Share

الفصل الرابع

Author: El Mufied
last update publish date: 2026-05-17 11:05:31

خطا غفران في شوارع مألوفة جداً بالنسبة لي. تبعت خطواته للحظات، حتى أوقف سيره أمام مبنى يقف بشموخ. كان ذلك هو المنزل الذي أويت إليه أنا وأمي لثلاث سنوات، منذ أن أعادت بناء عش الزوجية. ولكن، في نهاية المطاف، عقدت العزم على الرحيل من ذلك المكان.

​"لقد وصلنا،" قال غفران وهو يفلت يدي ببطء. "استريحي بسلام!"

​كيف له أن يعرف مكان إقامتي؟ رغم أن لساني لم ينطق به قط.

​"عرفت موقع هذا المنزل من بطاقة الدعوة التي أعطيتني إياها قبل أيام،" قال الشاب وهو يبتسم، مظهراً صفاً من أسنانه البيضاء المنتظمة.

​"آه، تلك الدعوة... قد أُلغيت. والليلة، إن شاء الله، أنوي العودة إلى قريتي."

​صمت غفران للحظة في ذهول. ثم سأل: "على متن القطار من محطة بوروساري؟"

​أومأت برأسي ببطء مؤكدة.

​"لدي اليوم التزام بإنهاء عمل جماعي. ربما يستغرق الأمر حتى حلول الليل. لكنني سأبذل قصارى جهدي للمجيء لرؤيتك قبل مغادرتك،" هكذا وعدني.

​ماذا يقصد بذلك؟ يقول إنه سيلحق بي؟ لمجرد توديعي؟ حقاً، يعجز عقلي عن سبر أغوار تفكير هذا الشاب.

​...

​أسدل الليل أخيراً ستائره على الأرض. وجهت نظري نحو ساعة الحائط المعلقة في غرفة المعيشة، كانت عقاربها تشير إلى السابعة والنصف مساءً. في وقت سابق من هذا المساء، اكتفى أبي بإعطائي تذكرة قطار تحمل اسمي، ثم غادر مسرعاً مع شوفي. وحتى هذه اللحظة، لم يظهر لهما أثر، بينما يداهمني الوقت للإسراع إلى المحطة.

​الآن، جسدي مسمر على أريكة غرفة المعيشة، أنتظر عودة أبي لألقي عليه تحية الوداع. كان لسانه قد وعد باستئجار دراجة نارية لي. ولكن، بالنظر إلى بروده الشديد، ساورني الشك. سينطلق ذلك القطار الحديدي في الساعة الثامنة وخمسين دقيقة، بينما تفصلني عن المحطة مسافة تزيد عن كيلومترين. لو أنني بدأت السير منذ هذه اللحظة، فربما لا يزال الوقت في صالحي.

​فنهضت مسرعة. أي أمل يمكن أن أعلقه على عائلة ترفض حتى النظر إلى وجودي؟ مجرد شراء هذه التذكرة لي، يستوجب مني شكراً لا حدود له.

​جررت خطواتي عبر عتبة الباب، حاملة حقيبة سفر مقاومة للماء متوسطة الحجم. للحظة، أدرت وجهي إلى الوراء، أنظر بحزن إلى جدران المبنى الذي كان المحطة الأخيرة لأمي. انهارت دفاعاتي، وتساقطت الدموع الصافية من عيني، رغم محاولاتي المستميتة لحبسها.

​"وداعاً!" همست بصوت خافت، ثم استدرت ومسحت خدي المبلل.

​"آه!" شعرت بلسعة ألم نابضة. "لا ينبغي لهذا البكاء أن ينفجر. هذه الدموع لن تفعل سوى أن تبلل الجروح التي بدأت تجف،" وبخت نفسي في صمت، وأنا أمسح بقايا الدموع بحذر شديد وبطء.

