Inicio / الرومانسية / اللقاء المجنون / الحادي والثمانون

Compartir

الحادي والثمانون

Autor: Noona
last update Fecha de publicación: 2026-06-28 09:28:21

على متن ناقلة النفط العملاقة "موجة الشمال"، وفي قلب المياه الدافئة للبحر الأحمر، كانت أنفاس الجميع تتلاحق مع ضربات المحركات الضخمة التي استعادت توازنها بفضل قبضة الربان بحر السواحلي الحديدية على الدفة. تحركت السفينة لتستقيم في مسارها الملاحي الآمن، بعيداً عن الصخور البحرية التي كادت أن تخنق شريان التجارة العالمية.

كان الختم المرجعي الخديوي، المستقر فوق منصة البث الدولية (AIS) بجانب الخريطة الحريرية المستخرجة من قاع الميناء الشرقي، يشع ببريق ذهبي دافئ تحت أشعة الشمس التي غمرت الأفق. لم يكن هذا البريق مجرد زينة، بل كان صك السيادة والأمان الذي التقطته خوادم المحاكم الدولية في جنيف وبورصة نيويورك كإشارة سيادية حية لا تقبل التأويل.

التفت عماد نحو سارة، التي كانت تستند إلى إطار النافذة الزجاجية لغرفة القيادة. فركت عينيها المرهقتين من سهر الليالي المتواصلة بين قبو برج القاهرة، وأزقة المكس، وحقول كفر الشيخ، وصولاً إلى هذا الجبل الحديدي العائم. تلاقت نظراتهما، ولم يكن الصمت بينهما دليلاً على الراحة، بل كان إدراكاً مشتركاً بأن الست نجوى والبارون كيسلر، اللذين يقفان الآن مقيدين في زاوية الغرفة تحت حراسة سيريل ديبون ومنصور الطوبجي، ليسا سوى قشرة خارجية لكيان أعمق وأكثر تغلغلاً.

بينما كانت زوارق القوات البحرية المصرية تحيط بالناقلة لتسلم المقبوض عليهم، اهتز هاتف الدكتورة ياسمين الفهد. تفحصت شاشتها بسرعة، لتتحول ملامحها القمحية الصارمة إلى حالة من الذهول الشديد.

"عماد.. سارة.. عاصم الجارحي بيكلمنا من القاهرة،" قالت ياسمين بصوت متحشرج. "المعركة مرجعتش لجنيف وبس.. مريم عاصم وعالية المصرلي لقطوا إشارة لاسلكية غريبة مبعوتة من 'مطار برج العرب بالإسكندرية' قبل دقائق. الإشارة مش مبعوتة من نجوى ولا من كيسلر.. الإشارة دي طالعة من سيرفر خاص يملكه **'الكونت ألبيرت دو فوس'**.. العقل المالي الأكبر لـ 'منظمة التراث العالمي الموازي' في بروكسل، والراجل اللي بيمول جيل التكنوقراط الجديد بالكامل!"

تقدم عماد خطوة، وحقيبة الوثائق الجلدية ما زالت معلقة على كتفه: "ألبيرت دو فوس؟ وده إيه علاقته باللي حصل هنا؟"

رد سيريل ديبون وهو يربط الأصفاد على يدي البارون كيسلر بحدة: "دو فوس لا يتحرك إلا إذا شعر أن استثماراته بمليارات الدولارات في خطر. هو الذي أسس 'صندوق الائتمان العثماني الجديد' كغطاء للاستحواذ على أراضي الدلتا والقناة. تحركه من بروكسل ووصول إشاراته لبرج العرب يعني أن هناك جبهة رابعة فتحت في شمال مصر.. وتحديداً في **منطقة مريوط والساحل الشمالي**."

التفتت الست نجوى، ورغم انكسارها، إلا أن ضحكة خبيثة مبحوحة خرجت من بين شفتيها: "أنتم فاكرين إنكم حسمتوا القضية بالختم الخديوي؟ الختم ده بيحمي الأوقاف الموثقة يا عماد.. بس مبيحميش الأراضي اللي جدي شاهين المصرلي تنازل عنها بعقود تجارية سرية سنة 1940 لعائلة 'دو فوس' البلجيكية كضمان لتهريب السلاح وقت الحرب العالمية الثانية! الأوراق دي مدفونة في قصر أثري مهجور في ملاحات برج العرب.. ولو ألبيرت وصل لها قبلكم، الساحل الشمالي والدلتا هيتحولوا لملكيات خاصة أجنبية بقوة القانون الدولي!"

