Share

الفصل 10

Penulis: الروائي
last update Tanggal publikasi: 2026-07-12 17:31:53

ساد المجلس صمتٌ ثقيل، وانعقدت أنظار الجميع على والد أمينة، ينتظرون كلمته الأخيرة.

كان على وشك أن يجيب، لكنه لمح زوجته تقف عند عتبة الباب، ترمقه بنظراتٍ حادة، وهي تهز رأسها بخفة، وكأنها تقول له: لا... لا توافق.

تردد للحظات، ثم تنحنح وقال:

"يا أبا أحمد، والله إن ابنكم بمنزلة ابني، وكان يشرفني أن أصاهركم، ولكن أمينة ما زالت صغيرة على الزواج. أسأل الله أن يرزق ابنكم بفتاةٍ تكون خيرًا له، وتناسبه."

ساد الذهول أرجاء المجلس.

اتسعت عينا أحمد، وبقي يحدق في وجه والد أمينة غير مصدق ما سمعه. أما والده وبقية أفراد عائلته، فقد بدت الصدمة واضحة على وجوههم.

وحدها زوجة الأب أخفت ابتسامة انتصارها، بينما كان قلبها يرقص فرحًا، فقد نجحت خطتها.

نهض أحمد من مكانه، وقد اشتعل الغضب في عينيه، وقال بصوتٍ امتزج بالألم:

"لكن يا عمي... أنا أحب أمينة، وأنتظرها منذ سنوات، ولن أتزوج غيرها."

رفع والده يده برفق، وقال:

"اجلس يا أحمد."

ثم التفت إلى والد أمينة وقال بهدوء:

"يا أبا عبد الله، أعد التفكير في الأمر، ولا تتعجل. سننتظر ردك، فلا تكن سببًا في التفريق بين قلبين جمعهما الحب."

وما إن سمع والد أمينة كلمة الحب حتى انتفض من مكانه، وحدّق في ابنته بنظرةٍ غاضبة، وصاح:

"ماذا قلت؟! يحبّان بعضهما؟! منذ متى يحدث هذا؟"

ثم استدار نحو والد أحمد وقال بحزم:

"لقد قلت كلمتي يا أبا أحمد. أسأل الله أن يرزق ابنكم فتاةً غير ابنتي، ليس لدي بنات للزواج"

في تلك اللحظة، شعرت أمينة بأن الأرض تميد تحت قدميها. لم تعد قادرة على الوقوف أو احتمال نظرات الحاضرين، فاندفعت إلى داخل البيت وهي تكتم شهقاتها، وما إن ابتعدت عن المجلس حتى انفجرت بالبكاء.

أما أمها، فكانت تنظر إليها وقلبها يتمزق حسرةً. لقد كانت تشعر أن شيئًا سيئًا سيقع، وها هو ذلك الشعور يتحول أمام عينيها إلى حقيقةٍ مؤلمة، بينما كان الخوف يهمس في قلبها بأن ما حدث اليوم لن يكون نهاية المصيبة، بل بدايته

كان والد أحمد ينظر إلى ابنه بحزن، ثم وضع يده على كتفه وقال بصوتٍ هادئ:

"هيا يا أحمد... يبدو أن الله لم يكتب لنا نصيبًا عندهم."

تردد أحمد، وألقى نظرةً أخيرة نحو باب البيت، وكأنه ينتظر أن يحدث شيء يغيّر ما جرى، لكن الصمت كان أقسى من أي جواب.

تنهد بحسرة، ثم انصرف مع عائلته.

وقف والد أمينة عند الباب وقال ببرود:

"الله معكم."

وما إن ابتعدت عائلة السعدي عن المنزل، حتى تبدلت ملامحه، واشتعل الغضب في عينيه.

اندفع إلى داخل البيت وهو يصرخ:

"أين أنتِ يا أمينة؟ أين أنتِ أيتها الحقيرة؟! أتخفين عني أنكِ تحبين وتتلاقين مع الشباب؟!"

كانت أمينة قد احتمت بإحدى زوايا الغرفة، لكن قبل أن تنطق بكلمة، أمسكها من شعرها بعنف، وأخذ ينهال عليها ضربًا وهو يصرخ بكل ما في قلبه من قسوة.

