Masukإيليس في الأيام التالية، أتجنب كايل. لا أستطيع النظر إليه دون أن أرى عينيه المحترقتين، دون أن أحس شفتيه على شفتيّ، دون أن أسمع صوته يتمتم "أحبك". لكنه في كل مكان، في الأروقة، في الحدائق، في أحلامي. وجوده ظل يتبعني، شبح لا أستطيع طرده. في إحدى الأمسيات، أفاجئ محادثة بين كايل وأحد رجاله المقربين. باب المكتبة نصف مفتوح، وأسمع أصواتهم عبر الخشب. أتوقف، القلب يخفق، وأحبس أنفاسي لكي لا أُكتشف. — إنها جاهزة، يقول الرجل. لقد وقعت في الفخ. ستفعل كل ما تطلبه منها. صوته همس، مشحون برضا مَرَضي. أحس غثياناً يصعد فيّ. — أعرف، يجيب كايل. إنها مثالية. معها، يمكنني قلب أخي. إنها المفتاح. قلبي يتوقف. إنهم يتحدثون عني. كايل يتلاعب بي. إنه لا يحبني. يريد استخدامي لقلب كاسيان. الكلمات ترن في رأسي كجرس موت، كحكم بالإعدام. أدفع الباب بعنف، ويستدير الرجلان، متفاجئين. أرى الفزع في عيني الرجل، والدهشة في عيني كايل. — إيليس، يقول كايل، صوته متوتر. ما كان يجب أن... — لا تقل شيئاً، كايل. لقد سمعت كل شيء. لقد كذبت علي. كذبت في كل شيء. — إيليس، أستطيع أن أشرح... — تشرح ماذا؟ أنك لم ترغب أبداً في تحريري؟
إيليس تمر الأيام ببطء في غرفة كاسيان. كل يوم هو معركة، اختبار، خطوة أخرى نحو الشفاء. جرحه يلتئم، ببطء لكن بثبات، وفي كل يوم يصبح أقوى قليلاً. أبقى عند رأسه، حتى لو لم يعد لدي سبب لأفعل ذلك. يمكنني الرحيل. يمكنني العودة إلى غرفتي، أو حتى مغادرة القصر. لكنني أبقى. لأن شيئاً ما تغير بيننا. لأنني لا أستطيع تركه، ليس الآن، ليس بعد كل ما حدث. الأيام تنساب في روتين لطيف وغريب. أقرأ له الكتب، أحضر له شاي الأعشاب، أغير ضماداته. أصابعنا تتلامس، نظراتنا تتقاطع، أنفاسنا تختلط. هناك حميمية في هذه الإيماءات اليومية، قرب لم أعرفه مع أي أحد. كل مساء، أنزلق في سريره، ويضمني إليه كأنني أثمن شيء في العالم. في اليوم الخامس، ينظر إلي بعينين جادتين. إنه جالس في سريره، ظهره مسنود على الوسائد، ويده تبحث عن يدي. — إيليس، يقول، صوته ثابت. لدي عرض أقدمه لك. — عرض؟ صوتي همس، مشحون بالفضول والقلق. أحس أصابعه تنغلق على أصابعي. — سأحررك. ليس فقط من سجنك، لكن من نذرك. سأكسر القسم الذي يربطك بي. ستكونين حرة في الرحيل، حرة في فعل ما تريدين. أنظر إليه، غير مصدقة. الكلمات ترن في رأسي كصدى من العالم الآخر. حرة.
بفضلي. أتذكر الآن. الصور تعود كالأمواج، أولاً ضبابية، ثم أوضح. أتذكر أنني ألقيت بنفسي بينهما. أتذكر أنني صرخت باسمه. أتذكر الألم الذي مزق جسدي، التعويذة التي تحطمت، اللعنة التي ضربتني كصاعقة. أتذكر الضوء المعمي، الصرخة التي عبرت حلقي، الصمت الذي تلاها. — اللعنة، أقول. نذر الصمت. لقد تحطم. — أجل، سيدتي إيليس. لقد تحطم النذر. أنت حرة في الكلام الآن. لكن يجب أن ترتاحي. الصدمة كانت عنيفة، جسدك يحتاج وقتاً ليشفى. أهز رأسي، والألم يذكرني. موجة من الغثيان تجتاحني، وأحس معدتي تثور. لا أستطيع الراحة. ليس الآن. ليس بينما كل شيء معلق. ليس بينما كاسيان ممدد هناك، على بعد خطوات مني، يصارع من أجل حياته. أنهض ببطء، وساقاي ترتعشان تحت وزني كأغصان تحت عاصفة. الخادمة تحتج، يداها تتلويان في الهواء، لكنني أتجاهلها. أتقدم نحو سرير كاسيان، كل خطوة اختبار، كل حركة ألم. أجلس على حافة السرير، والمرتبة تنخفض تحت وزني. يده موضوعة على الغطاء، خاملة، وآخذها في يدي. إنها دافئة، حية، وأحس بنبضه على أصابعي، إيقاع بطيء لكن منتظم يطمئنني. — إيليس. صوته همس، نَفَس بالكاد مسموع. تفتح عيناه ببطء، كأنه يخرج من حلم
