Share

الاربعون

Penulis: Noona
last update Tanggal publikasi: 2026-06-15 02:39:12

تراجعت ليلى خطوة إلى الوراء، متمسكة بالكشكول كأنه شريان الحياة الوحيد المتبقي لها. الصوت المتقطع لجدها كان يحوم في الهواء كشبح تحذيري. *«فخ في المنعطف الأخير»*... العبارة كانت تردد صداها في ذهنها، تتشابك مع صوت الخطوات الثقيلة التي كانت تقترب، موقعةً إيقاعاً مرعباً على الأرضية الخرسانية الباردة.

حبس آدم أنفاسه، وضغطت أصابعه على كتف ليلى لإبقائها في بقعة الظل التي يوفرها انبعاج الجدار الخرساني. وفي مقدمة الممر، وقف دانيال بجسده المشدود كوتر قوس مستعد للانطلاق، عيناه تلتهمان العتمة القادمة من نهاية الممر، ويداه تتحركان بتلقائية محترفة نحو سلاحه المخبأ.

انعطف مصدر الصوت أخيراً ليدخل في مجال رؤيتهم. لم يكن حارساً واحداً، بل كان طاقماً متكاملاً من حراس النخبة التابعين للمنظمة، يرتدون سترات تكتيكية سوداء خالية من أي شعارات، وتتحرك أسلحتهم الآلية بمرونة تمسح الممر. كان يقودهم رجل ذو بنية ضخمة، يضع سماعة اتصال لاسلكية تومض باللون الأحمر؛ لون طوارئ المنظمة.

همس دانيال بنبرة حادة كالشفرة دون أن يلتفت:

> "آدم، خذ ليلى وتراجعوا إلى الخلف الخرساني. سأتولى أمر خط الهجوم الأول. لا تدعهم يلمسون الكشكول."

قبل أن تتمكن ليلى من الاعتراض، دفعها آدم برفق ولكن بحزم وراء كتلة خرسانية بارزة كانت تُستخدم كقاعدة لأنابيب التهوية الضخمة.

وفي أجزاء من الثانية، اندلعت الفوضى.

انطلق دانيال كالمقذوف. لم يعتمد على القوة الغاشمة بل على عنصر المفاجأة والسرعة الرهيبة التي يوفرها ضيق الممر. أطلق الحارس الأول رصاصة طائشة ارتدت من الجدار الخرساني محدثة شرارة مرعبة، لكن دانيال كان قد خفض قامته بالفعل، ليوجه ضربة خاطفة لركبة الحارس، مستغلاً سقوطه ليدفعه نحو الحارسين اللذين خلفه.

بينما كان دانيال يخوض مواجهة شرسة وجسدية بامتياز، كانت ليلى تجلس القرفصاء، وعيناها معلقتان بشاشة الكشكول. الجليد الخفي (Hidden Ice) بدأ يتفاعل بشكل غريب مع التكنولوجيا الحديثة المحيطة بالجدران. الخطوط الزرقاء التي كانت تشكل الخريطة بدأت تضطرب، وتتحول إلى شيفرات سريعة التدفق، وكأن الكشكول "يشم" اقتراب وحدة التحكم المركزية للمنظمة.

"ليلى، انظري!" همس آدم، مشيراً إلى الشاشة.

ظهرت نقطة حمراء وامضة على الخريطة الرقمية، لكنها لم تكن تمثل الأعداء الذين يقاتلهم دانيال الآن. كانت النقطة تقع خلفهم تماماً، في الممر الذي عبروه للتو.

"هناك شيء خطأ..." قالت ليلى ونبضات قلبها تتسارع. "جدّي قال: لا تثقي بالخريطة كاملة. آدم، النقطة الحمراء تشير إلى أن الباب الخلفي الذي دخلنا منه... يُغلق الآن تلقائياً!"

التفت آدم ليرى بوابات هيدروليكية ثقيلة تنحدر ببطء وصوت معدني مكتوم من السقف الخرساني على بُعد خمسين متراً خلفهم. المنظمة بدأت بعزل القطاع بالكامل. إنهم ليسوا مجرد متسللين، بل وقعوا في مصيدة مُحكمة.

في مقدمة الممر، أطلق دانيال زفيراً حاداً وهو يلقي بآخر حراس الطليعة أرضاً، لكنه كان ينزف من جرح قطعي في جبهته. التفت إليهما هاتفاً:

"المزيد منهم قادم، والتعزيزات تتحرك من الطوابق العليا. علينا التحرك الآن!"

