Share

ما بعد الجملة

Author: Alaa issa
last update publish date: 2026-06-30 05:26:59

لم يتحرك أحد في الغرفة للحظات طويلة بعد أن سقطت تلك الجملة في الهواء كحجر ثقيل في بركة هادئة. ضوء الفجر الكامل، الذي كان يُفترض أن يحمل معه أخيراً سكينة بعد ليلة طويلة من الدماء والكشوفات، بدا الآن أشبه بضوء قاسٍ يكشف وجهاً جديداً للظلام لم نكن مستعدين له.

كرم كان أول من تحرك، خطوة واحدة نحو المرأة الواقفة عند العتبة، صوته يحمل حدة لم أسمعها فيه منذ ساعات. "من أنتِ؟ وما الذي يجعلكِ تظنين أن لكِ الحق في أن تُلقي جملة كهذه ثم تختفي؟"

ابتسمت المرأة ابتسامتها الهادئة نفسها، غير منزعجة من حدّته. "
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • خلف قناع الصمت    القصة كلها دائرة

    جاءت نور في صباح اليوم التالي وجلسنا معاً، كرم وأنا ونور، في غرفة الاجتماعات الصغيرة التي صارت تحمل في هوائها كل شيء تحدّثنا فيه خلال هذه الأشهر. قالت نور: "قبل أن نتحدث عن أي تفصيل لوجستي للقاء، أريد أن أُعطيكما كل ما جمعتُه عن الرجل الذي لا يُرى. لأن من تلتقيه لأول مرة وقد اطّلعتَ على سيرته يختلف عن من تلتقيه وأنت لا تعرف عنه شيئاً." "تفضّلي." "رجل في منتصف الستينيات، من عائلة متوسطة الحال في القاهرة، درس القانون في الجامعة وكان من المتميزين في دفعته. في سنواته الأولى بعد التخرج عمل في منظمات حقوق الإنسان في مصر ثم في المنطقة، وكان يُعرف في تلك الأوساط برجل يؤمن بما يفعل أكثر مما تتطلبه الوظيفة. ثم في منتصف التسعينيات، بعد حدث لم أستطع تحديد طبيعته بدقة، توقف عن العمل الحقوقي وانتقل إلى ما هو عليه الآن." "وما الذي حدث في التسعينيات؟" سأل كرم. "هذا ما لا أعرفه بالكامل. لكنني أعرف أنه في تلك الفترة خسر شيئاً جعله يُعيد النظر في كل ما كان يُؤمن به. والناس الذين يُعيدون النظر بهذه الجذرية لا يفعلون ذلك لأن قناعاتهم الفكرية تغيّرت. يفعلون ذلك لأن الواقع خذل تلك القناعات بطريقة شخصية

  • خلف قناع الصمت   لماذا الآن

    في اليوم الخامس والثلاثين من فترة التوقف، حين كنّا بدأنا نشعر أن الصمت وصل إلى منتهاه الطبيعي الذي لا يحتاج إعلاناً بل يُحسّ بنفسه، وصلت رسالة من طارق المصري عبر قناتنا المعتادة. لكن هذه المرة لم تكن مكتوبة بخط اليد ولا بالطباعة المعتادة. كانت صوتيةً. هذا لم يحدث من قبل. فتحتُها وأنا جالسة في مكتبي الصغير في ذلك الصباح الهادئ. صوت طارق المصري جاء بنبرة مختلفة عن كل ما سمعتُه منه في اللقاءات الأربع: لم يكن نبرة المفاوض ولا نبرة الرسول ولا حتى نبرة الإنسان الذي يُفكّر بصوت مرتفع كما رأيناه في اللقاء الرابع. كانت نبرة من يقول شيئاً قرّر قوله وانتهى. قال: "شام وكرم، أكتب إليكما هذه المرة بصوتي لأن بعض الكلام يفقد شيئاً حين يتحوّل إلى نص مكتوب. قضيتُ فترة التوقف في تفكير لم أكن أتوقع أن أُجريه. وتوصّلتُ إلى شيء أُريدكما أن تعلماه قبل أن نلتقي في اللقاء الخامس. الرجل الذي يقف وراءنا يريد أن يلتقيكما مباشرةً. ليس عبري. مباشرةً. لم يطلب ذلك من قبل في أي ملف خلال سنوات طويلة. وقد طلبه في ملفكما." توقف في التسجيل لثانيتَين. ثم أكمل: "أنا لا أضغط عليكما لقبول هذا. وإن رفضتما فلن يُغيّر ذلك شي