لم ينتظر عاصم الجارحي في القاهرة؛ بل أصدر توجيهاته الفورية عبر الهاتف:

"أحمد وكريم رفعت هيتحركوا فورا من أمام مجلس الدولة بالقاهرة مع قوة تأمين، ويتجهوا على طريق الإسكندرية الصحراوي نحو ملاحات برج العرب. عماد وسارة.. أنتم مع الربان بحر السواحلي ومنصور هتنزلوا من الناقلة على لانش الإرشاد السريع وترجعوا لميناء السويس، ومن هناك هتاخدوا طيارة هليكوبتر تابعة للقوات البحرية تم تنسيقها حالا عشان تختصروا الوقت وتوصلوا مريوط قبل رجالة دو فوس."

أومأت سارة، وشعرت ب طاقة جديدة تسري في جسدها، طاقة نبتت من قلب المواقف المستحيلة. نظرت إلى عماد وقالت بابتسامة عنيدة: "جاهز لرحلة جديدة في جغرافيا مصر يا كاتب؟"

ابتسم عماد، وسحب دفتره الجلدي الصغير من جيبه. تحرك قلمه الجاف الأسود فوق الورق الصقيل، يخط كلمات تنبض بالحياة بينما اللانش السريع يقترب من مؤخرة الناقلة لينقلهم مجدداً إلى الشاطئ:

> *"المدن لا تنام عندما يحرسها اليقين. من سراديب القاهرة العتيقة إلى مياه المكس المالحة، ومن أنفاق الإسماعيلية الصامدة إلى ملاحات مريوط الغامضة.. تتشابك الخطوط وتترابط الحكايات كشرايين جسد واحد. السيستم الدولي يملك طائرات المليارديرات وعقود الحرب العالمية، لكننا نملك في كل شبر من هذه الأرض حكاية مدفونة، وناساً يعرفون كيف يقرأون الحبر القديم ويدافعون عن ترابها للأبد."*

 

مع حلول العصر، كانت المروحية العسكرية تهبط وسط أجواء عاصفة ومغبرة بالقرب من ملاحات برج العرب غرب الإسكندرية. كان المشهد غريباً وسريالياً؛ تلال من الملح الأبيض الناصع تتداخل مع مياه الملاحات الوردية، وفي الأفق يلوح قصر عتيق مبني من الحجر الجيري ذي الطراز الأوروبي القوطي، يعود لأربعينيات القرن الماضي، محاطاً بأشجار النخيل العشوائية ومخلفات الحرب العالمية الثانية من خنادق مهجورة.

ترجل عماد وسارة ومنصور الطوبجي، والتحق بهم أحمد عاصم وكريم رفعت اللذان وصلا لتوهم بسيارات الدفع الرباعي من القاهرة. كانت الأنفاس متلاحقة، ورائحة الملح واليود تملأ الصدور.

"المنطقة هنا وعرة،" قال أحمد عاصم وهو يراجع جهاز تحديد المواقع. "السيرفر اللي لقطته مريم موجود جوة القبو السفلي للقصر ده. وحسب معلومات حرس الحدود، فيه سيارتين ليموزين سوداء وصلوا القصر من ساعة.. رجالة الكونت ألبيرت دو فوس جوة دلوقتي."

تقدمت المجموعة بحذر بين تلال الملح، منصور يحمل عتلته الحديدية الشهيرة التي باتت رفيقة كل معركة، وكريم رفعت يؤمن الظهر. دخلوا من البوابة الحديدية الضخمة للقصر والتي كانت مكسورة الأقفال. في الداخل، كانت الجدران متآكلة بفعل الرطوبة والملح، والثريات الكريستالية القديمة معلقة كأشباح ماضٍ ثري بائد.

وفجأة، سمعوا أصواتاً تتحدث باللغة الفرنسية والإنجليزية بلهجة أرستقراطية قادمة من نهاية الرواق السفلي المؤدي للقبو.

عند مدخل القبو، كان يقف شاب في أواخر العشرينيات، يرتدي بدلة صيفية أنيقة من الكتان الأبيض، ونظارات طبية رقيقة، ويحمل جهاز كمبيوتر لوحي متطور جداً متصل بوحدة سيرفر متنقلة موضوعة فوق صندوق خشبي عتيق يحمل أختام الجيش البلجيكي لسنة 1941.. إنه **"سيباستيان دو فوس"**، الابن الأصغر للكونت ألبيرت، والعقل القانوني الجديد للمنظمة في أوروبا.

