مشاركة

16

last update تاريخ النشر: 2026-06-20 17:09:23

كان ضوء الفجر الرمادي يتسلل عبر الستائر الثقيلة، ينتشر بخجل فوق الجدران الحجرية، ويغمر أطراف السرير الضخم بدفء خافت.

إيزابيلا استيقظت أولاً.

كانت على جانبها، ظهرها إلى صدر ميخائيل، وذراعه ملتفة حول خصرها، ثقيلة… لكنها لا تُقيدها.  بل تُطمئن.

تنفست ببطء.

أغمضت عينيها مجددًا للحظة، ثم فتحتها بهدوء.

تحركت قليلاً، ليس لتبتعد، بل لتُعيد جسدها إلى موضع أكثر قربًا منه… كأنها تبحث عن توازن دقيق داخل حضنه.

لم تقل شيئًا. ولم توقظه.

فقط استمتعت بثقل ذراعه، ورائحة جلده، ونبضه المنتظم خلف ظهرها.

ثم، دون أن تخطط، مدّت يدها وغطّت بها يده المستقرة عند بطنها.

أصابعها مرّت فوق أصابعه، ببطء، كأنها تُعيد ترتيب شكل العلاقة… كما ينبغي.

بعد لحظات، تحرك هو أيضًا.

صوته كان أجشًّا، خافتًا، نائمًا:

"أنتِ مستيقظة؟"

أجابت دون أن تلتفت:

"منذ قليل."

قالتها بهدوء، لكنها كانت أقرب إلى اعتراف داخلي:

"ولم أنوِ الرحيل."

سكت.

ثم تمتم:

"إذن… صباح الخير، سنيجكا."

ابتسمت.

ابتسامة صغيرة. حقيقية. ثم أغلقت عينيها، وتركته يحتضنها في هدوء.

لا شيء يُلحّ.

لا موعد مستعجل.

لا صراع.

فقط… لحظة من الصباح، بين رجل بدأ يتغير، وامرأة بدأت تشعر… أنها ليست وحيدة.

مرت دقائق طويلة قبل أن تتحرك إيزابيلا خارج السرير.

نهضت بهدوء، دون استعجال، ألقت نظرة سريعة على وجه ميخائيل — الذي عاد ليغفو نصف غفوة — ثم اتجهت إلى الحمام، شعرها مرفوع بإهمال، وخطواتها فوق الأرضية الخشبية تكاد لا تُسمع.

حين عادت بعد قليل، كانت ترتدي روبًا قطنيًا أبيض، ورائحة عطر خفيفة تتبعها… رائحة لا تُهاجم، بل ترافق.

ميخائيل كان جالسًا الآن، يسند ظهره إلى مسند السرير،

يمرر يده فوق شعره المبعثر، وعيناه تتبعان خطواتها حين اقتربت من الخزانة الصغيرة بجانب النافذة.

لم يتكلم.

لكن نظراته قالت الكثير.

إيزابيلا فتحت درجًا، أخرجت منه مشطًا، وجلست على الأريكة المقابلة للسرير.

بدأت تمشط شعرها بهدوء، خصلاته لا تزال رطبة قليلاً.

نظرت إليه أخيرًا، وابتسمت بخفوت:

"هل تريد قهوتك الآن؟"

هزّ رأسه:

"قهوة… وشاي لكِ."

قالتها كأنها تعرفه، وتعرف نفسها في حضوره.

بعد دقائق، كانا يجلسان في الشرفة الصغيرة الملحقة بالجناح. الثلج لا يزال يتساقط بخفة، لكن زجاج الشرفة المغلق يمنحهما دفئًا لطيفًا.

على الطاولة الخشبية:

كوب قهوته السوداء، وكوب شايها الدافئ بالنعناع، وقطعة خبز مدهونة بالعسل.

لم يتحدثا كثيرًا.

فقط جلسا هناك، هو يقرأ ملامحها، وهي تتأمل سكونه.

ثم قالت، بصوت هادئ:

"هل تظن أننا تجاوزنا أمس؟"

أجاب دون تردد:

"لم نتجاوزه… لكنكِ جعلته أخف."

سكتت.

ثم همست:

"أخشى أن يكون القادم أثقل."

ميخائيل أنزل كوبه.

نظر إليها، بعينيه الحادتين… لكن صوته كان أهدأ من أي مرة سابقة:

"فليكن ما يكن… ما دمتِ هنا."

وبين دفء الشاي، وبرودة الزجاج خلفهما، وموجة الصمت التي تلوّن صباحهما…

تكوّن بينهما شيء جديد:

أقرب من الحب، وأثمن من الغفران… وهو أن يبقى كل منهما، رغم كل شيء.

ما زالا في الشرفة الزجاجية الصغيرة.

إيزابيلا أنهت نصف كوب شايها، ووضعت الكوب على حافته، ثم سحبت بطانية خفيفة من ظهر الكرسي،

وغطّت بها ساقيها، كأنها قررت البقاء هنا أطول مما توقعت.

ميخائيل جلس على المقعد المقابل، ينظر إليها كما لو أنها شيء نادر… لا يعرف كيف امتلكه، لكنّه لا يريد أن يخسره.

قالت، وعيناها على الثلج في الخارج:

"هل تعتقد أن هذا… طبيعي؟ أن نستيقظ صباحًا دون أن ننفجر؟"

ابتسم بخفة، لكنها كانت ابتسامة ناعمة، تشبه تسليمًا مؤقتًا:

"ربما لا نحتاج للانفجار دائمًا… أحيانًا، الصمت يكفي."

