Share

البارت السابع

Author: Remas Younis
last update publish date: 2026-07-05 03:04:50

.

.

.

خُطُوَاتُهَا تَسِيرُ عَلَى سِجَّادٍ كَثِيفٍ كَغَابَةٍ، لٰكِنَّهَا تَسْمَعُهَا كَدَقَّاتِ دُفٍّ فِي مَوْكِبِ نُبُوءَةٍ.

كُلُّ عَمُودٍ فِي القَصْرِ يَحْكِي عَنْ مَجْدٍ مُغْتَصَبٍ، وَكُلُّ لَوْحَةٍ فَمٌ أُغْلِقَ عَلَى صَرْخَةٍ لَمْ تُرْوَ.

السُّرْيَالِيُّ... مَارْك كُوزَا.

نَطَقَتْ كَلِمَاتِهَا بِسُخْرِيَّةٍ حَادَّة وَعَيْنَاهَا تَتَفَحَّصَانِ اللَّوْحَاتِ المُعَلَّقَةَ.

تِلْكَ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَى سَلْفَادُور دَالِي الرَّسَّامِ الإِسْبَانِيِّ الَّذِي ادَّعَى أَنَّ اللهَ نَفْسَهُ يَتَمَتَّعُ بِذَوْقٍ رَفِيعٍ... لِأَنَّهُ خَلَقَهُ!

أَيُّ نَرْجِسِيَّةٍ هَذِهِ الَّتِي تَزْعُمُ أَنَّ الخَالِقَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا فَانِيًا يُمَجِّدُ فَانِيًا؟

أَطْبَقَتْ جُفُونَهَا كَمَنْ يُشِيِّعُ ذَوْقًا فِي نَعْشِهِ، ثُمَّ زَفَرَتْ كَمَنْ اسْتَنشَقَ غُبَارَ خُدْعَةٍ عَفِنَة، تَتَفَحَّصُ مَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ: فَنٌّ.

خُطُوطٌ مَعْوَجَّةٌ، وَصَفْحَةٌ بَيْضَاءُ، تَشُقُّهَا سَوَادَاتٌ كَجِرَاحٍ عَبَثِيَّةٍ، تُحَاصِرُهَا هَالَةٌ ذَهَبِيَّةٌ كَإِكْلِيلِ مَوْتٍ مُزَيَّفٍ، يُرِيدُونَ لَهُ أَنْ يُقْنِعَكَ أَنَّهُ حَيٌّ.

أَيُعْقَلُ أَنْ يُبَاعَ هَذَا التَّشَوُّهُ بِمَلَايِينَ؟ بَلْ أَيُعْقَلُ أَنْ يُسْتَدْرَجَ أَحَدٌ لِلتَّفَكُّرِ فِيهِ؟

أَطْبَقَتْ جُفُونَهَا بِفُتُورٍ، كَمَنْ يَشْهَدُ جُنَازَةَ الذَّوْقِ، ثُمَّ دَحْرَجَتْ عَيْنَيْهَا دَحْرَجَةَ مَنْ شَعَرَ بِقَرْفٍ فِكْرِيِّ ، لَكَمْ كَانَتْ تَمْقُتُ تِلْكَ الخُدَعَ البَصَرِيَّةَ، الأُطُرَ المُذَهَّبَةَ، وَالأَسْمَاءَ المُقَدَّسَةَ، تُرَفْرِفُ عَلَى فَرَاغٍ .

إِنَّ الأَغْنِيَاءَ أَغْبَى مِمَّا نَظُنُّ، يَشْتَرُونَ الصَّمْتَ بِمِئَاتِ الآلاف، وَيُطْلِقُونَ عَلَيْهِ اسْمًا يُقَالُ إِنَّهُ "تَجْرِيدِيّ".

أَكْمَلَتْ نُزُولَهَا دَرَجَ القَصْرِ الحَلَزُونِيِّ، كَأَنَّمَا تَنْزِلُ آهَةً مِنْ صَدْرِ مُحِبٍّ أَضْنَاهُ الفَقْدُ.