بجوار سيباستيان، كان هناك صندوقان حديديان مفتوحان، يحتويان على أوراق مذهبة وعقود قديمة موقعة بالخط العربي والفرنسي.

"أهلاً بكم في نهاية الخط،" قال سيباستيان ببرود وثقة وهو يرفع رأسه وينظر إلى عماد وسارة. "والدي أرسلني لأنه يعلم أنكم تتعاملون بالعاطفة والتاريخ. العقود التي أمامي الآن ليست أوقافاً للشعب يا أستاذ عماد. هذه عقود 'بيع وشراء قطعية' موثقة في المحكمة المختلطة بالإسكندرية عام 1940، وبموجبها اشترت عائلتي مساحات شاسعة من الساحل الشمالي ومريوط مقابل تمويل المقاومة ضد المحور. القانون الدولي يحمي الملكية الخاصة فوق أي صكوك خديوية!"

تقدمت سارة، وعيناها تشتعلان بإصرار لا يلين: "الملكية الخاصة اللي بتتكلم عنها بنيت على خيانة وتهريب سلاح في وقت حرب! جدي شاهين المصرلي لما وقع الورق ده، كان تحت إقامة جبرية من الإنجليز والوثائق اللي معانا في القاهرة بتثبت إن الختم اللي استخدمه كان 'ختم مزيف' صنعه القنصل البلجيكي وقتها عشان يهربوا الأصول!"

ارتبك سيباستيان لثوانٍ، لكنه ضغط على شاشته بسرعة: "المحكمة الفيدرالية في بروكسل لا تعترف بالوثائق المحلية للقاهرة. أنا الآن أقوم برفع النسخ الرقمية المشفرة لهذه العقود إلى 'منصة التحكيم الدولي السريع' في لندن. بمجرد اكتمال الرفع بعد دقيقتين، سيتم إعلان المنطقة بالكامل 'منطقة نزاع دولي مغلقة'!"

"مش هتلحق يا سيباستيان!" هتف صوت مريم عاصم فجأة عبر جهاز اللاسلكي الذي يحمله أحمد. "أنا وعالية ربطنا الختم المرجعي الخديوي من السويس بـ 'منظومة الأرشيف التاريخي لجامعة الدول العربية' واليونسكو. إحنا بعتنا الأكواد التناظرية الأصلية اللي بتثبت تزوير قنصل بلجيكا سنة 1940 للندن فورا.. أمر الرفع بتاعك اتمسح من السيرفر الرئيسي للاتصالات!"

انطفأت الشاشة اللوحية في يد سيباستيان، وتغيرت ألوان السيرفر المتنقل إلى اللون الرمادي المتوقف. تراجع الشاب الأرستقراطي إلى الخلف بذعر، بينما تقدم منصور الطوبجي ووضع يده الثقيلة على الصناديق الحديدية: "الحديد والورق ده هيرجع بلدنا يا ابن الكونت.. والسيستم بتاعكم ملوش مكان وسط الملح والأرض دي."

دخلت قوات حرس الحدود لتلقي القبض على سيباستيان ومساعديه بتهمة محاولة تهريب وثائق تاريخية ممنوعة، لتنتهي معركة ملاحات برج العرب بنصر جديد ومؤزر لأبناء الحارة والبلد.

عند غروب الشمس، وقف عماد وسارة على تلال الملح الأبيض في برج العرب. كانت نسمات البحر المتوسط الباردة تأتي من الشمال، ممتزجة برائحة الأرض العتيقة.

تلقى أحمد عاصم اتصالاً جديداً من والده في القاهرة: "يا شباب.. المحكمة الدولية في لندن أجلت النظر في دعاوى 'دو فوس'، لكن التقارير الاستخباراتية بتقول إن الكونت ألبيرت بدأ الآن بالتحالف مع 'كارتل مالى جديد' في شرق آسيا.. هما بيجهزوا لفتح ملفات 'أراضي وموانئ الدلتا بالكامل' من واجهة بحرية جديدة في دمياط وبيدرسوا جغرافيا العريش وشمال سيناء!"

نظرت سارة إلى عماد، وعيناها تعكسان ألوان الغروب الوردية على صفحة مياه الملاحات. ابتسمت بدفء وشجاعة وقالت بصوت ممتلئ بالشغف: "اللعبة مابتخلصش يا عماد.. كل ما بنقفل صفحة في الغرب، بيفتحوا لنا كتاب في الشرق. بس القلم لسة في إيدينا."