​هبت رياح الليل بعنف، تتلاعب بعباءتي والوشاح الذي يخفي وجهي حتى أخذا يرفرفان بلا توقف. عانيت من أجل الإمساك بقطع القماش تلك كي لا تطير مع الريح. لكن قسوة هذه العاصفة لم تزحزح قيد أنملة من أعمدة الإصرار في قلبي على سلك طريق العودة.

​"يبدو أن السماء ستسكب دموعها قريباً،" تنهدت بخفوت، وأنا أنظر إلى أفق الليل الحالك والخالي من وميض النجوم.

​فجأة، تردد صدى أنين من أعماق معدتي. جوع يمتص طاقتي، ويعتصر أمعائي بألم في الداخل. لم تعبر حبة أرز واحدة حلقي، إذ لم يتبق ولو القليل من الطعام في ذلك المنزل. وهذا الجسد البائس، لا يملك ولو درهماً واحداً في قبضته.

​في بعض الأحيان، كنت أغمض عيني للحظة لأستشعر مدى مرارة القدر الذي أعيشه. جررت خطواتي التي تزداد ثقلاً، ترافقها شفاه ترتجف بذكر الله، "لا حول ولا قوة إلا بالله!" لا حول لي ولا قوة، إلا بعون الله وحده.

​قطعت نصف مسيرة العذاب هذه. اصطفت أكشاك بائعي الأطعمة على جانبي الطريق. تخللت رائحة الطعام الشهية أنفي، مما جعل الديدان في معدتي تزداد تمرداً. لكن هذا الجسد العليل لم يقوَ إلا على مواساتها بابتلاع ريق مرير.

​لأعتبر نفسي صائمة. هكذا واسيت قلبي الحزين.

​واصلت خطواتي لأشق صمت الليل، مستكملة رحلتي التي توقفت قليلاً. حثثت خطاي أكثر عندما بدأت قطرات الماء من السماء تلامس بشرتي. أجبرت نفسي على الركض قليلاً، لأن الرذاذ تحول تدريجياً إلى مطر غزير.

​"لم يتبق سوى مائة متر أمامك. تماسكي يا سلمى! وإلا سيتبلل جسدك بالكامل في أحضان العاصفة!" تمتمت لأقوي هذه الروح الهشة.

​وووش!

​هبت رياح الليل بشراسة أكبر، وكأنها تصب غضبها عليّ. رافق هدير أنفاسها قطرات المطر التي تحولت الآن إلى ضربات قاسية. اضطررت للركض بخطوات صغيرة، إحدى يداي تجر الحقيبة بما تبقى من قوة، بينما اليد الأخرى تتشبث بإحكام بطرف الوشاح الذي يغطي وجهي. لكن طاقتي التي استنزفها الجوع والتعب، لم تكن نداً لقسوة غضب الطبيعة.

​زززط!

​"آه!" صرخة احتبست في حلقي.

​في لمح البصر، انتزعت عاصفة الرياح العاتية الوشاح من قبضتي. أفلتت قطعة القماش الرقيقة قسراً، وتطايرت تتخبط في مهب الريح، ثم سقطت في مكان مجهول ابتلعته عتمة شوارع المدينة.

​تجمد جسدي في تلك اللحظة، مترنحاً يكاد يفقد توازنه. هبط برد الليل القارس بقسوة ليسلخ وجهي الذي لم يعد مستوراً الآن. بدأت قطرات المطر تقبل سطح بشرتي المليء بجروح الحروق المفتوحة والملتهبة والتي بدأت تتجعد.

​وكأن عجلة الزمن توقفت عن الدوران في المكان الذي أقف فيه. العشرات من الأشخاص الذين كانوا يحتمون تحت شرفة المتجر، بالإضافة إلى المشترين المصطفين في الأكشاك على جانب الطريق، أداروا رؤوسهم فجأة ليحدقوا بي. شعرت بوضوح بلسعة نظراتهم الحادة الخارقة. العيون التي كانت تنظر إليّ بشفقة في البداية لرؤيتي أقف تحت المطر، اتسعت فجأة لتعكس رعباً شديداً. ضجيج الأحاديث الذي كان يحيي الشارع منذ قليل، مات فجأة وابتلعه صمت طويل.