يَدَاهَا تُطَبِقَانِ عَلَى الدَّرَابْزِينِ كَمَنْ يَتَمَسَّكُ بِآخِرِ خُيُوطِ ٱلاتِّزَانِ.

رَائِحَةُ القَهْوَةِ تُسَابِقُ خُطَاهَا، وَصَمْتُ الصَّمْتِ يُمْسِكُ بِكَفِّهَا.

دَخَلَتْ قَاعَةَ الطَّعَامِ... وَعَيْنَاهَا لَمْ تَزِغَا عَنِ الظِّلِّ القَائِمِ فِي المَمَرِ، كَأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ جُدْرَانِهَا.

جَالِسًا... كَمَا يَجْلِسُ الذِّئْبُ وَهُوَ يُرَاقِبُ الرِّيحَ، لَعَلَّهَا تَضِلُّ.

يَرْتَدِي السَّوَادَ كَمَنْ لَمْ يَذُقِ البَيَاضَ إِلَّا مَوْتًا.

شَعْرُهُ مَشْدُودٌ، كَأَنَّهُ قَيْدُ أَحْكَامِ العَالَمِ.

رَفَعَ نَظَرَهُ عِنْدَمَا دَخَلَتْ... تَأَمَّلَهَا كَٱلنَّحَّاتِ الَّذِي تَرَى مَنْحُوتَتَهُ تَتَحَرَّكُ دُونَ إِذْنِهِ.

"طِفْلَةٌ تَرْتَدِي جَسَدَ ٱمْرَأَةٍ،

تَمْشِي كَأَنَّ ٱلْأَرْضَ دَيْنٌ عَلَيْهَا...

مَا تَرَيْنَهُ تَمَرُّدًا، أَرَاهُ جَهْلًا...

وَمَا تُسَمِّينَهُ أُنُوثَةً، هُوَ عِنْدِي حَشْرَجَةُ كِبْرِيَاءٍ عَلَى حَافَاتِ السُّقُوطِ."

رَآهَا تَجْلِسُ بِتَحَدٍّ، تَنْظُرُ إِلَيْهِ كَأَنَّهَا تُجِيدُ ٱلْمُبَارَزَةَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَبْدُرْ مِنْهُ شَيْءٌ... ٱبْتَسَمَ بِسُخْرِيَّةٍ دَاخِلِيَّةٍ، كَمَنْ يُشَاهِدُ نَمْلَةً تَرْفَعُ سَيْفًا فِي وَجْهِ إِعْصَارٍ.

<<"كَمْ تُجِيدُ هٰذِهِ ٱلْحَمْقَاءُ ٱلرَّقْصَ عَلَى حَافَّةِ ٱلْجُرْحِ، وَلَكِنَّهَا لَا تَعْلَمُ أَنَّ ٱلنَّزِيفَ ٱلْقَادِمَ لَنْ يَرْحَمَ عِطْرَهَا وَلَا وَرْدَ خَدِّهَا...">>

"ٱسْتَيْقَظْتِ إِذًا، وَأنا الَذي ظَنَنْتُ أَنَّ ٱلصَّمْتَ سَيَبْتَلِعُكِ كَمَا ٱبْتَلَعَهُمْ."

جَلَسَتْ قُبَالَتَهُ دُونَ رَدٍّ، وَضَعَتْ كُوبَ ٱلْقَهْوَةِ أَمَامَهَا دُونَ أَنْ تَرْفَعَهُ، تَبْتَسِمُ

بِعَقْلِهَا:

<<هَا هُوَ بَدَأَ... لِنَرَى.>>

أَكْمَلَ حَدِيثَهُ متغاضيًا عن تَأَخُّرِهَا:

"هَلْ عَرَفْتِ ٱلْآنَ لِمَاذَا يُدْفَنُ ٱلصُّرَاخُ تَحْتَ طَبَقَاتِ ٱلْبُرُوتُوكُولِ؟

لِأَنَّ ٱلْكَلِمَاتِ فَضِيحَةٌ، وَنَحْنُ هُنَا نُتْقِنُ ٱلْكِتْمَانَ."

نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِعَيْنٍ تَحْمِلُ لُغْزًا أَعْمَقَ مِنَ ٱلْهَاوِيَةِ، وَهُدُوؤُهَا أَشْبَهُ بِسُخْرِيَّةٍ مُقَدَّسَةٍ:

"وَأَنْتَ...

كَمْ فَضِيحَةٍ تَسْتَيْقِظُ مَعَكَ كُلَّ صَبَاحٍ؟"

كَمْ حَقِيقَةٍ تَخْشَاهَا إِلَى دَرَجَةِ تَطْرِيزِهَا بِكَذِبٍ أَرِيسِيٍّ؟

ضَحِكَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ كَأَنَّهُ يُوَارِي ٱلْوَاقِعَ:

أَنَا؟

أَنَا أُهَذِّبُ الْحَقَائِقَ كَيْ لَا تَخْدِشَ الْقُلُوبَ الْوَهِنَةَ،الَّتِي تَظُنُّ أَنَّهَا صَلْبَةٌ

كَقَلْبِكِ."

أجابتْ، وعَيْناها تتوهّجانِ كأنّما نُسِجَ فيهِما صَيْفانِ

"القَلْبُ الضَّعيفُ لا يَخْشى الحَقيقَةَ، بَلِ الَّذي صَنَعَ الظُّلْمَةَ بِيَدَيْهِ، يَرْتَعِدُ مِنَ الضَّوْءِ كَأَنَّهُ سِكِّينٌ تَكْشِفُ عَوْرَةَ رُوحِهِ."

ما بَيْنَ قَهْوَةٍ فاتِرَةٍ، وخُبْزٍ يَتَيَتَّمُ عَلى الصَّحْنِ، كانَتِ العُيُونُ تَتَناوَبُ الحَديثَ، كَأَنَّ الصَّمْتَ نَفْسَهُ يَخْشى أَنْ يُخْطِئَ نَبْرَةً، وكُلُّ لَحْظَةٍ بَيْنَهُما، خَنْجَرٌ مَغْمُوسٌ بِالعَسَلِ.

انْحَنى "مارك" إِلى الأَمامِ، وصَوْتُهُ يَتَسَلَّلُ كَحَدِّ المِقْصَلَةِ:

"البَيْتُ لَكِ الآنَ، وَلَكِنْ إِيّاكِ أَنْ تَظُنِّيهِ مَنْزِلًا... إِنَّهُ مِرْآةٌ، وكُلُّ ما فيهِ يُرِيكِ وَجْهَكِ كَما يَراهُ الغَريبُ الَّذي يَسْكُنُ فيَّ."

فَانْحَنَتْ "إيلارا"، كَأَنَّها تُقَبِّلُ لَهِيبَ التَّحَدِّي:

"إِذَنْ، سَأُرَتِّبُ انْعِكاسي... لِيُخيفَكَ أَكْثَرَ."

ماركُ، وقدْ وَضَعَ شَوْكَتَهُ بِلُطْفٍ عَلى الطَّبَقِ، يَنْظُرُ إِلَيْها كَأَنَّهُ يَقْرَأُ طَلاسِمَ امْرَأَةٍ كُتِبَتْ بِحِبْرِ الجَريمَةِ، مُتَجاهِلًا الرَّدَّ، كَأَنَّ صَمْتَهُ لُغَةٌ أَقْدَمُ مِنْ كُلِّ حِوارٍ.