  • خلف قناع الصمت   البركة من مكان حقيقي

    طلب كرم من أمي أن تمنحه نصف ساعة، وفعل ذلك دون أن يُخبرني مسبقاً، وكان هذا الاختيار وحده يحمل من الدلالة ما يكفي لأفهم أنه لم يكن قراراً مرتجلاً بل مدروساً بطريقته الهادئة التي لا تُعلن عن نفسها. علمتُ حين جاءتني أمي في مساء يوم الأربعاء. طرقت باب جناحي بطريقتها التي تعرفها من عرف طريقة طرقها، ثلاث طرقات متباعدة بفاصل ثانية بين كل اثنتَين. دخلت وجلست في المقعد المقابل لي دون أن تنظر حولها كمن يُعاين المكان، بل كمن يعرف ما جاء لأجله ويريد الوصول إليه بأقل ما يمكن من المقدمات. وضعت يدَيها على ركبتَيها بهدوء خاص بها، هدوء لا يعني غياب الانفعال بل إتقان إخفائه حتى اللحظة التي يختار الظهور. ثم قالت بنبرة عادية تماماً: "كرم جلس معي اليوم." نظرتُ إليها. "متى؟" "قبل الظهر بساعة. طلب نصف ساعة وجلس نصف ساعة بالضبط ثم قام وخرج." "وماذا قال؟" أمسكت يدَيها ببعضهما في حضنها بحركة تُشبه حركتها حين تجمع أفكارها قبل أن تُعطيها للكلام. "قال إنه يُريد أن تعلمي أنه يُريد شيئاً أكثر مما تعطيه الكلمات المعتادة في مثل هذه المواقف. قال إنه يُريد أن أُباركَه وأنتِ معه. ليس من باب المجاملة ولا من باب الإ

  • خلف قناع الصمت   جميل بدون سبب

    في صباح الجمعة قرّرتُ أن يكون اليوم مختلفاً عن كل ما قبله من أيام هذه الأشهر الطويلة. لا ملفات، لا اجتماعات، لا تحليلات. يوم بسيط بالمعنى الحقيقي للكلمة. أيقظتُ كرم بمكالمة في الساعة الثامنة. قلتُ له: "سنخرج اليوم. ليس لأي شيء له علاقة بالشركة أو الوقف أو القاهرة." "وإلى أين؟" "لا أعرف بعد. نمشي ونرى." خرجنا في الضحى، بملابس عادية وبلا مرافقة أمنية. مشينا في أحياء دبي القديمة، في الجانب الذي لا تصله كثيراً أضواء الأبراج الزجاجية، حيث تجد دكاكين صغيرة وزقاقات ضيقة ورائحة البهارات في الهواء تُذكّرك بأن هذه المدينة كانت قبل أبراجها شيئاً آخر تماماً. توقفنا عند عربة قهوة صغيرة يديرها رجل في الخمسينيات بوجه محفور بالزمن. طلبنا قهوتَين، جلسنا على كرسيَّين خشبيَّين بجانب الجدار، ووضعنا الفنجانَين على الرصيف أمامنا لأنه لا طاولة. كرم نظر حوله. "لم أجلس هكذا منذ سنوات. في بيت أبي لم يكن هذا ممكناً. كل شيء كان يجب أن يُناسب الصورة." "وأي صورة؟" "صورة من كانوا يظنون أنهم. أسرة تملك كثيراً وكلّ تصرف يجب أن يُعلن هذا." نظر إلى فنجان القهوة البسيط في يده. "حين أجلس هكذا، بلا طاولة وبلا ترتي