​"يا إلهي، ما الذي أصاب وجهها؟" التقطت أذناي بصعوبة همس امرأة من جهة بائع المقليات.

​"يا لسوء حظها، هل تعرضت لحادث؟ لكن مظهرها يثير الرعب حقاً..." أجابت صديقتها وهي تتراجع خطوات إلى الوراء خوفاً.

​"هيه، أبعدوا أنظاركم، لا تحدقوا بها هكذا."

​كانت تلك الهمسات المتطايرة في الهواء وكأنها آلاف السيوف غير المرئية التي طعنت في صميم قلبي. ورغم أن تلك الكلمات قيلت بخفوت، إلا أنها ترددت بصوت عالٍ يصم الآذان في صدري. ابتلعت ريقي الذي أصبح الآن بطعم العلقم. كان قلبي يدق بعنف لا يتوقف، يضغط على قفصي الصدري حتى ضاق نفسي.

​دون وعي، أحنيت رأسي إلى أقصى حد. استخدمت كلتا يدي كدرع لتغطية وجهي، لكن غريزتي نبهتني سريعاً، مذكرة إياي بأن الجلد على ظهر يدي كان مرعباً بنفس القدر. لم يعد هناك أي مكان على وجه الأرض لأختبئ فيه من نظرات العالم القاسية التي تدينني. ابتلعتني مشاعر الخجل والذل والنقص في ظلمة حالكة، متجاهلة برودة العاصفة التي بدأت تبلل ملابسي تدريجياً.

​لم يقوَ هذا الجسد على فعل شيء سوى الوقوف بجمود والنظر بحزن إلى أطراف حذائي الذي غمرته برك المياه الآن، لم أجرؤ ولو قيد أنملة على رفع وجهي. يا الله، استرني. ارزقني نجدتك، هكذا صرخت روحي التي سُحقت وتحولت إلى غبار.

​وسط خنق اليأس الذي يسلب أنفاس هذه الحياة، تسلل فجأة طيف إلى أعماق روحي. وجه غفران. ابتسامته المليئة بالصدق، وقبضة يده القوية التي لا تعرف التردد تحت شمس الظهيرة الحارقة، ورقة كلماته عادت لتتردد بوضوح في أذني باطني.

​"لدي اليوم التزام بإنهاء عمل جماعي. ربما يستغرق الأمر حتى حلول الليل. لكنني سأبذل قصارى جهدي للمجيء لرؤيتك قبل مغادرتك."

​تسلل بريق من الدفء ببطء إلى زوايا قلبي المتجمد. وبدأ برعم من الأمل يزهر ببطء. هل سيفي حقاً بوعده ويلحق بي؟ وسط نظرات الاشمئزاز التي يوجهها العشرات من هؤلاء الغرباء، كان تخيل وجود شخص واحد فقط مستعد للنظر إليّ دون سخرية يبدو وكأنه واحة في وسط صحراء معاناتي القاحلة.

​ولكن، بعد ثانية واحدة، هززت رأسي بقوة. وشنقت برعم الأمل الذي نبت للتو حتى مات ولم يتبق منه شيء.

​أستغفر الله يا سلمى! أفيقي من أوهامك! وبخت نفسي لاعنة غفلتي.

​ارتسمت ابتسامة مريرة عابرة على شفتي، لتختلط مع شهقات البكاء المكتومة. لا، لا يحق لهذا الجسد أن يعلق آماله على قدوم أي شخص. إن تعليق الأمل على مخلوق من مخلوقاته - خاصة على شخص لا يزال مستقبله يشرق بوضوح - لن يجلب سوى الكارثة للدم المضغة في هذا الصدر. الرجاء في البشر ما هو إلا طريق مختصر نحو أعمق هاوية من خيبة الأمل التي تمزق القلب. ولو أنه لم يأتِ في النهاية، فلن تتحطم هذه الروح إلا إلى أشلاء للمرة الألف. حسبي الله ونعم الوكيل. فلأدع هذه الأكتاف الضعيفة تحمل كل ذلك الألم بمفردها.