أَمّا هِيَ، فَكانَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ بِعَيْنِ التَّحَدِّي المُعَرّى، وَبِفِطْنَتِها، لَمْ وَلن تُمْنَحَ لَهُ شُكْرًا، وَبِطَبْعِها لأَنَّهُ أَنْقَذَها مِن بَطْشِ أَقارِبِها، لِأَنَّها تَحْفَظُ دُسْتورًا لا يَقْبَلُ النَّدَمَ:

<<لا شَيْءَ يُمْنَحُ لَكَ... بِلا مَقْبَرَةٍ خَلْفَهُ.>>

اسْتَغَلَّتْ شُرودَهُ الغَريبَ، وَأَتَمَّتْ:

"أَلَمْ تَأْمُرْني البارِحَةَ أَنْ أَصْمُتَ؟ فَلِمَ اليَوْمَ، صَوْتُكَ يَلُوكُ الحِكْمَةَ كَما يَلُوكُ الحِقْدُ عِظامَ أَجْدادي؟"

تَوَسَّعَ ظِلُّهُ فَوْقَ الطّاوِلَةِ، كَأَنَّ المَكانَ قَدِ انْكَمَشَ خَوْفًا مِن نَفْسِهِ.

ثُمَّ هَمَسَ، بِصَوْتٍ يُشْبِهُ لُهاثَ النّارِ حينَ تُقَبِّلُ جَبْهَةَ الجَليدِ:

"لا أَهْوَى الصَّمْتَ... إِلَّا إِنْ كانَ وَجَلًا."

تَنَهَّدَتْ، لا مِن ضِيقٍ، بَلْ مِن رَغْبَةٍ سادِيَّةٍ في تَحْطيمِ هَذا القَصْرِ، وهَذا الرَّجُلِ، وَهَذِهِ الطّاوِلَةِ، كَأَنَّها تَخْتَبِرُ صَلابَتَها أَمامَ لَعْنَتِها. وَقالَتْ، بِصَوْتٍ أَقْدَمَ مِنَ الأَنا، يَحْمِلُ في حُروفِهِ صَدَأَ العُصُورِ:

"وأَنا لا أَنْطِقُ القَوْلَ... إِلّا إِنْ كانَ رَدْمًا لِهَذا المَسْرَحِ السَّخيفِ."

ثُمَّ، نَظَرَتْ في عَيْنَيْهِ مُباشَرَةً، نَظْرَةً لا يَسْكُنُها طَلَبٌ ولا هُرُوبٌ... واسْتَرْسَلَتْ، مُبْتَسِمَةً ابْتِسامَةَ العارِفَاتِ بِالْعَطَبِ:

"فَلْنَأْكُلْ، يا مارك... فَلَرُبَّما يَكونُ هَذا آخِرَ إِفْطارٍ لأَحَدِنا."

وصَمَتَتْ... وصَمَتَ هُوَ... ولكِنَّ السَّكاكينَ عَلى الطّاوِلَةِ — كانَتْ تَضْحَكُ، كَمَنْ يَعْرِفُ النِّهايَاتِ قَبْلَ بَداياتِها.

---

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مُتيم بِك   البارت الرابع عشر

    دَخَلْتُ بِخُطًى وَاثِقَةٍ، أَسِيرُ عَلَى نَصَائِحِ الذِي يَقْبَعُ خَلْفِي. وَجَدْتُ الجَمِيعَ حَاضِرًا، وَالطَّمَعُ يَبْرُقُ فِي عُيُونِهِمْ كَخَنَاجِرَ مَسْمُومَةٍ. أَنْ تَكُونِي ابْنَةً مُتَبَنَّاةً لِعَائِلَةٍ لَا ذُرِّيَّةَ لَهَا، لَكِنَّهَا تَمْلِكُ مِنْ جِهَةِ الأَبِ نَسْلًا قَذِرًا، وَأَنْ يَكُونَ رَاعِيكِ وَحَامِي ظَهْرِكِ هُوَ النَّقَاءَ الوَحِيدَ المَزْعُومَ مِنْ هَذَا النَّسْلِ... أَمْرٌ يَفُوقُ قُدْرَتَكِ عَلَى تَحَمُّلِ جَشَعِهِمْ. لَمْ يُحَاوِلُوا حَتَّى مُدَارَاةَ كُرْهِهِمْ لِي.وَقَعَتْ عَيْنِي عَلَى مَارْكُوس، ابْنِ عَمِّي رِيتْشَارْد. لَقَدْ تُوُفِّيَ وَالِدُهُ مُنْذُ أَنْ كَانَ صَغِيرًا، وَهُوَ مَنْ تَوَلَّى الِاهْتِمَامَ بِأُمُورِ العَائِلَةِ، وَلَطَالَمَا كَانَ مُقَرَّبًا مِنْ وَالِدِي "دِيفِيد".أَخَذْتُ نَفَسًا عَمِيقًا، وَلَمْ أُحَاوِلْ تَصَنُّعَ مَلَامِحِي؛ سَوْفَ أُعَامِلُهُمْ بِالْمِثْلِ وَأُظْهِرُ مَشَاعِرَ الكُرْهِ الَّتِي تَعْتَلِجُ فِي صَدْرِي.ــ "السَّيِّدُ كَارْث... الوَكِيلُ المَسْؤُولُ عَنِ الوَصِيَّةِ. هَذِهِ الآوِنَةَ السَّيِّدَةُ إِيلارَا."نَط

