LOGINبعد انتهاء الإفطار، خرج باسم إلى الحديقة.جلس تحت شجرة الليمون القديمة .
أخرج هاتفه يتفقد بعض رسائل العمل.
لكن تركيزه لم يكن حاضراً.كان يفكر في حديث والدته.وفي طارق.
وفي تلك الفتاة التي لم يقابلها بعد.
سلمى.
لماذا كانت والدته متعلقة بها إلى هذا الحد؟
ولماذا شعرت بالقلق عليها تحديداً؟
رفع رأسه نحو السماء.وحاول طرد تلك الأسئلة من ذهنه.
فهي لا تخصه في النهاية.
انها خطيبة أخيه.وحياتهما شأن يخصهما وحدهما.
وفي الطرف الآخر من المدينة، كانت سلمى تغلق هاتفها بعد مكالمة قصيرة مع طارق.
لم تستغرق المكالمة أكثر من دقيقتين.
وكان صوته خلالها بارداً على غير عادته.
جلست بصمت تنظر إلى الشاشة المظلمة.
وشعور غامض بالقلق بدأ يتسلل إلى قلبها.
شعور حاولت تجاهله.لكنها لم تستطع.
لأن بعض القلوب تشعر بالخطر قبل أن تراه.
حتى لو كان ما يزال بعيداً.
كانت سلمى من الأشخاص الذين يحبون الصباح.
تلك الساعات الهادئة التي تسبق ضجيج النهار كانت دائماً وقتها المفضل.
وقت تستطيع فيه أن تستمع إلى أفكارها دون مقاطعة.
أن ترتب يومها. وأن تشعر بأن العالم ما زال بسيطاً قبل أن تبدأ مسؤوليات الحياة بالتراكم فوق كتفيها.
جلست قرب النافذة الواسعة في غرفتها تحمل كوباً من القهوة الساخنة.
كانت أشعة الشمس تتسلل برفق إلى الداخل، فتنعكس على الكتب المصفوفة بعناية فوق الرفوف الخشبية.
أحبت القراءة منذ طفولتها. وأحبت الرسم أكثر.
حتى اليوم ما زالت تحتفظ بدفتر قديم تخبئ فيه رسوماتها الأولى.
كلما شعرت بالضياع عادت إليه.
كأن الطفلة التي كانتها يوماً تعرف دائماً كيف تهدئ المرأة التي أصبحتها.
ارتشفت قليلاً من قهوتها. ثم وقعت عيناها على صورة موضوعة فوق مكتبها.
صورة تجمعها بخطيبها طارق. التُقطت قبل عام تقريباً في يوم خطوبتهما.
كانت تبتسم فيها بسعادة حقيقية. أما طارق فكان يقف بجانبها بابتسامته الواثقة المعتادة.
مدّت يدها وأمسكت إطار الصورة.
تأملته للحظات.ثم تنهدت بهدوء.
لم تكن تشك في حبها له. لكنها بدأت تشك في شيء آخر.
في المسافة التي تكبر بينهما يوماً بعد يوم.
منذ أشهر قليلة كان يتصل بها عشرات المرات يومياً.
أما الآن، فأصبحت هي تنتظر اتصالاته أكثر مما يتصل هو.
كانت ترفض الاعتراف بذلك حتى لنفسها.
لكن قلبها بدأ يلاحظ أشياءً صغيرة.أشياء ربما تبدو تافهة للآخرين.
تأخره في الرد. نسيانه للمواعيد. انشغاله الدائم.
وبروده الذي يظهر أحياناً دون سبب واضح.
سمعت طرقاً خفيفاً على الباب.
دخلت والدتها بابتسامة هادئة.
كانت امرأة أنيقة رغم بساطتها، تحمل ملامح دافئة تجعل الجميع يشعر بالراحة قربها.
قالت وهي تقترب منها:
"أراكِ شاردة منذ الصباح."
ابتسمت سلمى محاولة إخفاء أفكارها.
"أفكر فقط."
جلست والدتها على طرف السرير.
"في الزفاف؟"
ضحكت سلمى.
"وفي أشياء أخرى."
نظرت إليها والدتها طويلاً.