"إلى أين؟" صرخت ليلى، وهي تعرض الشاشة أمامه. "المنعطف الأخير يحتوي على الفخ، والطريق الخلفي أُغلق!"

نظر آدم إلى الجدران الخرسانية، ثم إلى الكشكول. "جدكِ صمم البنية التحتية للمنظمة قبل عقود. التكنولوجيا الحديثة هنا هي مجرد قشرة فوق التصميم الأصلي. الجليد الخفي لا يخترق الحواسيب فقط يا ليلى، إنه يخترق *المنطق* الذي بُني عليه هذا المكان."

امتدت يد ليلى المرتجفة نحو الشاشة اللمسية للكشكول. تذكرت كلمات جدها القديمة عندما كانت طفلة، عندما كان يمارس معها ألعاب الألغاز: *«إذا وجدْتِ نفسكِ في غرفة مغلقة يا ليلى، فلا تبحثي عن المفتاح في جيبكِ، بل ابحثي عن الخطأ في تصميم الغرفة نفسها»*.

"الخطأ في التصميم..." تمتمت ليلى.

ضغطت على أيقونة زاوية المنعطف الأخير في الخريطة، وسحبتها بإصبعين إلى الخلف، في حركة معاكسة لاتجاه السير. فجأة، أصدر الكشكول نغمة حادة، واهتزت الشاشة بعنف.

وعلى الفور، انبعث صوت ميكانيكي من داخل الجدار الخرساني الذي يستندون إليه. لم يكن صوتاً رقمياً، بل كان صوت تروس حديدية قديمة تتحرك، صوت ينم عن تكنولوجيا ميكانيكية مخفية بعناية فائقة تحت ألواح الفولاذ الحديثة.

انشق الجدار الخرساني من المنتصف، كاشفاً عن ممر ضيق للغاية، مظلم، ولا يظهر على أي خريطة حديثة للمنظمة. انبعثت منه رائحة أوراق قديمة وزيت محركات جاف.

"هذا هو الباب الحقيقي لجدكِ،" قال آدم وعيناه تتسعان ذهولاً.

"دانيال، تحرك!" صاحت ليلى.

ألقى دانيال نظرة أخيرة على الممر الرئيسي حيث بدأت أضواء كاشفة حمراء تقترب بسرعة معلنة وصول قوة الدعم للمنظمة، ثم اندفع داخل الشق الخرساني خلف آدم وليلى. وبمجرد عبورهم، سحبت ليلى يدها عن الكشكول، ليعود الجدار وينغلق بنفس القوة الميكانيكية الصامتة، عازلاً إياهم عن صخب المنظمة ومحاصرتهم في ظلام دامس.

أضاء آدم كشافه الصغير، لتتكشف أمامهم مساحة لم تطأها قدم منذ ثلاثين عاماً على الأقل. كانت الغرفة عبارة عن ممر أرشيفي قديم، تتراكم على جانبيه ملفات ورقية مهترئة، وأجهزة كمبيوتر ضخمة من حقبة الثمانينيات مغطاة بطبقات سميكة من الغبار.

وفي نهاية هذا الممر الضيق، كانت تقبع وحدة تحكم نحاسية قديمة، تبدو وكأنها هجين بين آلة كاتبة وجهاز بث لاسلكي، يعلوها شق مستطيل يتطابق تماماً مع أبعاد الكشكول.

"إنه هنا..." همست ليلى، وخطواتها تتقدم ببطء نحو الوحدة. "المفتاح الرئيسي سيوضع في قفله الحقيقي."

تقدم دانيال بحذر، واضعاً يده على جرح جبهته، وعيناه لا تتوقفان عن مسح الزوايا. "الهدوء هنا مريب. إذا كان جدكِ قد بنى هذا المكان كملجأ أو كطريق اختراق، فالمنظمة قضت سنوات تحاول العثور عليه. لا يمكن أن يكون الأمر بهذه البساطة."

وقفوا جميعاً أمام وحدة التحكم النحاسية. النبضات الزرقاء الصادرة من الكشكول بدأت تتسارع، وكأن الجهاز يشعر باقترابه من موطنه الأصلي.

رفعت ليلى الكشكول بكلتا يديها، ونظرت إلى آدم الذي أومأ لها برأسه مشجعاً، رغم القلق الواضح في عينيه. وضعت ليلى حافة الكشكول في الشق المستطيل لوحدة التحكم.