​بدأت دموع السماء تنهمر بغزارة أكبر، وكأن الكون يشاركني النواح على حظي العاثر. انهارت حصون دموعي أخيراً دون مقاومة، لتسقط وتندمج مع قطرات المطر التي تضرب الإسفلت تحت قدمي. ارتجف هذا الجسد بشدة، ممزقاً بين الجوع المعذب، وقسوة برد الليل، والصمت الطويل الذي لا نهاية له. أغمضت عيني، مستعدة لحث خطاي لاختراق ظلام هذه العاصفة بمفردي.

​ولكن، بمشيئته... توقفت فجأة قطرات المطر التي كانت تضرب رأسي. وكأن مظلة خفية تشكلت لتظللني بمعجزة من فوق رأسي.

​ظل هذا الجسد مطأطئاً متصلباً كالتمثال، وانقطعت شهقات بكائي في حلقي فجأة، عندما رأيت زوجاً من أحذية شاب مبللة بالكامل تخطو نحوي، ثم تتوقف تماماً لتحاذي أطراف حذائي.

​بعد ثانية، امتدت ببطء قطعة قماش أحفظ رائحتها عن ظهر قلب - وشاحي الذي طارته العاصفة إلى مكان مجهول. قام زوج من الأيدي القوية بوضعه برقة شديدة وعناية فائقة على تاج رأسي. عاد ذلك القماش ليغلف شعري ونصف وجهي، ليصبح درعاً يحميني من نظرات العالم الخارجي القاسية.

​تجمد جسدي في مكاني. رائحة عطر رجولية، ممزوجة بعبق الأرض المبللة بالمطر، تسللت برقة إلى تجويف أنفي، لتجلب طمأنينة روحية لم أتذوقها قط طوال حياتي.

​وقبل أن يتمكن عقلي من استيعاب هذه المعجزة ورفع وجهي للقاء منقذي، امتدت ذراع الشاب لتقدم كيساً شفافاً أمام صدري مباشرة.

​اخترق بخار خفيف غلافه، لينشر رائحة مرق اللحم الزكية وشرائح البصل المقلي التي تفتح الشهية. كيس من الطعام الساخن يروي ظمأ المعدة.

​"املئي معدتك أولاً. مسار رحلة عودتك لا يزال طويلاً جداً يا سلمى،" جاء صوت جهوري عميق ومليء بالرقة، رغم أنه بدا لاهثاً بعض الشيء. كان ذلك الصوت دافئاً جداً، يتغلب على هدير المطر الصاخب في هذه الليلة.

​خفق قلبي!

شعرت وكأن قلبي يقفز من مكانه في صدري.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حُسن الخفاء   الفصل السابع عشر

    ​"أوقفي خطواتكِ في هذه اللحظة بالذات أيتها القابلة."​تردد صدى ذلك الصوت الجهوري الذي يُثلج نخاع العظام، صوتاً ثقيلاً يبعث هالة من التهديد القاتل، ليشق الهواء في لمح البصر.​تجمدت حركة القابلة "لاستري" فجأة في الهواء. وأدرتُ أنا و"نادية" أنظارنا معاً في دهشة. لم يعد "غفران" جالساً باسترخاء؛ بل وقف الشاب منتصباً كصخرة تكسر الأمواج، ساداً كل منافذ الوصول إلى جسدي، ومتوجاً بنظرات حادة كالصقر المتربص للانقضاض على فريسته وإهلاكها.​ابتلعت القابلة لاستري ريقها الذي مر متحجراً في حلقها، وتراخت أصابعها المغلفة بالقفازات الطبية ببطء. حاولت رسم ابتسامة متكلفة للغاية وقالت: "إـ إيه، يا بني غفران. إنني أريد فقط أداء واجب العلاج يا بني. بناءً على كلام نادية، فإن جراح سلمى بالغة الخطورة..."​"أداء واجب؟" قاطعها غفران بحزم مطلق، دون أن تشوب كلماته ذرة من التردد أو الخوف وهو يواجه ممرضة القرية. "منذ متى يفرض معالج متعلم إرادته لكشف عورة المريض وغطاء جرحه بوحشية في شرفة مفتوحة، دون رضا المريض نفسه، ثم يجعله فرجة أمام أعين الحاسدين الذين لا شأن لهم؟"​شحب وجه القابلة لاستري على الفور، ورمشت عيناها في د