ثم قالت:
"أتعلمين؟ عندما كنت في عمرك كنت أعتقد أن الحب وحده يكفي لبناء حياة كاملة."
رفعت سلمى حاجبيها باستغراب.
"وأليس كذلك؟"
ابتسمت الأم بحكمة السنين.
"الحب مهم... لكنه ليس كل شيء."
صمتت قليلاً.
ثم أضافت:
"الاحترام أهم."
بقيت الكلمات عالقة في ذهن سلمى حتى بعد مغادرة والدتها.
كانت تعرف أن والدتها لا تتحدث عبثاً.
لكنها لم تفهم تماماً سبب ذلك الحديث المفاجئ.
بعد الظهر خرجت إلى شركة التصميم الذي تعمل فيها.
كان العمل من أكثر الأشياء التي تمنحها السعادة.
هناك تشعر بأنها تصنع شيئاً حقيقياً.
شيئاً يحمل جزءاً منها.
استقبلتها زميلتها المقربة ميرا بابتسامة واسعة.
"أخيراً وصلتِ."
ضحكت سلمى.
"تأخرت خمس دقائق فقط."
أشارت ميرا إلى خاتم الخطوبة في يدها.
"العروس أصبحت لا تهتم بالمواعيد."
هزت سلمى رأسها ضاحكة.
لكن ميرا لاحظت شيئاً في عينيها.
شيئاً مختلفاً.
فسألتها مباشرة:
"هل أنتِ بخير؟"
ترددت سلمى قليلاً.
ثم قالت:
"هل سبق أن شعرتِ أن شخصاً ما يبتعد عنك دون أن يقول شيئاً؟"
اختفت ابتسامة ميرا.
"تقصدين طارق؟"
لم تجب.وكان صمتها كافياً.
تنهدت ميرا.
"هل حدث شيء؟"
هزت رأسها.
"لا أعرف."
ثم أضافت بصوت خافت:
"وهذا هو ما يخيفني."
بدأ الثلاثة يتجولون بين أجزاء الموقع.كان باسم يسأل عن أدق التفاصيل بينما كانت سلمى تدون الملاحظات في جهازها اللوحي.توقف باسم عند إحدى الزوايا وقال:"أريد إعادة قياس هذه المسافة."استغرب المهندس وقال:"لكن القياسات مطابقة للمخططات."ابتسم باسم وقال:"أعرف لكنني أفضل التأكد."ضحكت سلمى وقالت:"وهذه إحدى العادات التي لن تتغير."نظر إليها مبتسمًا وقال:"وهل تشتكين منها؟"هزت رأسها وقالت:"بالعكس بسببها ننام مرتاحين."ابتسم المهندس وهو ينظر إليهما.وقال مازحًا:"واضح أنكما تكملان بعضكما في العمل."نظر باسم وسلمى إلى بعضهما للحظة.ثم ابتسم كل منهما في هدوء.لكن الجملة بقيت تتردد في ذهن كل واحد منهما.بعد دقائق...انحنت سلمى لتراجع أحد المخططات الموضوعة فوق طاولة ميدانية.هبت نسمة هواء قوية فتطايرت عدة أوراق.أسرع باسم يلتقطها قبل أن تبتعد.ساعده المهندس في جمع بعضها.ابتسمت سلمى وقالت:"أظن أن الريح قررت اختبار سرعة رد فعلك."ضحك باسم وأعاد ترتيب الأوراق ثم قال:"يبدو أنها نجحت."أخذت الأوراق منه وقالت:"شكرًا."أجابها بعفوية:"دائمًا."في تلك اللحظة...توقفت سيارة عند مدخل الموقع ترجل من
