Share

الفصل الثالث

last update publish date: 2026-06-22 09:51:55

"والله جه اليوم اللي هرد فيه الضربة القديمة... والجديدة كمان يا ابن المهدي."

خرجت الكلمات ببطء من بين شفتي فايز الجيار، بينما أغلق الهاتف أمامه دون أن ينتظر رد الطرف الآخر.

استند بجسده إلى المقعد الجلدي الفاخر، وراح يدير السيجار بين أصابعه بحركة هادئة تخالف تمامًا الشر الكامن في عينيه. كان مكتبه الواسع يعكس ثراء صاحبه ونفوذه، لكن خلف تلك المظاهر الأنيقة كانت تُحاك ألعاب قذرة لا يعلم بها أحد.

أطلق زفرة طويلة قبل أن يشعل سيجارته، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.

قبل دقائق فقط، كان يهدد أحد رجاله عبر الهاتف.

ــ قلتلك كلمة واحدة... المناقصة الجديدة دي لازم تبقى باسمي.

جاءه الصوت مترددًا:

ــ بس يا فايز بيه... الموضوع مش سهل.

ضرب المكتب بقبضته ضربة خفيفة جعلت الرجل في الطرف الآخر يبتلع كلماته.

ــ مفيش حاجة اسمها مش سهل.

ثم أكمل بنبرة أكثر خطورة:

ــ أنت أخدت تمن سكوتك، وأخدت تمن تعاونك... دلوقتي تنفذ المطلوب وبس.

ساد صمت قصير.

ثم انخفض صوته حتى أصبح أشبه بالهمس.

ــ وإلا الملفات اللي عندي هتوصل لفهد المهدي بنفسه... وساعتها ابقى وريني هتطلع منها إزاي.

ارتبك الرجل سريعًا.

ــ لا يا باشا... متقلقش... كل حاجة هتم.

أغلق فايز الهاتف دون كلمة أخرى.

ثم همس لنفسه:

ــ كده أحسن.

ظل صامتًا للحظات، قبل أن يضغط زرًا صغيرًا على مكتبه.

دخل أحد الحراس فورًا.

ــ أفندم يا باشا؟

رفع فايز رأسه وقال:

ــ عبير وصلت؟

ــ لسه يا باشا... بس في الطريق.

أومأ برأسه.

ــ أول ما تيجي دخلوها عليا.

خرج الرجل، بينما عاد فايز ينظر من النافذة الزجاجية الضخمة المطلة على المدينة.

كانت عيناه تضيقان شيئًا فشيئًا.

ــ استنى عليا يا فهد...

ابتسم ابتسامة غامضة.

ــ اللعبة لسه ما بدأتش.

في صباح اليوم التالي...

استيقظت ملك قبل شروق الشمس بقليل.

جلست فوق سريرها بصمت، ثم تنهدت وهي تنظر إلى السقف.

رغم التعب الذي يسكن جسدها، إلا أنها لم تستطع الاستسلام للنوم مرة أخرى.

نهضت بهدوء.

توضأت.

ثم وقفت بين يدي ربها تؤدي صلاتها بخشوع.

وبعد أن انتهت، رفعت كفيها إلى السماء.

لم تطلب مالًا.

ولا انتقامًا.

ولا حتى معجزة.

كل ما تمناه قلبها...

أن يمنحها الله فرصة جديدة.

فرصة تستطيع من خلالها الوقوف على قدميها مرة أخرى.

فرصة تجعلها تشعر أن وفاة والديها لم تكن نهاية كل شيء.

انحدرت دمعة هادئة فوق خدها.

فمسحتها سريعًا.

ثم ابتسمت لنفسها.

ــ الحمد لله على كل حال.

بعد ساعة تقريبًا...

كانت تقف أمام شقة سارة.

ما إن ضغطت الجرس حتى انفتح الباب بسرعة.

ــ صباح الخير يا لوكا.

ابتسمت ملك أخيرًا.

ــ صباح الفل يا سوسو.

ابتعدت سارة عن الباب وهي تشير بيدها.

ــ اتفضلي يا ست البيت.

ضحكت ملك للمرة الأولى منذ أيام.

ــ الله يخليكي.

دخلت مباشرة إلى غرفة الطعام، وكأنها بالفعل واحدة من أفراد المنزل.

رفعت غطاء أحد الأطباق.

ــ واااو...

فول!

خرج صوت سارة من خلفها:

ــ يا بنتي استني حتى أعزمك.

ضحكت السيدة فاتن وهي تضع أكواب الشاي فوق الطاولة.

ــ سيبيها... البنت دي صاحبة البيت.