  • حُسن الخفاء   الفصل السادس عشر

    ​بعد أن أُسند هذا الجسد الواهن عائداً إلى فراشه في الغرفة، خيم السكون تدريجياً على الفناء الخلفي. ومن شق النافذة الخشبية الذي تركته مفتوحاً عمداً لأسمح بتدفق النسيم، كانت أذناي لا تزالان قادرتين على التقاط إيقاع المكنسة وهي تتأرجح بيد غفران، ليطهر الأرض من بقايا نشارة الخيزران.​وعندما كان الشاب يجمع قطع الخيزران في كيس، توقفت حركته فجأة. واستنشق الهواء. لقد انتشرت رائحة نفاذة وقوية جداً من ناحية المطبخ—تحديداً من بقايا بخار القدر الذي كانت الجدة تغلي فيه عادةً قطعة القماش التي أبرد بها وجهي، والتي كانت قد لامست قطرات الدواء السحري لأم مريم. كانت الرائحة قوية جداً، مزيج غريب بين الجذور الرطبة والعصارة العشبية التي تزكم الأنوف. ولم تكن تلك الرائحة تشبه أبداً رائحة مرهم الصيدلية الذي أهداني إياه قبل أيام.​أدار غفران وجهه، ليواجه الجدة التي كانت قد خرجت لتوها من المطبخ وهي تحمل مكنسة.​"يا جدتي،" نادى غفران بصوت خافت، ونبرته تحمل حذراً بالغاً. "أي دواء وأي طبيب هو الذي تعالج به سلمى نفسها؟ رائحته قوية جداً وتفوح في الفناء. هل هذه التركيبة آمنة حقاً على جسدها؟"​كتمت أنفاسي تحت الغطاء ال

  • حُسن الخفاء   الفصل الخامس عشر

    ​زحف الليل ببطء شديد يعذب الروح، وبدا أطول بكثير من عتمة الليالي المعتادة. وكانت عقارب الساعة بالكاد تلامس الثلث الأخير من الليل الهادئ، ومع ذلك، أبت عيناي أن تغتمضا ولو للحظة. كان جسدي يرتعد بعنف تحت الغطاء السميك، بينما شعرت بوجهي وكأنه يُشوى حياً فوق جمر مشتعل بضراوة.​لقد بلغت عملية التطهير بالدواء العشبي لأم مريم ذروتها حقاً. بدأت طبقات الجلد الميت تتقشر بشراسة بالغة. وامتزجت لسعات الألم، والحكة المعذبة، والحرارة اللافحة لتشكل عذاباً واحداً يجلدني، ويجبرني مراراً على إطلاق أنات ألم مكتومة وأنا أعض على طرف وسادتي، فقط لكي لا يمزق صدى ألمي نوم جدتي العميق في الغرفة المجاورة.​ارتفعت حرارة جسدي بشكل جنوني. وكانت هذه الحمى التي تشوي جسدي هي المهر الباهظ الذي يجب عليّ دفعه كاملاً ثمناً للشفاء.​وعندما شق صوت أذان الفجر سكون الصباح، أجبرت جسدي الواهن على النهوض. شعرت وكأن مفاصل جسدي قد خُلعت قسراً من أماكنها. توضأت بحذر شديد، وكنت أصارع لأكتم صرخة ألم عندما لامس الماء البارد كالثلج بشرة وجهي الملتهبة والمتقرحة.​وعندما قاربت الساعة الثامنة صباحاً، كانت الشمس في أفق ساحل تشيلاتشاب قد بد

