LOGINفيروز… فتاة يتيمة خرجت من الملجأ وهي تظن أنها وحدها في هذا العالم، لتبدأ حياة جديدة داخل بيت مدام ناهد، المشرفة التي احتضنتها كابنتها. لكن دخول آدم، الشاب الغني المغرور، إلى حياتها يقلب كل شيء رأسًا على عقب. وبين الكره، الصدام، والمشاعر التي تكبر رغمًا عنهما… تبدأ أسرار الماضي بالظهور. أسرار قد تكشف أن فيروز ليست مجرد فتاة ملجأ عادية… بل الحقيقة التي حاول الجميع دفنها منذ سنوات.
View Moreالفصل الأول
"الخروج من الملجأ"
كانت فيروز واقفة قدام الشباك الحديد القديم، باصة للشارع من بعيد بعينين ساكنين بشكل يخوف… كأنها بتحاول تحفظ شكل الدنيا قبل ما ترميها فيها لوحدها.
صوت البنات في الأوضة وراها كان عالي، ضحك وهزار وكلام متداخل، لكن هي كانت بعيدة عنهم كلهم… بعيدة أوي.
ضمّت الشال الرمادي حوالين جسمها أكتر وهي تهمس لنفسها بصوت شبه مختفي:
— النهارده همشي…
الكلمة نفسها خوفتها.
تمت واحد وعشرين سنة من أسبوع، وده معناه إن وجودها في دار الأيتام انتهى رسميًا.
القوانين مبتعرفش الخوف… مبتفهمش يعني إيه بنت ملهاش حد تروحه.
الباب اتفتح فجأة، ودخلت لانا بنت صغيرة من اللي عايشين في الملجأ، جريت عليها بسرعة واتعلقت فيها:
— بجد هتمشي يا فيروز؟
نزلت فيروز لمستواها وابتسمت بالعافية:
— شكله كدا يا لولو.
عبست البنت الصغيرة فورًا:
— وأنا مين هيصحيني للمدرسة؟ ومين هيسرّحلي شعري؟
اهتز قلب فيروز، لكنها خبت وجعها بسرعة وربتت على خدها:
— هتكبري وتعملي كل حاجة لوحدك.
هزت لولو راسها بعناد والدموع لمعت في عينيها:
— بس أنا بحبك.
الجملة دخلت قلبها زي السكينة.
لأنها ببساطة… كانت محتاجة تسمعها.
ابتسمت بصعوبة وحضنتها جامد، وكأنها بتحاول تاخد معاها الإحساس ده قبل ما تمشي.
بعد دقائق، خرجت من الأوضة متجهة لمكتب المشرفة الكبيرة.
خطواتها كانت بطيئة، مترددة، وكل ركن في المكان حافظاه أكتر من أي بيت عاشته.
ريحة الأكل القديمة… صوت الأطفال… الحيطة اللي كانت بتستخبى وراها وهي صغيرة لما تعيط…
كل حاجة هنا كانت قاسية، لكن على الأقل مألوفة.
وقفت قدام الباب وخبطت بخفة.
— ادخلي يا فيروز.
دخلت بهدوء، لتجد مدام ناهد قاعدة خلف المكتب الخشبي، لابسة نظارتها وبتراجع شوية أوراق.
رفعت عينيها أول ما شافتها، وسكتت ثواني وهي تتأملها.
فيروز كانت لابسة فستان بسيط أبيض، وشعرها الأسود الطويل نازل على ضهرها بشكل مرتب، لكن عينيها… عينيها كان فيهم خوف طفلة تايهة.
قفلت ناهد الملف اللي قدامها وقالت بهدوء:
— واقفة ليه؟ تعالي اقعدي.
قعدت فيروز قدامها وهي ضامة إيديها لبعض بتوتر.
لحظات صمت عدت قبل ما تسأل بصوت منخفض:
— هو… لازم أمشي النهارده؟
السؤال خرج منها مكسور بطريقة وجعت ناهد نفسها.
خلعت النظارة ببطء وقالت:
— دي قوانين يا بنتي.
نزلت فيروز عينيها للأرض، وهمست:
— معنديش مكان أروحله.
صمتت ناهد للحظة طويلة، قبل ما تتنهد وتقول:
— مين قال كدا انتي هتيجي تعيشي معايا.
رفعت فيروز راسها بسرعة، وكأنها مش متأكدة إنها سمعت صح.
— إيه؟
ابتسمت ناهد ابتسامة خفيفة:
— هتيجي تعيشي معايا أنا وولادي.
اتسعت عيني فيروز بصدمة واضحة:
— لا… لا طبعًا مينفعش… أنا هبقى حمل عليكم.
— حمل إيه بس؟ دا بيت كبير.
— بس…
قاطعتها ناهد بحزم أمومي افتقدته فيروز طول عمرها:
— مفيش بس. أنا واخدة قراري.
فضلت فيروز باصة لها بعدم استيعاب، وقلبها بيدق بعنف.