انزلق الكشكول بسلاسة غريبة، وكأن الآلة كانت تنتظره طوال هذه العقود.

لمدة ثوانٍ، ساد صمت مطبق. ظنوا فيها أن المحاولة فشلت. ولكن فجأة، دبت الحياة في الغرفة القديمة. الشاشات المقعرة القديمة المحيطة بهم أضاءت بلون أخضر فوسفوري، وبدأت مئات الأسطر من البرمجيات القديمة تتدفق بسرعة جنونية. سمعوا صوت طنين ضخم يأتي من الأسفل، وكأن هناك مولدات عملاقة تحت الأرض بدأت بالدوران بعد سبات طويل.

على الشاشة الرئيسية القديمة، ظهر شعار المنظمة الأصلي، قبل أن يتشوه ويتحول إلى رسالة نصية بسيطة باللغة العربية:

**[مرحباً بكِ في العمق يا ليلى. النظام الآن تحت سيطرتكِ... جزئياً]**

"ماذا يعني بجزئياً؟" سأل دانيال بحدة وهو يرى الأضواء الخضراء تتحول فجأة إلى اللون الأصفر التحذيري.

في تلك اللحظة، ظهرت خريطة جديدة تماماً على الشاشة الكبيرة. لم تكن خريطة للمقر، بل كانت خريطة للمدينة بأكملها فوقهم. شبكات الكهرباء، محطات المياه، أنظمة الاتصالات، والقطارات السريعة. كانت كلها مرتبطة بوحدة التحكم هذه، وكلها كانت تومض باللون الأصفر.

"جدكِ لم يصمم هذا النظام ليخترق المنظمة فقط،" قال آدم وهو يقترب من الشاشة، وأنظاره متسمرة على البيانات المتدفقة. "المنظمة ربطت مشروعها السري الجديد بالبنية التحتية للمدينة بالكامل. إذا قمنا باختراق نظام المنظمة الآن بشكل كامل وعنيف باستخدام الكشكول، سنحدث انهياراً شاملاً في شبكة الطاقة للمدينة. سيموت الآلاف في المستشفيات والقطارات."

وقعت الكلمات كالصاعقة على ليلى. نظرت إلى الكشكول الذي أصبح الآن مثبتاً داخل الوحدة، ولا يمكن نزعه إلا بإدخال رمز إلغاء.

فجأة، انقطع تدفق البيانات على الشاشة، وحل محلها بث فيديو مباشر ومفاجئ.

ظهرت على الشاشة غرفة بيضاء حديثة ومعقمة. وفي منتصف الغرفة، كان هناك كرسي طبي متطور، يجلس عليه رجل عجوز، نحيل للغاية، تتدلى من جسده أنابيب تغذية وأجهزة مراقبة المؤشرات الحيوية. كان وجهه شاحباً، لكن عينيه كانتا تحملان نفس البريق الذكي الذي تتذكره ليلى في طفولتها.

"جدي..." خرجت الكلمة من فم ليلى كشهقة مخنوقة.

تحركت كاميرا البث ببطء لتظهر شخصاً آخر يقف بجانب الكرسي. رجل يرتدي حُلة أنيقة، ملامحه باردة وقاسية، يضع يده برفق شديد وبطريقة تهديدية على جهاز الدعم الشرياني المعلق بجانب العجوز.

تحدث الرجل ذو الحُلة الأنيقة موجهاً نظره إلى الكاميرا مباشرة، وكأنه ينظر في أعين ليلى:

"أهلاً بكِ في بيتكِ الثاني يا ليلى. كنت أعلم أن الجليد الخفي سيرشدكِ إلى هنا في النهاية. جدكِ رجل عبقري، لكنه ترك خلفه معضلة أخلاقية لطيفة للغاية. الكشكول الآن في مكانه، وبلمسة واحدة منكِ على شاشته، يمكنكِ تدمير منظمتنا بالكامل... ولكن، في اللحظة التي سيفعل فيها الكشكول ذلك، سيتوقف قلب جدكِ، وستغرق المدينة في ظلام قد لا تستيقظ منه أبداً."