أمسك عماد بيدها، وفتح دفتره الجلدي الصغير تحت سماء مصر الشاسعة المليئة بالنجوم الآخذة في الظهور. وبدأ قلمه ينبض بالحبر يكتب فصلاً جديداً ممتداً عبر المحافظات والموانئ والمضايق؛ فصل لا يعرف الكلل، ولا يرسم في الأفق أي نقطة ختام، تاركاً دائماً وأبيرد الأبواب مفتوحة على كل الاحتمالات، حية كروح الوطن، وعصية على الانكسار للأبد تحت سماء هذا الوطن اللامتناهي.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • اللقاء المجنون   الثامن والتسعون

    انعكاسات ألوان الشفق الهادئ على المجال الريفي لليل خلفية شديدة الصعوبة والوضوح فوق المزرعة الشرقية. لم يكن هذا الليل كغيره من الليالي؛ لقد كان الصمت بسيطا الذي يعقب العازفة الكبرى، وسارت حركة قنوات الري المبطنة تنساب برقة شديدة كعزف منفرد يروي قصة التلاحم والاختبارات الكاملة الذي توافر في جنبات هذه الأرض الحرة. في راحة المنزل، غرفة نوم مفتوحة، ستائر تفيض ناعمة بالطمأنينة والرضا النفسي العميق. كان عماد يجلس بدقة إلى مقعده خشبي، ووضعها كشكوله جلدي على الركبيه، وبجانبه كانت سارة تلفيف جدائل شعرها الأسود الرائع، ووجههاي المطبخ يشع بنور البهجة الصافية والنضج الفريد الذي صهرته الأيام وحولته إلى طاقة بناء لا تعرف الكل. كان بارزا في مكان بارز في الجدول، وداخلها الختم المرجعي الخديوي الخالص الذي تحول كأداة لمطاردة الصراع إلى صك أبدي للأمن وسيادتها ومخازن الأطعمة للوطن. سارة بيد عماد برقة وعاطفة جياشة تلمس الوجدان، وضغطت عليها بنبضة تحمل كل معاني الارتباط الروحي والعهد غريني، وجلست إلى ريدتين صافي بنبرة عذبة منخفضة تنافس حفيف أوراق الشجر الكثيفة والليمون.. اللحظة دي هي البداية لكل حاجة حلمنا

  • اللقاء المجنون   السابع والتسعين

    أغلقت سارة دفتراً صغيراً من الورق المقوى كانت تسجل فيه مواعيد تفتح زهور الليمون في الباحة الخلفية، ورفعت عينيها نحو الأفق الممتد حيث تلتقي خطوط المزارع الخضراء بلون السماء البرتقالي الدافئ عند مغيب الشمس. لم يعد للوقت ذلك الإيقاع المتسارع الذي يفرض التوجس؛ بل باتت الساعات تنساب برقة وطمأنينة تامة تعكس عمق الاستقرار والانسجام الذي حققه الأبطال في واحتهم الريفية الهادئة بمحافظة الشرقية.كان عماد يجلس على المقعد الخشبي المريح، يتابع حركة مياه الترعة المبطنة التي تعكس الشفق برفق سيادي مبهر. كان كشكوله الجلدي مستقراً بين يديه، والقلم الجاف الأسود يتحرك بسلاسة ونضج يسجل تفاصيل هذا التطور الطبيعي والهادئ للأحداث والمشاعر. بجانبهما، استقرت الحقيبة الجلدية الشهيرة فوق منضدة خشبية من صنع منصور، ينبعث من جانبها عبق البخور البلدي برائحة الصندل والمستكة التي تملأ الوجدان بطاقة إيجابية مبهجة تذيب كل ذكريات الماضي وتفتح النفس لآفاق لامتناهية من الأمل.أمسكت سارة بيد عماد وضمتها إلى قلبها برقة وعاطفة جياشة تفيض بالود والشغف، ونظرت إلى ملامحه القمحية المستقرة وقالت بنبرة عذبة تنافس حفيف أوراق أشجار ال