  • مُتيم بِك   البارت الثالث عشر

    ـ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ـ يَعْتَقِدُ المُلْحِدُونَ أَنَّ الكَوْنَ نَشَأَ نَتِيجَةَ تَفَاعُلَاتٍ كِيمْيَائِيَّةٍ وَفِيزْيَائِيَّةٍ بَحْتَة، وَأَنَّنَا لَسْنَا سِوَى ذَرَّاتٍ عَابِرَةٍ تَصْطَدِمُ بِبَعْضِهَا فِي هَذَا الفَرَاغِ. يَقُولُونَ إِنَّ البَشَرَ يَنْقَسِمُونَ إِلَى صِنْفَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: أَخْيَارٌ وَأَشْرَارٌ. الأَشْخَاصُ الجَيِّدُونَ هُمْ مَنْ نَبَتُوا مِنَ العَنَاصِرِ النَّقِيَّةِ أُحَادِيَّةِ المَجْمُوعَاتِ، بَيْنَمَا الأَسْوِيَاءُ سِيئُو النِّيَّةِ هُمْ مَخْلُوقَاتٌ مُشَوَّهَةٌ أَنْجَبَتْهَا الطَّبِيعَةُ فِي لَحْظَةِ خَطَأٍ. وَأَنَا... وَمَنْ يَجْلِسُ بِجَانِبِي الآنَ، نَنْتَمِي إِلَى الصِّنْفِ الثَّانِي لَا مَحَالَةَ. كِلَانَا مُشَوَّهٌ بِطَرِيقَتِهِ، وَكِلَانَا يُكَمِّلُ الآخَرَ فِي هَذَا الخَرَابِ. ـ ـ ـ ـ"هَلْ يُوجَدُ شَيْءٌ فِي وَجْهِي؟" قَطَعَ تَأَمُّلَات

  • مُتيم بِك   البارت الثاني عشر

    ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ فِي صَبَاحِ "فَالِيدْمُورَا" المُثْلِجِ وَالقَارِسِ، كَانَتْ حَسْنَاؤُنَا تَقِفُ أَمَامَ الشُّرْفَةِ، تُرَاقِبُ بِعَيْنَيْنِ رَاكِدَتَيْنِ أَسْرَابَ العَصَافِيرِ المُهَاجِرَةِ الَّتِي تَشُقُّ رِمَادَ السَّمَاءِ. عَلَى الرَّغْمِ مِنْ صَقِيعِ الجَوِّ الَّذِي يَكَادُ يَجْمَدُ لَهُ الشَّجَرُ، كَانَتْ تَرْتَدِي مَلَابِسَ خَفِيفَةً لا تَقِي شَيْئًا. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَهْلاً مِنْهَا، بَلْ عِشْقاً لِلْبَرْدِ؛ كَانَتْ تَعْشَقُ أَنْ يَسْرِيَ الصَّقِيعُ فِي عِظَامِ جَسَدِهَا، وَيَرُوقُهَا ذَلِكَ الشُّعُورُ الخَاصُّ بِالقُشَعْرِيرَةِ النَّاتِجَةِ عَنْهُ كَأَنَّهُ يُثْبِتُ لَهَا أَنَّهَا لا تَزَالُ تَتَنَفَّسُ. وَلَمْ يَكُنْ فِي عَقْلِهَا المُرْتَبِكِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ سِوَى ذَلِكَ الرَّجُلِ السِّرْيَالِيِّ... "مَارْك". ـ ـ عَضَّتْ عَلَى شَفَتَيْهَا بِحِقْدٍ دَفِينٍ عِنْدَمَا طَفَا طَيْفُهُ