ابتسم الرجل ابتسامة جليدية واختتم حديثه:

"الخيار لكِ الآن. هل جئتِ لإنقاذ الماضي... أم لإنقاذ المستقبل؟"

تراجعت ليلى خطوة إلى الوراء، وعيناها تتنقلان بين وجه جدكِ المريض على الشاشة، وبين خريطة المدينة المهددة بالانهيار، وبين الكشكول الذي يواصل بث نبضاته الزرقاء، معلناً بدء العد التنازلي التلقائي للاختراق الشامل.

آدم ودانيال التفتوا نحوها، والأنفاس محبوسة، بانتظار قرارها الذي سيغير كل شيء.

ما الخطوة التالية التي تعتقدين أن ليلى ستتخذها لمواجهة هذا المأزق الأخلاقي؟

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • اللقاء المجنون   الثامن والتسعون

    انعكاسات ألوان الشفق الهادئ على المجال الريفي لليل خلفية شديدة الصعوبة والوضوح فوق المزرعة الشرقية. لم يكن هذا الليل كغيره من الليالي؛ لقد كان الصمت بسيطا الذي يعقب العازفة الكبرى، وسارت حركة قنوات الري المبطنة تنساب برقة شديدة كعزف منفرد يروي قصة التلاحم والاختبارات الكاملة الذي توافر في جنبات هذه الأرض الحرة. في راحة المنزل، غرفة نوم مفتوحة، ستائر تفيض ناعمة بالطمأنينة والرضا النفسي العميق. كان عماد يجلس بدقة إلى مقعده خشبي، ووضعها كشكوله جلدي على الركبيه، وبجانبه كانت سارة تلفيف جدائل شعرها الأسود الرائع، ووجههاي المطبخ يشع بنور البهجة الصافية والنضج الفريد الذي صهرته الأيام وحولته إلى طاقة بناء لا تعرف الكل. كان بارزا في مكان بارز في الجدول، وداخلها الختم المرجعي الخديوي الخالص الذي تحول كأداة لمطاردة الصراع إلى صك أبدي للأمن وسيادتها ومخازن الأطعمة للوطن. سارة بيد عماد برقة وعاطفة جياشة تلمس الوجدان، وضغطت عليها بنبضة تحمل كل معاني الارتباط الروحي والعهد غريني، وجلست إلى ريدتين صافي بنبرة عذبة منخفضة تنافس حفيف أوراق الشجر الكثيفة والليمون.. اللحظة دي هي البداية لكل حاجة حلمنا

  • اللقاء المجنون   السابع والتسعين

    أغلقت سارة دفتراً صغيراً من الورق المقوى كانت تسجل فيه مواعيد تفتح زهور الليمون في الباحة الخلفية، ورفعت عينيها نحو الأفق الممتد حيث تلتقي خطوط المزارع الخضراء بلون السماء البرتقالي الدافئ عند مغيب الشمس. لم يعد للوقت ذلك الإيقاع المتسارع الذي يفرض التوجس؛ بل باتت الساعات تنساب برقة وطمأنينة تامة تعكس عمق الاستقرار والانسجام الذي حققه الأبطال في واحتهم الريفية الهادئة بمحافظة الشرقية.كان عماد يجلس على المقعد الخشبي المريح، يتابع حركة مياه الترعة المبطنة التي تعكس الشفق برفق سيادي مبهر. كان كشكوله الجلدي مستقراً بين يديه، والقلم الجاف الأسود يتحرك بسلاسة ونضج يسجل تفاصيل هذا التطور الطبيعي والهادئ للأحداث والمشاعر. بجانبهما، استقرت الحقيبة الجلدية الشهيرة فوق منضدة خشبية من صنع منصور، ينبعث من جانبها عبق البخور البلدي برائحة الصندل والمستكة التي تملأ الوجدان بطاقة إيجابية مبهجة تذيب كل ذكريات الماضي وتفتح النفس لآفاق لامتناهية من الأمل.أمسكت سارة بيد عماد وضمتها إلى قلبها برقة وعاطفة جياشة تفيض بالود والشغف، ونظرت إلى ملامحه القمحية المستقرة وقالت بنبرة عذبة تنافس حفيف أوراق أشجار ال