قالت، وهي تستند برأسها إلى الكرسي:

"بل أحيانًا، الوجود فقط يكفي."

لحظة صمت جميلة. ثقيلة بالمعنى. خفيفة على الروح.

ثم… رن الهاتف.

لم يكن رنينًا عاديًا. كان قصيرًا، حادًا، نغمة خاصة يعرفها ميخائيل… "ديمتري."

سحب الهاتف من جيب سترته الموضوعة جانبًا.

نظر إلى الشاشة، ثم أجاب دون أن يُبعد عينيه عن إيزابيلا:

"نعم."

صوت ديمتري، هادئًا لكنه محمّل بتركيز واضح:

"وصلتنا أخيرًا تحركات مؤكدة عن أليكسي تروفيموف. رُصد خارج نوفغورود… برفقة شخص غير معروف."

سكت ميخائيل.

عيناه أصبحتا أكثر حدّة. لكن صوته بقي هادئًا:

"أنت متأكد؟"

"نعم. والمعلومات تقود إلى شيء أعمق. يبدو أنه لم يكن وحده منذ البداية."

ميخائيل أدار وجهه قليلًا نحو الثلج بالخارج. لحظة واحدة فقط.

ثم قال:

"تابعه. ولا تتحرك قبل أن أراك."

أنهى المكالمة.

أعاد الهاتف إلى جيبه. نظر إلى إيزابيلا.

كانت تنظر إليه. لم تسأل.

لكن عينيها قالتا:

"ماذا تغير؟"

قال ببساطة، بصوت منخفض:

"العمل… لا يعرف وقتًا."

نظرت إليه طويلًا، ثم قالت:

"إذن عد… حين ينتهي العمل. وليس قبلي."

هو لم يردّ.

فقط… انحنى إلى الأمام، وترك قبلة صامتة على جبينها، قبلة تشبه:

"أنا أراكِ. وأعود إليكِ."

ثم وقف. وخرج.

وبقيت إيزابيلا في مكانها، تحدّق في بياض الثلج… وتفكّر:

"ماذا حدث الآن؟"

غادرت إيزابيلا جناحها ببطء، وقد لفّت حول جسدها كنزة قطنية خفيفة بلون العاج، ينسدل طرفها على خصرها برقة، بينما كان شعرها المبلل لا يزال ينثر دفء الحمام خلفها. الهواء في الممر الطويل بدا ساكنًا على غير العادة، مزيج بين برد الشتاء المنعكس من النوافذ الزجاجية الكبيرة، ودفء الصباح الذي لم يستيقظ بعد بشكل كامل. خطواتها كانت خفيفة، تكاد لا تُسمع على الأرضية الرخامية الباردة، تتجه نحو غرفة الرسم كما اعتادت، كمن يبحث عن فسحة للنجاة وسط جدران باتت تضيق تدريجيًا.

لكن في منتصف الطريق، حيث يتفرع الممر إلى الجناح الجانبي المؤدي إلى الجناح الذي تقيم فيه داريا، توقفت خطواتها رغماً عنها. فعند زاوية الضوء، وقفت داريا.

كانت ترتدي فستانًا رماديًا من قماش ثقيل يلتف على جسدها بشكل محسوب، غير مبالغ فيه، لكنه يُظهر بوضوح أن كل شيء فيها اختير بعناية. شعرها مرفوع في رفعة أنيقة، لا يبدو أنها خرجت لتتمشى، بل لتُرى. يداها كانت مطويتين أمامها، وملامح وجهها مسترخية أكثر مما ينبغي، كأنها لم تكن تنتظر أحدًا، ومع ذلك… كانت واقفة هناك تمامًا حين عبرت إيزابيلا.

توقفت الأخيرة على بُعد خطوات، لكن عينيها لم تتراجعا. لم تكن متفاجئة. بل كأن شيئًا بداخلها كان يتوقع هذه المواجهة، عاجلاً أو آجلاً.

رفعت داريا عينيها، وثبّتتهما على وجه إيزابيلا دون حرج، ثم قالت بصوت رقيق، مغطى بمسحة حياد زائف:

"صباح الخير، سنيورا روستوف."

نظرت إليها إيزابيلا نظرة مستقيمة، لا تحمل عداوة مباشرة، لكنها خالية من أي دفء، وردّت بنبرة متزنة:

"صباح النور، آنسة مالكوف."

لم يُكمل أي منهما التحية. ظلتا واقفتين، تتبادلان النظر، كأن الجدران حولهما انسحبت وتركت الفراغ بينهما ممتدًا كجبهة قتال هادئة قبل الانفجار. لم يكن بينهما خصام معلن، لكن الهواء كان مثقلاً بما يكفي ليعرف أي عابر بأن هناك أمرًا خفيًا يُقال بلا صوت.

داريا كانت أول من حرك اللعبة.

تقدّمت خطوة صغيرة، بالكاد ملحوظة، ثم قالت بنبرة لطيفة ظاهرًا، لكنها محشوة بما لا يُقال:

"مررتُ قبل قليل بجناح ميشا… بدا هادئًا. هل غادر مبكرًا كعادته؟ أم أنكِ بدأتِ تمنحين الرجل مساحة للتنفس؟"

لم ترد إيزابيلا على الفور. عوضًا عن ذلك، أمالت رأسها قليلاً، وكأنها تفكر إن كانت تستحق الرد. ثم قالت بنبرة هادئة، هدوءًا لا يخلو من قسوة ناعمة:

"ميخائيل لا يحتاج إذنًا بالتنفس، كما أنه لا يُبقي أحدًا في حياته بحاجة لتصاريح."