هرعت أمها وهي تبكي، تحاول أن تُبعده عنها، وتستجديه أن يرحمها، لكنه دفعها بقوة، ثم اعتدى عليها هي الأخرى، غير آبهٍ بدموعها ولا بصراخها.

تعالت شهقات أمينة، وامتلأ البيت بصوت بكائها، لكن لم يكن هناك من يجرؤ على التدخل.

وبعد أن أنهكها الضرب، رفعت رأسها بصعوبة، وقالت بصوتٍ متقطع، وقد امتزجت دموعها بالألم:

"ليتني أموت... وأرتاح منك. ما رأيت في حياتي إنسانًا أقسى منك."

تجمد للحظة، ثم ازداد غضبه اشتعالًا، فأمسك بها بعنف، وجرّها إلى غرفةٍ صغيرة في آخر المنزل، وأغلق الباب عليها بإحكام.

ثم التفت إلى أمها وقال بلهجةٍ لا تعرف الرحمة:

"إياكِ أن تعطيها طعامًا أو شرابًا حتى آذن لك."

ألقى كلماته ورحل، تاركًا خلفه بيتًا غارقًا في الصمت والدموع.

كانت أمينة ملقاة على الأرض الباردة، ترتجف من شدة الألم. لم تعد تشعر إلا بأن جسدها كله يؤلمها، وكأن كل عظمة فيه تصرخ من الوجع.

أما أمها، فجلست خلف الباب تبكي بصمت، تتمنى لو تستطيع أن تضم ابنتها إلى صدرها، لكنها كانت أعجز من أن تكسر ظلمًا طالما خنق ذلك البيت.

وفي تلك الليلة، لم تكن أمينة تبكي لأنها خسرت أحمد فحسب... بل لأنها أدركت أن أقسى المعارك قد تبدأ داخل البيت، قبل أن تبدأ في ساحات الحرب.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • حب وحرب   الفصل 21

    دخلت هند، زوجة عبد الله، وهي تحمل طفلها بين ذراعيها، ثم قالت بقلق: "عبد الله، أرجوك لا تخرج من المنزل مرة أخرى. نحن لدينا أطفال، وأخشى أن يصيبك مكروه. أما بشأن المال، فلماذا لا تذهب إلى والدك وتطلب منه المساعدة؟ لا بد أنه باع الأغنام وغادر القرية، فمن المستحيل أن يبقى هناك حتى الآن." رمقتها والدة عبد الله بنظرة حزينة، ثم قالت: "يا ابنتي، حين كنا جميعًا نعيش معًا، وقبل أن تندلع الحرب، لم يكن يعطينا قرشًا واحدًا. كانت جميع أمواله بيد زوجته، وهي التي تتحكم بكل شيء. فكيف تظنين أنه سيساعدنا اليوم بعد أن اشتدت هذه المحنة؟" تنهد عبد الله وأطفأ سيجارته، ثم قال بهدوء: "غدًا سأذهب إلى القرية لأرى كيف أصبحت الأوضاع هناك. فإن كانت آمنة وعدنا قادرين على العيش فيها، فسنرجع جميعًا. هناك أرضنا ورزقنا، وإن ضاقت بنا الدنيا زرعنا أرضنا وأكلنا من خيرها. قد لا نجد المال، لكننا على الأقل لن نجوع." ساد الصمت من جديد، ولم يجرؤ أحد على الرد. كان كل منهم يعلم أن العودة إلى القرية ليست قرارًا سهلًا، وأن الحرب غيّرت كل شيء، ولم يعد أحد يعرف ما الذي ينتظره في الغد. في صباح اليوم التالي، استيقظ عبد ال