  • مُتيم بِك   الحادي عشر.

    𝒦.𝑅.𝒜.𝒩.𝐸 . .. مَلْمَسُ ٱلْمَاءِ وَهُوَ يَتَسَاقَطُ عَلَى جِلْدِي... لَيْسَ دِفْئًا، بَلْ جَلْدٌ يُجْلَدُنِي. كُلُّ قَطْرَةٍ تَنْغَرِسُ فِيَّ كَذِكْرَى، كَطَعْنَةٍ لَهَا وَجْهٌ قَدِيمٌ، كَأَنَّ ٱلسَّمَاءَ تُعِيدُ إِلَيَّ ذُنُوبِي، لَا لِتَغْسِلَهَا... بَلْ لِتُذَكِّرَنِي بِهَا. أَقِفُ فِي ٱلْمُنْتَصَف لَا حَيٌّ تَمَامًا، وَلَا مَيِّتٌ بِمَا يَكْفِي لِأَنْسَى. "مَنْ أَكُونُ؟" سُؤَالٌ تَافِهٌ حِينَ تَتَآكَلُ هُوِيَّتُكَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَنْظُرُ فِيهَا إِلَى نَفْسِكَ وَلَا تَرَاهَا. إِنَّنِي فِي سَاحَةِ حَرْبٍ. نَعَمْ... سَاحَةٌ لَا يُرْفَعُ فِيهَا عَلَمُ ٱنْتِصَارٍ، وَلَا تُبْنَى فِيهَا قُبُورٌ تَلِيقُ بِٱلْخَاسِرِينَ. كُلُّ مَا فِيهَا صُرَاخُ مَنْ لَا صَوْتَ لَهُ. . وَإِنْ فُزْتُ... خَسِرْتُ. وَإِنْ خَسِرْتُ... فَقَدْتُ. . وَفِي كِلَا ٱلِٱحْتِمَالَيْنِ: "أَنَا ٱلْخَاسِرُ." أَنَا وَحْدِي، ٱلَّذِي يَتَآكَلُهُ ٱلْفَرَاغُ مِنَ ٱلدَّاخِلِ، ٱلَّذِي كُلَّمَا نَهَضَ، وَجَدَ نَفْسَهُ مُمَدَّدًا عَلَى سَرِيرِ هَزِيمَتِهِ. أُغْمِضُ عَيْنَيَّ لَا طَ