كان وقع كلماتها دقيقًا، محسوبًا، كصفعة بيد مخملية. ابتسمت داريا ابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل لعينيها، وأجابت بنبرة لا تقل نعومة، وإن كانت تنقض في العمق:

"جميل أن تحتفظي بهذا القدر من الثقة… لكنها تُصعّب عليكِ ملاحظة متى يبدأ الرجل بالتراجع."

رُفعت الحواجب، وسقطت الكلمات كالسكاكين الصغيرة على الأرض الرخامية. لم تتزحزح إيزابيلا، بل اقتربت منها خطوة أخرى، حتى لم يعد بين وجهيهما سوى هواء ثقيل. كانت تنظر مباشرة إلى عيني داريا، ببرود مؤدب، لا يُشبه الغضب، بل يُشبه السيادة.

قالت بصوت خافت، أشبه بهمس أنثى لا تهدد، لكنها تُحذر:

"أنا لا أُراقب خطواته لأتأكد من قربه… لأنني أثق بأن الرجل الذي يلتف ذراعه حولي كل مساء… لا يتبع غير قلبه.

لكن أخبريني أنتِ، كم مرة يحتاجكِ الرجل أن تكوني في حياته، قبل أن تفهمي أنه لا يراكِ إلا شقيقة؟"

ظهر الذهول في نظرة داريا لثانية… لم تكن تتوقع أن تُضرب في مقتل بهذه الدقة.

تراجعت خطوة، وانسحبت من النظرة كمن تلقى صفعة بلا يد.

تجمد الهواء بينهما للحظات بعد كلمات إيزابيلا الأخيرة.

لكن داريا… لم تبتلع الإهانة.

بل نظرت إلى إيزابيلا بعينين اشتعلتا بلونٍ مختلف،

لون لا يراه إلا من يعرف معنى الغيرة القديمة… التي تلبس قناع الكِبر.

ابتسمت، لكنها لم تبتعد.

بل اقتربت خطوة صغيرة… ثم قالت بصوت منخفض، نبرته تتلوّن بين الحنان المتصنّع والغضب:

"أتعلمين، إيزابيلا؟ أنا أعذركِ… أعذرك لأنكِ لا تعرفين ميخائيل كما عرفته أنا. كنتُ هناك حين سقط، حين خسر والده، حين قتل أمه، حين صمت سنوات كاملة وهو يحمل هذا الاسم… كنتُ هناك، وأنتِ… كنتِ ترسمين على قماش أبيض في بلدٍ آخر."

شعرت إيزابيلا بالثقل في كلماتها، لكنها لم ترد، فأكملت داريا، والشرر خلف نبرتها يزداد:

"أنا لستُ عابرة في حياته يا إيزابيلا …. أنا تاريخه. أنا أخته… التي أحبته منذ كانت في الخامسة. أعرف كيف كان ينظر إليّ دون أن يرى، وكيف كنتُ أصرخ بداخلي كل مرة يختار فيها الابتعاد."

تقدمت أكثر، حتى أصبح وجهها مقابل وجه إيزابيلا تمامًا،

عيناها ممتلئتان بكراهية ناعمة، مؤلمة، حارقة.

قالت بوضوح، بنبرة لم تخفِ ما وراءها:

"أنتِ أخذتِ شيئًا كان من المفترض أن يكون لي. أنتِ لا تفهمين كم من السنوات انتظرت… كم مرة تراجعت… لأن أبي كان الوحيد الذي يمنعني من أن أُفسد كل شيء."

توقفت.

رفعت ذقنها بتحدٍ، وهمست بكلماتها كطعنة:

"لكن أبي مات الآن. ولم يعد هناك من يمنعني."

للحظة، ساد الصمت.

ثم تحركت عين إيزابيلا، ببطء، تحدّق في تلك الفتاة الواقفة أمامها… التي اختارت أن تكشف كل شيء، لا لأنها قوية،

بل لأنها انفجرت.

تنفست بعمق. لم تتهرب من النظرة.

ثم قالت، بصوت بارد، رزين، لكنه مغموس بجمرٍ هادئ:

"ما تفعلينه ليس حبًا، داريا. ما تشعرين به… هو حنين أناني لصورة اختلقتها في رأسك. ميخائيل لم يكن يومًا لكِ…

ولا أحبكِ يومًا كما تحلمين. وهذا لا يعيبكِ. لكن ما تفعلينه الآن… يفضحكِ."

اتسعت عينا داريا للحظة. لم تكن تتوقع هذه المواجهة المباشرة.

لكن إيزابيلا تابعت، بخطى ثابتة نحو حافة الانتصار:

"أنا لستُ خائفة منكِ، ولا من ماضيكِ معه. أنا هنا… لأنني أُحبه كما هو، لا كما تمنّيتِ أن يكون. وأعرف كيف أتعامل مع الوحش فيه… دون أن أطالب أن يكون فارساً على حصان أبيض."

داريا صمتت.

لم تجد جملة واحدة ترد بها.

فقط عيناها ظلتا متجمدتين، ونفسها يعلو ويهبط… كمن يُدرك أنه خسر الجولة، لكن لم يُسدل الستار بعد.

كانت الجملة الأخيرة لإيزابيلا

"ما تفعلينه يفضحكِ"

كأنها ضغطت على زر لم تكن داريا مستعدة للاعتراف بوجوده.

اتسعت عيناها، شهقت أنفاسها، ثم تقدّمت بخطوة سريعة،

لم تعد تحاول أن تبدو هادئة أو متزنة.