ردت ملك وهي تمسك قطعة خبز:

ــ أصل طنط فاتن بتحبني أكتر منك.

وضعت سارة يديها على خصرها.

ــ دي أمي أنا.

ضحكت السيدة فاتن واحتضنت ملك.

ــ وأنتِ بنتي برضه.

ساد الصمت للحظة.

شعرت ملك بغصة مؤلمة.

كم اشتاقت لأن تسمع كلمة كهذه من والدتها.

خفضت رأسها حتى لا ترى السيدتان دموعها.

ثم همست:

ــ ربنا يخليكي ليا يا طنط.

ربتت فاتن على كتفها بحنان.

ــ ويخليكي لينا يا حبيبتي.

بعد الإفطار...

جلست الفتيات في الشرفة الصغيرة.

سألتها سارة:

ــ ناوية تعملي إيه النهارده؟

تنهدت ملك.

ــ هدور على شغل.

اعترضت فاتن فورًا.

ــ قولتلك قبل كده متشليش هم.

ابتسمت ملك وهي تمسك يدها.

ــ كفاية اللي عملتوه عشاني.

ثم أكملت بثبات:

ــ لازم أبدأ أعتمد على نفسي.

قالت سارة:

ــ طب ابعتيلي أول ما تلاقي أي مكان.

أومأت.

ــ حاضر.

في الوقت نفسه...

داخل شركة المهدي.

دخل سامح إلى مكتب فهد يحمل ملفًا متوسط الحجم.

طرق الباب.

ــ اتفضل.

اقترب ووضع الملف أمامه.

ــ حضرتك طلبت المعلومات الخاصة بالبنت.

رفع فهد عينيه إليه.

ــ لقيت إيه؟

فتح سامح الملف.

ــ اسمها ملك عبد الله.

طالبة في كلية التجارة.

أبوها توفى من سنة تقريبًا.

وأمها توفت معاه في نفس الحادث.

ومن ساعتها وهي عايشة لوحدها.

ظل فهد صامتًا.

أكمل سامح:

ــ والدها كان شريك لمجدي السيوفي.

وباع كل اللي يملكه علشان المشروع.

بس بعد وفاته...

اختفى مجدي.

وأخيرًا باع حصته وسافر بره مصر.

أغلق فهد الملف ببطء.

وعادت صورة الفتاة الباكية إلى ذهنه.

الآن فقط...

فهم سبب ذلك الانكسار الذي رآه في عينيها.

سأل بهدوء:

ــ تعرف هي فين دلوقتي؟

هز سامح رأسه.

ــ للأسف لا.

لكن أقدر أوصلها.

ظل فهد صامتًا للحظات.

ثم قال:

ــ خليك متابع.

بس من غير ما تحس.

أومأ سامح وغادر المكتب.

أما فهد...

فبقي ينظر إلى الورقة القديمة الموضوعة أمامه.

شعور غريب أخبره...

أن لقاءه بتلك الفتاة لم يكن مجرد مصادفة عابرة.

وأنه، شاء أم أبى...

سيجمعهما الطريق مرة أخرى.

لكن لا هو...

ولا ملك...

كانا يعلمان أن هناك رجلًا آخر بدأ يراقب الخيوط من بعيد...

وينتظر اللحظة المناسبة ليحرك أول قطعة في لعبته.

يتبع..

نهاية الفصل الثالث

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • انتقام خاطئ    الثامن عشر

    في شركة يوسف الجندي وصل شريف وسأل عن مكتب مي فسالته السكرتيرة: - في معاد سابق يا فندم!! اجابها شريف: - لا بس في اوراق مهمة لازم تتسلم النهاردة. اومأت له السكرتيرة وقالت له بلباقة: - اتفضل حضرتك ثواني. قالتها وغابت لحظات ثم عادت له تقول: - اتفضل حضرتك الأنسة مي في انتظارك. ولج بعدنا طرق على الباب فكانت تتكلم عبر الهاتف، وهو لم يفت اللحظة فكان يمرر عيناه عليها. شعرها، عيناها، وشفتيها، ثم يعض على شفتيه وغمغم:اهاااا من شفيفها اااه. لازالت تتحدث عبر الهاتف ولكن عيناها استقرت عليه وهو يتطلع فيها بتلك النظرة المربكة، فسارعت بانهاء المكالمة وقالت باستفسار: - خير يا باشمهندس شريف؟! رسم على وجهه ابتسامة مستفزة واجابها: - الورق اتمضي. اردفت مي: - طيب تمام.قالتها و اخذت منه الورق لتراجعه بجديه ثم رفعت الهاتف تقول اولًا:تشرب اي!!فتمتم هو: - مانننجاااااا. ارتبكت مي وتصنعت الجدية قائلة: هاتي عصير لو سمحتي. مرت دقائق قليله وهي تراجع الاوراق بجدية وهو بدورة يتابعها بترقب شديد. فقالت هي وهي خلع عنها نظارتها: - تمام كدا الورق مظبوط.ثم تابعت بلباقة:- تعبناك معانا عقب عليها

