Share

005

last update publish date: 2026-07-10 04:02:24

استيقظ باسم في صباح اليوم التالي على صوت العصافير القادمة من الحديقة.

فتح عينيه ببطء وظل مستلقيًا للحظات يتأمل سقف الغرفة.

كان هناك شعور غريب يرافقه منذ عودته إلى لبنان.

شعور بالراحة من جهة وبالحنين من جهة أخرى.

كأن الزمن أعاده سنوات إلى الوراء...

إلى الأيام التي كانت الحياة فيها أبسط...

والقرارات أقل تعقيدًا.

نهض من سريره واتجه نحو النافذة.

كانت الشمس قد بدأت تشرق فوق الأشجار المحيطة بالمنزل.

وتتلألأ قطرات الندى على أوراقها.

ابتسم دون أن يشعر.

كم افتقد هذه التفاصيل الصغيرة...

التي لم يكن يلتفت إليها إلا بعد أن ابتعد عنها.

بعد أن استحم وبدّل ملابسه نزل إلى الطابق السفلي.

وجد والدته تضع اللمسات الأخيرة على مائدة الإفطار.

التفتت إليه فور دخوله.

وارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة.

وقالت:

"صباح الخير."

اقترب منها.

وقبّل رأسها وقال:

"صباح الخير يا أمي."

جلس إلى الطاولة.

ولم تمض دقائق حتى بدأت تملأ طبقه بأصناف الطعام.

ضحك وهو ينظر إلى الطبق.

وقال:

"أعتقد أنكِ تنوين إطعامي عن السنوات الخمس دفعة واحدة."

ضحكت وقالت:

"دعني أعوض ما فاتني."

ثم أضافت وهي تضع المزيد من الطعام أمامه:

"الأم لا تشعر أن ابنها شبع أبدًا."

ابتسم باسم وقال:

"ويبدو أن هذه قاعدة لا تتغير."

دار الحديث بينهما بهدوء.

عن العمل وعن باريس.

وعن أقارب لم يرهم منذ سنوات.

وكانت الأم تستمع أكثر مما تتكلم.

كأنها تحاول أن تعوض غياب السنوات...

بكل كلمة يقولها.

ثم قالت فجأة:

"بالمناسبة تحدثت أمس مع والدة سلمى."

رفع باسم رأسه باهتمام.

عاد ذلك الاسم إلى الحديث.

سلمى.

لاحظت والدته التغير الهادئ في ملامحه.

فابتسمت وقالت:

"إنها امرأة محترمة جدًا."

أخذ باسم رشفة من قهوته.

ثم سأل بهدوء:

"وماذا عن ابنتها؟"

اتسعت ابتسامة والدته وقالت:

"فتاة رائعة هادئة ومهذبة وتعرف كيف تحترم من حولها."

هز باسم رأسه مبتسمًا وقال:

"يبدو أنكِ معجبة بها كثيرًا."

ابتسمت وقالت بثقة:

"لأنها تستحق."

ثم أضافت:

"تعرف ما أعجبني فيها أكثر من أي شيء؟"

نظر إليها فقالت:

"أنها لا تحاول أن تكون لافتة للنظر ومع ذلك تترك أثرًا في كل من يقابلها."

ابتسم باسم ابتسامة خفيفة وقال مازحًا:

"أصبحت أشعر أنني أعرفها رغم أنني لم أرها بعد."

ضحكت والدته.

لكن ابتسامتها ما لبثت أن خفتت.

وكأن فكرة قديمة عادت لتطرق بابها.

لاحظ باسم ذلك فورًا.

ووضع فنجانه جانبًا وقال:

"ماذا هناك؟"

هزت رأسها بخفة وقالت:

"لا شيء."

ابتسم باسم ابتسامة يعرفها جيدًا.

وقال:

"أمي منذ كنت صغيرًا كلما قلتِ (لا شيء) كنت أعلم أن هناك شيئًا يشغلك."

تنهدت وجلست قبالته.

ثم قالت بصوت أكثر هدوءًا:

"هل سبق أن شعرت أن شيئًا ما ليس على ما يرام رغم أنك لا تملك دليلًا واحدًا؟"

عقد حاجبيه وقال:

"تقصدين ماذا؟"

نظرت إلى النافذة للحظات.

ثم عادت إليه وقالت:

"أقصد طارق."