قالت، وصوتها يرتفع تدريجيًا:

"أنا؟ أنا التي تفضح نفسها؟ هل تعلمين من أنتِ، إيزابيلا؟

أنتِ دمية مغلفة بالحرير… جاؤوا بها من أسبانية لتجمّل صورة الدم في بيتٍ يعرف كيف يُخفي القسوة خلف الأبواب."

ابتسمت إيزابيلا، لكن ابتسامتها كانت حادة، قاطعة.

قالت بهدوء:

"ومع ذلك… هذه الدمية استطاعت أن تُربككِ. أن تجعلكِ تتكلمين الآن كمن فقد توازنه تمامًا."

داريا ضحكت ضحكة قصيرة، مريرة، فيها اختناق:

"أنا فقدت توازني؟ بل أنتِ من تتصرفين كمن امتلك شيئًا لا تفهم قيمته! أنتِ لا تعرفين من هو ميخائيل، ولا تعرفين ما الذي يُخفيه تحت جلده! أنا فقط… من كانت معه حين لم يكن أحد."

رفعت صوتها أكثر، واقتربت من إيزابيلا خطوة حتى كادت تلامس كتفها:

"كنتُ أستمع لنبضه حين كان يسكنه الصمت، كنتُ أراه وهو يعود مغطى بالدماء… وأفتح له الباب بصمت. كنتُ أقف أمامه وأعرف أنه لا يمكنه أن يحبني… لكنه أيضًا لا يستطيع أن ينساني."

نظرت إليها من أعلى لأسفل، وكأنها تُعلن امتلاكًا قديمًا:

"أنتِ لستِ أكثر من تجربة. مرور عابر. رغبة طارئة."

صمتت لحظة، ثم همست بجملة خبيثة:

"أعجبه أن يرى امرأة مثلك ترتجف أمامه… هذه متعته."

وهنا، لم تصمت إيزابيلا.

رفعت ذقنها بثقة، والتفتت بكامل جسدها نحو داريا، وقالت بنبرة حادة، منخفضة، كأنها تسحب سيفًا من غمده:

"أنا لا أرتجف، داريا… أنا فقط أحترم نفسي بما يكفي لأعرف متى أنسحب. لكن يبدو… أن ما تحتاجينه ليس الاحترام، بل صفعة توقظك من أوهامك."

اتسعت عينا داريا، ثم صرخت بها:

"صفعيني إذن! هيا! اجعلي هذا القصر يشهد على من أنتِ فعلاً!"

رفعت يدها، كما لو أنها ستدفعها.

لكن إيزابيلا أمسكت معصمها في اللحظة نفسها، بعنف هادئ،

وضغطت عليه، نظرت في عينيها دون أن ترمش، وقالت بنبرة ثابتة، عميقة:

"أنا لا أضرب بنات العائلة… لكنني أُحسن سحق الغرور، بطريقتي."

دفعت يدها جانبًا. واستدارت لتغادر.

لكن داريا صرخت خلفها، بصوت مخنوق:

"لن أبقى متفرجة، إيزابيلا! سأستعيده… حتى لو اضطررتُ لكسر كل شيء فيكِ!"

توقفت إيزابيلا للحظة فقط، ثم همست دون أن تلتفت:

"كُسري إن استطعتِ. لكن لا تنسي… أنكِ ستبقين حبيسة مكانك، وأنا… من معه كل ليلة."

كانت إيزابيلا قد استدارت لتغادر، الهواء خلف كلماتها لا يزال يرتجف، ونبض داريا كان يعلو ويضرب جدران صدرها كطبول حرب لا تهدأ.

لم ترَ أمامها، لم تسمع شيئًا سوى جملتها الأخيرة تتردد في رأسها:

"أنا… من معه كل ليلة."

تجمدت روح داريا.

لم تعد تفكر، ولا تقيس العواقب. لم يكن في رأسها شيء إلا إحساس واحد:

"لن أدعها تنتصر."

وفي اللحظة التي خطت فيها إيزابيلا أول خطوة مبتعدة،

ارتفعت يد داريا، ودفعتها من ظهرها دفعة قوية، عنيفة، خاطفة، خرجت من كل الألم والحقد والخذلان المتراكم.

لم تصرخ داريا، لكن إيزابيلا صرخت.

صرخة حادة، مذعورة، خرجت من فمها كأنها تودع الحياة.

جسدها انزلق، ارتطم بالسلم الرخامي بوحشية.

واحدة… اثنتان… ثلاث، خمس، تسع،

ثم تدحرجت، جسدها يتلوى فوق درجات السلم، ضربات عنيفة على الظهر، الكتف، الرأس، الورك .... كل شيء كان سريعًا، لكنه بدا كأنه لا ينتهي.

ثم… صمت.

استقر الجسد عند قاع السلم.

إيزابيلا كانت ملقاة على الأرض، كأنها دمية مكسورة، يدها ممتدة بلا حركة، وساقاها ملتويتان بطريقة غير طبيعية.

حول رأسها… بركة دماء بدأت تتسع، تحفر خطًا أحمر فوق الرخام الأبيض الناعم في بهو القصر.

من الصالة المجاورة، سمعت صوفيا الصوت أولًا. صرخة حادة، ثم ارتطام، ثم الصمت القاتل.

خرجت مهرولة، ومعها ناديا، كلتاهما بخطى سريعة، وجوه مذعورة.

صوفيا شهقت بصوتٍ عالٍ حين رأت المشهد، ثم اندفعت نحو الجسد على الأرض، ركعت قربها، وصوتها يعلو كمن فقد السيطرة:

"إيزابيلا!! يا إلهي!!"

ناديا، من الخلف، وقفت متجمّدة، ثم رفعت عينيها نحو السلم، فرأت داريا واقفة هناك، يدها لا تزال نصف مرفوعة، وعيناها واسعتان، تحدقان في الأسفل كمن لا يُدرك ما فعلت.