  • حُسن الخفاء   الفصل الرابع عشر

    ​استدارت نادية أخيراً وخطت مبتعدة، تتعمد الضرب بقدميها على الأرض بغضب. كان وجهها محتقناً بالدماء يخفي جمراً من الغيظ. وبالتأكيد، لم يعد لديها ذرة من كرامة أو ماء وجه لتبقى متسمرة هناك بعد أن تلقت رداً مفحماً ولاذعاً من لسان غفران.​وبعد أن تلاشى صدى خطوات نادية وابتلعته المسافة، وعاد هدير رياح الجفاف ليسيطر على الأجواء، بقي جسدي متصلباً خلف ظهر غفران المنيع. وكانت عقدة نقابي قد أُحكم ربطها جيداً الآن.​"هل أصبحتِ في مأمن يا سلمى؟" همس غفران بخفوت، دون أن يدير جسده قيد أنملة.​"أجل، أنا في مأمن يا غفران،" أجبته بصوت خافت ومكتوم.​وبحذر شديد ورعاية فائقة، أدار غفران جسده. وأطرق بصره نحو الأرض المغبرة، دون أن تراوده نية، ولو بمقدار ذرة، للنظر إلى وجهي الذي عاد ليُظلل بستار الطهر والعفة. وذراعاه اللتان كانتا قبل قليل تشكلان درعاً واقياً، عادتا لتستقرا في جيوب بنطاله بتلك العفوية التي طالما عُرف بها.​"شكراً لك بلا حدود يا غفران،" قلتها بصدق خالص. كان صوتي يرتجف، محاولاً كبح جماح العاصفة التي تضرب في صدري.​رسم غفران ابتسامة رقيقة، تلك الابتسامة التي طالما بعثت السكينة في عينيه. "على الرحب

  • حُسن الخفاء   الفصل الثالث عشر

    ​هبت رياح الجفاف القاحلة، تذرو ذرات الغبار الدقيقة وتتلاعب بأوراق شجرة المانجو المتساقطة في فناء منزل جدي. انقضت عدة أهلة منذ أن قطرت أم مريم ذلك الدواء لأول مرة. وخلف ستار نقابي الأسود كسواد الليل، كانت بشرة وجهي تخوض اختبار تطهير قاسٍ وعنيف، تتقشر، وتلتهب بحمرة شديدة، وتلسعني بألم لا يطاق، خاصة عندما تبلغ أشعة الشمس اللافحة ذروتها. ورغم ذلك، لم يعد هذا الجسد يبالي. فهذا الألم ليس سوى المهر الذي يجب أن أدفعه بالكامل فداءً لأمل مرتجى.​في ظهيرة ذلك اليوم، كنت أكنس الفناء الأمامي، أنظفه من بقايا الأوراق اليابسة. وباتت العباءة السوداء الفضفاضة، مع الخمار الطويل الذي ينسدل ليغطي ركبتي، هويتي الجديدة التي تكتمل بها حقيقتي.​وفي منتصف أرجحة مكنستي، شق الهواء من بعيد هدير محرك دراجة نارية أحفظ صوته عن ظهر قلب. توقفت تلك المركبة ذات العجلتين، التي تبدو قوية العتاد رغم قدمها المعتنى به، أمام السياج الخشبي للفناء مباشرة. أطفأ الشاب، المرتدي سترة بلون التراب، محرك دراجته، وخلع خوذته، ثم مسح حبات العرق التي تتصبب من جبينه.​لم يكن ذلك الشاب سوى غفران.​وما إن رأيته يترجل من دراجته، حتى تجمد جسدي