ليه؟
ليه حد يعمل كدا عشانها؟
طول عمرها كانت بتحاول تبقى خفيفة… متطلبش حاجة… متتعلقش بحد.
لأن كل اللي بيتعلق بيتساب.
همست بصوت مهزوز:
— وأنا… هقعد عند حضرتك بصفتي إيه؟
سؤالها كان مؤلم بشكل خفي.
لينت ملامح ناهد فجأة، وقالت بهدوء:
— بنتي.
الكلمة وقعت على قلبها بعنف.
بنتي.
الكلمة اللي عمرها ما سمعتها بصدق.
وفجأة، بدون ما تحس، دموعها نزلت.
حاولت تمسحهم بسرعة وهي معتذرة بتوتر:
— آسفة… أنا بس…
لكن ناهد قامت من مكانها وقربت منها بهدوء، حطت إيدها على شعرها بحنان نادر:
— متعيطيش يا فيروز.
وفي اللحظة دي تحديدًا… حسّت فيروز إن قلبها الصغير المتعود على البرد بدأ يدفى للمرة الأولى.
---
بعد ساعتين…
كانت واقفة قدام بيت مدام ناهد، ماسكة شنطة صغيرة فيها كل اللي تملكه في الدنيا.
البيت كان بسيط لكنه جميل، بلكونته مليانة زرع ونوره دافي بشكل غريب.
وقفت مترددة.
حاسّة إنها دخيلة.
ناهد فتحت الباب وقالت بابتسامة:
— واقفة ليه؟ ادخلي.
دخلت ببطء، وعينيها بتتحرك في المكان بانبهار خافت.
ريحة البيت نفسها مختلفة…
ريحة أمان.
وفجأة، خرجت بنت بشعر قصير من المطبخ وهي بتقول بحماس:
— وصلت؟! يا ماما الله مين دي
بصتلي وابتسمت:
— أنا دينا!
اتوترت فيروز وردت بخجل:
— وانا فيروز.
مسكت دينا إيدها فورًا:
— ماما حكتلي عنك كتير.
كلمة "ماما" خلت فيروز تسرح للحظة.
إحساس غريب لامس قلبها… إحساس بالحرمان.
لكن قبل ما تتكلم، اتسمع صوت رجولي هادي من وراهم:
— وصلتي؟ يا ماما
التفتت فيروز تلقائيًا.
وشافته.
شاب طويل، لابس تيشيرت أسود بسيط، وشعره باين إنه مبلول كأنه لسه خارج من الحمام.
ملامحه هادية لكنها حادة بشكل غريب.
وعينيه…
عينيه ثبتت عليها للحظة طويلة.
شعرت فيروز بتوتر فورًا، فنزلت عينيها للأرض.
قالت دينا بسرعة:
— دا أسر أخويا.
هز راسه بهدوء كتحية قصيرة، قبل ما يبص لأمه:
— دي هتقعد معانا؟
سؤاله كان عادي… لكن فيروز حسّت نفسها كأنها ضيفة غير مرغوب فيها.
ردت ناهد بثبات:
— أيوة.
سكت أسر ثواني، وبعدين قال بهدوء:
— تمام.
واتحرك ناحية أوضته بدون أي كلمة زيادة.
فضلت فيروز باصة لطيفه وهو ماشي، وقلبها اتقبض بدون سبب واضح.
همست بتوتر:
— هو متضايق إني هنا؟
ردت دينا بسرعة:
— لااا متخافيش، أسر كدا مع أي حد جديد ميعرفوش.
لكن رغم كلامها… الإحساس جواها فضل موجود.
الإحساس إنها غريبة.
دخيلة.
ناولتها ناهد كوب عصير وهي تقول بحنان:
— تعالي أوريكي أوضتك.
طلعت معاها الدور العلوي، وفتحت باب أوضة صغيرة لونها أبيض وهادية جدًا.
سرير مرتب، مكتب صغير، وستارة بلون وردي فاتح.
وقفت فيروز مكانها مصدومة.
الأوضة دي ليها؟
لوحدها؟
همست بعدم تصديق:
— دي… دي أوضتي؟
ابتسمت ناهد:
— عاجباكي؟
لفت فيروز بعينيها في المكان ببطء، ودموعها بدأت تتجمع تاني رغمًا عنها.
طول عمرها كانت بتنام وسط عشرات البنات.
مفيش حاجة اسمها "ركن خاص".
مفيش حاجة اسمها "أوضتي".
قربت من السرير ولمسته بأطراف صوابعها كأنها خايفة يختفي.
ثم التفتت لناهد فجأة وقالت بصوت مهزوز:
— شكرًا…
بصتلها ناهد بحنان شديد، ثم خرجت بهدوء وسابتها وحدها.
أول ما الباب اتقفل…
جلست فيروز على الأرض بجانب السرير، وضمت ركبتها لصدرها.
وبكت.
لكن لأول مرة في حياتها…
مكانش عياط خوف.
كان عياط بنت قلبها مش مصدق إن ممكن حد يحتويها فعلًا.