صوفيا أمسكت رأس إيزابيلا بخوف، رأت الدم يتدفق من أسفل فروة الرأس، وشحوب وجهها الأبيض كأن الحياة تُسحب منه.

قالت بصوت مرتجف:

"إنها تنزف… إنها لا تتحرك…! ناديا، نادي أحدًا… الآن!!"

ناديا استدارت وصرخت للحرس بأعلى صوتها.

وفي أعلى السلم… تراجعت داريا خطوة.

ثم همست، بصوت بالكاد يُسمع:

"لم أقصد… أنا فقط… دفعتها… لم أقصد أن تموت."

لكن الجسد هناك، الدم هناك، والعيون المرتعبة هناك واللعنة… بدأت الآن.

*.           *.            *.              *.             *.     

كان ميخائيل واقفًا أمام الجدار الزجاجي العريض في الطابق الثالث من المبنى الإداري التابع للمجموعة، والمطلّ على ساحة التدريب الخلفية.

الثلوج لم تتوقف منذ الصباح، لكن تساقطها كان منتظمًا، متوازنًا، كأنها تخشى إزعاج الهدوء الذي يسكن هذا الوقت المبكر من النهار.

بين يديه، أمسك بكوب قهوته الداكنة، لكن حرارتها لم تعد تصل إلى راحتيه؛ كانت قد بردت، مثل أفكاره التي بدأت تتحول إلى تكتلات ثقيلة في رأسه، كل واحدة منها تحمل اسمًا مختلفًا… أليكسي تروفيموف.

داريا.

وإيزابيلا.

كان عقله في مكان، وقلبه في مكان آخر تمامًا.

منذ المكالمة مع ديمتري، لم يفعل سوى أن استعاد وجوهًا كثيرة، ملفات قديمة، حسابات لم تُقفل، وشكوك لم يمتلك الوقت أو الجرأة لتأكيدها.

أليكسي… الرجل الذي اختفى من خارطة المافيا الروسية بعد حادثة سيفاستوبول، الظلّ الذي كان دومًا على الهامش، يتحرك في صمت، وحين عاد شن هجوم على قصره وقتل فيه عمه بوريس، لكنه لم يكن تافهًا أبدًا.

والآن… بعد سنوات من الصمت، يُذكر اسمه من جديد؟

لم يكن الأمر عاديًا، ومعدته أخبرته بذلك حتى قبل أن ينتهي ديمتري من جملته.

ووسط كل هذا، كانت هناك هي.

إيزابيلا.

صوتها في رأسه لم ينقطع منذ خرج من جناحهما. وجهها وهي ترفع رأسها من فوق كوب الشاي، تقول بجملتها القصيرة،

"لم أنوِ الرحيل."

لم يكن يتخيل أن جملة واحدة قد تُطفئ كل أصوات القتال التي عاشها لعقود، لكنها فعلت.

أحبها؟

هو لا يملك مفردة دقيقة لهذا الشعور، لكنه فقط يعلم أنها، منذ دخلت حياته، أربكته. جعلته أقل قدرة على أن يكون كما كان.

تنهد طويلًا.

لم يكن من النوع الذي يتنهد كثيرًا.

لكن شيء ما في هذا اليوم كان مُثقلًا بحدث لم يقع بعد،

كأن الحواس تدرك المصيبة قبل أن يُقال اسمها.

توقفت أفكاره حين رنّ الهاتف الموضوع على الطاولة الجانبية، نغمة خاصة، سريعة، مميزة.

أمسك الجهاز فورًا.

"ڤاسيلي – قائد وحدة الحماية في القصر."

ردّ فورًا، بنبرة حازمة، دون مقدمات:

"تحدث."

لكن الصوت الذي جاءه لم يكن هادئًا.

كان مُرتبكًا، سريعًا، ومحشوًا بقلق لم يعهده في صوت ڤاسيلي من قبل.

"سيدي… السيدة إيزابيلا… سقطت من أعلى الدرج الداخلي للقصر… أكثر من أربعين سلمة. كانت تنزف… وقد فقدات وعيها. نقلناها الآن إلى المشفى، في سيارة الإسعاف… إنهم يحاولون إبقاءها مستقرة."

تجمّد ميخائيل في مكانه.

لم يتحرك جسده. لكن الكوب انكسر من بين يده، وسقط على الأرض دون أن ينتبه لصوت تحطّمه.

في رأسه… صمتٌ مطبق. في صدره… فراغٌ فجائي أشبه بالسقوط الحرّ.

كل الكلمات، كل الملفات، كل الوجوه، اختفت.

ولم يبقَ في رأسه سوى اسمها.

إيزابيلا.

وذكرى عينيها قبل ساعات، وهي تهمس:

"أنا باقية."

ركض إلى الباب، صوته يصدر أوامر سريعة، لكنه في داخله كان ينادي على شيء يخشى فقدانه إلى الأبد.

كانت سيارة ميخائيل قد توقفت أمام المدخل الرئيسي للمشفى العسكري الخاص بالعائلة،

قبل أن يُكمل الحارس المرافق فتح الباب،

كان ميخائيل قد قفز خارجها بخطوتين عنيفتين،

يجرّ خلفه خطوات مُسرعة لا تشبه وقاره المعتاد.

فتح أبواب المشفى بيده دون انتظار المرافقة.

وجهه حاد، عينيه متسعتان، لكن أكثر ما كان واضحًا فيه… هو الغضب الذي يحاول الإمساك به كما يُمسك رجل بسكين مقلوب.