  • حب وحرب   الفصل 20

    بعد أن فرغوا من تناول الفطور، جلسوا في غرفة الجلوس يتبادلون الحديث، وقد خيّم القلق على وجوههم. كانت أخبار البلاد تتصدر كل مجلس، فلا حديث يعلو على ما يجري من أحداث. قال عبد الله مخاطبًا والدته: "يا أمي، سأحاول العثور على عمل هنا في المنطقة لأساهم في تأمين نفقات المنزل. فأنتِ تعلمين أن الأوضاع في البلاد لم تعد مستقرة، وعلينا أن نوفّر الطحين والغاز والمازوت قبل حلول الشتاء القارس." ثم تنهد وأردف قائلًا: "يتداول الناس أخبارًا عن احتمال انقطاع الخبز، بعد أن تعرّض عدد من المخابز والأفران للقصف، وأصبح إنتاج الخبز يتراجع يومًا بعد يوم." أطلقت والدته تنهيدةً عميقة، ثم رفعت بصرها إلى السماء وقالت بحرقة: "اللهم ارفع هذا البلاء عن بلادنا، واحفظ أهلها من كل سوء. ما ذنب هؤلاء الناس حتى يُهجَّروا من ديارهم ويواجهوا الجوع والبرد والخوف؟ إلى أين يمضون، وقد ضاقت بهم الأرض بما رحبت؟" وفي صباح اليوم التالي، خرج عبد الله باكرًا، والضباب يلف الطرقات. كان يحمل في قلبه أملاً صغيرًا بأن يجد فرصة عمل، لكن ما رآه في الطريق كان أشد قسوة مما توقع. اصطف عشرات الرجال أمام أحد المستودعات ينتظرون فرصة ل

  • حب وحرب   الفصل 18

    خرجت أمينة مع والدتها وسط جموع النازحين، وكل واحد منهم يحمل ما استطاع حمله من متاعه، بينما ترك خلفه بيتًا وعمرًا كاملًا من الذكريات. وبعد مسافة، لحق بهم أخوها عبد الله وزوجته وأطفاله، وهو يسرع في خطواته حتى وصل إليهم. نادى بصوت مرتفع: "أمي... أمي، انتظرينا." توقفت الأم والتفتت إليه، فقال وهو يلهث: "تعالي معي أنتِ وأمينة وإخوتي الصغار. أهل زوجتي لديهم بيت فارغ، فقد سافروا خارج البلاد، ويمكننا أن نقيم فيه جميعًا حتى تهدأ الأوضاع ونعود إلى بيوتنا." نظرت إليه والدته بعينين امتلأتا بالامتنان، لكنها قالت بتردد: "يا بني، سنثقل عليكم. أنت وزوجتك وأولادك بحاجة إلى راحة،ولا أريد أن أضيق عليكم." اقترب عبد الله منها، وأمسك يدها بحنان، ثم قال: "يا أمي، هذا ليس وقت مثل هذا الكلام. الحمد لله أننا وجدنا سقفًا يأوينا. خيرٌ لنا أن نجتمع في بيتٍ واحد، على أن نفترق ونعيش في الخيام مثل كثير من هؤلاء الناس." سكتت الأم لحظات، ثم أومأت برأسها موافقة، بينما شعرت أمينة بشيء من الطمأنينة لأول مرة منذ أن غادرت منزلها. ورغم أن الحزن كان يملأ قلبها، إلا أن وجود أخيها إلى جانبها خفف عنها شيئًا م

  • حب وحرب   الفصل17

    في صباح اليوم التالي، استيقظت أمينة على غير عادتها على أصوات بعيدة تشبه دوي الرعد، لكنها لم تكن رعدًا. كانت أصوات انفجارات تتردد بين الجبال المحيطة بالقرية، فتوقفت للحظات وهي تحدق من نافذة المنزل، وقلبها يخفق بقوة. خرج أهل القرية إلى الطرقات، وكل واحد يسأل الآخر عما يجري، لكن أحدًا لم يكن يملك جوابًا واضحًا. كانت الأخبار تتغير كل ساعة، والخوف يزداد في وجوه الجميع. دخلت أمها وهي تحمل كيسًا صغيرًا، وقالت بصوت امتزج فيه القلق بالحزن: "يلا يا أمينة... لازم نطلع قبل ما تسكر الطرق." نظرت أمينة حولها، وكأنها تودع كل زاوية في بيتها. لم تستطع أن تمنع دموعها وهي تمر بيدها على جدران المنزل التي شهدت طفولتها، ثم خرجت إلى الحديقة الصغيرة. اقتربت من شجيرات الورد التي زرعتها بنفسها، ولمست أوراقها برفق، وهمست: "سامحيني... إن شاء الله برجعلك قريب." ثم اتجهت نحو الحظيرة، فوجدت خروفها الصغير يقفز حولها كعادته، غير مدرك أن الفراق قد حان. احتضنته بقوة، وقبلت رأسه، وانهمرت دموعها وهي تقول: "ديروا بالكم عليه... لا تتركوه يجوع." حملت أمينة حقيبة صغيرة لم تضم سوى بعض الملابس، ومصحفًا قديمًا أه