  • اللقاء المجنون   السادس والتسعين

    تلفزيون أفق شرقي مختلط مع الشفق الفضي والوردي، حاملاً معه سمات ليلية ليلية أنعشت جنباً إلى جنب مع المنزل الريفي العتيق. غابت الشمس وراء ما يكفي من البحث موسع النخيل، تركت المكان لسكينة الخلفيات تلتهم الأرض فيها بالسماء في اخترع كامل. ولم تعد هناك سيارات ربع نقل تنطلق على عجلة، ولا أجهزة بث لاسلكية وبرامج؛ بل حل مكان ذلك وهي صوت كامل سواقي داخلي تدور داخلها، معلنةً الاشتراك في الطمأنينة على هذه الوجبة الغالية من أرض الدلتا. في المنزل المسطح في الحديقة، كان عماد يجلس مباشرة إلى خشبي عتيق، ماداً قدميه براحة لم يبدؤها منذ سنوات. الكشكول الجلدي الصغير كان مستقراً فوقها، لكن صفحاته لم تعد تسجل تجارب للخطط السيادية، بل أصبحت واحة تشهد المشاعر المتدفقة واللقاءات الإنسانية النبيلة. بجانبه، كانت سارة ترتدي ثوباً قطنياً ناصع البياض يتماشى مع صفاء روحها، ممسكة بوعاء فخاري صغير تنبعث منه رائحة البخور الممزوج بالمسك والعنبر، لتنشر في المكان جاءت واحة نفسية غمرت قلوب الجميع. كاتت سارة بيد عماد، وضغطت عليها برقة وعاطفة جياشة تفيض بالحب واليقين، وشعرت نبضات قلبيهما قد تخلصت ، من تشنج الأيام الخوالي،

  • اللقاء المجنون   الخامس والتسعون

    انسابت مياه الترعة المبطنة حديثاً أمام باحة المنزل الريفي بالشرقية كشريط من الفضة السائلة تحت أشعة الضحى الدافئة. تلاشت بالكامل أصوات صافرات التحكم اللوجستي، وحلت محلها زقزقة العصافير التي اتخذت من أشجار الجوافة والليمون ملاذاً آمناً. لم يعد هناك بروتوكولات عاجلة أو خطوط نقل تتطلب الحسم الفوري؛ بل ساد المكان هدوء عميق، هدوء حقيقي وواقعي يشبه طمأنينة الأرض بعد موسم حصاد وفير.كان عماد يجلس مسترخياً على مقعده الخشبي ذي المساند الخوصية، واضعاً كشكوله الجلدي المفتوح على ركبتيه. تحرك قلمه الجاف الأسود بسلاسة وبطء، لا ليسجل أرقاماً أو بنوداً قانونية، بل ليدوّن تفاصيل اللحظة؛ حركة أوراق الشجر، وانعكاس النور على صفحة الماء، ودفء النسمات التي تحمل عبير الياسمين البلدي. وبجانبه، كانت سارة تجلس على مقعد مقارب، تلف جدائل شعرها الأسود بعناية وهدوء، ملامحها القمحية تخلصت من كل أثر للتوجس القديم، وحلّت محلها سكينة روحية عميقة تفيض بالبهجة والرضا.أمسكت سارة بيد عماد، وضغطت عليها برقة وعاطفة جياشة تلوح في الأفق كشروق الشمس، ونظرت إلى عينيه الصافيتين قائلة بصوت هادئ ينافس حفيف أوراق الجميز العتيقة:"ع

  • اللقاء المجنون   الرابع والتسعون

    انطلق قطار البضائع السريع على الخط الحديدي الموازي للمدرسة، يطلق صافرته الرزينة التي تتردد أصداؤها عبر قنوات الري، معلناً بداية مرحلة جديدة من تدفق الموارد والإنتاج؛ مرحلة تخلو من الصراعات العبثية وترتكز بالكامل على التنمية اللوجستية والربط المؤسسي الواقعي.تنفس عماد بعمق وهو ينظر إلى الصفحة التي جف حبرها للتو في كشكوله الجلدي، ثم التفت إلى سارة التي كانت تتابع بعينيها حركة الشاحنات الخفيفة وهي تنقل الشحنة الأولى من طواجن الفخار المعقمة وزجاجات الزيت الحيوي المعتمدة إلى منافذ التوزيع الرسمية. لم يعد هناك مكان للارتجال؛ فالترابط بين التاريخ والواقع أصبح بروتوكولاً إدارياً صارماً تديره عقول تكنوقراطية شابة تؤمن بأن السيادة تُبنى بالعمل المنظم والتدقيق اليومي.أمسكت سارة بالملف الأزرق المخصص للتوثيق الجغرافي، ونظرت إلى عماد بعينين تشعان بطاقة وعزم متجدد وقالت بصوت هادئ يحمل ثقة المحارب الذي استقر في خندق البناء:"الخطوة الجاية يا عماد مش مجرد تدريب للطلاب؛ إحنا بنربط المنظومة التناظرية لـ 'مدرسة الأرض الطيبة' بشبكة الحماية اللوجستية الكبرى في شركة شرق الدلتا للنقل. الختم المرجعي اللي اعت