في البهو الأبيض البارد للمشفى، رآهم.

صوفيا.

ناديا.

وداريا.

كانوا جالسين على المقاعد المعدنية الرمادية، متلاصقين في صف واحد، كأنهم في جنازة… لكن لم يُعلن عن موت أحد بعد.

نهضت صوفيا فور رؤيته، وكان وجهها شاحبًا، عيناها حمراء من البكاء، لكنها لم تقل شيئًا.

ناديا وقفت بهدوء، جسدها مشدود، وكأنها تُجهّز درعًا من الكلمات قبل أن يسأل.

أما داريا… فكانت جالسة، تنظر إلى الأرض، يدها ترتجف في حجرها، وجهها جامد لكن في عينيها بقايا رعب… رعب لم يُعلن.

اقترب منهم ميخائيل، نظراته حادة، وصوته منخفض لكنه مثقل:

"أين هي؟"

أجابت ناديا بسرعة، وكأنها كانت تتوقع السؤال وتحضّر الإجابة منذ دقيقة:

"في غرفة العمليات. الأطباء قالوا إن هناك ارتطامًا في الرأس، نزيفًا داخلياً يحاولون السيطرة عليه."

شحب وجهه للحظة.

غرفة عمليات؟

نزيف؟

الدماغ؟

لا… لا شيء من هذا يجب أن يكون.

شدّ على أصابعه، وأغلق عينيه للحظة، ثم سأل بصوت حادٍّ فجائي:

"كيف سقطت؟"

ترددت ناديا للحظة، ثم قالت بصوت هادئ… مرتبك بسلاسة:

"كانت وحدها في الممر العلوي… ربما اختلّ توازنها. السلالم كانت مبتلة من ذوبان الثلج. سقطت… ولم يكن أحدٌ قربها."

التفت إليه صوفيا، لكنها لم تفتح فمها.

كأنها ترفض تأكيد الرواية… لكنها تخشى نفيها.

أما داريا، فقد ظلت في مقعدها، لا ترفع وجهها.

لم يقل ميخائيل شيئًا. فقط حدّق في ناديا لثوانٍ طويلة،

وفي رأسه… كلمات كثيرة لم تُنطق.

اختل توازنها؟

إيزابيلا؟

في وضح النهار؟

وحدها؟

كأن شيئًا في داخله لم يصدق أبدًا تلك الرواية، لكن اللحظة لم تكن للسؤال. بل للانتظار.

مضى إلى الجهة المقابلة، جلس على المقعد بعيدًا عنهم،

ذراعه على فخذه، ورأسه بين يديه. يتنفس ببطء،

كأن صدره لا يتسع لهذا الكم من الخوف.

خوف حقيقي، فوضوي، بدائي… من فقدان شخصٍ ما ظن أنه سيكون معه للأبد، حتى وهو لا يعرف كيف يقول لها ذلك.

تقدّمت إحدى الممرضات بهدوء، وجهها شابٌ، رقيق، لكن خطواتها بدت ثقيلة، فرفع ميخائيل رأسه بسرعة:

"هل هناك جديد؟"

هزّت رأسها نفيًا، ثم تمتمت:

"ما زالوا داخل غرفة العمليات. الرئيس الجراحي يشرف بنفسه على حالتها، لكن السيد بوريسوف طلب أن تبقوا بالخارج حتى إشعارٍ آخر."

أومأ لها. ولم يتكلم.

لكنه شعر لأول مرة… أن كل ما بنته يديه، قد يسقط بجملة من طبيب.

في الزاوية الأخرى، استمرّت داريا في النظر إلى الأرض،

وجسدها مائل للأمام، يداها مضمومتان في حجرها،

وكأنها تهمس لنفسها مئة مرة:

"لم أقصد… لم أقصد…"

لكن ضميرها لا يُصغي.

ميخائيل لم يرَ دموعها، ولم يشعر بارتجافها.

كل ما رآه… هو الباب المغلق على امرأته. والوقت الذي يمرّ كقطرات سُمّ… في عروقه.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • تحت جناح الجزار    23- النهاية

    استيقظت إيزابيلا متأخرةً، إن جاز تسميته استيقاظًا، فهي لم تنم، بل انتقلت من حالة وجع صامتة إلى أخرى.جلست على السرير، لم تطلب شيئًا، لم تتحدث، رفضت الاستحمام، ورفضت الفطور.ماريسا دخلت إليها بكوب شاي وبعض الخبز، جلست أمامها، وقالت بلطف:"عليكِ أن تأكلي شيئًا، إيزابيلا… جسدك بحاجة للطاقة."لكنها لم تجب.كانت تنظر إلى الفراغ بعينين لا ترى، لكن في داخلهما ألف سؤال، ألف مشهد، ألف دمعة مجمدة.وضعت ماريسا اللقمة الأولى على فمها، ولولا الضغط الخفيف على فكها لما فتحت فمها.أكلت ثلاث لقيمات، ثم أدارت رأسها بعيدًا… كأنها تقول:"كفى، هذا أكثر مما أحتمل."اليوم الثالث.لم تعد تجيب على أي مكالمة.حتى حين اتصل بها ديمتري، أجابت ماريسا، وأعطتها الهاتف.قال ديمتري، صوته حازم لكن خافت:"هو لا يزال يقاتل، إيزابيلا. ميخائيل عنيد، تعرفينه… لن يرحل قبل أن يعود إليكِ."لكنها لم ترد.حتى لم تهز رأسها.فقط كانت تمسك الهاتف بين أصابعها ثم أعادته إلى ماريسا دون كلمة.قالت ماريسا حينها:"صوته وحده… كان يكفيكِ سابقًا لتبتسمي، ما الذي تغير؟"قالت إيزابيلا، بصوت هامس:"أنه لم يعد هنا."اليوم الخامس.رفضت الذهاب إل