  • مُتيم بِك   البارت العاشر

    «هُوَ يَخْلُقُ القَوانِينَ، وَهِيَ تُجِيدُ كَسْرَهَا.»كَمْ غُرْفَةً في هَذَا القَصْرِ تُخْفِي صَدَأَهَا تَحْتَ الطِّلَاءِ؟كَمْ يَدًا عَبَثَتْ بِهَذِهِ الأَدْرَاجِ قَبْلِي، تَبْحَثُ عَنِ الشَّيْءِ ذَاتِهِ الَّذِي أَبْحَثُ عَنْهُ الآنَ... وَرُبَّمَا دَفَعَتْ ثَمَنَهُ؟تُضْحِكُنِي فِكْرَةُ الأَسْرَارِ.لَيْسَ لأَنَّهَا تُخِيفُنِي، بَلْ لأَنَّهَا دَائِمًا أَوْهَنُ مِمَّا نَظُنُّ، وَأَثْقَلُ مِمَّا تَحْتَمِلُهُ الذَّاكِرَةُ.أُقَلِّبُ هَذِهِ الأَوْرَاقَ كَمَا يُقَلَّبُ جَسَدُ قَتِيلٍ فِي مَشْرَحَةٍ بَارِدَةٍ.حَرَكَةٌ بَطِيئَةٌ، مَحْسُوبَةٌ، كَأَنِّي أَخْشَى أَنْ أُوقِظَ بَيْنَ الصَّفَحَاتِ شَيْئًا لَا يُحِبُّ الضَّوْءَ.لَيْسَ هَدَفِي أَنْ أَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ، أَنَا فَقَطْ أَبْحَثُ عَنْ خَيْطٍ صَغِيرٍ، كَلِمَةٍ سَقَطَتْ سَهْوًا، اسْمٍ كُتِبَ فِي مَكَانٍ لَا يُفْتَرَضُ أَنْ يُكْتَبَ فِيهِ.كُلُّ مَا حَوْلِي يَبْدُو كَاذِبًا؛الكُتُبُ مَرْصُوصَةٌ كَجُنُودٍ عُمْيَانٍ، السَّتَائِرُ مُغْلَقَةٌ كَفَمٍ دَفَنَ سِرَّهُ، الطَّاوِلَةُ مُصْقُولَةٌ أَكْثَرَ مِمَّا يَلِيقُ بِأَحَدٍ يَعِيشُ هُنَا.ل

  • مُتيم بِك   البارت التاسع

    كَانَ الجَسَدُ مَائِلًا عَلَى الأَرِيكَةِ العَتِيقَةِ، كَأَنَّمَا انْحَنَى الزَّمَنُ بِنَفْسِهِ لِيَسْتَرِيحَ.كَتِفَاهُ العَرِيضَتَانِ اسْتَسْلَمَتَا لِثِقْلٍ دَاخِلِيٍّ لَا يُرَى، وَقَدِ انْفَرَجَتْ أَصَابِعُهُ عَلَى سِيجَارَةٍ نِصْفُ مُطْفَأَةٍ، يَتَصَاعَدُ دُخَانُهَا فِي دَوَائِرَ مُلْتَفَّةٍ كَالأَفَاعِي، تَتَرَاقَصُ فَوْقَ السَّقْفِ المُنْخَفِضِ كَأَطْيَافِ لَعْنَةٍ تَأْبَى الرَّحِيلَ.مَفَاصِلُهُ مُتَيَبِّسَةٌ قَلِيلًا، كَأَنَّ البُرُودَةَ تَسَلَّلَتْ مِنْ أَعْمَاقِهِ لَا مِنَ الطَّقْسِ. أَنْفَاسُهُ بَطِيئَةٌ، تَنْسَابُ مِنْ صَدْرٍ يَخْتَنِقُ بِصَمْتٍ مَكْظُومٍ، وَكَأَنَّ الضِّلْعَ الأَيْسَرَ يَئِنُّ كُلَّمَا مَرَّتْ ذِكْرَى عَلَى هَيْئَةِ أَلَمٍ قَدِيمٍ. مَلَامِحُهُ شَاحِبَةٌ، وَلَكِنَّهَا مُشْتَعِلَةٌ فِي آنٍ؛ عَيْنَاهُ الغَائِرَتَانِ بَدَتَا كَفَجْوَتَيْ لَيْلٍ لَا قَمَرَ فِيهِ، وَجَبْهَتُهُ تَلْمَعُ بِرُطُوبَةٍ بَارِدَةٍ، تَأْبَى أَنْ تَجِفَّ.لَمْ تَكُنِ الغُرْفَةُ إِلَّا انْعِكَاسًا لَهُ-كَأَنَّهَا اقْتُطِعَتْ مِنْ كَابُوسٍ حَجَرِيٍّ لَا يَتَحَرَّكُ.الهَوَاءُ سَاكِنٌ،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status