  • اللقاء المجنون   الثالث والتسعون

    أشرقت شمس الدلتا من جديد، دافئةً ووادعة، لتغمر البيوت الريفية المتباعدة في كفر الشيخ والشرقية بفيض من الضوء النحاسي الذي يغسل أوراق شجر الجوافة والليمون. لم تعد عقارب الساعة تلاحق الأبطال بنبضات الخطر، بل باتت تتحرك بتناغم شديد مع حركة الطبيعة وهدير المياه في الترع المبطنة حديثاً، والتي تمد الحقول بالخير والأمل المستدام.في باحة المنتدى، كان عماد يجلس مستنداً إلى جذع شجرة جميز عتيقة، واضعاً كشكوله الجلدي على ركبتيه. لم يعد حبر القلم الجاف الأسود يركض وراء الشفرات الرقمية أو خطوط الهروب، بل كان يتدفق بهدوء، كمن يسجل جردة حساب للروح بعد رحلة طويلة من الصمود والتحدي. وبجانبه، كانت سارة تلف جدائل شعرها الأسود بعناية، وقد ارتسمت على وجهها القمحي ملامح نضج فريد؛ نضج صهرته المعارك القديمة وحوله إلى طاقة سلام داخلي تشع بهجة ونوراً على كل من حولها.أمسكت سارة بيد عماد برقة وعاطفة تلوح في الأفق كشروق الشمس، وضغطت عليها بنبضة دافئة تحمل كل معاني الارتباط الروحي والعهد الأبدي، وهمست له بصوت منخفض ينافس حفيف الشجر:"عارف يا عماد.. التطور اللي حصل في مشاعرنا وحياتنا في الكام شهر اللي فاتوا بيخليني

  • اللقاء المجنون   الخامس والاربعون

    تراجع مالك خطوة إلى الوراء، واضعاً يده على فمه ليوحي بالصدمة والندم، بينما كان عقله يشتغل كآلة رصد دقيقة. اللون الرمادي الذي خالط عروق عماد بدأ يبهت تدريجياً، عائداً إلى لونه الطبيعي الباهت، لكن الهواء في الغرفة لم يعد كما كان؛ لقد أصبح ثقيلاً، مشبعاً برائحة ورق قديم يحترق ببطء، وكأن جدران الشقة نف

  • اللقاء المجنون   الرابع والاربعون

    انقبضت أصابع مالك على حواف المقعد الخشبي في الغرفة الشاحبة، بينما كان وعيه يمتد كخيوط دقيقة غير مرئية خلف جدران الشقة. لقد غادر عماد قبل نصف ساعة بحجة جلب بعض الأوراق، لكن "الحيز" لم يخلُ تماماً. كانت هذه هي الملاحظة الأولى التي سجلها مالك في ذهنه وعيناه تلاحقان ذرات الغبار السابحة في ضوء العصر الخ

  • اللقاء المجنون   الثالث والاربعون

    جلس مالك في الركن المظلم من الغرفة، يقلّب صفحات الكشكول القديم بأصابع لم تعد ترتعش كما كانت في السابق. السذاجة التي كلّفته الكثير دُفنت مع آخر صدمة تلقاها. نظر عبر النافذة الزجاجية بـاتّجاه عماد، الذي كان يتحرك في الفناء الخارجي بخطوات مدروسة، تبدو بريئة أكثر من اللازم.. *أكثر من اللازم لدرجة تثير

  • اللقاء المجنون   الثاني والاربعون

    تنطلق الشرارة، ويهتز الكشكول الخشبي العتيق بين يديك، وكأن تروسًا خفية بدأت تتحرك بداخله مدفوعة بطاقة القلادة المعدنية. في تلك اللحظة، لم يعد الأمر مجرد سطور تُكتب ، بل تحول المكان حولك إلى ساحة معركة حية تتداخل فيها الأزمنة. بمجرد استقرار القلادة في تجويف الكشكول، لم يصدر صوت ميكانيكي، بل ساد صم

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status