  • تحت جناح الجزار    22

    كانت الساعة تجاوزت منتصف الليل، والبيت ساكن كما لم يكن من قبل.بوابة القصر فُتحت دون أن يصدر عنها صرير، والسيارة السوداء دخلت الحديقة ببطء، كأنّها لا تريد إيقاظ الأشجار.في الداخل، خرج ميخائيل من السيارة دون أن يتحدث، وجهه كان مظللًا… الأنوار الخافتة انعكست على زر سترته، لكنه بدا كأنّه عاد من دفنٍ، لا من استجواب.في عينيه… لم يبقَ حوار. كل شيء داخله أصبح قرارًا.صعد السلالم بخطوات صامتة، وقف عند باب الجناح، لم يدخل فورًا.مد يده، فتح الباب بهدوء، ليجد ماريسا قد نامت على الكنبة، وإيزابيلا لا تزال مستلقية، كأنها تنتظر، كأن قلبها لم يسمح لها أن تنام إلا على صوته.اقترب، دون أن يصدر صوتًا، جلس على طرف السرير، ثم تنهد بصمت… ووضع يده على معصمها، بلطف.فتحت إيزابيلا عينيها. رغم الظلام، شعرت به.همست:"أنت عدت."لم يجب.لكن كفّه انتقل إلى شعرها، مرّ عليه ببطء…وهو لا يزال لا يقول شيئًا.ثم نطق، كلماته خرجت مثل طلقة:"رافائيل… كان مجرد أداة."شهقت أنفاسها، لكنها لم تتكلم.تابع، صوته هادئ… لكنه مثقل بثقل الحديد:"التي حملت السكين إلى يده… كانت داريا."أغمضت إيزابيلا عينيها، كأن كل شيء سقط في مكا

  • تحت جناح الجزار    21

    فتح باب الشرفة بهدوء، ودخل الهواء البارد إلى صدره كطعنة طويلة، لكنه لم يزفر.وقف مكانه، محدقًا في اللاشيء، والمدينة تمتد تحت قدميه… صاخبة، لكن لا أحد يسمع ما يحدث في صدره.مدّ يده ببطء إلى الجدار، أسند كفه، ثم جبينه.أنفاسه خرجت من أنفه ببطء… كأن قلبه يئن… دون أن يشتكي.لم يكن غاضبًا بالصراخ.ميخائيل لا يعرف الصراخ.هو لا يصيح… بل ينفجر من الداخل، لكن بصمت قاتل.في رأسه، كانت داريا تتحرك كصوت قديم يعرفه جيدًا… لكن لا يعرف كيف يُسكته."رسالة واحدة، صوت واحد، يكفي ليزرع الحذر في قلب إيزابيلا."هي لا ترى، لكنها تشعر. وكل شعور… داريا تعرف كيف تُسممه.أغمض عينيه، ورأى المشهد:إيزابيلا، على السرير، تتلقى كلمات لا تعرف لها وجهًا، لكنه… يعرفه جيدًا.داريا لم تذهب إلى مدريد فقط لتراقب، هي جاءت لتفعل ما لم تستطع فعله في روسيا.أن تخترق من يحب… دون أن تمسّه.تراجع خطوة، ثم أخرج هاتفه.ضغط الرقم، اتصال مباشر:"ديمتري."جاء صوت أخيه من الطرف الآخر، متأهبًا:"هل تريدني أرسل رجالًا لها؟"ردّ ميخائيل بصوت خافت، لكن كل كلمة كانت مشبعة بالغضب المكبوت:"لا. داريا ليست في خطر. داريا هي الخطر."ثم تابع:"

  • تحت جناح الجزار    20

    كان المركز هادئًا هذا الصباح، الاستقبال مضاء بنور ناعم،والممرات خالية تقريبًا، كأنّ الصباح نفسه قرر أن يتنفس ببطء… ليمنحها فرصة للتقدّم.دخلت إيزابيلا ممسكة بذراع ميخائيل، خطوتها الأولى كانت بطيئة، لا من الخوف، بل لأنها أرادت أن تشعر الأرض تحتها.هو لم يتكلم، لم يدلها، لم يوجّهها…فقط كان يمشي إلى جانبها، يده تمسك بكفّها، وأصابعه تُرسل نبضًا هادئًا تحت جلدها:"أنا هنا… أنا لن أترككِ."في غرفة العلاج، جلست على المقعد المخصص، ظهرها مستقيم، وجسدها مشدود بتوتر خفيف.أخصائية العلاج، شابة في منتصف الثلاثينات، تحدثت بهدوء وهي تضع ملفًا صغيرًا على الطاولة:"اليوم، سنبدأ بتحفيز الإدراك الحسي من خلال الحركة البطيئة في البيئة. الهدف هو أن تعتمدي على السمع واللمس لتخطيط المساحة."أومأت إيزابيلا برأسها.صوتها لم يخرج، لكنها أمسكت بيد ميخائيل لحظة، ثم همست:"ابقَ… ولا تقل شيئًا، فقط… كن هنا."نظر إليها، ورغم أنه لم يتعوّد على هذا الدور، على الجلوس صامتًا بينما من يُحب يتألم أمامه دون أن يتدخل، لكنه فقط أومأ… ثم جلس على الكرسي المقابل، يداه مشبوكتان، ووجهه… مشدود الصمت.بدأ التمرين.وضعت الأخصائية