إيليس بعد ثلاثة أيام من ليلة الاعتراف، يصل الخبر كضربة رعد في سماء صافية. كايل تحدى كاسيان في مبارزة. أمام كل البلاط، أمام النبلاء والسيدات، أمام الحراس والخادمات. القتال سيحدث عند الفجر، في فناء الشرف، تحت أعين الجميع. الإشاعة تنتشر كالنار في الهشيم، والقصر بأكمله في غليان. أنا في غرفتي، اليدان ترتعشان، القلب يخفق بعنف. لا أستطيع تركهم يفعلون ذلك. لا أستطيع تركهم يقتلون بعضهم من أجل بعض. ليس من أجلي. أنظر إلى نفسي في المرآة، وأرى امرأة مكسورة، ممزقة بين حبين، كراهيتين، وعدين. أنطلق في الأروقة، فستاني يضرب ساقيّ، قدماي الحافيتان على الحجر. الأروقة تمر أمامي، دوامة حجر وظل. أعبر الفناء، وأرى الأخوين. كايل في درع فضة، سيف في يده. كاسيان في الأسود، وجهه قناع حجر. يتواجهان، العينان في العينين، والجمهور حولهما يحبس أنفاسه. الشمس تشرق وراءهما، ساقطة ظلالهما على الحجر كأطياف. — كاسيان! توقف! أصرخ وأنا أقترب. كايل، توقفا! يلتفتان نحوي، وأرى التصميم في عيونهما. كاسيان لديه نظرات قاسية، لا ترحم. كايل لديه نظرات محترقة، شغوفة. — اذهبي، إيليس، يقول كاسيان. هذا القتال بين أخي وأنا.
إيليسفي اليوم التالي، استعاد كاسيان وعيه، لكنه ضعيف، هش. أعرف ذلك لأنني أراه، لأنني أدرسه، لأنني تعلمت القراءة في عينيه. هناك شق في درعه، صدع يمكنني استغلاله. وسأستغله. لأنني قمت باختيار. ليس اختيار كايل، ليس اختيار كاسيان. اختياري أنا. اختيار الحرية.سأستخدم رغبته ضده. سآخذ ما يريد منحه لي، وسأستخدمه للحصول على ما أريد. سأستخدم جسدي كسلاح. الفكرة تثير اشمئزازي وتثيرني في آن. سأمنح نفسي له، لكنها ستكون هبة مسمومة، هدية تخفي سكيناً.أستعد بعناية. فستان من حرير شفاف، بلون الدم. القماش رقيق جداً لدرجة أنني أرى بشرتي تحته، كل منحنى، كل سر. شعري يسقط في شلال على كتفي، وأضفر فيه لآلئاً حمراء تلمع كقطرات دم. عطر مسكر، يترك أثراً ورائي. أنظر إلى نفسي في المرآة، ولا أعرف نفسي. أنا مغوية، مغرية، امرأة ستستخدم جسدها لكسب حريتها.أمشي حتى أجنحته، وأطرق الباب. أصابعي ترتعش على الخشب، لكن صوتي ثابت.— ادخلي.أدفع الباب. إنه واقف قرب النافذة، ويستدير حين أدخل. وجهه لا يزال موسوم بالمرض، لكن عينيه صافيتان، وحين يراني، بصيص رغبة يضيء ف
إيليسبعد يومين من اقتراح كايل، تجتاح القصر إشاعة كحريق. الملك مريض. ليس بتوعك بسيط، بل بحمى عنيفة تثبته في السرير، تجعله يهذي، تجعله يصرخ بأسماء في الليل. يُقال أنه ينادي إيلارا، المرأة التي أحبها وخانته، وأنه يبكي كطفل. يُقال أنه ينادي أيضاً اسماً آخر، اسماً لم يسمعه أحد أبداً. اسم يشبه إيليس.لا أستطيع البقاء في غرفتي لأستمع إلى هذه الإشاعات. لا أستطيع البقاء دون فعل شيء. قدماي تحملاني نحو أجنحته، وأعبر الأروقة المهجورة دون أن ألتقي بأي روح حية. الحراس متمركزون في أماكن استراتيجية، لكنهم يرونني أمر ولا يوقفونني. ربما لديهم أوامر. ربما يعرفون أن الملك ينتظرني. ربما هو القدر الذي يدفعني إلى الأمام، الذي يجبرني على رؤية ما لا أريد رؤيته.غرفته غارقة في ظلمة بدأت أعرفها. لكن اليوم، الجو مختلف. الهواء ثقيل، مشحون بحرارة رطبة تلتصق بالجلد. الستائر مسدلة، النوافذ مغلقة، وسرير الملك محاط بالخدم الذين يذهبون ويأتون بأوعية ماء وكمادات. رائحة الحمى في الهواء، رائحة لاذعة وحلوة في آن، تأخذني من الحلق.أتقدم، وأراه.كاسيان ممدد في سريره،