  • انتقام خاطئ    السابع عشر

    في أحدى الكافيهات التي تواعد فيها فايز وأم روجيدة. اقبلت عليه فمدت يدها فأخذها هو بدوره في لفتة انيقة منه اعجبتها فابتسمت له وتمتمت:- مساء الخير. رد عليها فايز تحيتها:- مساء الخير يا هانم. جلست على المقعد الذي عدله له ثم تحرك ليجلس في المقابل لها، وتكلم يعرفها على نفسه: - أنا فايز الجيار سبق وكلمت حضرتك. هزت رأسها وتمتمت:- اهلًا، ممكن ندخل في الموضوع على طول.تنحنح فايز وعقب بمراوغة: - بس أنا كنت حابب اتكلم مع مدام روجيدة. تكلمت هي: - أنا وروجيدة واحد اتفضل عاوز تقول اي؟ زم شفتيه وتكلم: حيث كدا اوك - الموضوع يا هانم وباختصار فهد باشا بقاله اكتر من خمس سنين بياكل عليا كل مناقصه ودا خسرني كتير اووي.تكلمت هي بقلة صبر:وبنتي دخلها اي في الموضوع داابتسم بخبث واجاب:- مهو لو سياتك سيبتيني أكمل هتعرفي في بنت عاوز مدام روجيدة تتوسط لها عند فهد باشا. هنا اتضحت الروؤية فقالت: - وانت مفكر أن بنتي ممكن تأذي جوزها. أجابها هو: - لا يا هانم انت فهمتيني غلط انا عاوز معلومات بسيطة عن المناقصة هي مناقصة واحدة اعدل بيها وضعي المالي وبعد كدا كأنك ما شوفتيني. -وأيه اللي يجبرنا نعمل

  • انتقام خاطئ    السادس عشر

    في فيلا الجد سليم المهدي في غرفه المكتب: - هاا ايه رأيك اجابه فهد: - طبعا موافق، أنا مش هلاقي لـ جنى حد احسن من عمر. ابتسم سليم بفرح و تكلم بلهفة ظاهرة: - على خيرة الله يا ابني. صمت ل ثواني ثم تابع: - هو كان عاوز يكتب الكتابماشي يا جدي بس بعد لما ارجع من المانيا ماشي يا ابني نويت على امتى!! اجابه هو: - بإذن الله الخميس الجاي. سليم: - باذن الله ي حبيبي انتقام خاطئ.............. بقلمي.................. نيڤين بكر ببيت سارة/- ايييه يا بنتي مالك، من ساعة ماجيتي وأنتِ سرحانة. انتبهت ملك عليها لكنها عقبت بــــ: -: هاا لا ابدًا. صمتت قليلًا ثم همست: - دكتور عصام قابلني وطلب انه يكلمني. تغيرت ملامح سارة للتعجب وسألتها مستفسرة:- طلب يكلمك ليه؟! زمت ملك شفتيها واجابتها بحيرة:- والله مش عارفة لما هاقبله بكرة هعرف. عادت سارة تسالها:وأنتِ هتقابليه فين؟! ملك: - مش عارفة لسة، إن شاء الله بعد الشغل هيتصل عليا ونتفق. ابتلعت سارة ريقها وتكلمت بنبرة مختنقة: - ماشي هقوم أنا اروح لـ ماما. رسمت ملك ابتسامة فاترة وقالت: - ماشي يا حبيبتي وأنا كمان هدخل أنام. تحركت سارة أمام ع