  • تحت جناح الجزار    19

    السماء في مدريد كانت رمادية، لكن لا تمطر.الهواء معتدل، وحفيف الأشجار في الطريق الطويل المؤدي إلى القصركان يُحدث صوتًا متقطعًا يشبه الهمس... كأن الطبيعة تُرحّب بحذر.تحركت سيارات آل روستوف داخل البوابة الرئيسية للقصر،بوابة من الحديد الأسود، تتوسطها الحروف الأولى من اسم العائلة محفورة بزخارف فخمة.في السيارة الأمامية، جلس أليخاندرو إلى جوار ابنته إيزابيلا، التي كانت تضع يدها على النافذة المغلقة، كأنها تتحسس الأصوات من الزجاج.قال بهدوء، وهو يُراقب الطريق داخل القصر:"اقتربنا... خمس دقائق فقط، وستكونين في غرفتك."لم تُجب.لكن أصابعها انزلقت ببطء على الزجاج، ثم سحبت يدها إلى حضنها.جلس خلفها فرانسيسكو، يُحدق بظهر مقعدها، وكأن شقيقته... أصبحت امرأة لا يعرفها تمامًا.هادئة جدًا، ساكنة جدًا، لكن داخله يعرف:البركان لا يهدأ... بل ينتظر.وصلت السيارة إلى البهو الخارجي، أمام القصر المبني من الحجر الكريمي اللون، والنوافذ الواسعة ذات الشرفات الحديدية.الواجهة ذاتها، التي اعتادت إيزابيلا أن تركض نحوها في طفولتها... اليوم لا ترى منها شيئًا، لكنها سمعت الصدى... وتذكرت.توقفت السيارة. فتح السائق ا

  • تحت جناح الجزار    18

    في صباح اليوم التالي، كان الضوء الشتوي يتسلل إلى أروقة المشفى من خلف النوافذ الزجاجية الكبيرة، لكنه لم يصل إلى الغرفة رقم (٤).هناك… النور لم يعد يعني شيئًا.داخل الغرفة، كانت إيزابيلا ممددة بهدوء تحت البطانية البيضاء.وجهها شاحب، وأنفاسها بطيئة لكن منتظمة.الأجهزة من حولها لا تزال تومض وتنبض، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا… ولا نائمة تمامًا.كانت تُبقي عينيها مغمضتين أغلب الوقت، لكن بين الحين والآخر، تفتح جفنيها المرتبكين… ولا ترى شيئًا.في كل مرة تستيقظ، تبدأ التنهيدة، ثم يتبعها ارتباك، ثم نبض متسارع، ثم همسة حائرة:"لماذا… لماذا لا أرى؟"وحين يبدأ نبضها في الارتفاع، ويتغير تنفسها، يتدخل الطبيب أو الممرضة… يُحقن في وريدها القليل من المهدئ،فتغرق مجددًا في سُبات مرّ، ليس فيه أحلام… فقط صمت يشبه الفقد.ميخائيل لم يُغادر. بقي على كرسيه ذاته، ثابتًا كأنه جزء من الحائط. لم يكن يتكلم، لكنه كان يُراقب كل شيء.كل مرة تفتح عينيها، يقف على قدميه، يتقدم خطوة، لكنها لا تراه.تُدير وجهها ناحية صوته حين يناديها… لكن عينيها تبقيان ساكنتين في السواد.في أحد المساءات، همست بصوت منهك:"هل سأبقى… هكذا؟"

  • تحت جناح الجزار    17

    مرّت أكثر من ساعتين منذ دخولها غرفة العمليات، ولم ينطق أحد بكلمة طوال ذلك الوقت.حتى داريا، التي كانت دائمًا الأسرع إلى الحديث، بقيت حبيسة مقعدها، لا تتحرك، لا ترفع وجهها، ولا تُجيب على نظرات صوفيا التي لم تعد تدري أين تضع قلقها.ميخائيل، بعيد عن الجميع، جلس ساكنًا.جسده أماميًا، راحته على ذقنه، لك

  • تحت جناح الجزار    15

    صباح اليوم التالي كان رماديًا كالمعتاد، لكن القصر بدا أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.كأن الجميع يمشي على أطراف أصابعه، بينما الفراغ الذي تركه بوريس لم يُملأ بعد.في جناحها، كانت داريا قد استيقظت مبكرًا.ارتدت فستانًا بسيطًا بلون كحلي داكن، وشعرها مُسرّح بدقة غير معتادة،عيناها مرآة راكدة لا تظهر ما خلف

  • تحت جناح الجزار    14

    السماء فوق المقبرة كانت رمادية، بلا شمس، بلا زرقة،كأنها هي الأخرى دخلت في حدادٍ صامت.هواء الصباح بارد، يحمل في طياته رائحة تراب رطب وذكرياتٍ مثقلة بالألم.الثلج لم يسقط، لكن الأرض كانت ما تزال تئنّ تحت وطأة الأمس.في وسط المقبرة، حيث الاصطفاف المعتاد، وقف عدد من رجال العائلة، الحرس، والكهنة الأرث

  • تحت جناح الجزار    13

    هدير المحركات كان مكتومًا، كأن الطائرة صُممت خصيصًا لاحترام الصمت.جلست إيزابيلا إلى جانب النافذة، تسند رأسها بخفة إلى الزجاج البارد، وتُراقب الغيوم الكثيفة التي تمتد أسفلها كبحر ساكن. الشمس تتسلل من بين طبقات السحب، ترسم خطوطًا ذهبية باهتة على وجهها الشاحب. لم تكن نائمة، لكنها لم تكن مستيقظة تمامً

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status