في مكتب سلمى...كانت تراجع الدعوة الخاصة بالمحاضرة.دخلت جودي تحمل كوبين من القهوة.وضعت أحدهما أمامها وقالت:"هل ستوافقين؟"رفعت سلمى نظرها وقالت:"ما زلت أفكر."جلست جودي أمامها وأضافت:"برأيي لا يوجد سبب للرفض."ابتسمت سلمى.وقالت:"لست خائفة من المحاضرة بل من أن أصبح بعيدة عن الفريق."ضحكت جودي وقالت:"وهل تعتقدين أن الفريق سيتركك وحدك؟"ابتسمت سلمى ثم قالت بهدوء:"أحيانًا النجاح يجعل المسؤولية أكبر."في الجهة الأخرى من المدينة...دخل يوسف ونادر إلى مبنى قديم يحمل اسم الشركة التي توصلا إليها.استقبلهما رجل تجاوز الستين من عمره.قال يوسف وهو يبرز بطاقته:"نبحث عن بعض المعلومات المتعلقة بمعاملة قديمة."نظر الرجل إلى الاسم المكتوب في الملف.وتغيرت ملامحه للحظة.لاحظ نادر ذلك فسأله:"هل تعرف هذا الاسم؟"تردد الرجل ثم قال بصوت منخفض:"مرّ وقت طويل لكنني أذكره."تبادل يوسف ونادر نظرة سريعة.وأدركا أنهما وصلا إلى أول شخص يعرف شيئًا عن سامر.في شركة طارق...دخل وسيم يحمل ملفًا جديدًا قال:"الشركة الجديدة وافقت على الاجتماع."أخذ طارق الملف لكنه لم يفتحه.لاحظ وسيم ذلك.فسأله:"ما زلت تفكر
في منتصف الصباح...وصل آدم كان يحمل حقيبة سفر صغيرة.استغربت ميرا.وقالت:"هل عدت من رحلة؟"ابتسم وقال:"كنت في اجتماع مع إدارة الشركة الأم."ثم رفع حقيبته وأضاف:"وأحضرت شيئًا للفريق."فتح الحقيبة وأخرج منها علبًا صغيرة مغلفة بعناية.قال:"هدايا بسيطة بمناسبة نجاح المؤتمر."بدأ يوزعها على الجميع.وصل إلى جودي ثم ميرا.وأخيرًاوقف أمام سلمى.ناولها علبة أصغر من بقية العلب.وقالت باستغراب:"تبدو مختلفة."ابتسم وقال:"لأنها كذلك."فتحتها.فوجدت قلمًا فاخرًا للنقش والرسم الهندسي.قال آدم:"تذكرت أنك ما زلت ترسمين أفكارك الأولى بالقلم قبل أن تنقليها إلى الحاسوب."ابتسمت سلمى بدهشة وقالت:"كيف انتبهت إلى ذلك؟"أجاب بهدوء:"ألاحظ التفاصيل."شكرتْه بصدق وأضافت:"الهدية جميلة جدًا."في تلك اللحظة كان باسم قد أنهى حديثه مع أحد المهندسين.والتفت دون قصد فرأى آدم يقدم الهدية إلى سلمى.ورأى ابتسامتها توقف مكانه للحظة ثم أكمل طريقه وكأن شيئًا لم يحدث.لكن شيئًا صغيرًا استقر في داخله.بعد قليل...دخلت السكرتيرة إلى مكتب سلمى.وقالت:"الأستاذ طارق وصل."ابتسمت سلمى.وقالت:"دعيه يدخل."دخل طارق يحمل
وفي مكتب فيروز...وضعت ملف شركة سلمى جانبًا.ثم فتحت ملفًا آخر.كان يحمل اسم إحدى الشركات المتعاقدة معهم.سألها مساعدها:"هل سنواجههم مباشرة؟"ابتسمت وقالت:"لا الهجوم المباشر يجعل الضحية تنتبه."ثم أغلقت الملف وأضافت:"أما إذا سقط أحد شركائهم أولًا فسيتساءلون أين الخطأ بدل أن يسألوا من الفاعل."نظر إليها المساعد بإعجاب وقال:"إذن البداية ستكون من الخارج."أومأت بهدوء وقالت:"تمامًا."في موقع الترميم...كان عمر يراجع المخططات.وصلته رسالة من جودي.انتهى دوامي... هل ما زلت تعمل؟ابتسم ثم كتب:كعادتي.وصله الرد بعد ثوانٍ:إذن سأحضر القهوة... وأنت أحضر وقتًا للراحة.ضحك عمر وحده.ولم ينتبه أن أحد المهندسين كان يراقبه.اقترب منه زميله وقال مازحًا:"منذ عرفناك لم نرك تبتسم للهاتف."أغلق عمر الشاشة بسرعة وقال مبتسمًا:"يبدو أنني بدأت أتغير."في منزل ليلى...كانت تجلس في الحديقة مع نوال بعد صلاة المغرب.وضعت ليلى إبريق الشاي على الطاولة.وقالت:"أشعر أن البيت أصبح هادئًا بعد سفر رامي."ابتسمت نوال وقالت:"سيعود قبل أن تشعري."هزت ليلى رأسها ثم بقيت صامتة.لاحظت نوال ذلك فسألتها:"أهناك ما يش
