبِكِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ سِوَى ذَلِكَ الرَّجُلِ السِّرْيَالِيِّ... "مَارْك". ـ ـ عَضَّتْ عَلَى شَفَتَيْهَا بِحِقْدٍ دَفِينٍ عِنْدَمَا طَفَا طَيْفُهُ
𝒦.𝑅.𝒜.𝒩.𝐸 . .. مَلْمَسُ ٱلْمَاءِ وَهُوَ يَتَسَاقَطُ عَلَى جِلْدِي... لَيْسَ دِفْئًا، بَلْ جَلْدٌ يُجْلَدُنِي. كُلُّ قَطْرَةٍ تَنْغَرِسُ فِيَّ كَذِكْرَى، كَطَعْنَةٍ لَهَا وَجْهٌ قَدِيمٌ، كَأَنَّ ٱلسَّمَاءَ تُعِيدُ إِلَيَّ ذُنُوبِي، لَا لِتَغْسِلَهَا... بَلْ لِتُذَكِّرَنِي بِهَا. أَقِفُ فِي ٱلْمُنْتَصَف لَا حَيٌّ تَمَامًا، وَلَا مَيِّتٌ بِمَا يَكْفِي لِأَنْسَى. "مَنْ أَكُونُ؟" سُؤَالٌ تَافِهٌ حِينَ تَتَآكَلُ هُوِيَّتُكَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَنْظُرُ فِيهَا إِلَى نَفْسِكَ وَلَا تَرَاهَا. إِنَّنِي فِي سَاحَةِ حَرْبٍ. نَعَمْ... سَاحَةٌ لَا يُرْفَعُ فِيهَا عَلَمُ ٱنْتِصَارٍ، وَلَا تُبْنَى فِيهَا قُبُورٌ تَلِيقُ بِٱلْخَاسِرِينَ. كُلُّ مَا فِيهَا صُرَاخُ مَنْ لَا صَوْتَ لَهُ. . وَإِنْ فُزْتُ... خَسِرْتُ. وَإِنْ خَسِرْتُ... فَقَدْتُ. . وَفِي كِلَا ٱلِٱحْتِمَالَيْنِ: "أَنَا ٱلْخَاسِرُ." أَنَا وَحْدِي، ٱلَّذِي يَتَآكَلُهُ ٱلْفَرَاغُ مِنَ ٱلدَّاخِلِ، ٱلَّذِي كُلَّمَا نَهَضَ، وَجَدَ نَفْسَهُ مُمَدَّدًا عَلَى سَرِيرِ هَزِيمَتِهِ. أُغْمِضُ عَيْنَيَّ لَا طَ
«هُوَ يَخْلُقُ القَوانِينَ، وَهِيَ تُجِيدُ كَسْرَهَا.»كَمْ غُرْفَةً في هَذَا القَصْرِ تُخْفِي صَدَأَهَا تَحْتَ الطِّلَاءِ؟كَمْ يَدًا عَبَثَتْ بِهَذِهِ الأَدْرَاجِ قَبْلِي، تَبْحَثُ عَنِ الشَّيْءِ ذَاتِهِ الَّذِي أَبْحَثُ عَنْهُ الآنَ... وَرُبَّمَا دَفَعَتْ ثَمَنَهُ؟تُضْحِكُنِي فِكْرَةُ الأَسْرَارِ.لَيْسَ لأَنَّهَا تُخِيفُنِي، بَلْ لأَنَّهَا دَائِمًا أَوْهَنُ مِمَّا نَظُنُّ، وَأَثْقَلُ مِمَّا تَحْتَمِلُهُ الذَّاكِرَةُ.أُقَلِّبُ هَذِهِ الأَوْرَاقَ كَمَا يُقَلَّبُ جَسَدُ قَتِيلٍ فِي مَشْرَحَةٍ بَارِدَةٍ.حَرَكَةٌ بَطِيئَةٌ، مَحْسُوبَةٌ، كَأَنِّي أَخْشَى أَنْ أُوقِظَ بَيْنَ الصَّفَحَاتِ شَيْئًا لَا يُحِبُّ الضَّوْءَ.لَيْسَ هَدَفِي أَنْ أَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ، أَنَا فَقَطْ أَبْحَثُ عَنْ خَيْطٍ صَغِيرٍ، كَلِمَةٍ سَقَطَتْ سَهْوًا، اسْمٍ كُتِبَ فِي مَكَانٍ لَا يُفْتَرَضُ أَنْ يُكْتَبَ فِيهِ.كُلُّ مَا حَوْلِي يَبْدُو كَاذِبًا؛الكُتُبُ مَرْصُوصَةٌ كَجُنُودٍ عُمْيَانٍ، السَّتَائِرُ مُغْلَقَةٌ كَفَمٍ دَفَنَ سِرَّهُ، الطَّاوِلَةُ مُصْقُولَةٌ أَكْثَرَ مِمَّا يَلِيقُ بِأَحَدٍ يَعِيشُ هُنَا.ل
كَانَ الجَسَدُ مَائِلًا عَلَى الأَرِيكَةِ العَتِيقَةِ، كَأَنَّمَا انْحَنَى الزَّمَنُ بِنَفْسِهِ لِيَسْتَرِيحَ.كَتِفَاهُ العَرِيضَتَانِ اسْتَسْلَمَتَا لِثِقْلٍ دَاخِلِيٍّ لَا يُرَى، وَقَدِ انْفَرَجَتْ أَصَابِعُهُ عَلَى سِيجَارَةٍ نِصْفُ مُطْفَأَةٍ، يَتَصَاعَدُ دُخَانُهَا فِي دَوَائِرَ مُلْتَفَّةٍ كَالأَفَاعِي، تَتَرَاقَصُ فَوْقَ السَّقْفِ المُنْخَفِضِ كَأَطْيَافِ لَعْنَةٍ تَأْبَى الرَّحِيلَ.مَفَاصِلُهُ مُتَيَبِّسَةٌ قَلِيلًا، كَأَنَّ البُرُودَةَ تَسَلَّلَتْ مِنْ أَعْمَاقِهِ لَا مِنَ الطَّقْسِ. أَنْفَاسُهُ بَطِيئَةٌ، تَنْسَابُ مِنْ صَدْرٍ يَخْتَنِقُ بِصَمْتٍ مَكْظُومٍ، وَكَأَنَّ الضِّلْعَ الأَيْسَرَ يَئِنُّ كُلَّمَا مَرَّتْ ذِكْرَى عَلَى هَيْئَةِ أَلَمٍ قَدِيمٍ. مَلَامِحُهُ شَاحِبَةٌ، وَلَكِنَّهَا مُشْتَعِلَةٌ فِي آنٍ؛ عَيْنَاهُ الغَائِرَتَانِ بَدَتَا كَفَجْوَتَيْ لَيْلٍ لَا قَمَرَ فِيهِ، وَجَبْهَتُهُ تَلْمَعُ بِرُطُوبَةٍ بَارِدَةٍ، تَأْبَى أَنْ تَجِفَّ.لَمْ تَكُنِ الغُرْفَةُ إِلَّا انْعِكَاسًا لَهُ-كَأَنَّهَا اقْتُطِعَتْ مِنْ كَابُوسٍ حَجَرِيٍّ لَا يَتَحَرَّكُ.الهَوَاءُ سَاكِنٌ،