الفصل التاسع والعشرون أنتِ لستِ وحدكِ بعد الآنانفجرت لارا ضاحكة بسخرية وهي تنظر إلى فيروز من أعلى لأسفل.— معلش يا بنتي.— بيجبر بخاطرك بس.— أصل مستحيل واحد زي آدم يبصلك أصلًا.اشتعل الغضب داخل آدم فورًا.ونهض من مكانه وهو يرمقها بنظرة حادة.— اخرسي.لكن لارا أكملت باستهزاء أكبر.— لا بجد.— شكلك صدقتي نفسك.— آدم الخطيب هيتجوزك انتي؟— دي نكتة والله.ضغط آدم على أسنانه بقوة.ثم قال بصوت مخيف:— قولت اخرسي.سكتت لارا للحظة.لكنها عادت تضحك.فأشار لها بإصبعه محذرًا:— ولآخر مرة بفكرك...— أنا صحيح مبمدش إيدي على بنات.— بس أقدر أخلي أي واحدة هنا تعمل اللي أنا مش هعمله.اختفت الابتسامة من وجهها تدريجيًا.أما هو فأكمل بغضب:— وده أولًا.— ثانيًا...— فيروز جزمتها برقبة عشرة منك.شهقت لارا بصدمة.— نعم؟!— بتكلمني أنا كده يا آدم
الفصل الثامن والعشرون"لعبة جديدة"داخل مكتب ألفت...كانت تقف أمام النافذة وملامحها متجهمة بشدة.منذ مواجهة الأمس مع آدم وهي لا تستطيع التوقف عن التفكير.ابنها بدأ يشك.وهذا أخطر شيء يمكن أن يحدث.رفعت الهاتف واتصلت فورًا برباب.— عاوزاكي عندي حالًا.بعد دقائق...دخلت رباب المكتب بتوتر.رفعت ألفت عينيها إليها وقالت مباشرة:— عاوزة أعرف كل حاجة.— عن مين يا هانم؟— عن فيروز وآدم.اتوترت رباب أكثر.— قصد حضرتك إيه؟— من أول يوم شافها فيه.— كل حاجة حصلت بينهم.— كل مشكلة.— كل خناقة.— كل موقف.— كل تفصيلة.بلعت رباب ريقها.— حاضر يا هانم.— وعنديكي يوم واحد بس.هزت رأسها بسرعة وغادرت.أما ألفت فجلست مكانها وهي تشبك أصابعها أمامها.إذا كانت ستمنع الكارثة...فيجب أن تفهم ما الذي يجمع آدم بتلك الفتاة أولًا.---في الي
الفصل السابع والعشرون "أول شرخ في القناع"داخل فيلا الخطيب...دخل آدم البيت مستندًا قليلًا على سيف بسبب الجبيرة الموجودة في قدمه.الخطيب كان يمشي بجواره بينما محمد يفتح الباب بنفسه.— بالراحة يا ابني.رد آدم بضيق:— يا جماعة أنا عندي شرخ مش شلل.ضحك سيف:— والله لو بإيد جدك كان جابلك كرسي متحرك من دهب.ضحك الخطيب فعلًا:— فكرة حلوة والله.دلفوا جميعًا إلى الصالون الكبير.وجلس آدم على الأريكة وهو يزفر بتعب.كان يريد بأي طريقة أن يتحدث مع سيف وحده.هناك أشياء كثيرة تدور داخل رأسه.أشياء خطيرة.وأهمها...قرار الزواج.كان يفكر فيه منذ ساعات.كلما تذكر حادثة اليوم ازداد اقتناعًا.لو كانت أمه فعلًا وراء ما يحدث...ففيروز ليست آمنة.ولو نتيجة التحليل خرجت كما يتوقع...فكل يوم يمر يمثل خطرًا عليها.قطع أفكاره صوت خطوات كعب مرتفع قادم من أعلى السلم.رفع الجميع رؤوسه
الفصل السادس والعشرون "إحساس لا يشبه أي شيء" فتحت فيروز عينيها ببطء شديد. كان كل شيء حولها ضبابيًا في البداية. أصوات متداخلة. إضاءة بيضاء. ورائحة المستشفى المعروفة. رمشت أكثر من مرة محاولة استيعاب ما حولها. وأول ما بدأ نظرها يوضح... شافت دينا واقفة جنبها وعينيها مليانة قلق. أول ما انتبهت إنها فاقت، تنفست دينا براحة كبيرة. — الحمد لله... فوقتي أخيرًا. حاولت فيروز تتكلم لكن صوتها خرج ضعيف. — أنا... حصل إيه؟ ردت دينا بسرعة: — أغمي عليكي وخضتينا كلنا. لفت فيروز رأسها ببطء. فوقعت عينيها على الخطيب الجالس بجوار سريرها. كان ماسك سبحته بين أصابعه. وأول ما شافها بصتله ابتسم فورًا. ابتسامة دافية بشكل غريب. — حمد لله على السلامة يا بنتي. لكن أول ما سمعت صوته ارتاحت.