بعد الظهر...دخل طارق إلى الشركة.لكن هذه المرة لم يكن يحمل ملفات المشروع.بل جاء لتوقيع العقد النهائي الخاص بالمرحلة الثانية.استقبلته سلمى في مكتبها وبعد دقائق انضم إليهما باسم.بدأ الثلاثة مراجعة البنود.قال طارق:"إذا وقعنا اليوم سنبدأ التنفيذ الأسبوع المقبل."أومأ باسم وقال:"الفريق جاهز."ثم أشار إلى أحد البنود وأضاف:"لكن أقترح تعديل هذا الجدول."نظرت سلمى إلى الورقة.ثم قالت مباشرة:"تقصد نقل المرحلة الثالثة أسبوعًا إلى الأمام؟"ابتسم باسم وقال:"بالضبط."رفع طارق رأسه وتوقف للحظة.لم تكن هذه أول مرة تكمل فيها سلمى فكرة باسم.لكنها أصبحت تحدث بصورة متكررة.انتهى الاجتماع.خرج الثلاثة من المكتب.وفي الممر مرت إحدى الموظفات الجدد وهي تحمل عدة ملفات.كادت تسقط من بين يديها.وقبل أن ينحني أحد كانت سلمى قد التقطت بعضها.وفي اللحظة نفسها انحنى باسم ليلتقط البقية.ابتسمت الموظفة بخجل وقالت:"شكرًا."ابتسمت سلمى وقالت:"لا بأس."أما باسم فأعاد ترتيب الملفات في يديها وقال:"في المرة القادمة احمليها على دفعتين."ابتسمت الموظفة ثم غادرت.التفتت سلمى نحو باسم.وقالت ضاحكة:"واضح أنك لا تس
في مكتب فيروز...دخل مساعدها وقال:"وردتنا نتائج المؤتمر."تناولت التقرير.وقلبت صفحاته بهدوء.ثم توقفت عند صفحة خاصة بالعقود الجديدة.ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:"كما توقعت."سألها المساعد:"ما الذي لفت انتباهك؟"أغلقت التقرير وقالت:"النجاح يجعل صاحبه يثق بمن حوله أكثر."ثم رفعت نظرها إليه وأضافت:"وهنا تبدأ الأخطاء."لم يفهم تمامًا ما تقصده.لكنها كانت قد بدأت ترسم في ذهنها أول خطوة فعلية في خطتها.في موقع الترميم...كان عمر ينهي جولته اليومية.وصلت جودي تحمل حقيبة صغيرة.قالت مبتسمة:"قلت إنك تنسى الغداء عندما تعمل لذلك أحضرته أنا."نظر إليها عمر بدهشة ثم ضحك وقال:"يبدو أن الجميع بدأ يعاملني بالطريقة نفسها."سألته وهي تبتسم:"أي طريقة؟"أجاب:"طريقة من يخاف أن أنسى نفسي."جلسا على مقعد حجري قديم وتناولا الغداء.كانت الأحاديث هذه المرة بعيدة عن المشاريع.تحدثا عن الطفولة وعن المدن التي يحلمان بزيارتها وعن الكتب التي يحب كل منهما قراءتها.وبدأت العلاقة بينهما تخرج بهدوء من دائرة الإعجاب إلى دائرة الثقة.في منزل ليلى...كانت ترتب بعض الملابس التي تركها رامي.دخلت إلى غرفته نظرت إلى