  • حب وحرب   الفصل 16

    - لا تزالين تنتظرين ذلك الذي تركك وسافر؟ لو كان يحبك حقًا لما رحل وتركك. اسمعي نصيحتي، ابحثي لكِ عن شيخٍ كبير يقبل الزواج بكِ... إن وجد أصلًا من يرضى بكِ! رفعت أمينة رأسها، ونظرت إليها بثبات، ثم قالت بلهجةٍ لاذعة: - لا تقلقي... سأجد زوجًا، كما وجدتِ أنتِ زوجًا بعدما طال بكِ العمر، ولم تجدي غير أبي تتزوجينه. اختفت الابتسامة الماكرة عن وجه زوجة أبيها، وحلّ مكانها غضبٌ شديد. صرخت بها: - اخرسي! ضحكت أمينة ضحكةً امتزجت بالمرارة، وما تزال الدموع تلمع في عينيها، ثم أدارت ظهرها لها ومضت في طريقها نحو البستان، تاركةً خلفها امرأةً تتأجج غيظًا. ما إن وصلت أمينة إلى البستان حتى اتجهت مباشرة نحو شجرة التوت. اقتربت منها ببطء، ومدّت يدها تتحسس المكان الذي نقش فيه أحمد حرف اسمه إلى جانب حرف اسمها. مررت أصابعها على النقش وكأنها تلامس يده، وشعرت للحظة أن الزمن قد توقف عند ذلك اليوم الذي جمعهما تحت ظلال هذه الشجرة. احتضنت جذع الشجرة بقوة، وأغمضت عينيها، ثم همست بصوتٍ اختنق بالبكاء: - أنتِ الوحيدة التي تؤنس وحدتي في غياب أحمد... وكلما جئت إليكِ أشعر أن شيئًا منه ما زال هنا. وانهمرت دمو

  • حب وحرب   الفصل15

    احمرّ وجه أمينة خجلًا، ثم رفعت يدها إلى عنقها، ونزعت السلسلة التي كانت ترتديها. كان يتدلى منها حرفا اسميهما. مدّتها إليه وقالت: - احتفظ بها... لتكون ذكرى مني. مع أنني أعلم أنك لن تنساني، لكن كلما نظرت إليها تذكر أن هناك قلبًا ينتظرك، ولن يتوقف عن الدعاء لعودتك. سأبقى أنتظرك مهما طال الزمن. أخذ أحمد السلسلة برفق، وأغلق كفه عليها بقوة، وكأنه يخشى أن تضيع منه. ثم نظر إليها بعينين تملؤهما المحبة وقال: - أنتِ لا تغيبين عن بالي لحظة واحدة، حتى لو لم تكن هذه السلسلة معي. مكانك هنا... ووضع يده على صدره، فوق قلبه. - أعدك يا أمينة... سأعود، وسأعود من أجلك أنتِ فقط. بعد أن غادر أحمد، بقيت أمينة واقفة عند نافذة غرفتها، تتابع خطواته حتى اختفى عن ناظريها. كان قلبها يهمس لها بشعورٍ غريب، وكأنه يخبرها أن هذا الوداع لن يعقبه لقاء قريب. مرت الأيام، ثم الشهور، ثم السنوات... وكبرت أمينة، ولم يصلها عن أحمد أي خبر. تزوجت شقيقاتها الواحدة تلو الأخرى، وكلما تقدم شاب أعزب لخطبتها رفضه والدها بحجةٍ أو بأخرى، أما إذا كان الخاطب رجلًا كبيرًا في السن أو متزوجًا، كان يُلح عليها أن توافق. لكن أمين

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status