ساد الصمت بينهما.

لم يكن باسم يتوقع أن يصل الحديث إلى هذا الاتجاه.

فقال بهدوء:

"ماذا عن طارق؟"

تنهدت مرة أخرى.

وقالت:

"لا أعرف. وربما أكون مخطئة لكن هذا الشعور لا يفارقني."

سألها:

"في ماذا تحديدًا؟"

ترددت للحظة.

وكأنها كانت تختار كلماتها بعناية.

ثم قالت:

"أشعر أحيانًا أنه لا يأخذ موضوع الزواج بالجدية التي يجب أن يأخذها."

ظل باسم صامتًا.

كانت هذه أول مرة يسمع والدته تتحدث بهذه الطريقة عن أخيه.

فأكملت:

"طارق طيب القلب لكن قلبه وحده لا يكفي الزواج يحتاج إلى استقرار وصبر وشخص يعرف أن مسؤولية الآخر لا تقل عن مسؤولية نفسه."

ثم أطرقت قليلًا.

وأضافت بصوت خافت:

"وسلمى فتاة طيبة وأخشى أن تتأذى."

نظر إليها باسم باهتمام.

وقال:

"هل حدث شيء؟"

هزت رأسها.

وقالت:

"لا أو على الأقل ليس شيئًا أستطيع إثباته."

ثم ابتسمت ابتسامة حزينة.

وأضافت:

"لكن الأم ترى أحيانًا ما لا يستطيع الآخرون رؤيته."

تنهد باسم.

كان يعرف شخصية أخيه جيدًا.

يعرف أنه مندفع أحيانًا ويحب الحرية أكثر مما يحب القيود.

لكن الزواج مسؤولية مختلفة.

وربما كان طارق قد تغير فعلًا.

فقال محاولًا أن يطمئنها:

"ربما أنتِ تقلقين أكثر من اللازم."

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

وقالت:

"أتمنى ذلك."

ثم نظرت إليه طويلًا.

وأضافت:

"ليس هناك ما يسعدني أكثر من أن أكتشف أنني كنت مخطئة."

ابتسم باسم بهدوء.

لكنه، وهو يحتسي آخر رشفة من قهوته...

شعر أن كلمات والدته...

زرعت داخله سؤالًا صغيرًا.

سؤالًا لم يكن يملك له جوابًا بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • خطيبة اخي   310

    بدأ الثلاثة يتجولون بين أجزاء الموقع.كان باسم يسأل عن أدق التفاصيل بينما كانت سلمى تدون الملاحظات في جهازها اللوحي.توقف باسم عند إحدى الزوايا وقال:"أريد إعادة قياس هذه المسافة."استغرب المهندس وقال:"لكن القياسات مطابقة للمخططات."ابتسم باسم وقال:"أعرف لكنني أفضل التأكد."ضحكت سلمى وقالت:"وهذه إحدى العادات التي لن تتغير."نظر إليها مبتسمًا وقال:"وهل تشتكين منها؟"هزت رأسها وقالت:"بالعكس بسببها ننام مرتاحين."ابتسم المهندس وهو ينظر إليهما.وقال مازحًا:"واضح أنكما تكملان بعضكما في العمل."نظر باسم وسلمى إلى بعضهما للحظة.ثم ابتسم كل منهما في هدوء.لكن الجملة بقيت تتردد في ذهن كل واحد منهما.بعد دقائق...انحنت سلمى لتراجع أحد المخططات الموضوعة فوق طاولة ميدانية.هبت نسمة هواء قوية فتطايرت عدة أوراق.أسرع باسم يلتقطها قبل أن تبتعد.ساعده المهندس في جمع بعضها.ابتسمت سلمى وقالت:"أظن أن الريح قررت اختبار سرعة رد فعلك."ضحك باسم وأعاد ترتيب الأوراق ثم قال:"يبدو أنها نجحت."أخذت الأوراق منه وقالت:"شكرًا."أجابها بعفوية:"دائمًا."في تلك اللحظة...توقفت سيارة عند مدخل الموقع ترجل من