  • انتقام خاطئ    الخامس عشر

    في مكتب فهد...بعدما انتهى من قهوته، فتح شريف باب المكتب وهو يقول:خلاص، حددت معاد السفر؟أيوة، آخر الأسبوع الجاي بإذن الله.قالها فهد، فمد شريف يده إليه بجواز سفر ملك قائلًا:ده باسبور ملك، لسه خلص النهارده.جلس وهو يسأله:وهتعمل إيه مع يوسف الجندي؟أجابه فهد وهو ينهض ليأخذ جاكيته من على المشجب ويرتديه:بيقول هيبعت بنته، هي اللي هتتمم المشروع معانا.لوى شريف شفتيه وهو يبتسم بمكر وتمتم:أوك... هقابلها أنا وأخلص معاها.رفع فهد حاجبًا وقال محذرًا:خلي بالك، يوسف الجندي عنده عرق صعيدي، يعني لو قفشك قول على نفسك: يا رحمن يا رحيم.ضحك شريف بصوت مرتفع وعقب:ما تقلقش، أنت عارفني... الشغل شغل.هز فهد رأسه وهو يتجه نحو الباب قائلًا:ما هو المصيبة إني عارفك.ثم تابع وهو يفتح الباب:خلص معاها أنت.سأله شريف باهتمام:رايح فين؟! معقولة هتروح من دلوقت؟ الساعة لسه ما جابتش اتنين.أجابه فهد بنبرة مبهمة:ورايا معاد مهم.ضيق شريف ما بين حاجبيه وهتف:معاد إيه ده؟ شغل يعني؟فأجاب فهد:لا... مش شغل.فعاد شريف يسأله:أومال إيه؟تطلع إليه فهد دون كلام، فهز شريف رأسه وقال:أوك... بس خلي بالك، أنت بقيت بتخبي

  • انتقام خاطئ    الرابع عشر

    مر يومان حتى خرج عمر من المستشفى بعد أن اطمأن الطبيب على حالته، وأصر الجميع على عودته إلى الفيلا حتى يتعافى وسط عائلته.كانت جنى تتحرك في المكان بهدوء، تتجنب النظر إليه كلما التقت أعينهما، بينما كان هو يراقبها في صمت، وقد حسم أمره منذ تلك الليلة... لن يتركها تضيع من بين يديه.وفي المساء...كان الجد يجلس في مكتبه يتصفح بعض الأوراق، حين طرق عمر الباب.ادخل.دلف عمر بخطوات ثابتة، ثم وقف أمامه باحترام.كنت عاوز أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم.رفع الجد عينيه إليه، ثم خلع نظارته ووضعها فوق المكتب.اتفضل يا عمر.أخذ عمر نفسًا عميقًا، ثم قال دون تردد.أنا عاوز أتجوز جنى.ساد الصمت للحظات...ظل الجد ينظر إليه طويلًا، وكأنه يقرأ ما خلف عينيه، ثم قال بهدوء.متأكد إن ده قرارك؟متأكد... أكتر من أي حاجة في حياتي.وجنى؟ابتسم عمر ابتسامة خافتة.لسه ما اتكلمتش معاها... لكن قبل ما أروح لها، كان لازم أطلبها منك الأول.ظل الجد صامتًا لثوانٍ، ثم نهض من مكانه واتجه نحوه.أنا ربيت البنت دي بإيدي... وأمانة عندي. ولو هسلمها لحد، يبقى لازم أبقى مطمن إنه هيصونها.نظر عمر إليه بثبات وقال.أوعد حضرتك... طول ما فيا

  • انتقام خاطئ    الفصل الثالث عشر

    سقط الهاتف من يدها ليرتطم بالأرض بقوة بينما تجمدت ملامحها تمامًا وكأن روحها انسحبت من جسدها في لحظة واحدةشهقت آلاء وهي تسرع إليها قائلة بقلقجنى... مالك... في إيهلكن جنى لم تسمعهاكان صوت الرجل يتردد داخل رأسها مرارًاالرائد عمر اتعرض لإطلاق نار... موجود دلوقتي في مستشفى الشرطة...هزت رأسها بعنف وهي تهمس بعدم تصديقلا... لا... مستحيل...اقتربت هايدي منها وهزتها برفقجنى... ردي عليا... حصل إيهرفعت جنى عينيها إليهما وقد امتلأتا بالدموع وهمست بصوت مكسورعمر...ثم انفجرت باكيةعمر اتصاب...شهقت آلاء ووضعت يدها فوق فمها بينما التقطت هايدي الهاتف من الأرض بسرعة وأعادت الاتصال بالرقمجاءها الرد بعد ثوانٍحضرتك مع الرائد عمرأيوة... إحنا أهله... هو عامل إيهجاءها صوت الضابط هادئًااطمني... الإصابة في الكتف والرصاصة خرجت لكن حصل نزيف وإغماء وإحنا نقلناه المستشفى عشان يتلقى العلاجأغمضت هايدي عينيها براحة نسبية ثم قالتإحنا جايين حالًاأغلقت الهاتف والتفتت إلى جنى التي كانت تبكي بانهياراحتضنتها بقوة وقالت بسرعةاهدي يا جنى... الحمد لله... الرصاصة في كتفه... هو بخير إن شاء اللهرفعت جنى رأسه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status