  • اللقاء المجنون   السادس والتسعين

    تلفزيون أفق شرقي مختلط مع الشفق الفضي والوردي، حاملاً معه سمات ليلية ليلية أنعشت جنباً إلى جنب مع المنزل الريفي العتيق. غابت الشمس وراء ما يكفي من البحث موسع النخيل، تركت المكان لسكينة الخلفيات تلتهم الأرض فيها بالسماء في اخترع كامل. ولم تعد هناك سيارات ربع نقل تنطلق على عجلة، ولا أجهزة بث لاسلكية وبرامج؛ بل حل مكان ذلك وهي صوت كامل سواقي داخلي تدور داخلها، معلنةً الاشتراك في الطمأنينة على هذه الوجبة الغالية من أرض الدلتا. في المنزل المسطح في الحديقة، كان عماد يجلس مباشرة إلى خشبي عتيق، ماداً قدميه براحة لم يبدؤها منذ سنوات. الكشكول الجلدي الصغير كان مستقراً فوقها، لكن صفحاته لم تعد تسجل تجارب للخطط السيادية، بل أصبحت واحة تشهد المشاعر المتدفقة واللقاءات الإنسانية النبيلة. بجانبه، كانت سارة ترتدي ثوباً قطنياً ناصع البياض يتماشى مع صفاء روحها، ممسكة بوعاء فخاري صغير تنبعث منه رائحة البخور الممزوج بالمسك والعنبر، لتنشر في المكان جاءت واحة نفسية غمرت قلوب الجميع. كاتت سارة بيد عماد، وضغطت عليها برقة وعاطفة جياشة تفيض بالحب واليقين، وشعرت نبضات قلبيهما قد تخلصت ، من تشنج الأيام الخوالي،

  • اللقاء المجنون   الخامس والتسعون

    انسابت مياه الترعة المبطنة حديثاً أمام باحة المنزل الريفي بالشرقية كشريط من الفضة السائلة تحت أشعة الضحى الدافئة. تلاشت بالكامل أصوات صافرات التحكم اللوجستي، وحلت محلها زقزقة العصافير التي اتخذت من أشجار الجوافة والليمون ملاذاً آمناً. لم يعد هناك بروتوكولات عاجلة أو خطوط نقل تتطلب الحسم الفوري؛ بل ساد المكان هدوء عميق، هدوء حقيقي وواقعي يشبه طمأنينة الأرض بعد موسم حصاد وفير.كان عماد يجلس مسترخياً على مقعده الخشبي ذي المساند الخوصية، واضعاً كشكوله الجلدي المفتوح على ركبتيه. تحرك قلمه الجاف الأسود بسلاسة وبطء، لا ليسجل أرقاماً أو بنوداً قانونية، بل ليدوّن تفاصيل اللحظة؛ حركة أوراق الشجر، وانعكاس النور على صفحة الماء، ودفء النسمات التي تحمل عبير الياسمين البلدي. وبجانبه، كانت سارة تجلس على مقعد مقارب، تلف جدائل شعرها الأسود بعناية وهدوء، ملامحها القمحية تخلصت من كل أثر للتوجس القديم، وحلّت محلها سكينة روحية عميقة تفيض بالبهجة والرضا.أمسكت سارة بيد عماد، وضغطت عليها برقة وعاطفة جياشة تلوح في الأفق كشروق الشمس، ونظرت إلى عينيه الصافيتين قائلة بصوت هادئ ينافس حفيف أوراق الجميز العتيقة:"ع

  • اللقاء المجنون   الرابع والتسعون

    انطلق قطار البضائع السريع على الخط الحديدي الموازي للمدرسة، يطلق صافرته الرزينة التي تتردد أصداؤها عبر قنوات الري، معلناً بداية مرحلة جديدة من تدفق الموارد والإنتاج؛ مرحلة تخلو من الصراعات العبثية وترتكز بالكامل على التنمية اللوجستية والربط المؤسسي الواقعي.تنفس عماد بعمق وهو ينظر إلى الصفحة التي جف حبرها للتو في كشكوله الجلدي، ثم التفت إلى سارة التي كانت تتابع بعينيها حركة الشاحنات الخفيفة وهي تنقل الشحنة الأولى من طواجن الفخار المعقمة وزجاجات الزيت الحيوي المعتمدة إلى منافذ التوزيع الرسمية. لم يعد هناك مكان للارتجال؛ فالترابط بين التاريخ والواقع أصبح بروتوكولاً إدارياً صارماً تديره عقول تكنوقراطية شابة تؤمن بأن السيادة تُبنى بالعمل المنظم والتدقيق اليومي.أمسكت سارة بالملف الأزرق المخصص للتوثيق الجغرافي، ونظرت إلى عماد بعينين تشعان بطاقة وعزم متجدد وقالت بصوت هادئ يحمل ثقة المحارب الذي استقر في خندق البناء:"الخطوة الجاية يا عماد مش مجرد تدريب للطلاب؛ إحنا بنربط المنظومة التناظرية لـ 'مدرسة الأرض الطيبة' بشبكة الحماية اللوجستية الكبرى في شركة شرق الدلتا للنقل. الختم المرجعي اللي اعت