  • خطيبة اخي   309

    في مكتب سلمى...كانت تراجع الدعوة الخاصة بالمحاضرة.دخلت جودي تحمل كوبين من القهوة.وضعت أحدهما أمامها وقالت:"هل ستوافقين؟"رفعت سلمى نظرها وقالت:"ما زلت أفكر."جلست جودي أمامها وأضافت:"برأيي لا يوجد سبب للرفض."ابتسمت سلمى.وقالت:"لست خائفة من المحاضرة بل من أن أصبح بعيدة عن الفريق."ضحكت جودي وقالت:"وهل تعتقدين أن الفريق سيتركك وحدك؟"ابتسمت سلمى ثم قالت بهدوء:"أحيانًا النجاح يجعل المسؤولية أكبر."في الجهة الأخرى من المدينة...دخل يوسف ونادر إلى مبنى قديم يحمل اسم الشركة التي توصلا إليها.استقبلهما رجل تجاوز الستين من عمره.قال يوسف وهو يبرز بطاقته:"نبحث عن بعض المعلومات المتعلقة بمعاملة قديمة."نظر الرجل إلى الاسم المكتوب في الملف.وتغيرت ملامحه للحظة.لاحظ نادر ذلك فسأله:"هل تعرف هذا الاسم؟"تردد الرجل ثم قال بصوت منخفض:"مرّ وقت طويل لكنني أذكره."تبادل يوسف ونادر نظرة سريعة.وأدركا أنهما وصلا إلى أول شخص يعرف شيئًا عن سامر.في شركة طارق...دخل وسيم يحمل ملفًا جديدًا قال:"الشركة الجديدة وافقت على الاجتماع."أخذ طارق الملف لكنه لم يفتحه.لاحظ وسيم ذلك.فسأله:"ما زلت تفكر

  • خطيبة اخي   308

    في منتصف الصباح...وصل آدم كان يحمل حقيبة سفر صغيرة.استغربت ميرا.وقالت:"هل عدت من رحلة؟"ابتسم وقال:"كنت في اجتماع مع إدارة الشركة الأم."ثم رفع حقيبته وأضاف:"وأحضرت شيئًا للفريق."فتح الحقيبة وأخرج منها علبًا صغيرة مغلفة بعناية.قال:"هدايا بسيطة بمناسبة نجاح المؤتمر."بدأ يوزعها على الجميع.وصل إلى جودي ثم ميرا.وأخيرًاوقف أمام سلمى.ناولها علبة أصغر من بقية العلب.وقالت باستغراب:"تبدو مختلفة."ابتسم وقال:"لأنها كذلك."فتحتها.فوجدت قلمًا فاخرًا للنقش والرسم الهندسي.قال آدم:"تذكرت أنك ما زلت ترسمين أفكارك الأولى بالقلم قبل أن تنقليها إلى الحاسوب."ابتسمت سلمى بدهشة وقالت:"كيف انتبهت إلى ذلك؟"أجاب بهدوء:"ألاحظ التفاصيل."شكرتْه بصدق وأضافت:"الهدية جميلة جدًا."في تلك اللحظة كان باسم قد أنهى حديثه مع أحد المهندسين.والتفت دون قصد فرأى آدم يقدم الهدية إلى سلمى.ورأى ابتسامتها توقف مكانه للحظة ثم أكمل طريقه وكأن شيئًا لم يحدث.لكن شيئًا صغيرًا استقر في داخله.بعد قليل...دخلت السكرتيرة إلى مكتب سلمى.وقالت:"الأستاذ طارق وصل."ابتسمت سلمى.وقالت:"دعيه يدخل."دخل طارق يحمل

  • خطيبة اخي   307

    وفي مكتب فيروز...وضعت ملف شركة سلمى جانبًا.ثم فتحت ملفًا آخر.كان يحمل اسم إحدى الشركات المتعاقدة معهم.سألها مساعدها:"هل سنواجههم مباشرة؟"ابتسمت وقالت:"لا الهجوم المباشر يجعل الضحية تنتبه."ثم أغلقت الملف وأضافت:"أما إذا سقط أحد شركائهم أولًا فسيتساءلون أين الخطأ بدل أن يسألوا من الفاعل."نظر إليها المساعد بإعجاب وقال:"إذن البداية ستكون من الخارج."أومأت بهدوء وقالت:"تمامًا."في موقع الترميم...كان عمر يراجع المخططات.وصلته رسالة من جودي.انتهى دوامي... هل ما زلت تعمل؟ابتسم ثم كتب:كعادتي.وصله الرد بعد ثوانٍ:إذن سأحضر القهوة... وأنت أحضر وقتًا للراحة.ضحك عمر وحده.ولم ينتبه أن أحد المهندسين كان يراقبه.اقترب منه زميله وقال مازحًا:"منذ عرفناك لم نرك تبتسم للهاتف."أغلق عمر الشاشة بسرعة وقال مبتسمًا:"يبدو أنني بدأت أتغير."في منزل ليلى...كانت تجلس في الحديقة مع نوال بعد صلاة المغرب.وضعت ليلى إبريق الشاي على الطاولة.وقالت:"أشعر أن البيت أصبح هادئًا بعد سفر رامي."ابتسمت نوال وقالت:"سيعود قبل أن تشعري."هزت ليلى رأسها ثم بقيت صامتة.لاحظت نوال ذلك فسألتها:"أهناك ما يش