  • حُسن الخفاء   الفصل الثاني عشر

    مرت ثلاثة أيام منذ أن عصفت تلك الفتنة الشنيعة بمورد رزق عائلتنا، فجعلته أثراً بعد عين. وبات المنزل الذي كان يعبق برائحة توابل الطبخ، غارقاً الآن في صمت موحش وبرودة كئيبة. آثر جدي العزلة في المصلى أكثر وقته، يناجي الخالق القدير. بينما جلست جدتي شاردة في الشرفة، ترمق سلال الخيزران الفارغة التي هجرها زبائنها بنظرات يائسة.​ولكن، عندما حان وقت العصر، قطع سكون القرية مشهد في غاية الغرابة. توقفت مركبة ذات أربع عجلات، سوداء كلون الليل البهيم وتشع ببريق الفخامة، أمام فناء منزل جدي مباشرة. وجذب ظهورها انتباه الجيران المارة في طرقات القرية على الفور.​نزلت من المركبة امرأة ناضجة تتألق بوقار لا مثيل له. كانت ترتدي عباءة سوداء فضفاضة، ويكملها نقاب بنفس اللون ينسدل ليغطي صدرها بترتيب بالغ. وكانت تحمل في يدها صندوقاً خشبياً صغيراً مزيناً بنقوش رائعة، يبدو عتيقاً جداً ولا يقدر بثمن.​"السلام عليكم،" نطق لسانها وهي تخطو صاعدة درجات الشرفة. كان صوتها ينساب برقة، ولكنه يفيض بهيبة وقار شديدة، كينبوع ماء بارد يتدفق بهدوء ليشق رمال الصحراء القاحلة.​"وعليكم السلام،" ردت جدتي وهي تنهض مسرعة. وبحركة مرتبكة،

  • حُسن الخفاء   الفصل الثامن

    ​في تلك الليلة، بدت مائدة البيع في الشرفة الأمامية موحشة وخالية للغاية. ولم يكن ذلك لأن البضاعة قد نفدت بتهافت المشترين، بل على العكس تماماً؛ فالقدور المليئة بالخضار المطبوخة بحليب جوز الهند وتقلية التمبي لا تزال ممتلئة عن آخرها، تكاد لم تُلمس. وعلى الصينية، رقدت أكوام مقليات الخضار و"التمبي" التي

  • حُسن الخفاء   الفصل الثالث

    أغمضت عينيّ بقوة. وفي تلك اللحظة المظلمة، انتفضت روحي فجأة لظهور أطياف أشخاص طالما اشتقت إليهم بشدة.​"أستغفر الله..."تمتمت شفتاي بالاستغفار بخفوت. تجسدت جدتي في عالم خيالي، تقف بجانب جدي، ثم قالت بصوت حنون: "نحن نشتاق إليك كثيراً يا سلمى."​انهمرت دموعي عندما عادت بي الذاكرة إلى كلماتهم الأخيرة ف

  • حُسن الخفاء   الفصل الثاني

    ​"سلمى... سلمى! أين أنتِ يا ابنتي؟" نادت أمي، واخترق صوتها باب الغرفة."أمي! الباب مغلق من الداخل!" رددت بصرخة مكتومة.ثم تمكنت أمي من إدارة المفتاح الذي كان لا يزال عالقاً في القفل.طق!"أمي!"فتحت ذراعيّ، أردت أن أعانق بشدة تلك المرأة التي أحبها أكثر من أي شيء."احذري يا ابنتي!" صرخت أمي فجأة، وب

  • حُسن الخفاء   الفصل الأول

    ​"يا سلمى، هل تقبلين أن تكوني زوجتي؟" قالها رجل وهو يجثو على ركبتيه أمامي ويقدم لي خاتماً.​فخفق قلبي بشدة، وتلاطمت الأفكار في رأسي. لقد اصطحبني هذا الرجل فجأة في نزهة إلى أحد المقاهي، ثم تقدم لخطبتي دون أي كلمات تمهيدية. وبدا أن بعض الزوار الآخرين ينظرون إلينا بشغف وفضول.​أما أنا، فادعى جميلة سلم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status