  • اللقاء المجنون   الثالث والتسعون

    أشرقت شمس الدلتا من جديد، دافئةً ووادعة، لتغمر البيوت الريفية المتباعدة في كفر الشيخ والشرقية بفيض من الضوء النحاسي الذي يغسل أوراق شجر الجوافة والليمون. لم تعد عقارب الساعة تلاحق الأبطال بنبضات الخطر، بل باتت تتحرك بتناغم شديد مع حركة الطبيعة وهدير المياه في الترع المبطنة حديثاً، والتي تمد الحقول بالخير والأمل المستدام.في باحة المنتدى، كان عماد يجلس مستنداً إلى جذع شجرة جميز عتيقة، واضعاً كشكوله الجلدي على ركبتيه. لم يعد حبر القلم الجاف الأسود يركض وراء الشفرات الرقمية أو خطوط الهروب، بل كان يتدفق بهدوء، كمن يسجل جردة حساب للروح بعد رحلة طويلة من الصمود والتحدي. وبجانبه، كانت سارة تلف جدائل شعرها الأسود بعناية، وقد ارتسمت على وجهها القمحي ملامح نضج فريد؛ نضج صهرته المعارك القديمة وحوله إلى طاقة سلام داخلي تشع بهجة ونوراً على كل من حولها.أمسكت سارة بيد عماد برقة وعاطفة تلوح في الأفق كشروق الشمس، وضغطت عليها بنبضة دافئة تحمل كل معاني الارتباط الروحي والعهد الأبدي، وهمست له بصوت منخفض ينافس حفيف الشجر:"عارف يا عماد.. التطور اللي حصل في مشاعرنا وحياتنا في الكام شهر اللي فاتوا بيخليني

  • اللقاء المجنون   الثالث والخمسون

    لم يعد الكشكول مجرد صفحات محتواة بين غلافين؛ لقد انفرط عقد القيد الفيزيائي، وتحولت الورقة إلى أفق ممتد لا يعرف الشرق أو الغرب. مع كل ضربة من قلمهما المزدوج، كان الفضاء النصي يتسع ليخلق تضاريس جديدة بالكامل. الحبر الأسود الممتزج بالفضة الحية سال كأنهارٍ من المعاني العميقة، يشق طرقه عبر وديان السطور،

  • اللقاء المجنون   الثاني والخمسون

    انفتح المدى اللانهائي في عمق الشق الثالث، ولم يعد الفراغ مجرد مساحة بيضاء صامتة، بل تجسد كبحر من الحبر السائل الساخن الذي يغلي بالأبجديات المنسية والقصص التي أُعدمت قبل أن تُكتب. في هذا المركز العصيب، حيث الجاذبية ليست سوى فكرة وهبها مالك كتلة هندسية وتناساها، شعر عماد بثقل كل حرف يخطه. لم يعد القل

  • اللقاء المجنون   الحادي والخمسون

    المجسات الرمادية (العدم) لم تستسلم، بل غيّرت استراتيجيتها. حين عجزت عن محو الحروف الذهبية التي خطّها مالك، بدأت في **تحريفها**. * كلما كتب مالك كلمة *"مقاومة"*، أعادت الألياف الرمادية صياغتها لتصبح *"استسلام"*. * كلما صرخ عماد بذكرى قديمة ليعيد تثبيت الواقع، قام الفراغ بخلطها بذكريات الضحايا الآخ

  • اللقاء المجنون   الخمسون

    اشتدّت القبضة الرمادية على ساقي عماد، وبدأ جسده المستعاد يتخلى عن ثقله البشري، مائلًا نحو الشفافية والعدم. شعر بأنفاس الفراغ النهمة تسحب ذكرياته الطفولية، وصور شوارع مدينته القديمة، مفرغةً إياه من ماهيته.وفي تلك اللحظة التي تلاشت فيها المسارات تمامًا، التقت عينا عماد الغارقتان في الخوف بعين مالك ا

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status