  • خطيبة اخي   306

    بعد الظهر...دخل طارق إلى الشركة.لكن هذه المرة لم يكن يحمل ملفات المشروع.بل جاء لتوقيع العقد النهائي الخاص بالمرحلة الثانية.استقبلته سلمى في مكتبها وبعد دقائق انضم إليهما باسم.بدأ الثلاثة مراجعة البنود.قال طارق:"إذا وقعنا اليوم سنبدأ التنفيذ الأسبوع المقبل."أومأ باسم وقال:"الفريق جاهز."ثم أشار إلى أحد البنود وأضاف:"لكن أقترح تعديل هذا الجدول."نظرت سلمى إلى الورقة.ثم قالت مباشرة:"تقصد نقل المرحلة الثالثة أسبوعًا إلى الأمام؟"ابتسم باسم وقال:"بالضبط."رفع طارق رأسه وتوقف للحظة.لم تكن هذه أول مرة تكمل فيها سلمى فكرة باسم.لكنها أصبحت تحدث بصورة متكررة.انتهى الاجتماع.خرج الثلاثة من المكتب.وفي الممر مرت إحدى الموظفات الجدد وهي تحمل عدة ملفات.كادت تسقط من بين يديها.وقبل أن ينحني أحد كانت سلمى قد التقطت بعضها.وفي اللحظة نفسها انحنى باسم ليلتقط البقية.ابتسمت الموظفة بخجل وقالت:"شكرًا."ابتسمت سلمى وقالت:"لا بأس."أما باسم فأعاد ترتيب الملفات في يديها وقال:"في المرة القادمة احمليها على دفعتين."ابتسمت الموظفة ثم غادرت.التفتت سلمى نحو باسم.وقالت ضاحكة:"واضح أنك لا تس

  • خطيبة اخي   305

    في مكتب فيروز...دخل مساعدها وقال:"وردتنا نتائج المؤتمر."تناولت التقرير.وقلبت صفحاته بهدوء.ثم توقفت عند صفحة خاصة بالعقود الجديدة.ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:"كما توقعت."سألها المساعد:"ما الذي لفت انتباهك؟"أغلقت التقرير وقالت:"النجاح يجعل صاحبه يثق بمن حوله أكثر."ثم رفعت نظرها إليه وأضافت:"وهنا تبدأ الأخطاء."لم يفهم تمامًا ما تقصده.لكنها كانت قد بدأت ترسم في ذهنها أول خطوة فعلية في خطتها.في موقع الترميم...كان عمر ينهي جولته اليومية.وصلت جودي تحمل حقيبة صغيرة.قالت مبتسمة:"قلت إنك تنسى الغداء عندما تعمل لذلك أحضرته أنا."نظر إليها عمر بدهشة ثم ضحك وقال:"يبدو أن الجميع بدأ يعاملني بالطريقة نفسها."سألته وهي تبتسم:"أي طريقة؟"أجاب:"طريقة من يخاف أن أنسى نفسي."جلسا على مقعد حجري قديم وتناولا الغداء.كانت الأحاديث هذه المرة بعيدة عن المشاريع.تحدثا عن الطفولة وعن المدن التي يحلمان بزيارتها وعن الكتب التي يحب كل منهما قراءتها.وبدأت العلاقة بينهما تخرج بهدوء من دائرة الإعجاب إلى دائرة الثقة.في منزل ليلى...كانت ترتب بعض الملابس التي تركها رامي.دخلت إلى غرفته نظرت إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status