  • خلف قناع الصمت   الرجل الذي لا يُرى

    في صباح الاثنين بعد أسبوع من رسالة طارق المصري، جاءت نور إلى مكتبي بدون موعد مسبق. حين رأيتُها عند الباب أدركتُ أن ما جاءت لتقوله لم يكن يحتمل تنسيقاً. جلست. وضعت حقيبتها جانباً ولم تُخرج منها دفترها. هذا أيضاً لم يحدث من قبل. قالت: "وجدتُ شيئاً." "أخبريني." "الرجل الذي يقف وراء مجموعة القاهرة، الذي أسمّيه الرجل الذي لا يُرى في ملفاتي، تمكّنتُ من التعرف على ملامح أكثر تحديداً عنه. وما وجدتُه لم يكن ما توقعتُه." "ماذا توقعتِ؟" "توقعتُ رجل سلطة كلاسيكياً يبني قوته من التحكم في المعلومات والمصالح ولا يرى في الحوار الصادق قيمةً بل يراه ضعفاً. لكن ما وجدتُه شيء أكثر تعقيداً." أخرجت نور ورقةً واحدة مطبوعة ووضعتها على الطاولة. "الرجل الذي لا يُرى كان في شبابه، قبل أن يبني ما بناه، يعمل في قطاع تختلف طبيعته تماماً عمّا هو عليه الآن. كان يعمل في التوثيق القانوني في قضايا حقوقية." توقفت. "ثم حدث شيء ما في منتصف مساره جعله ينتقل إلى ما هو عليه الآن. والانتقالات من هذا النوع لا تحدث عادةً من فراغ. تحدث بسبب خسارة كبيرة أو خيبة أمل عميقة أو ضغط خارجي لم يستطع مقاومته." صمتتُ أُفكّر في ما ت

  • خلف قناع الصمت   قبل أن يُفكّر طويلاً

    في نهاية الأسبوع الثالث من التوقف وصلت رسالة عبر قناة التواصل المتفق عليها مع طارق المصري. كانت الرسالة قصيرة، مكتوبة بالطباعة هذه المرة لا بخط اليد، وفيها شيء لم أتوقعه في أي رسالة منه من قبل: سؤال شخصي. كتب طارق المصري: "سمعتُ بطريق غير مباشر أن ثمة احتفالاً قادماً. لا أعلم إن كان من اللياقة سؤالكما عن هذا لكنني وجدتُ نفسي أكتب الرسالة قبل أن أُفكّر طويلاً. أتمنى لكما ما يستحقانه." جلستُ أمام الرسالة دقيقةً كاملة. شخص في موقع طارق المصري أرسل رسالةً يعترف فيها بأنه كتبها قبل أن يُفكّر طويلاً. وكانت هذه الجملة بالذات هي الأكثر إنسانيةً في كل ما تبادلناه معه. لأن الفعل الذي يسبق التفكير المطوّل هو الفعل الذي يأتي من المكان الحقيقي. اتصلتُ بكرم وأقرأتُه الرسالة. قال: "أريد أن أردّ." "ردّ." "كيف؟" "بنفس الطريقة التي كتب بها. قبل أن تُفكّر طويلاً." فكّر كرم لحظة. ثم كتب رسالته وأرسلها: "بلغنا ما قلتَ. وقد كانت لقاءاتنا الأربعة أكثر من مجرد حوار. نتمنى أن تكون محطتنا القادمة أبسط وأهدأ مما قبلها." قرأتُ ردّه وشعرتُ بشيء يُشبه الرضا: أن كرم ردّ كما هو، لا بدبلوماسية حرص فيها على كل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status